تمر علينا الذكري الخامسة لرحيل عراب الحركة الأسلاموية ولكن تظل أفكاره (سما زعافا) لا يزال يتجرعها المواطن السوداني المغلوب علي امره , فبعد العام الأول علي رحيل (الترابي ) وحتي هذه اللحظة أتدقق في ممن خطوا بأناملهم من الأسلامويين علي تجربة الراحل السياسية ,وكما توقعت جاءت جلها في صالح الراحل وكأنه براء من الأخطاء في تجربته السياسية التي تخطت الستون عاما , وعلي سبيل المثال في العام كتب( امين حسن عمر) في العام ا1918 مقالا بعنوان ( عامان على الرحيل المر.الترابي… مصباح التنوير), متغزلا فيه حد الثمالة ممتدحا تجربة الراحل من العيوب.

وكذلك بتاريخ 18/3//2017 خاطب مولانا (أحمد محمد هارون) والي شمال كردفان بقاعة أمانة الحكومة بالولاية الندوة الفكرية عن المرحوم (الترابي) بعنوان قضايا تجديد الفكر الإسلامي والتي أقامتها الولاية على شرف برنامج لمسة وفاء للشيخ الراحل (حسن الترابي )بشمال كردفان وقال (هارون) إن (الترابي) "رجل استثنائي وأنه وضعنا في تحدي إنتاج فكر مستمر , وقابل للتعاطي مع كل التحديات المتجددة في الأمة الإسلامية والسودانية , مشيرا إلى أن الترابي لم ينتج فكره لحزب أو جماعة بل لأمة كاملة " وكأنما يناقض (هارون) و (امين حسن عمر) نفسيهما لأن وقوفهم في صف (البشير) عقب المفاصلة يغني عن المجادلات.
في العام 2018أستضافت فضائية سودانية 24برنامجا حول سيرة الراحل في ذكري رحيله ومثل هذه البرامج لا تعطي صورة حقيقية لأن ضيوف ينتمون الي مدارس متوافقة وأستضاف الضيوف:- النور أحمد النور - محلل سياسي- فائز عمر جامع - أكاديمي وأستاذ جامعي- عبدالماجد عبد الحميد - رئيس تحرير صحيفة مصادر- د.سهير صلاح - أكاديمية وقيادية بالمؤتمر الشعبي) وبالتالي اريد لها ان تتسق وفق ؤياهم ,وجاءت الافادات كلها في صالح الراحل كأنها تقصد تبييض سيرته السياسية ,في برنامج كان سيكون مختلفا لو أنه أستضاف شخصيات لها توجههات سياسية مختلفة , ولكنها انانية الفكر على حساب الوطنية المتجردة وقلة مبدأ المصداقية الظرفية والغاية تبرر الوسيلة فى امة شعب غلبت عليه العفوية و بالتالي لم و لن يقدموا نقد حقيقي لتجربة سياسية امتدت لاكثر من ستة عقود لا يعقل ان تكون مبرءة من العيوب , وكذلك حتي الان لم تتناول الكتابات نقد سيرة الراحل علي الوجه المطلوب, وفي جعبتي الكثير من المكتابات والبرامج التي تناولت سيرة الراحل لا يكفي المقال لسردها.

