جوبا ــــ 3 مارس 2021م

ملفّات الأهرام
توسّل المسئولين الحكوميّين كيما تحتلّ مصر شمال السّودان
ما إن أطلّ عام 2005م حتّى طالعتنا ملفّات الأهرام الإلكترونيّة بقولٍ نُكر لم يُسبق عليه مسئول سياسي سوداني من قبل. فقد حمل لنا شهر يناير من ذلك العام إفادات نُسبت لإثنين من المسئولين السّودانيّين، أوّلها بتاريخ 7 يناير 2005م وتخصّ الفريق (اللواء آنذاك) عبد الرّحيم محمّد حسين (كان وقتها وزير الدّاخليّة) وذلك في معرض لقائه بالعلماء والخبراء والباحثين المصريّين بمركز الأهرام للدّراسات الإستراتيجيّة الذين تحلّقوا حوله مستفسرين عن المشروع، ثمّ محقّقين عن جدواهhttp://www.ahram.org.eg/archive/index.asp?CurFN=file5.htm&DID=8359) ).
***
أمّا الإفادة الثّانية فتلك التي تخصّ الدّكتور الصّادق عمارة، وكان وقتها يشغل منصب وزير الدّولة بوزارة الزّراعة السّودانيّة، ذلك بتاريخ يوم 21 يناير 2005م في سياق ندوة نظّمها أيضاً مركز الأهرام للدّراسات الإستراتيجيّة http://www.ahram.org.eg/archive/index.asp?CurFN=file1.htm...
) ).
***
بدا واضحاً من الأسئلة والمخاوف التي رفعها العلماء والخبراء بالمركز حول جدوى وعواقب مشروع استيطاني خطير كهذا، كما لو أنّ النّظام المصري قد دفع بالمسئولين السّودانيّين لتبديد هذه المخاوف، وإظهار المشروع باعتباره مطلباً سودانيّاً قبل أن يكون مصريّاً. وهذا ما يبدو واضحاً ممّا نُسب إلى المسئولَيْن المعنيّين أنّهما قد قاما به بأكثر ممّا خطّط له المصريّون.
***


الإفادات المنسوبة للواء عبد الرّحيم محمّد حسين
الخبراء في حضرة اللواء
ﻓﻲ ﺘﻠﻙ ﺍﻟﹼﻨﺩﻭﺓ ﹸﻨﺴﺏ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻔﺭﻴﻕ ﻋﺒﺩ ﺍﻟّﺭﺤﻴﻡ ﻤﺤّﻤﺩ ﺤﺴﻴﻥ ﻗﻭﻟﻪ: "ﺭكّز ﺍﻟﻭﺯﻴﺭ ﺍﻟّﺴﻭﺩﺍﻨﻲ ﻓﻲ ﺤﺩﻴﺜﻪ ﺇﻟﻰ خبراء ﻭﺒﺎﺤﺜﻲ ﻤﺭﻜﺯ ﺍﻟّﺩﺭﺍﺴﺎﺕ على أنّ ﺍﻟﹼﺘﺼّﻭﺭ ﺒﺄّﻥّ ﺍﻟﹼﻨﻅﺎﻡ ﺍﻟّﺴﻭﺩﺍﻨﻲ ﻫﻭ ﺍﻟﺫﻱ ﻴﺤﺘﺎﺝ ﺇﻟﻰ ﻤﺼﺭ ﻓﻲ ﻫﺫﻩ ﺍﻟﻤﺭﺤﻠﺔ ﻭﻟﺫﻟﻙ ﻴﺒﺎﺩﺭ ﺇﻟﻰ ﻁﺭﺡ ﻫﺫﻩ ﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﻫﻭ ﺘﺼّﻭﺭ فاصر ومبتسر ... ﻭﻟﺫﺍ فإنّ إستراتيجيّة التّعاون ﻫﺫﻩ ﻟﻴﺴﺕ ﻨﺎﺒﻌﺔ ﻤﻥ ﺭﺅﻴﺔ سياسيّة ﺘﺴﺘﻨﺩ ﻋﻠﻰ ﺃﻤﻥ ﻨﻅﺎﻡ ﻫﻨﺎ ﺃﻭ ﻫﻨﺎﻙ وإنّما ﻫﻲ ﺭﺅﻴﺔ إستراتيجيّة ﻟﻤﺴﺘﻘﺒل ﻤﺸﺘﺭﻙ".
