(1 - 3)
محمّد جلال أحمد هاشم
جوبا ــــ 3 مارس 2021م


مريم الصّادق: الرّائدُ الذي لا يكذبُ أهلَه فحسب، بل ويخونهم


تعالت صيحات الاستنكار لحالة الانبراش التي عكستها مريم الصادق المهدي، وزيرة خارجية حكومة المحاصصات الحزبية، في مؤتمرها الصّحفي بالقاهرة يوم 2 مارس 2021م (http://gate.ahram.org.eg/News/2627128.aspx
). وقد تركّز الاستنكار في تصريحها بأنّ أراضي السّودان الشّاسعة مقابل نقص عدد سكّانه متاحة لدول الجوار التي تعاني من قلّة الأراضي الزّراعية مقابل مشاكل الانفجار السّكّاني. وبالطّبع، هذا قول كفيل لوححده أن يدفع الوزرية للاستقالة لو كانت فيها ذرّة من الوطنيّة والغيرة على مكتسبات الشّعب الذي تنتمي له. جانباً عن أنّها قات ذلك في سياق مشاكل حدوديّة مع إثيوبيا جرّاء احتلال قوّات إثيوبيّة للأراضي السّودانيّة، هذا بينما هي في بلد (مصر) بدوره يحتلّ أراضي سودانيّة تبلغ مساحتُها أضعاف الأراضي التي احتلّتها إثيوبيا، بجانب أنّ ما تحلُّه مصر يُنقص من مساحة مياهنا الإقليميّة في البحر الأحمر ــــ جانباً عن كلّ هذا، ينبغي الانتباه جيّداً غلى أنّ ما قالته، من حيث كونه خيانة وطنيّة، ليس بدعاً في السّياسة السّودانيّة وسلوك قطاع عريض من مثقّفيه. فالسّودان ربّما كان البلد الوحيد الذي تشكّلت فيه حركة سياسيّة كلّ برنامجها يتلخّص في الاندماج في بلد أخرى (االحركات الاتّحاديّة). كما قطعاً هو البلد الوحيد الذي ظلّت حكوماتُه تعمل بكلّ ما تملك لبيع سيادته لمن يدفع ولمن يحميها.
أدناه، مستلّة مُتَصرَّف فيها قليلاً لفصل كامل (الفصل السّادس) من كتاب لي تحت عنوان: رسالة كجبار: من أجل السّودان لا من أجل قرية (قضايا السّدود في السّودان)، صدر لي عام 2014م من دار شفق للطّباعة والنّشر في أوكسفورد، إنكلترا. في هذا الفصل، سوف نستعرض نماذج من الانبراش السّياسي والحزبي والمثقّفاتي (بمعنى أنّ المثقّفاتي مجرّد مدّعي لا علاقة له بالثّقافة ولا بالمثّقفين).


بيان وزارة الزّراعة: بيع 6.1 مليون فدّان لمصر
في يوم 31 مارس 2004 جاء في جريدة الصّحافة السّودانيّة (عدد 3892) وفي الصّفحة الأولى وذلك نقلاً عن القاهرة ـ وكالات الأنباء ـ ما يلي: "كشف مسئول كبير في وزارة الزّراعة السّودانيّة عن اتّجاه لطرح نحو 6.1 مليون فدّان في مدينة وادي حلفا على مسافة قريبة من الحدود المصريّة، أمام الشّركات المصريّة وفق عقود انتفاع طويلة الأجل". نُسبت تلك التّصريحات للدّكتور صادق عمارة (وزير الدّولة للزّراعة حينها)، والذي، حسبما جاء في الصّحيفة، واصل قائلاً: "... إنّ السّودان الذي يمثّل عمقاً إستراتيجيّاً لمصر يتيح أراضيه للزّرّاع المصريين، وأنّه توجد مساحات هائلة تتطلّب الجهد والعمل ومنها مساحة خصبة تصل إلى نحو 6.1 مليون فدّان في منطقة أرقين على مسافة قريبة من الحدود المصريّة في شمال السّودان. وقال الوزير لصحيفة الأهرام المصريّة إنّه تجري الآن عمليّة مسحها بالكامل وتقسيمها إلى مساحات متدرّجة تبدأ بألفي فدّان وتصل إلى خمسين ألف فدّان، لطرحها أمام الشّركات المصريّة التي تمتلك الجدّيّة والخبرة، وسيكون ذلك بعقود انتفاع طويلة الأجل."
***
انظروا لهذا الانبراش والانبطاح: "... السّودان الذي يمثّل عمقاً إستراتيجيّاً لمصر ..."! تُرى، والوضع كهذا، ماذا تمثّل مصر بالنّسبة للسّودان بخلاف استتباعها له؟ ولنلاحظ هنا أنّه لم يأتِ ذكر لأيّ مشاركات استثماريّة سودانيّة في هذا التّصريح، دع عنك أن يُذكر النّوبيّون أصحاب الأرض الذين تمّ اقتلاعهم بالقوّة المادّيّة القسريّة من أرضهم التّاريخيّة. فهم أولى النّاس بأيّ خير تتمخّض عنه هذه الأرض الطّيّبة.
***


شُكّو، لُكّو: نفي واستنكار! لا وألف لا!