لا يختلف اثنان علي شخصية الراحل د (الترابي) كونه واحدا من ألمع الشخصيات في تاريخنا السياسي المعاصر , ويعود ذلك لعدة اسباب علي رأسها ترأسه واحد من اكبر الاحزاب السياسية تأثيرا علي الأوضاع السياسية للبلاد في غالبية الحقب التي حكمت البلاد , ولو أن الراحل كان شخصية خاصة لما تطرقنا له بالنقد لأن ذاك كان شأنا يخصه وحده,فالحساب السياسي عمل مشروع والراحل دخل العمل العام من اوسع ابوابه قائدا لأكبر عصبة كان لها القدح المعلي فيما حدث من خراب للوطن وهو المعروف بؤاده للديمقراطية التي اقعدت بالدولة السودانية عن النهوض اللهم الا ايجابية فكره السياسي التي تكمن في كونه نقل الأسلامويين من حياة البؤس الي حياة التمكين , وهذه وحدها كفيلة بأن تجعل تلاميذه ومريدوه يتغزلون فيه و يتغاضون عن عيوبه و تجربتهم المأساوية التي تضرر ت منها الشعوب السودانوية ,ولكن بألقاء نظرة علي مسيرة عراب الجبهة الأسلاموية نطرح سؤالا مهما , هل افاد بأفكاره الدولة السودانية فأستفادت من افكاره ونظامه حكم البلاد لما يقارب الثلاثون عاما....؟ وبعيدا عن العواطف هل أضاف الراحل بفكره ايجابا للحياة السياسية السودانية أم لا ....؟ أو هل يمكن ان نقارنه بمفكرين وزعماء حققوا اضافات نوعية لأوطانهم.
من الطبيعي أن يحتفي الاسلامويون بذكري الشيخ الراحل , و ان يتغزلوا في عرابهم , وهذا لا تثريب عليه , ولكن ليس علي هذا النحو الذي يجعل من تجربته السياسية تجربة بلا أخطاء , فلم يكن لدي (الترابي) مشروع نهضوي كما فعل (اروغان) في تركيا او (مهاتير محمد) في ماليزيا. , بل يعتبر الاسلاموين في السودان سبب مباشر في كل بلاءات الدولة السودانية وخرابها فقد ظلت الحركة الاسلاموية تمثل حجر عثرة امام امكانية قيام اي مشروع نهضوي يرتقي بالوطن,وعموما تاريخ الراحل د (الترابي) ليس فيه ما يجعله بطلا سياسيا , وهو الذي فشلت تجربته التي اودت بالوطن الي موارد الهلاك والدمار ,كون عصبته هي من انغضت علي الديمقراطية, وانصار الترابي الذين يتغزلزن فيه ينطلقون من منصة برغماتية بأعتبار أن الراحل سببا في تمكنيهم و انتشالهم من حالة اللاشيئ , وبقدرة قادر اصبح الكيزان هم الرأسمالية والحكام والشعراء وكل شيئ في هذا الوطن المنكوب , ومن هذا المنطلق يمكن أن نجد لهم العذر فيما قالوه وما يزالوا عن فكر , والمؤسف ان مثل تصريحات احمد هارون وامين حسن عمر كانت ستكون معقولة الي حد ما , لو انهم ألتزموا حينها بالأنحياز الي معسكر المؤتمر الشعبي منذ أن أفترق مغتصبوا أرض الوطن الي فريقين, وبالتالي هؤلاء يناقضون افكار شيخهم وهم الذين أتخذوا منه موقفا مغايرا حبا في السلطة والجاه بأنحيازهم للسلطة والجاه.

يبرر الكثيرين بأن ما حدث للوطن يعود لأفراد وليس (الترابي) ,ولكن الترابي من خلال موقعه كمفكر ومنظر بحسب رأيي الشخصي يعتبر اكثر وحشية من (صقور) الانقاذ نافع وقوش وغيرهم من صقور النظام الاسلاموي, فهو من منهج وأسس الطريق و النهج الذي سار عليه (الاسلامويين) ليذيقونا الامرين (المشروع الحضاري) لنبدو للعالم الخارجي المطلع علي ازماتنا الانسانية مثالا للتدين بالطرق الشكلانية السازجة التي يفهمها ويعيعها عن الدين في فصامية عالية بمألات المشروع الحضاري الفاشل الذي نفض سدنته يدهم عنه حين تازم واغرق في الازمة, وحتي التعليم نفسه تمت قوليته وتشكيله بناء علي رؤية مفكر الحركة الاسلامية ليخدم ايدولوجيا القهر والهيمنة الثقافية والاجتماعية, فأمثال الترابي ينبغي محاسبتهم علي ضوء البرامج الايدولوجية التي بمقتضاها فعلوا ذلك.
حينما جاء الانقاذيون أطلق عليهم الاديب (الطيب صالح) مقالته المشهورة ( من اين جاء هؤلاء) لشنيع افعالهم , فرد عليه (المحبوب عبد السلام ) "بأنهم قد خرجوا من رحم (الترابي) كما يخرج النيل من بحيرة تانا, (فالمحبوب عبد السلام) احد ابرز ابناء الترابي (المدللين) كان أكثر شفافية وهو يرد علي سؤال الاديب الكبير (من اين اتي هؤلاء) في كتابه دائرة الضوء وخيوط الظلام بعد المفاصلة معترفا بأنهم خرجوا من رحم (الترابي) وكانت عباءة الترابي عبارة عن معامل للكراهية العرقية والدينية المركبة وكسر حاجز التسامح الذي كانت عليه الشعوب السودانية بحكم واقعهم التعددي, وقد خرج من رحم (الترابي) )الطيب مصطفي) و(اسحق احمد فضل الله) و(عبدالرحيم حمدي) و(د نافع) و(قوش), وعندما يتعرض عقل الانسان للغسيل لا يعود الي طبيعته, ومن الممكن مسخ الانسان وتحويله الي وحش دموي يتحرك بالريموت كنترول .