***
الآن دعونا نستعرض بعضاً ممّا نُسب إلى اللواء عبد الرّحيم محمّد حسين، في لقائه بخبراء وباحثي مركز الأهرام للدّراسات الإستراتيجيّة، ممّا فهمه الكثيرون على أنّه استجداء لمصر كيما تحتلّ السّودان شمال السّودان: "شدّد اللواء عبد الرّحيم محمّد حسين في عرضه على أنّ مجرى نهر النّيل في المنطقة الواقعة بين الخرطوم حتّى وادي حلفا في الشّمال أكثر طولاً من ذلك الجزء من النّهر الذي يمرّ في الأراضي المصريّة وأشار إلى مفارقة هائلة تتمثّل في أنّ سكّان مصر الذين يتركّزون بشكل أساسي حول ضفّتي النّهر يبلغون تقريباً 70 مليون نسمة بينما يعيش 1.2 مليون نسمة فقط في المسافة من الخرطوم إلى وادي حلفا. وإذا كانت التّقديرات تشير إلى أنّ عدد سكّان مصر سوف يصل إلى 100 مليون نسمة بعد عشرين سنة من الآن فأين سوف يذهبون وإلى أين سيكون التّوجّه المصري لمعالجة هذا الموقف"؟
***
ولكن السّيّد اللواء عبد الرّحيم محمّد حسين (فيما نُسب إليه) لا يجيب عن هذا السّؤال ذي التّداعيات الخطيرة، بل يتركه لذكاء الخبراء، ثمّ القرّاء من بعدهم. ثمّ إن هي إلاّ هُنيهة، فإذا به يُمطرنا ــــ خبراءَ وقرّاء معاً ــــ بسيل من الإجابات والتّبريرات التي نظر إليها الكثيرون على أنّها يمكن أن تُوصف بأيّ شيء إلاّ الذّكاء، دع عنك الكرامة والوطنيّة: "في هذا الإطار أشار الوزير السّوداني إلى أنّ مصر اتّجهت اهتماماتها السّياسيّة والفكريّة والثّقافيّة طوال الخمسين عاماً الماضية إلى الشّمال ولم تلتفت إلى حدودها الجنوبيّة وأنّه قد حان الوقت لوضع إستراتيجيّة تكفل تحقيق المصالح الحيويّة لقطري وادي النّيل حيث إن الأوضاع الحاليّة تستوجب أن يكون التّحرّك المصري هو باتّجاه السّودان على الأقلّ لحل مشاكل مصر الغذائيّة والسّكّانيّة وفي الوقت نفسه المساهمة في تحقيق التّنمية والاستثمار الأمثل للموارد في السّودان بشكل متوازن ومتبادل لمصلحة كلا الطّرفين".
***
جانباً عن بطلان مقولة إنّ مصر قد انصرفت عن إيلاء الشّأن السّوداني ما يستحقّ من اهتمام خلال الخمسين عاماً الماضية، تجدر الإشارة إلى أنّ هذه المدّة تتطابق مع الفترة الزّمنيّة التي تمّ فيها توقيع اتّفاقيّة السّدّ العالي، وإغراق ذلك الجزء من الإقليم النّوبي، ثمّ إفراغ المنطقة من السّكّان تماماً. ومع تحرّي السّيّد "الوزير السّوداني" لتحديد حيثيّات الاستفادة المصريّة (حلّ مشاكل مصر الغذائيّة والسّكّانيّة ــــ على الأقلّ) يترك لنا حيثيّة الاستفادة السّودانيّة في إجمالها دون تفصيل.
***


أراضينا مفتوحة لكم
ثمّ يواصل اللواء وزير الدّاخليّة (فيما نُسب إليه) في عرضه لأراضي السّودان المختلفة، داعياً المصريّين كيما يأخذوا منها باليمين وباليسار: "وقال اللواء عبد الرّحيم إنّ مصر اتّجهت إلى استصلاح بعض الأراضي الصّحراويّة في مشروع توشكي أمام السّدّ العالي لاستصلاح 600 ألف فدّان وأكّد أن ما صُرف على هذا المشروع كان من الممكن وبكلّ سهولة أن يستثمر لاستصلاح ما يزيد عن ثلاثة ملايين فدّان في السّودان وأنّ هناك بالفعل مساحات جاهزة للزّراعة في كلٍّ من المديريّة الشّماليّة وكسلا والقضارف مساحتها 4 مليون فدّان وأشار إلى أنّ إجمالي الأراضي الزّراعيّة القابلة للزّراعة في السّودان هي 220 مليون فدّان وأنّ المستغلّ منها هو 40 مليون فدّان فقط في حين أنّ كلّ سكّان مصر يعيشون على 6 مليون فدّان".