انقضى عام 2004م والعديد من المسئولين الحكوميّين قد نفَوا وشدّدوا النّكير في أنّ الذين يردّدون مقولات بيع الحوض النّوبي للمصريّين ما هم إلاّ أعداء للثّورة والوطن، إذ إنّ ما يردّدونه لا يعدو أن يكون بضاعة معارضة كاسدة لن تجد من يشتريها من الشّعب، نوبيّين أو غير نوبيّين. وقد بدأ مسلسل التّراجع عمّا ورد بجريدة الصّحافة المشار إليها أعلاه، إلى أنّ الرّقم الصّحيح هو 1.6 مليون فدّان وليس 6.1 فدّان التي وردت كخطأ فنّي. ليس ذلك فحسب، بل ذهب الدّكتور صادق عمارة (وزير الدّولة بوزارة الزّراعة) إلى التّنبيه لدى ملاقاته للعديد من النّوبيّين، صدفةً أو تدبيراً، إلى أنّه كنوبي (كذا!) لا يمكن أن يقوم بعملٍ كهذا. وقد تصدّت للدّفاع عن نزاهة الرّجل إزاء ما يُقال من أنّه فعل ذلك إحدى سكرتيرات مكتبه من النّوبيّات، فشرعت في تدبيج البيانات في المواقع النّوبيّة ثمّ في إحدى غرف الـ Pall Talk النّوبيّة، مبديةً استعداد السّيّد الوزير للمشاركة في الغرفة للرّدّ على استفسارات المواطنين الذين أقلقهم ما ورد في مذكّرة مجموعة العمل النّوبي. وبالفعل، نجحت تلك الحملة المضادة في شقّ صفوف النّوبيّين، فإذا هم بين مصدّق ومكذّب لما ورد. فالأمر في نهاية المطاف تحوّل إلى "كلام جرايد"، وليس أكذب في عرف الشّارع السّوداني من ذلك.
***


في الصّحف المصريّة الخبرُ اليقين!
كتب علي القماش ("علماء مصر يؤكدون: مشروع الظّهير الصّحراوي فاشل ولا خرائط له رغم تخصيص ملايين الجنيهات لتنفيذه" صحيفة الشّعب بتاريخ 14/11/2006) المقال متاح في الموقع الخاص بالصّحيفة (http://www.alshaab.com/news.php?i=2102
.
"... كشف العلماء والمتخصّصين [كذا] عن سلبيّات فادحة للمشروع وما يسبّبه فى إهدار الآف الأفدنة المزروعة فى كافّة أنحاء مصر.. وأنّ الحكومة لا تملك خرائط للمشروع .. ووصفوه بأنه مشروع فاشل ..."، ذلك في ندوة تنمية الصحراء والبيئة التى تناولت مشروع الظّهير الصّحراوى التي تحدّث فيها [المهندس] إبراهيم سبسوبة، وكيل أوّل وزارة الرّيّ الأسبق، متناولاً بالحقائق السلبيّات الفادحة للمشروع، فقال: "لقد علمت أنّ هذا المشروع باهظ التّكاليف والأخطر أنّه سيقضى على الزّرع والضّرع فى الأرض الحاليّة والمزروعة منذ سنوات طويلة إذ أنّ من البديهيّات أنّ الأرض الأعلى منسوبًا ترشح مياهها إلى الأرض الأقل منسوبًا فتزيد من ملوحتها إلى أن تتلفها وتجعلها غير صالحة للزّراعة وبالتّالى أنّ ملايين المزارعين الذين يعيشون عليها منذ الجدود سيتعرّضون للفقر والتّشرّد ... فالأرض الصّحراويّة المزمع زراعتها والمسمّاة بالظّهير الصّحراوى هى الأراضى الصّحراويّة المحيطة بالوادى وهى أعلى منسوبًا من الأراضى المزروعة ...".
***
على هذا يقدّم المهندس سبسوبة مقترحاته لحلّ هذه المشكلة جذريّاً، وذلك "... من خلال إقامة سد جديد يسمح بمرور الطّمي، وهو ما ينقذ مشروع السّد العالى نفسه، والذى يتراكم الطّمى بجواره ويعلو سنويّاً وخماسيّاً فى وقت يؤثّر فيه على السّد ذاته وعلى مخزون المياه، بينما تكلفة رفع الطمى مرتفعة للغاية مما تجعل العمل غير اقتصادى. هذا المشروع الذى يقترحه [المهندس] سبسوبة، وذهب إلى موقعه أكثر من مرّة على الطبيعة، ويعرفه كبار الخبراء والمتخصّصين [كذا] فى الرّى، يعتمد بداية على التّعاون مع السّودان بإقامة السّد المطلوب قرب مدينة دلفو [يقصد: دلقو] بالقرب من الجندل أو الشّلال الثّالث ويتفرّع من أمامه فرع للنّيل (قناة) تحمل الطّمي مع المياه حتّى تصل إلى أسوان وتمرّ بين السّد العالى وخزّان أسوان القديم ...".
***
ويواصل المهندس سبسوبة، وكيل أوّل وزارة الرّي الأسبق بمصر قائلاً: "ويمتد جزء منها إلى توشكى. هذا المشروع يعتبر سفينة نوح لإنقاذ مصر فهو لن يخلّ بالمعاهدات الخاصّة بحصّة مصر من مياه النيل وسيزيد التّعاون مع السّودان وسيعالج خصوبة التّربة وإيقاف زحف تآكل سواحل مصر الشّماليّة وإعادة التّوازن لقطاع نهر النّيل والتّرع الرّئيسيّة والحياة الطّبيعيّة .. كما أن مدّ فرع إلى توشكى سوف ينقذ المشروع ويجعله اقتصاديّاً حيث ستأتى إلى المنطقة مياه محمّلة بالطّمي والغرين دون حاجة إلى محطّات الرّفع العملاقة الموجودة هناك والتى تستهلك طاقة مكلّفة".