المحبوب عبدالسلام الابن المدلل (للترابي) كان الأكثر صدقا وهو يتحدث مرار لوسائل الاعلام عن فشل مشروع الجبهة الأسلاموية, و في لقاء مع شبكة عاين في السابع من ابريل العام 2018 قال بأن “تيار الإسلام السياسي الذي يحوي الحركات الاسلامية جميعها، ويمتد من الغنوشي إلى البغدادي، قد استنفذ أغراضه”. ولم يخفي صراحة بأن التمكين أضر بالحركة الأسلامية "حيث قال “التمكين كان لتحقيق الحركة الإسلامية” معرفاً مصطلح التمكين بأنه اشتقه (الترابي) من القرآن، وهو ضمن الخطة الاستراتيجية للحركة الإسلامية لفتح آفاق لخطاب نبض الأمة وجداناً بالإسلام والخطوة الثانية هى إستلام السلطة. موضحاً إن” الذي أضر بالحركة هو التمكين انقلاباً، فالذين استلموا السلطة لم يشأُ أن يغادروها عندما طلب منهم ذلك“. وزاد خطة الحركة الاسلامية نظرياً تقول انه “خلال ثلاثة أعوام ينبغي أن يُغادر العسكر وتبسط الحريات“، ولكن هذا عملياً اصبح مستحيلاً في تلك الفترة. عام 1993 طُرحت على قادة الانقاذ ان يبسطوا الحريات وان يعيدوا التعددية كما كانت، فكانت الآراء معارضة. فانتظر الترابي حتى 1998 لبسط رؤية العودة الى الحريات التي قدمها عام 1996 لكنه رُفض بالإجماع وبالتمكين تم تصفية الخدمة المدنية لتمكين القوي الامين من محاسيب النظام منذ بداية العشرية الاولي للنظام وتمكين القلة التنفذة علي حساب الاخرين , وأصبح الكيزان من اصحاب الجيهة والوجاهة في المجتمع .

فكر الترابي ونظامه كان سببا في فصل الجنوب , فالجنوبيون لم يرفضو الاسلام لانه جاءهم من الشمال بل لانه استخدم في قمعهم وارهابهم , و (عراب الانقاذ) هو من بفكرة تحويل المأتم الي بيوت اعراس بعد ان (يخدروا )اهل الفقيد بأنه الان في الجنة مع الحور العين ,ومن اجل هذا الغرض وظفت وسائل الاعلام علي اسوأ استغلال لتخدع الشعب السوداني وتعمل له (غسيل مخ) بدلا عن توفير احتياجاته الاساسيه ,واصبحت اجهزة الاعلام مطية لهذا النظام البوليسي لاستلاب المواطن السوداني, برنامج (في ساحات الفداء) الذي لاقي رواجا اعلاميا واهتمام غير مسبوق من اجل ان يخدم اهدافه لتشييع الاوهام والاكاذيب التي يدعون انها تحدث للمجاهدين في الجنوب من اجل( الترغيب) مثل سماعهم صوت الملائكة ,وتظليل الغمام لهم من اشعة الشمس الحارقة, والغزلان التي كانت تأتي لهم طائعة مختارة عندما يشعرون بالجوع ومع كل ذلك كانت االنتيجة وبالا عليهم .

دولة الكويت أختلفت فكرتها نحو جنوب السودان , فقد كانت لها نظرة مستقبليلة في ان جنوب السودان سيكون بوابة الاسلام علي العالم الافريقي,فقدم السفير الكويتي د (عبد الله السريع )الذي بدأ قنصلا بمدينة جوبا اهتماما بالجانب الانساني اذ خاطب في الجنوبيين انسانيتهم بعيدا عن دينهم أو عرقهم ,وأهتم بكل النواحي الانسانية بناء المستشفيات والمدارس ومشاريع المياه, فأطلق عليه الجنوبيين اسم (عبدالله جوبا) اعترافا بحبهم له , وبناء علي هذا النهج خططت الكويت للأهتمام بالدول الأفريقية عبر منظمة الدعوة الأسلامية الكويتية لمخاطبة الانسانية, وقد حققت نجاحا مقدرا في الدول الافريقية وانتشر الأسلام بفضل هذا الخطاب الجاذب, اما السفير د عبدالله السريع استمر في الاهتمام بالجنوب حتي عندما جاء سفيرا الي الخرطوم,وكان من الشخصيات الأكثر تأثيرا في المجتمع السوداني في نهاية ثمانيات القرن الماضي. ولكن مع كل ذلك فقد تنكر نظام الجبهة الأسلامية لفضائل دولة الكويت , فعند غزو العراق للكويت, وقف نظام الجبهة الاسلامية مع النظام العراقي, والترابي في ذاك الوقت كان في سطوة زمانه لم يبدي بما يفيد مخالفته لما يحدث , وفي الخرطوم أحتل بعض من المحسوبين علي النظام الحاكم السفارة الكويتية,استبدلوا العلم الكويتي بالعالم العراقي...! ولم يستطيع السفير الأنسان د (عبدالله السريع) أن يتحمل هذا المشهد وهو لم يتوقع قط أن (يطعنوه من الخلف) فأصاب جسده الأعياء الي أن فارق هذه الدنيا الفانية .