***
علينا أن نقارن هذا مع ما قاله قبله الصّادق المهدي في كتابه (نهر النّيل: الوعد والوعيد)، والعنوان يشي بدرجة كبيرة من حالة الانبراش والانبطاح، ثمّ نقارن كلّ هذا مع الانبراش والانبطاح فيما قالته مريم الصّادق الآن.
***
وتبلغ هذه الملهاةُ المأساةُ قمّتَها عندما يتفنّن الجانب السّوداني في مناوراته لإقناع الجانب المصري بالاستيطان في السّودان تحت غطاء الاستثمار حلاًّ لمشاكل مصر الغذائيّة والسّكّانيّة (على الأقلّ). فالأصل في سوق مثل هذه الحجج أن يقوم بها الجانب المصري (المتهافت) لإقناع الجانب السّوداني (المتمنّع). أنظروا إلى هذا التحاجج الذي ساقه وزير الدّاخليّة السّوداني (فيما نُسب إليه) في لقائه العجيب ذلك بخبراء وباحثي مركز الأهرام: "وأنّه إذا كانت تكلفة استصلاح الفدّان الواحد في مصر تبلغ عشرة أضعاف استزراع الفدّان في السّودان فإنّ النّظرة الاقتصاديّة الرّشيدة تستوجب أن تتمّ هذه العمليّات والمشروعات في الأراضي السّودانيّة لصالح البلدين".
***
ثمّ فجأةً، وبعد هذا مباشرةً، تنكمش أراضي السّودان المتعدّدة تلك، لتصبح منطقة بعينها: " ولمزيد من التّوضيح [توضيح للخبراء المصريّين في مجال الاستثمار يقوم به لواء في الجيش السّوداني ــــ كذا] ضرب الوزير السّوداني بعض الأمثلة المحدّدة وقال بأنّ منطقة ’أرقين‘ جنوب الحدود السّودانيّة المصريّة مباشرةً بها أراضي خصبة قابلة للزّراعة مساحتها 1.5 مليون فدّان وأنّ هذه المنطقة يمكن بدء العمل فيها فوراً وبإمكانها استيعاب مئات الآلاف من الأسر المصريّة لتشغيل مثل هذا المشروع وأنّ هذا يحقّق مصالح عديدة لمصر من بينها تخفيف حدّة البطالة واستثمار اقتصادي بعائد مربح واستثمار إستراتيجي بتوفير الغذاء بالاعتماد على الذّات".
***
ولنا أن نعجب من مقولة "الاعتماد على الذّات" هذه؛ إذ أين الاعتماد على الذّات عندما تنهب دولة (مصر) موارد دولة أخرى (السّودان) لمجرّد أنّ موارد هذه الدّولة الأخرى قد نامت عن ثعالبها النّواطيرُ؟ ثمّ لنا أن نعجب أكثر للكيفيّة التي بها يمكن لقرية صغيرة (أرقين) أن تتمخّض عن أراضٍ بهذا الحجم؟ ثمّ تُرى كم من مئات الآلاف سيقف عندها هذا الرّقم العجيب من الأسر المصريّة؟ نصف مليون، أم ثلاثة أرباع المليون، أم المليون نفسه؟ ثمّ ماذا يعني فعليّاً عدد "مئات الآلاف من الأسر المصريّة"؟ للإجابة على هذا السّؤال علينا أن نقوم بمضاعفة عدد كلّ أسرة في المتوسّط سبع مرّات على أقلّ تقدير، لنكوّن فكرة عمليّة عن العدد الكلّي للرّقم الذي نُسب إلى الوزير السّوداني. وعلى أيّ حال، إذن فما ردّده النّوبيّون عن مسألة بيع الحوض النّوبي للمصريّين تحت دعاوى الاستثمار بينما الاستيطان هو المقصود، يتجاوز الشّائعة ليصبح موقفاً رسميّاً لا يبوء به إلاّ النّظامان الحاكمان في السّودان ومصر، أو أحدهما.