***


اتّفاقيّة الحريّات الأربع
في الخامس من أبريل عام 2004م، أي قبل يوم واحد من الذّكرى التّاسعة عشرة لثورة أبريل 1985م، ورد العنوان التّالي بالصّفحة الأولى: "السّودان ومصر يوقّعان اتّفاقيّة الحريّات الأربع" (جريدة الصّحافة، عدد 3897، بتاريخ الإثنين 15 صفر 1425هـ الموافق 5 أبريل 2004م). كما ورد نفس الخبر وفي الصّفحة الأولى بجريدة الأيّام، ولكن مع فارق ربّما كان خطأً مطبعيّاً من الأيّام أو الصّحافة (لا يهمّ) أو جزءاً من ثقافة "الكلفتة" التي ضربت بأطنابها في بلادنا منذ أمدٍ ليتمّ تكريسها بما لم يسبق في زمن الإنقاذ الكالح؛ (عدد 7859، بتاريخ الإثنين 14 صفر 1425هـ الموافق 5 أبريل 2004م) فقد ورد التّاريخ العربي مختلفاً بينهما.
***
ضمّ الوفد السّوداني، بالإضافة إلى رئيس الجمهوريّة، كلاًّ من السّادة الوزراء الآتية أسماؤهم: مصطفى عثمان إسماعيل (وزير الخارجيّة ــــ عن المؤتمر الوطني الحاكم)، الزّهاوي إبراهيم مالك (وزير الإعلام ــــ عن حزب الأمّة جناح مبارك الفاضل)، مجذوب الخليفة (وزير الزّراعة ــــ عن المؤتمر الوطني الحاكم)، جلال الدّين الدّقير (الصّناعة ــــ عن الحزب الاتّحادي الدّيموقراطي جناح زين العابدين الهندي). أمّا الوفد المصري، فقد ضمّ، بالإضافة إلى رئيس الجمهوريّة، كلاًّ من السّادة الوزراء الآتية أسماؤهم: عاطف عبيد (رئيس الوزراء)، يوسف والي (الزّراعة)، حسين طنطاوي (الدّفاع والإنتاج الحربي)، صفوت الشّريف (الإعلام)، وأحمد ماهر (الخارجيّة).
***
بخصوص الاتّفاقيّة ورد في الصّحافة: "ووقّع إسماعيل وماهر في حضور البشير ومبارك على اتّفاقيّة الحريّات الأربع (التّنقّل، والعمل، والإقامة والتّملّك)". وفي ذلك "ذكر [وزير الإعلام المصري] أنّ الحرّيّات الأربع بشأن التّنقّل والعمل والإقامة والتّملّك سواء بالنّسبة للأراضي أو العقارات أو المنقولات أو الشركات والشّراكة ...". أمّا مصطفى عثمان إسماعيل (وزير الخارجيّة السّوداني) فقد صرّح للصّحفيّين بمطار الخرطوم وذلك عقب عودة الرّئيس عمر البشير من القاهرة واصفاً التّوقيع على الاتّفاقيّة بقوله: "... التّوقيع على اتّفاقيّة الحرّيّات الأربع ... إنجاز تاريخي ..." (لمزيد من التّفاصيل حول هذه الاتّفاقيّة، يرجى مراجعة: محمّد جلال هاشم، "العلاقات السّودانيّة المصريّة في ظلّ اتّفاقيّة الحرّيّات الأربع"، مقالة نُشرت في حلقات في صحيفة أحراس الحرّيّة، ما بين مارس ومايو 2009م وقد منعته الرّقابة الأمنيّة). المقالة متاحة للقراءة عالميّاً على شبكة الإنترنت في مدوّنتنا: https://mjalalhashim.blogspot.com/
***
ولكن بعد عدّة سنوات من التّوقيع هذه الاتّفاقيّة اتّضحت أمور تقشعرّ لها الأبدان فيما يمكن أن يصل إليه حكّام السّودان من الانبراش والانهزام. فقد ثبت الآن أنّ مصر لم توقّع على اتّفاقيّة الحرّيّات الأربع؛ فهي قد أعلنت لحكومة السّودان ومنذ البداية أنّها غير راغبة في هذه الاتّفاقيّة. ولكن جاء ردّ حكومة السّودان كأغرب ما يمكن أن تكون الرّدود غير المسئولة وغير الوطنيّة. فقد قالوا للمصريّين إنّ المسألة برمّتها عبارة عن هديّة (صغيرة ومجّانيّة) من السّودان للشّقيقة مصر، لكن لا بدّ من إخراجها على أنّها اتّفاقيّة تبادليّة بين على قدم المساواة بين طرفين. وهكذا قام الطّرف السّوداني بالتّوقيع لوحده على صكّ التّنازلات الخطيرة والمجّانيّة أملاً في أن تنسى مصر مبارك محاولة نظام الإنقاذ اغتيال حسني مبارك عام 1995م بأديس أبابا عاصمة إثيوبيا.