اراد( الترابي) ان يلعب في الزمن الضائع بترشيحه (عبد الله دينق نيال) للرئاسة في انتخابات 2010, ولو كان (للترابي) نظرة ثاقبة لوحدة الوطن لوضع (عبد الله دينق نيال) مكان (علي عثمان محمد طه) ليحفظ الوطن من الانقسام , وقد كانت الفترة التي اختبر فيبها الاسلاميون الحكم تجربة كافية لاظهار البعد بين المثال النظري والواقع التطبيقي , فتازم المشروع الحضاري واغرق في الازمة لذلك قام الترابي بنفض يده مقدما بدلا فكريا جديدا (النظام الخالف) ولان هذا الطرح اتي كعادة (الترابي) واطروحاته في زمن تقاطعات سياسية حادة في التاريخ السوداني فقد الخطاب رواجه وسط تلاميذ الترابي , كما ان الخطاب فقد رواجه وسط العامة التي اعتبرته مزايدة سياسية وحيلة (ترابية) للالتفاف والعودة الي السلطة عبر البرنامج الانتخابي القادم, غير ان انهيار المشروع الحضاري جعل الحكومة تلقي بالمشروع الايدلوجي وتكري لخطاب جديد قائم علي العصبية الدينية والتخويف من الهجمة الصهيونية والامبريالية وبالتالي يعيش المجتمع السوداني حالة من التفكك التوعوي تنتظر بزوغ فجر تجديدي جديد .

من المؤسف يتباهي انصار (الترابي) بظلم المؤتمر الوطني وبطشه ويتناسون انهم كانوا جزءا من هذا النظام الظالم , بل وأن الفترة التي كانوا شركاء في الحكم وهي العشرية الأولي من عمر النظام كانت هي الأكثر سوءا في تاريخ الدولة السودانية الحديثة , وكان (الترابي) هو الامر والناهي في تلك الفترة ولم نراه يبدي تبرما او اسياءا من كثير من الاحداث الدموية في العشرية الاولي من عمر النظام مثل اعدام الشهيد (علي فضل) والشهيد (مجدي محجوب) , ولم يبدي انتقادا للنظام الا بعد ان تمت اقالته , وما يدهش في الترابي في حلقات برنامج قناة الجزيرة انه يحكي و يقول عن كل حدث انه لم يكن يعلم , وعلي سبيل المثال حادث اغتيال (حسني مبارك) وتسليم (كارولوس) , وبيوت الاشباح, ولكن المشكلة انه بعد ان علم بكل تلك الاحداث لم يتخذ موقفا ايجابيا , وبالتالي تبييض سيرة (الترابي) السياسية (حيلة) لن تنطلي علي المواطن السوداني , فهي مستحيلة لأن ليس هناك ما يشفع للراحل ايجابا مثل ( الفريد نوبل) مخترع الديناميت الذي احزنه ان خبرا عن وفاته عن طريق الخطأ قد نشرته احدي الصحف مصحوبا بنعي لرجل اساء للانسانية وخلف الموت والدمار , وأصاب هذا النعي عن طريق الخطأ ضمير( نوبل ) بالاسي وصحي ضميره لانه لم يخلف وراءه اثرا حميدا يذكر به عند موته ,فكانت سببا في ان يقدم (جائزة نوبل للسلام) لمحو اثار الديناميت, ولكن (الترابي) لم يقدم للشعب السوداني ما يمحوا حكم 30 عاما من القهر والذل وحكم الاستبداد.فقد رحل الترابي وفي سجله تاريخ لحقبة من أسوأ الحقب , ورحل دون ان يخلف اثرا حميدا كما تدارك (نوبل) الامر وصحح خطأه, فهؤلاء الطغاة لايتدبرون القران, ولا يقرأون التاريخ لأخذ العبر والدروس , ولكن هذه هي الحياة يموت سلاطينها ,وزعمائها ,وحكامها ,كما يموت عوامها ,وطغاتها الذين نكلوا بشعوبهم, وكأنهم سيخلدوا في هذه الدنيا ولن يموتوا او يحاسبوا علي ما اقترفوه من ذنوب تجاه شعوبهم , لأن الظلم الظلمات يوم ان نقف بين يدي العادل الجبار , الذي لا يظلم امامه احد, فويل لهؤلاء من قاضي السماء الذي يعلم السر واخفي .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.