***


أرض السّودان أولى بها مصر من الأفارقة
ليت الأمر وقف عند هذا، فذلك اللقاء ينسب إلى السّيّد وزير الدّاخليّة تعريضه بأقوام سودانيّين أصلاء، ليصفهم بأنّهم دخلاء وغرباء، ذلك في معرض بكائه على انحسار الاستيطان المصري بالسّودان: "نجد أنّ هناك هجرات مستمرّة من غرب أفريقيا إلى منطقة دارفور والتي وصلت إلى 7.5 مليون نسمة بينما نجد مجموع المصريّين المقيمين في السّودان لا يتجاوز عشرين ألفاً وأنّ هذا وضع غير طبيعي ولا يتّفق مع ما بين البلدين من وشائج ...".
***
ونشير هنا إلى أنّ منطق المقابلة يقودنا إلى نتيجة طبيعيّة وهي أنّ عدد المهاجرين من غرب أفريقيا والبالغ 7.5 مليون نسمة هو نفسه وضع غير طبيعي ولا يتناسب مع الفروقات العرقيّة والثّقافيّة بين السّودان وبين غرب أفريقيا (التي لا تزال تُسمّى ’بلاد السّودان‘، فتصوّر)!
***
وقد عدّ الكثير من السّودانيّين ذلك من المضحكات المبكيات، إذ حكى وقتها النّوبيّون كيف جمعهم السّيّد اللواء عبد الرّحيم محمّد حسين أوائل عام 2002م (وهو إذّاك وزير الدّاخليّة) بإحدى القاعات بالخرطوم ليبشّرهم بأنّهم قد أرسوا الاتّفاقيّات مع مصر لتوطين ملايين الفلاّحين المصريّين بأقصى الشّمالية التي كادت أن تخلوَ من سكّانها الأصليّين (أي النّوبيّين) مقابل ازدياد الهجرة إليها من وافدي غرب أفريقيا. ولهم في ذلك اللقاء حكايات عن السّيّد اللواء لا مجال لذكرها هنا، لكنّها لا تخرج عمّا نُسب إليه أعلاه. فهل هذا يعني أنّ هناك موقفاً سلبيّاً واضحاً للسّيّد وزير الدّاخليّة (الوزارة المعنيّة بالهجرة) من قطاع عريض (7.5 مليون نسمة) من الشّعب السّوداني؟ هذا بالرّغم من أنّ هؤلاء النّاس الطّيّبين قد هاجروا إلى السّودان منذ أزمان طويلة تصل في الكثير منها إلى نفس المدّة التي تتعلّق بهجرة العرب إلى السّودان.
***
في تاريخ 15 سبتمبر 2005م صدر عن وزارة الدّاخليّة (وكان عليها اللواء عبد الرّحيم محمّد حسين)، رئاسة قوّات الشّرطة، الإدارة العامة للسّجلّ المدني، فرع الشّئون القانونيّة، بالرّقم و د/س م/م ت/ الأمر رقم (1) لسنة 2005م الموسوم بعنوان "ضوابط التّحرّي في الجنسيّة السّودانيّة بالميلاد والتّصديق بها"، مصدّقاً عليه من قبل السّيّد/ لواء شرطة علي عبدالله علي (مدير إدارة السّجلّ المدني). ورد في افتتاحيّة ذلك الأمر ما يلي: "حفاظاً على الهويّة السّودانيّة ومنعاً لأيّ شخص من التّمتّع بها دون أن يكون مستحقّاً لها قانوناً وتأميناً وضبطاً للهويّة وتبسيطاً لإجراءات الحصول على الجنسيّة، وعملاً بالسّلطات المخوّلة لي بموجب المادّة (13) (أ) من لائحة الجنسيّة السّودانيّة لسنة 2005م ـ أصدر الأمر الآتي نصّه ..." إلخ.
***
ومن ثمّ وردت في خاتمة الأمر تحت المادّة (1) الفقرة (ح، 7) ما يلي: "يجب أن يكتب في حالة منح الجنسيّة عن طريق الأم السّودانيّة بالميلاد أو الأبوين السّودانيّين بالتّجنّس أو عن طريق التّوطّن بالسّودان قبل 1956م على شهادة الجنسيّة عند استخراجها وعلى يسار رقم شهادة الجنسيّة عبارة (منحت عن طريق الأم السّودانيّة بالميلاد أو عن طريق الأبوين السّودانيّين بالتّجنّس أو عن طريق التّوطّن بالسّودان قبل 1956م بحسب الحال) باللون الأحمر لتمييزها".