***


الانبراش يأتينا من كلّ الاتّجاهات!
في ندوة نظّمها مركز الأهرام بالتّنسيق مع المركز السّوداني للخدمات الصّحفيّة، وهي النّدوة التي أدارها، ثمّ نشر مضابطها في جريدة الرّأي العام (الأحد 18 أبريل 2004م الموافق 28 صفر 1425هـ) الصّحفي المصري محمود مراد، قام شخص اسمه السّيّد فوزي عبد الرّحيم محمود (شارك بصفته الأمين العام لحزب وحدة وادي النّيل؛ وشخص بهذه الصّفة لا يمكن أن يُتّهم في نواياه تجاه مصر)، بالاحتجاج إزاء صعوبة حصول السّودانيّين للفيزا من السّفارة المصريّة بالخرطوم فقال: "إنّني أتحدّث بعفويّة المواطن العادي الذي حمل جواز سفر عادي وأغضب عندما أرى الإسرائيلي يدخل مصر بدون تأشيرة بينما لا بدّ لي من أن الحصول عليها .. [التّنقيط جاء في الأصل ...].
***
هنا جاء ردّ منظّم النّدوة الأستاذ محمود مراد مراوغاً وغير صريح، إذ قال مع نفيه بشدّة دخول الإسرائيليّين لمصر بدون تأشيرة: "أمّا عن تأشيرة الدّخول إلى مصر بالنّسبة للسّودان وكذلك للمصري بالنّسبة لمصر .. ف إنّني [كذا] أقول له "إسأل روحك.! وعندما تقول لي الإجابة سأردّ عليك!! ... ولعلّي أضيف أنّ أصحاب الحالات الخاصّة والمرضى يمكنهم الحصول على تأشيرة لدخول مصر في نفس اليوم .. ورجال أعمال يأخذون تأشيرة متعدّدة السّفريّات صالحة لمدّة ستّة أشهر أي يحصلون على التّأشيرة مرّتين فقط طوال السّنة .. وفي الحالات العاديّة فإنّ المواطن يحصل على التّأشيرة خلال فترة أقصاها خمسة أيّام ...".
***
إذن بينما يدخل المصريّون إلى السّودان بلا تأشيرة، يلزم السّودانيّين (الطّيّبين) أن يحصلوا على تأشيرة، مع تسهيلات واضحة للحالات الإنسانيّة، وبالأخصّ إذا كانوا رجال أعمال، أي أنّ لهم أموالاً ومن المفترض أن يصرفوها في مصر. ولكن ما لم يذكره أنّ النّساء، ولأمرٍ ما، غير مطالبات باستخراج تأشيرة سفر لمصر. فهل نشكرهم على ذلك ببراءة غبيّة، أم نسألهم عن السّبب وراء هذه الأريحيّة من دولة لا تعرف عبر تاريخها العطاء مجّاناً؟ ولكن ماذا عن غمزه ولمزه، عندما قال: "إسأل روحك ... إلخ"؟ وهذا يعني بوضوح دون لبس أنّ السّلطات السّودانيّة وافقت اتّخاذ هذه الإجراءات.
***
إفراغ الشّمالية ببناء السّدود وتوطين الفلاّحين المصريّين ما بين النّفي والتّوكيد
نفى السّيّد الفريق عبد الرّحيم محمّد حسين هذه التّهمة في إطار تنويره للمغتربين بالرّياض عاصمة السّعوديّة. فقد جاء الخبر في جريدة الرّأي العام، السّبت 15 مارس 2008، العدد ،3772 تحت العنوان التّالي: "الحكومة تنفي اعتزامها توطين 5 ملايين مصري بالشمالية: الفريق عبدالرحيم: الهدف من سد كجبار إعادة مهاجري النوبة الأوائل".. "ونفت في ذات السياق وجود وثائق او اتفاقيات تؤكد عزمها توطين خمس ملايين مواطن مصري بالشمالية ... وقال ان قلة الكثافة السكانية بشمال السودان تعتبر واحدة من مهددات الامن القومي مستشهداً بما حدث في حلايب ... ونفى عبد الرحيم محمد حسين ما يشاع عن وجود اتفاقيات تسمح بتوطين خمسة ملايين مواطن مصري بشمال السودان وقال ان السودان أرض هجرات وان به سبعة ملايين مهاجر من غرب افريقيا وبالتالي ليس هنالك ما يمنع استقبال خمسة ملايين مواطن مصرى ...".
***
فأين النّفي هنا؟ أوليس فيما قاله السّيّد الوزير إثبات لما نُسب إليه من قبل في الموقع الإلكتروني لمركز الأهرام للدّراسات الإستراتيجيّة، وهو ما يستند عليه النّوبيّون في أنّ الحكومة قد عقدت هذا الاتّفاق مع مصر سرّاً؟ ولنركّز على دفوعات السّيّد وزير الدّفاع بخصوص حلايب والكثافة السّكّانيّة؛ أوليست حلايب محتلّة الآن؟ فالخبر الحقيقي هنا هو استحسان وعدم استبعاد وزير الدّفاع السّوداني لإمكانيّة توطين 5 ملايين مصري، وليس النّفي.
