" تجيني يجيني معاك زمن أمتع نفسي بالدهشة "

عمر الطيب الدوش
يمكن القول بان هنالك العديد من العوامل التي ادت الى عبقرية و تفرد وردى , فهو بالإضافة الى موهبته الكبيرة في التلحين و تطويع الانغام و ابتكار اجمل الانغام التي لا مثيل لها وتتسلل مباشرة الى الروح وتحتل الوجدان , كان يحمل لواء التجديد في الموسيقى السودانية فقد كان مواكبا لكل ما هو جديد في عالم الغناء و الموسيقى في العالم , وفى حالة بحث دائم عن كل هو حديث في هذا المجال , وفى سبيل ذلك لا يتردد في الاخذ بكل ما هو مبتكر و تطويعه ليلائم الموسيقى السودانية , فمثلا كان وردى معجبا بتجربة عبدالحليم حافظ في مصر في ادخال مفردات جديدة في الشعر الغنائي بالإضافة الى الاهتمام و التركيز على الاداء الموسيقى و استخدام احدث تقنيات الآلات الموسيقية و اجهزة الصوت , وكنا في المرة السابقة تحدثنا عن أغنيتي " رسالة من تحت الماء" و " قارئة الفنجان" وهما نتيجة ابداع ثلاثي مكون من الشاعر نزار قباني و الملحن محمد الموجي و المطرب عبدالحليم حافظ , وبالطبع لابد من ذكر الدور الكبير الذى لعبته الفرقة الموسيقية الماسية والتي كان يقودها الموسيقار المصري الراحل احمد فؤاد حسن وهى اوركسترا حديثة على النمط الغربي كانت تضم الات موسيقية مثل الأورغ او الكيبورد و الغيتار الكهربائي و الساكسفون وهو خروج على المألوف فى الأوركسترا الشرقية العربية ( التخت) التي كانت تضم العود و القانون و الناي , ويقال بان وردى قد حزن بشدة عند سماعه بوفاة عبدالحليم حافظ في العام 1977 و قام بالوقوف دقيقة صمت عزاء على المسرح قبل البدء في الغناء في احدى حفلاته , ويمكن القول بان وردى قد وجد في تجربة عبدالحليم ما شجعه وحبب اليه الولوج الى عالم الاغنيات ذات المقدمات الموسيقية الطويلة و بالرغم من ان وردى كانت له سابق تجربة مع الاغنية الطويلة ومنذ اواخر الستينيات من القرن الماضي من خلال اغنية " الود" من كلمات الدوش و الحان وغناء وردى حيث قام الموسيقار المصري الجنسية اليوناني الاصل اندرية رايدر بالتوزيع الموسيقى للأغنية , و يعتقد الكثير من النقاد بان هذه الاغنية قد شكلت نقطة تحول هامة في مسيرة الاغنية السودانية , اذ انه ولأول مرة يتم الاستخدام العلمي للتوزيع الموسيقى Orchestration , كما ان التنفيذ كان بواسطة اوركسترا محترفة من عازفين مهرة في الوتريات و الات النفخ الخشبي و الة الز يلفون , ويجدر ذكره بان وردى كان قد شارك بالعزف من خلال العزف على الة الطنبور وقد كان ملفتا استخدام هذه الالة الشعبية في مثل هذه الاعمال الاوركسترالية , و في فترة السبعينيات قام وردى بتقديم عدد من الأغاني ذات المقدمات الموسيقية الطويلة بصورة متكررة مثل " قلت ارحل" و " بناديها " و " أسفاي" و " جميلة و مستحيلة" و " الحزن القديم" و ليتوج نفسه كملك يجلس وحيدا على عرش الموسيقى السودانية !! و بالطبع فان هذا النوع من الاغانى يحتاج الى ملحن و موسيقى موهوب وذو امكانيات كبيرة , انه بالتحديد مثل سباحة المسافات الطويلة التى تحتاج الى مقدرات و امكانيات تتفوق بها على سباحة المسافات القصيرة !