***
بعيداً عن التّعليق على هذا التّحرّي الدّقيق لمسألة "ما قبل عام 1956م" ثمّ هذا الإزراء المؤسّسي، وبطريقة رسميّة من قبل الدّولة، بأيّ إنسان استحقّ الجنسيّة السّودانيّة عن جدارة كما استحققناها جميعا، دعونا نقف في المادّة (1) الفقرة (ح، 4، ب)، التي جاءت لتحدّد نوع القبائل التي ينبغي للمتحرّي أن يأخذ حذرَه في التّعامل مع أبنائها المطالبين بالجنسيّة السّودانيّة، وتقرأ: "القبائل الوافدة وهي الفلاتا، الهوسا، البرنو" فقط، أي القبائل التي قدمت من غرب أفريقيا، حتّى لو كان قدومُها إلى السّودان قد حدث قبل ألف عام. فكأنّما العربُ في السّودان ليسوا بوافدين؛ وكأنّما أهراماتُ نبتة ومروي قد بناها العربُ العاربة في السّودان.
***
ومع هذا، برغم الاشتطاط في العنصريّة والعنجهيّة، كان يمكن لوزارة الدّاخليّة في زمن اللواء عبد الرّحيم محمّد حسين أن تنال قدراً من الاحترام ولو كان ضئيلاً إذا ما احترمت ما سنّته من تقنين وإجراءات. ففي لقائه المشهود بخبراء مركز الأهرام للدّراسات الإستراتيجيّة، وفي معرض شرحه للأبعاد القانونيّة والسّياسيّة لمشروع الاستيطان المصري ببلاد النّوبة بشمال السّودان، ورد ما نُسب إلى لسانه ما يلي: "أشار الوزير السّوداني إلى أنّ اتّفاقيّة الحريّات الأربع الموقّعة بين مصر والسّودان والتي تتعلّق بحريّة التّنقّل والإقامة والعمل والتّملّك توفّر إطاراً قانونيّاً مناسباً تماماً لتفعيل إستراتيجيّة التّعاون هذه خاصّة وأنّ السّودان هو الذي بادر بطرح [كذا] هذه الاتّفاقيّة للتّعاون مع مصر ... بالإضافة إلى أنّ القانون السّوداني يسمح بازدواج الجنسيّة كما يمنح حقّ المواطنة بعد الإقامة لمدّة خمس سنوات وأنّه في ظلّ نقص السّكّان في شمال السّودان ... [ينقطع الكلام هنا ممّا يُشير إلى احتمال الحذف"].
***
إذن ستُمنح الجنسيّة السّودانيّة للمصريّين بمجرّد أن يقضوا خمس سنوات فقط من عمر استيطانهم الأبدي بالسّودان. ولهم الحقّ، كلّ الحقّ، أولئك السّودانيّون الذين تعجّبوا عن أيّ سودان يتحدّث اللواء عبد الرّحيم محمّد حسين. ثمّ لهم العتبى، كلّ العتبى، حتّى يرضَوا أولئك السّودانيّون الأعزّاء، الأُصلاء الذين رفدت إلينا بهم سهوب بلاد السّودان وغابات أفريقيا السّوداء وهضابها، إن غرباً أم شرقاً أم جنوباً، ممّن سعت قوانين وإجراءاتُ هذه الدّولة العجيبة إلى الإزراء بهم والتّشكيك في سودانيّتهم.