***
دعونا نقتبس لكم ممّا قاله السّيّد عبد الرّحيم محمّد حسين (وكان حينها وزيراً للدّاخليّة) في ندوته أمام خبراء مركز الأهرام للدّراسات الإستراتيجيّة بالقاهرة في يوم 7/1/2005م (لمزيد من التّفاصيل حول هذا الموضوع، يمكن مراجعة الموقع الإلكتروني التّالي: http://www.ahram.org.eg/archive/inde...5.htm&DID=8359
): "شدّد اللواء عبد الرّحيم محمّد حسين في عرضه على أنّ مجرى نهر النّيل في المنطقة الواقعة بين الخرطوم حتّى وادي حلفا في الشّمال أكثر طولاً من ذلك الجزء من النّهر الذي يمرّ في الأراضي المصريّة وأشار إلى مفارقة هائلة تتمثّل في أنّ سكّان مصر الذين يتركّزون بشكل أساسي حول ضفّتي النّهر يبلغون تقريباً 70 مليون نسمة بينما يعيش 1.2 مليون نسمة فقط في المسافة من الخرطوم إلى وادي حلفا. وإذا كانت التّقديرات تشير إلى أنّ عدد سكّان مصر سوف يصل إلى 100 مليون نسمة بعد عشرين سنة من الآن فأين سوف يذهبون وإلى أين سيكون التّوجّه المصري لمعالجة هذا الموقف؟ في هذا الإطار أشار الوزير السّوداني إلى أنّ مصر اتّجهت اهتماماتها السّياسيّة والفكريّة والثّقافيّة طوال الخمسين عاماً الماضية إلى الشّمال ولم تلتفت إلى حدودها الجنوبيّة وأنّه قد حان الوقت لوضع إستراتيجيّة تكفل تحقيق المصالح الحيويّة لقطري وادي النّيل حيث إن الأوضاع الحاليّة تستوجب أن يكون التّحرّك المصري هو باتّجاه السّودان على الأقلّ لحل مشاكل مصر الغذائيّة والسّكّانيّة وفي الوقت نفسه المساهمة في تحقيق التّنمية والاستثمار الأمثل للموارد في السّودان بشكل متوازن ومتبادل لمصلحة كلا الطّرفين".
***


الذين يريدون الحصول على مزيد من التفاصيل حول النّدوة، يمكنهم مراجعة الموقع التّالي:http://www.ahram.org.eg/acpss/
"وتحدث المسئول السودانى عن أهمية هذا الاتفاق مستنداً على أن الهجرات العربية والإسلامية إلى السودان شكلت هوية السودان فيما بعد ولكن تلك الهوية واجهت صعوبات بسبب توقف الهجرات العربية وخاصة من الجزيرة العربية المنطقة الأقرب إلى السودان وحدوث فى المقابل هجرات من دول غرب أفريقيا حيث يوجد 7.5 مليون منهم فى شرق السودان وهذا كان له أثره فى تحديد هوية السودان حيث أثرت تلك الهجرات على التركيبة السكانية وشكلت خطورة فى تغيير تركيبة السودان العرقية ككل وإخلال التوازن العربى - الأفريقى، حيث يعانى وسط السودان من فراغ وهذا الفراغ إذا لم يتم امتلائه من مصر وهي الأكثر حاجة إليه فإنه سيتم امتلائه من الآخرين فحتى إسرائيل أرادت أن يكون لها وجود فى السودان".
***
فأيّ الحديثين المنسوبين للسّيّد وزير الدّفاع يمكن للنّوبيّين أن يصدّقوه؟ ملء المنطقة بالنّوبيّين، بما في ذلك محس الخوجلاب، أم بالمصريّين حسبما نسبته له هذه المواقع المصريّة الرّسميّة؟ هذا سؤال ضمن الأسئلة العديد التي نتركها للحكومة كيما تحاول الإجابة عليه. لكن ليس قبل أن نُشير إلى ما ورد وبالبونط العريض وفي الصّفحة الأولى من جريدة الصّحافة، العدد 5260 بتاريخ 26/5/2008م: ترتيبات لتوطين 5 ملايين فلاّح مصري بالجزيرة!