وعلى جانب الموسيقى العالمية والتى كانت تشهد ازدهارا كبيرا فى اوائل السبعينيات من القرن الماضى كما سبق وان ذكرنا وخصوصا موسيقى السول الامريكية والتى ساهم فى انتشارها موسيقيون مثل مارفن جاى و جيمس براون و ايزاك هيز و قبلهم عراب السول ميوزيك راى تشارلز , الا ان تجربة ايزاك هيز فى الاهتمام بالمقدمات الموسيقية و ادخال الوتريات الى موسيقاه قد توجته كملك لموسيقى السول و خصوصا بعد اصدار اغنيته المشهورة Shaft ذات المقدمة الموسيقية المتميزة التى تشارك فيها بابداع كل الالات الموسيقية ( الوتريات و الالات النفخ الخشبى و النحاسى ) وخصوصا العزف المميز لالة الغيتار بتقنية ال Wah Wah , ولم يكن وردى بعيدا عن كل هذه التطورات , فقد قام باعادة صياغة اغانيه القديمة باستخدام الات الغيتار و اليزجيتار و الفلوت فظهرت اغنيات " ذات الشامة" و " نور العين" بثوب جديد و ايقاعات راقصة و موسيقى صاخبة , اما اغنية " الحنينة السكرة" فهى اغنية مصنوعة كما يقولون , فقد طلب وردى من اسحاق الحلنقى تاليف شعر لموسيقى راقصة وهى كانت محاولة من وردى لمجاراة اسلوب ايزاك هيز فى اغنية شافت التى ذكرناها من قبل ولهذا فقد كانت الاغنية تتميز بمقدمة موسيقية راقصة على ايقاع الجيرك حيث نسمع بوضوح الانسجام بين الغيتار بالواوا و البيزجيتار مع الة الفلوت التى كانت تصول و تجول و تتمدد فى كل المساحات المتاحة . وبهذا نستطيع ان نقول بان " جميلة ومستحيلة" هي المقابل ل " قارئة الفنجان" لعبد الحليم حافظ وان “الحنينة السكرة" هي المقابل لأغنية Shaft ل ايزاك هيز، وكان وردى مع اعجابه وتأثره بموسيقى غيره من فطاحله الموسيقى في العالم، الا انه ولثقته الكبيرة في نفسه وموهبته واعتداده بنفسه ما كان ليقبل ان يقوم بالسطو على اعمال الغير او نسخها، وفى مرة من المرات قال انه لم يكن يسمح للعازفين بإدخال نغمات او جمل موسيقية من عندهم و ذلك حتى لا يقال ان وردى يستعين بالأخرين في التلحين و الموسيقى , والى ذلك فقد كان مشهورا أيضا بآرائه الجريئة التي لا تعرف المجاملة او الديبلوماسية وهو في ذلك ينطبق عليه المثل الإنجليزي "let's call a spade a spade, " دعنا نسمى الأشياء بمسمياتها " مما دعا البعض الى اطلاق صفة الغرور و القرضمة و الطنقعة عليه وهو في الحقيقة كان ابعد من ذلك , فقد كان وردى يرى بان الغناء امر يجب اخذه في غاية الجدية فهو يسهم في تشكيل وجدان الناس و تنمية أفكارهم و الاسهام في تطور البشرية من خلال اسعاد الجمهور و لذلك فقد كان لا يخفى امتعاضه و انتقاده الحاد لكل الذين كان يرون في الفن انه مجرد لهو وعبث لا طائل من وراءه وهؤلاء العاطلين من المواهب و الذين يريدون الارتزاق من الفن بأية وسيلة متاحة و بدون بذل مجهود من خلال ترديد أغاني الغير او اجترار اغتنى الحقيبة ! ومن اجل الفهم الصحيح لشخصية وردى نقول بانه كان يعرف تماما بانه موهوب بل ويعلم ان هذه الموهبة الفريدة تؤهله لان يكون في المقدمة دائما! ويحكى في مرة من المرات وبعد خروج وردى من السجن الذي كان معتقلا به لمدة سنتين بسبب معارضته لحكم النميري، كان ان اجتمع المرحوم عمر الحاج موسي والذي كان وقتها وزيرا للثقافة والاعلام بالفنانين والموسيقيين وكان وردى من بينهم فقال للحضور