***
فإذا قمنا بمقارنة ما فعلته الإنقاذ (1) في سبيل تنقية السّودان من الأعراق الأفريقيّة وإحلال الأعراق العربيّة (حتّى لو كانت مُدّعاة)، فيما نعرف من سياسة استقدام مستعربي الرّزيقات من دول الجوار الغربي وإحلالهم في أراضي السّكّن الأصليّين بقوّة السّلاح بحيث يعيش هؤلاء السّكّان الأصليّون الآن في معسكرات النّزوح داخل دارفور بجانب معسكرات اللاجئين خارد السّودان ــــ إذا قارنّا هذا بما قامت به الإنقاذ (2) تحت قيادة المجلس العسكري، فسوف نرى أنّها شرعنت هذا الإحلال والإبدال، ذلك باعترافها بمليشيات الجنجويد التي عملت قتلا وتنزيحا وإبادةً في أهلنا بدارفور ولا تزال. وإذا قمنا بمقارنة هذا مع ما فعلته الإنقاذ (3) في ظلّ الوثيقة الدّستوريّة التي أُكلت صياغتها للإسلاموعروبيّين من دعاة القوميّة العربيّة فأعطتنا دولة الإنقاذ (3) بقيادة برهان وحمدوك، وقارنّاه جميَه بما تفعله الآن دولة الإنقاذ (4)، فإنّنا سوف نلاحظ المشتركات التي لا يمكن أن يغفلها إلاّ من عميت بصيرتُه أو تعامى عنها لأكيد علمه بموقعه الأيديولووجي الإسلاموعروبي.
***


الإفادات المنسوبة للدّكتور الصّادق عمارة
مندوب رئيس الجمهوريّة
الآن دعونا نستعرض بعض جوانب من التّداعي والتّهافت الذي يفترض أنّ الدّكتور الصّادق عمارة قد قام به وقتها عندما كان وزير الدّولة بوزارة الزّراعة، لدى لقائه بالخبراء المصريّين بالقاهرة بتاريخ 21 يناير 2005م، ذلك حسبما نسبته إليه ملفّات الأهرام في سياق ندوة نظّمها أيضاً مركز الأهرام للدّراسات الإستراتيجيّة. وقد شارك السّيّد صادق عمارة في تلك النّدوة لا بوصفه وزير الدّولة للزّراعة فحسب، بل بوصفه: "المكلّف رسميّاً من الرّئيس السّوداني عمر البشير ومن الحكومة السّودانيّة بمسئوليّة التّكامل الزّراعي بين البلدين في إطار العلاقات الثّنائيّة التّكامليّة التي ترعاها اللجنة العليا المشتركة ويتولّى الملفّ الخاص بها وزيرة التّعاون الدّولي فايزة أبو النّجا في مصر، والدّكتور مجذوب الخليفة وزير الزّراعة في السّودان" (هنا ننقل الصّيغة الحرفيّة للتّقديم الرّسمي الذي ابتدر به مدير النّدوة الحديث).
***
كما قيل في تقديمه أيضاً: "وكان الدّكتور عمارة قد أجرى في القاهرة الأسبوع الماضي اتّصالات عديدة بهذا الخصوص مؤكّداً أنّه مكلّف من الرّئيس البشير بسرعة العمل وأنّ الرّئيس بشير قال له إنّ الرّئيس حسني مبارك مهتمّ بمنطقة أرجين [أرقين] والمشروعات التي تقام فيها".
***
عليه يكون الدّكتور الصّادق عمارة قد تفاوض في هذا الموضوع بوصفه ممثّلاً للحكومة السّودانيّة. عليه، سيكون من الصّعب للمرء أن يقبل بالدّفوعات التي قدّمها فيما بعد عندما كشفنا وقتها هذه الوثيقة للرّأي العام والسّوداني، إذ جاء إلى النّادي النّوبي بالخرطوم ونفى نفياً قاطعاً أن يكون قد أدلى بحديث كهذا لأيّ جهة. ومع كلّ هذا، لم نسمع عن نفي رسمي، لما ورد بملفّات الأهرام التي كان ينبغي أن تُلاحق رسميّاً في تقوّلها على رئيس الجمهوريّة عمر البشير، دع عنك وزيري الزّراعة مجذوب الخليفة والصّادق عمارة.
***
تبدأ النّدوة التي قدّمها محمود مراد بقول الأخير: "دقّت ساعة العمل الجاد بين القاهرة والخرطوم لتنفيذ مشروع للتّكامل بين مصر والسّودان، يعدّ نموذجيّاً بكلّ المقاييس والمواصفات ...". ومع أنّ السّيّد مقدّم النّدوة لا يشرح لنا بالنّسبة لمن يُعدّ هذا المشروع نموذجيّاً بكلّ المقاييس والمواصفات، بالنّسبة لمصر، أم للسّودان؟ إلاّ أنّ الإجابة على هذا السّؤال الهام ستقفز من بين السّطور عمّا قليل كما تقفز أسماك البحر.