***
عندها ضحك النّاس، وشرُّ البليّةِ ما يُضحك. فقد بلغ عدم الحياء بالقائمين على أمرهم حدّاً أصبحوا معه لا يستحون، ومن لا يستحِي فليفعل ما يشاء. ومع هذا، لم يصدّق النّاس مسألة الجزيرة هذه؛ فمتى كان المصريّون يستوطنون في أماكن الملاريا. إذ ذهب عامّة أهل الشّمال، والنّوبيّون منهم خاصّة، إلى أن المنطقة المقصودة هي الشّماليّة، وما ذكر الجزيرة إلاّ من قبيل إفقاد الحساسيّة المنظّم (أي تدريجيّاً)، ريثما يعتاد النّاس على فكرة استيطان ملايين المصريّين بالسّودان
***


تنوير النّوبيّين بين ضرورة توفّر الشّفافيّة وتحرير حلايب
عندما سمع النّوبيّون بأنّ الحكومة قامت بتنوير النّوبيّين في الرّياض بالسّعوديّة، ذلك مساء 13/3/2008م، تساءلوا: لماذا يذهب وزير الدّفاع لينوّر النّوبيّين في المملكة السّعوديّة؟ إذ ما الذي يعنيه من ناحيّة رسميّة في هذا الشّأن؟ هل لمجرّد كونه نوبيّاً؟ على هذا، هل قام بتنوير من ترى الحكومة أنّ الغرق يعنيهم في المقام الأوّل، بحكم أنّه سيطولهم، ألا وهم القاطنون بالقرى المعرّضة للإغراق، حتّى يذهب إلى من هم بالسّعوديّة ليقوم بتنويرهم؟ أوليس هؤلاء هم أنفسهم الذين قامت إدارة السّدود بتصنيفهم في سدّ مروي على أنّهم غير جديرين بالتّعويض بحجّة الغياب الطّويل عن القرية؟ فهل يعني هذا التّنوير الرّسمي اعترافاً من الدّولة بحقّهم في التّعويض؟
***
لماذا قام المسئولون الحكوميّون وقتها بتنوير النّوبيّين في السّعوديّة، وهم من سترفض وحدة تنفيذ السّدود الاعتراف بحقّهم في التّعويض، بينما تترفّع إدارة السّدود عن تنوير من هم بالخرطوم؟ ثمّ لماذا وزير الدّفاع ليقوم بهذه المهمّة، وهو الذي اتّهمه النّوبيّون على أنّه عرّاب تفريغ الشّمال النّوبي بغية توطين ملايين المصريّين؟
***
ثمّ إذا كنّا سنتوجّه لوزير الدّفاع وهو فعلاً فريق في الجيش، مستفسرين عن موضوع السّدود وبنائها، وجدوى ذلك من عدم جدواه، فإلى من، تُرى ينبغي أن نتوجّه للاستفسار عن تحرير حلايب من الاحتلال المصري؟ وزير الرّيّ والموارد المائيّة؟ أوليس هذا هو نفسه النّظام الذي أعلن أنّه بصدد تجريد الجيوش لتحرير حلايب؟
***


السّاسة السّودانيّون بين السّيادة الوطنيّة والانبراش لمصر
لاحظ السّودانيّون أنّ هناك حالة من التّراخي الوطني فيما يتعلّق بموضوع السّيادة السّودانيّة، وخاصّة ما يلي نظام الإنقاذ من مسئوليّة بهذا الشّأن، بحكم أنّه الذي يسيطر على مؤسّسة الدّولة. وليس أدلّ على ذلك من اتّفاقيّة الحرّيّات الأربع التي اتّضح جليّاً الآن أنّها تختصّ بالمصريّين دون السّودانيّين. فأخفّ الموادّ الواردة في الاتّفاقيّة تلك المتعلّقة بحرّيّة السّفر والتّنقّل بجانب امتيازات تكرّم بها المسئولون شفاهةً في لقاءاتهم الرّسميّة مع المسئولين المصريّين.
***
وهكذاأصبح في مقدور المصري إلى اليوم أن يدخل السّودان بلا فيزا، بينما لا يستطيع السّوداني الدّخول إلى مصر إلاّ بفيزا، وحتّى الفيزا لا يمكنه الحصول عليها ما لم يثبت قدرته المادّيّة بتقديم سند مالي بآلاف الدّولارات.
***
ولا يقف هذا التّخاذل في حدّ مسئولي نظام الإنقاذ، بل تعدّاه إلى مواقف العديد ممّن والى نظام الإنقاذ عبر تحالف تكتيكي أم إستراتيجي. من ذلك مثلاً ما نُسب إلى السّيّد جلال الدّين الدّقير (ريم ثروت، "مصر والإمارات وقطر تزرع 6 ملايين فدان قمح في السودان"، صحيفة المصري اليوم، بتاريخ 3/4/2008م، المقال متاح عالميّاً على الموقع الإلكتروني بالشّبكة: http://www.almasry-alyoum.com/articl...rticleID=99842
)
"كشف جلال الدوقير، وزير الصناعة السوداني، تلقي حكومة بلاده عروضاً من مصر وقطر والإمارات، لاستزراع ما يقرب من ستة ملايين فدان قمح. وقال خلال جولة لوزير الاستثمار المصري محمود محيي الدين، في إحدي شركات السكر، علي هامش زيارته للسودان أمس، إن تكلفة استصلاح واستزراع أرض تكفي لإنتاج مليون طن قمح سنوياً لا تتعدي 2 مليار دولار، مشيراً إلي أن زراعة القمح في السودان بتقنيات حديثة ستصل بسعر الطن إلي نصف ما هو عليه بالأسواق الدولية. وأضاف الدوقير أن مصر تستورد 6 ملايين طن قمح سنوياً، وتستورد السودان مليوني طن، ويتطلب ذلك زراعة ما بين 3 - 4 ملايين فدان لسد العجز في البلدين. وأكد أن السودان في حاجة إلي ٥ آلاف من الفلاحين المصريين لزراعة ملايين الأفدنة في السودان، قائلاً: ’إن مصر آتية للسودان شئت أم أبيت‘، نظراً لكون السودان الحل لأي مشكلة اختناق لمصر".
***
إذن فمصر آتية لا ريب فيها كما لو كانت السّاعة! وعليه، يُستحسن الانبراش بطواعيّةٍ بدلاً من الانكسار لاحقاً! كيف يمكن أن نتصوّر أنّ هذا الجلال الدوقير ليس فقط مسئولاً حكوميّاً ووزيراً، بل هو مسئول حزبي كبير؟ بل كيف نصدّق أنّه سوداني في المقام الأوّل! المشكلة أنّنا لدينا عشرات، بل قُل آلاف الجلالات الدوقيريّة، فانظر وتأمّل، ولكن لا تعجّب!