بانه قد قرر إقامة مهرجان ثقافي يتنافس فيه الفنانين لتقديم أعمالهم الجديدة ورصدت له أفخم الجوائز للأعمال الفائزة، ويقال ان وردى قد قاطع الوزير قائلا بانه لن يشارك في مثل هذا المهرجان لان لا أحد يستطيع منافسته وانه فوق هذه المنافسة! ويقال وقتها بان وردى كان يشعر بالغبن و الظلم وقتها كما ان اغنيته الجميلة " بناديها " قد تقرر وقف بثها في الإذاعة والتي كانت في وقتها الوسيلة الوحيدة التي تنتشر من خلالها الأغاني ويستمع اليها الجمهور , ويقال بان الدهشة قد اصابت الجميع ولم يستطع احد الكلام بعدها بالرغم من وجود عدد كبير من الفنانين الكبار وقتها ولكن ذلك لا يعنى بانه يقلل من مكانة الاخرين او يتجاهل مواهبهم , وبالرغم من انه كان شحيحا في مدح الاخرين والثناء عليهم وربما يعود ذلك الى الجينات النوبية التي ورثها وردى من اسلافه أبناء هؤلاء الملوك الذين بسطوا سيطرتهم على العالم القديم فهزموا الروم و تغلبوا على الفراعنة وقارعوا الاشوريين الذين كانوا اكبر قوة عسكرية في ذلك الزمان ( مثل أمريكا و روسيا حليا) وكانت الحرب بينهم سجالا و امتد حمكهم الى شرق البحر الأبيض المتوسط , وهنالك طرفة تحكى عن وردى بان احد أصدقائه قد قال له بان اللغة النوبية لغة جافة اذ تنعدم فيها كلمات مثل " لو سمحت" و " انا اسف" فرد وردى قائلا بان السبب هو اننا لا نحتاج لاستخدام مثل هذه الكلمات ! فنحن لا نتوسل للأخرين فنقول لهم لو سمحت، ولا نغلط مع انسان لنقول له " اسف"!. ويحكى انس العاقب رائد النقد الموسيقى في السودان بانه عند بداية حياته الفنية كان مطربا يغنى للناس وفي مرة من المرات طلب منه ان يغني في حضرة وردى لكي يحكم عليه، ويقول أنس العاقب انه في تلك الليلة غنى كما لم يغنى من قبل وكيف لا ووردي العملاق سوف يحكم عليه، وعقب الانتهاء من الغناء سألوا وردى عن رأيه في هذا المطرب الشاب، فكان رد وردى " مش بطال!! " ويقول أنس العاقب بان هذا الرد لم يعجبه فقد كان يطمع في تقييم أكثر من " مش بطال" هذه ويقول بانه وبعد عدة سنوات حكى هذا الموقف للعازف عبد الله العربي الذي كان مقربا من وردى فكان ان ابتسم عازف الكمان الشهير وقال لأنس العاقب " مش بطال بتاعة وردى معناها بانك ممتاز جدا!! " . ويقال بان وردى عند سماعه لمقدمة اغنية رسائل " من طرف الحبيب “للراحل المبدع أحمد الجابري طرب لها بشدة ونالت اعجابه ولم يستطع ان يعبر عن هذا الاعجاب بأكثر من ان يقول " بالله دي عملها كيف؟؟ " وخلافا لما كان يقوله البعض فقد كان يحترم الفنانين الذين سبقوه مثل أحمد المصطفى و الكاشف و عبد العزيز داوود , ولكنه كانت له محبة وتقدير خاص لإبراهيم عوض و الذى كان وردى لا يمل من تكرار انه قد تأثر به في بداية حياته الفنية و خصوصا الأغنيات الخفيفة الراقصة , اما عثمان حسين فقد كان وردى يرى فيه فنانا مجددا لا يشق له غبار خصوصا في المقدمات الموسيقية وكان يقول " عثمان حسين دائما يسير الى الامام و لا يرجع الى الوراء اطلاقا" وكان يتحدث أيضا عن صداقته للراحل خوجلى عثمان و اعجابه بغناء زيدان إبراهيم , اما العملاق الهرم محمد الأمين فقد كان كاتم اسراره ومن اقرب المقربين لوردي
ونواصل بإذن الله
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.