***
طبعاً ثبت لاحقاً أنّ الرّقم (5 آلاف من الفلاّحين المصريّين) ما هو إلاّ خطأ، بقصد أو بدون قصد. إذ جاء في الأخبار وعلى الصّفحات الأولى وبالبنط العريض، حسبما أوردنا أعلاه، أنّ الرّقم المقصود هو 5 ملايين فلاّح مصري. واتّباعاً للتّكتيك الصّيني في بناء السّدود وخداع المتأثّرين بإغراقهم أوّلاً بسيل من الأنباء المتعارضة والمتناقضة، قامت السّلطات بعد ذلك بيومين بنفي الخبر، هذا مع أنّ أجهزة الرّقابة الأمنيّة على الصّحف ما كانت لتسمح لمثل ذلك الخبر بالظّهور مطلقاً لو أنّهم أرادوا ذلك.
***


الصّادق المهدي والانبراش
في يوم السّبت الموافق 22 نوفمبر 2007م أقامت الجمعية الهندسية بدارها بالخرطوم ندوة عن مبادرة حوض النّيل تحدّث فيها عدد من المسئولين والمختصّين والسّياسيّين. من بين السّياسيّين المدعوين كان هناك الصّادق المهدي، حيث سرد بعضاً من المواقف المتعلّقة بسياسة حكومته إبّان الدّيموقراطيّة الثّالثة إزاء مشكلة المياه والسّدود وطنيّاً وإقليميّاً، منتهياً إلى تقديم مجموعة من الحلول للمشاكل العالقة. من بين الحلول التي تطوّع بتقديمها لمشكلة مصر بخصوص استصلاح الأراضي جاء اقتراحه مباغتاً وغريباً لا يشبهه، إذ قال: “بدلاً من أن تقوم مصر باستصلاح الأراضي الصّحراويّة عندها، الحلّ أن تقوم بالزّراعة في الأراضي السّودانيّة" (راجع توثيق مضمون الإفادة في جريدة الوسيط. صفحة النّدوات. الخميس 29/11/2007. العدد 129. صفحة 5).
***


الصّادق المهدي ومشروع الحُقن السّكّانيّة
لكم انزعج النّوبيّون كثيراً من تلك التّصريحات التي صدرت من الصّادق المهدي، وليتهم دروا المنطلقات الرّؤيويّة للصّادق المهدي في هذا الشّأن. ففي الحقيقة لم تكن تلك التّصريحات قد صدرت في لحظة مناورة سياسيّة. إذ يقول الصّادق المهدي في كتابه: مياه النّيل: الوعد والوعيد، إصدارات مركز الأهرام للتّرجمة والنّشر، 2000، صفحة 126، تحت العنوان الجانبي (الخريطة السّكّانيّة) ما يلي (ورد كلامه في عدّة فقرات بطريقة كلّ جملة في فقرة واحدة؛ من جانبنا لن نتقيّد في الاقتباس بهذا النّظام): "الخريطة السّكّانيّة الحاليّة للسّودان معيبة. فتوفير الخدمات ومطالب التّنمية يوجب ترشيداً سكّانيّاً يجمع القرى المشتّتة وعددها حوالي 65 ألف قرية في قرى أكبر. كذلك الخريطة الاستثماريّة في السّودان تحتاج لمراجعة أساسيّة. الخريطة السّكّانيّة في مصر معتلّة؛ لأنّ كلّ سكّان مصر تقريباً يسكنون في 3% من أراضيها على شريط النّيل وفي الدّلتا. هنالك محاولات متكرّرة منذ عهد مديريّة التّحرير، والآن الوادي الجديد وتوشكي، للخروج من المواقع السّكّانيّة المعهودة والانتشار السّكّاني ــــ في حركة هي عكس الحالة السّودانيّة تماماً. الخريطة السّكّانيّة الجديدة في السّودان سوف تظهر الحاجّة لحقن سكّانيّة في مناطق مختلفة في السّودان. إنّ التّفكير في تنظيم هجرة مصريّة للسّودان أكثر جدوى من محاولات تعمير أراضٍ شبه صحراويّة تكلّف مالاً وماءً كثيرا. وإذا عرضت مصر على السّودان في إطار العلاقة الخاصّة هجرة بشريّة مصحوبة بغطاء مائي واستثماري فهذا عرض لا يُرفض. كذلك إذا عرض السّودان على مصر أرضاً خصبة في أماكن صالحة للعمران، على أن تُهرع إليها أيدي عاملة مهاجرة تصحبها إمكانات استثماريّة ومائيّة فإنّه عرض لا يُرفض".
***
تنطوي مسألة الصّادق المهدي على العديد من المخاطر، أقلّها أنّ مشكلة قدوم الفلاّحين المصريّين إلى السّودان تحت العديد من الدّعاوى، ربّما لا تنتهي بنهاية نظام الإنقاذ (وكما يقول المثل: "الفي والدك، بقالدك"). لقد نظر الكثير من قادة الأحزاب ورؤسائها إلى مسألة هذه السّدود على أنّها تنمية، مشدّدين على ضرورة أن تكون التّعويضات عادلة، أو في أفضل الأحوال مشدّدين على ألاّ تُبنى هذه السّدود إلاّ بعد موافقة المتاّثّرين.
***


هل تبقّت بالسّودان أراضي؟
هناك صورة تطالعها عين المسافر بالطّريق البرّي المسفلت الذي يخترق ولاية نهر النّيل من أسفلها إلى أعلاها، ألا وهي لافتات الشّركات العربيّة وغيرها التي تعمل في مجال الاستثمار الزّراعي بكلا ضفّتي النّهر. وهنا يقفز سؤال يا طالما داعب خيال مواطني الشّماليّة بصورة عامّة ومواطني ولاية نهر النّيل بصورة خاصّة، وهو: هل تبقّت بالسّودان أراضي لم تُبع بعد؟
***
في هذا الخصوص كتب سليم عثمان (السّودان يتصدّر قائمة الدّول التي باعت أراضيها لجهات أجنبيّة. جريدة الصّحافة. العدد 5726. 13/6/2009) يقول: "أفادت دراسة من إعداد كلٍّ من فون براون وروث ماينزين ... [من المعهد الدّولي للسّياسات الغذائيّة ومقرّه برشلونا بإسبانيا] بعنوان ’نزع ملكيّة أراضي الدّول النّامية على أيدي المستثمرين الأجانب‘ أنّ الحكومات والشّركات الأجنبيّة قد اقتنت، أو في سبيلها لاقتناء، ما بين 15-20 مليون هكتار من أراضي البلدان النّامية حتّى الآن بما يتراوح مجموعها ما بين 20 إلى 30 مليون دولار. وتأتي الصّين وكوريا الجنوبيّة ودول الخليج، وتستهدف القارّة الأفريقيّة بشكل أساسي". كما كتب ستيفن لييهي (المرجع السّابق) حسبما نقلته عنه وكالة إنتربرس قائلاً: "إنّ حكومات دول غنيّة وشركات عالميّة ، اشترت حتّى الآن أكثر من 20 مليون هكتار من أراضي بلدان بلدان العالم الثّالث، وهي المساحة التي تعادل ربع الأراضي الزّراعيّة. ويتصدّر السّودان، حسب الكاتب، قائمة الدّولة التي باعت أو أجّرن أراضيها لجهات أجنبيّة".
***
وفي نفس التّاريخ نقرأ في صحيفة أخرى تقريراً إخباريّاً بقلم محمّد سليمان من الدّامر (والي ولاية النيل يستعرض نتائج زيارة الخليج. جريدة الأحداث. 13/6/2009) قائلاً: "بحضور وزراء حكومته والمعتمدين عقد السّيّد والي ولاية نهر النّيل بروفيسور أحمد مجذوب محمّد مؤتمراً صحافيّاً كشف من خلاله نتائج زيارة وفد الولاية إلى عدد من دول الخليج والتي كان الهدف من ورائها الالتقاء بالشّركات ورجال الأعمال لتنويرهم بفرص الاستثمار الضّخمة بالولاية على الصّعيدين الزّراعي والصّناعي". وقد عقد الوفد لقاءات مطوّلة مع هذه الجهات بكلٍّ من الإمارات وقطر. وذكر وزير الماليّة بالولاية في نفس اللقاء بأنّ "... الاستثمار من الخيارات الإستراتيجيّة الهامّة التي تركّز عليها حكومة الولاية وذلك لاستقلال الثّروات الكامنة التي تمتاز بها الولاية. وقال سيادته إنّ الولاية باتت تمتلك خبرة كبيرة في التّعامل مع ملفّات الاستثمار ... وقال سيادته إنّه قد تمّ عرض 108 مشروعاً و78 قطعة أرض للاستثمارات المختلفة". وهذا قولٌ عجيب، لانعرف من أين نبدأ بنقده. إذ كيف جاز لحكومة ولاية أن تخرج إلى العالم بغية تسويق ثرواتها الطّبيعيّة؟ وكيف أصبح لهذه الولاية خبرة كبيرة في التّعامل مع ملفّات الاستثمار؟ هل عبر مكاتبها الولائيّة أم عبر مؤسّسات الاستثمار الاتّحاديّة؟ إن كان الثّاني، فكيفّ تأتّى لهم تقديم مثل هذه العروض؟ ثمّ ما هي المساحة الكلّيّة لهذه الـ 78 قطعة أرض؟ فالسّودان كلُّه عبارة عن قطعة أرض مساحتها مليون ميل مربّع.
***
من الأمور العجيبة في الانبراش السّوداني لمصر أنّ الصّحف المصريّة عادةً ما تحمل لنا تفاصيل دقيقة عن شئون سودانيّة بحتة. من ذلك ما ورد في جريدة الصّحافة، الصّفحة الأولى (القاهرة: اتّفاق مع الخرطوم لزراعة مليوني فدّان قمحاً) بتاريخ 26 مارس 2008م، العدد 5305: "نفى مسئول في الولاية الشّماليّة علم حكومة الولاية باتّفاق سوداني مصري أعلن عنه وزير الزّراعة المصري أمين اباظة يقضي بإقامة مشروع عملاق مشترك لزراعة مليوني فدّان بالقمح، بواقع 1.3 مليون فدان في الأراضي السودانية، و700 ألف فّدان بجوار بحيرة ناصر في جنوب مصر. وقال المسؤول الحكومى لـ الصحافة: ’اٍن وجدت مشاورات بين الحكومة الاتّحادية والحكومة المصريّة حول هذا الأمر ينبغي أن يكون هناك تنسيق مع وزارة الزّراعة بالولاية الشّماليّة‘".
***


MJH
جوبا ــــ 3 مارس 2021م