***
بعد هذا التّقديم انبرى الدّكتور الصّادق عمارة قائلاً: "لقد اكتملت القناعات وآن الأوان لدفع عجلة التّكامل .. ومن هنا وقع الاختيار على ’أرجين‘ [يقصدون ’أرقين‘] لتكون نموذجاً قابلاً للتّوسّع .. وهذا الاسم للمنطقة نسبة إلى القرية السّودانيّة المسمّاة به والتي تقع على حدود مصر مباشرةً بمسافة عدّة أمتار .. وهي تحديداً على مسافة 65 كيلومتراً من مدينة أبو سمبل المصريّة التي ينتهي عندها خطّ السّكّة الحديد المصريّة، والفكرة ببساطة تعتمد على أنّها أرض طيّبة .. وتروى من مياه النّيل مباشرةً كما يوجد بها أكبر خزّان للمياه الجوفيّة في أفريقيا وهو الحوض النّوبي .. وتصلح جدّاً للزّراعة .. والإنتاج الحيواني .. بما يغطّي احتياجات مصر ويفيض للتّصدير" [التّرقيم عن طريق التّنقيط جاء هكذا في الأصل].
***
هذا القول وحده يكفي كقرينة دالّة على أنّ المقصود هنا هو الحوض النّوبي وليس قرية أرقين. فالسّيّد الوزير يقول بصريح العبارة بأنّ إطلاق الاسم ’أرقين‘ على المنطقة المعنيّة يعود إلى القرية، الأمر الذي يعني أنّ المنطقة المعنيّة أكبر بكثير من قرية أرقين. فإذا كانت هذه المنطقة تروى من النّيل مباشرةً، تُرى ما هي مناسبة الإشارة إلى أنّها تقع بجوار أكبر خزّان للمياه الجوفيّة بأفريقيا؟
***


جدّاً ... جدّاً !
نلاحظ هنا كيف تُظهر مضابط النّدوة السّيّد وزير الدّولة للزّراعة كما لو كان يتهافت في استجدائه للخبراء المصريّين، كيما يقتنعوا بفكرة المشروع، ذلك في تبسيطه لمشروع خطير كهذا، فضلاً عن قوله ".. وتصلح جدّاً للزّراعة .. والإنتاج الحيواني ..". ثمّ لا يقف عند هذا، بل يحاول، كرفيقه اللواء عبد الرّحيم محمّد حسين، أن يُحاضر [كذا] الخبراء المصريّين إلى ما فيه خير بلادهم: "فإنّ مصر تستورد حاليّاً ستّة ملايين طن قمح وخمسة ملايين طن من الذّرة الصّفراء ومليون طن فول صويا غير الزّيوت والسّكّر وغيرها .. فلم لا تنتج هذا بل وتصدّره .. ولم لا تنتج الأرز ــــ مستخدمة خبرتها ــــ وتصدّره بكميّات كبيرة إلى العالم"؟
***
ولكن ماذا عن حقوق النّوبيّين في منطقتهم هذه؟ هنا يأتي الرّدّ المنسوب للسّيّد الوزير جاهزاً وخالياً من الحصافة: "بهذا وغيره تصبح أرجين منطقة تكامل نموذجيّة وهي جاهزة .. وخالية من السّكّان إذ تنتشر حولها تجمّعات قبائل نوبيّة ...".
***
ولكن السّيّد الوزير لا يعطينا أيّ أرقام بخصوص تجمّعات قبائل مواطنيه النّوبيّين التي يستخفّ بها كما لو كانوا كغُثاء السّيل لا يعبأ الله بهم، هذا بينما لم تخنه الإحصائيّات الدّقيقة وبالملايين عندما تعلّق الأمر باحتياجات السّادة المصريّين. وعلى أيّ حال، هذا القول إمّا أنّه يكشف عن قدر ومكانة النّوبيّين الوضيعة في نظر حكومتنا المصونة، أو أنّه يكشف عن نفس المكانة الوضيعة للنّوبيّين في نظر حكومة.
***


هل هناك وزراء آخرون؟
حتّى الآن وردت أسماء الكثيرين من المسئولين، بدءاً باسم السّيّد عمر البشير (رئيس الجمهوريّة)، ثمّ اللواء عبد الرّحيم محمّد حسين (وزير الدّاخليّة حينها)، ثمّ الدّكتور الصّادق عمارة (وزير الدّولة بوزارة الزّراعة)، ثمّ الدّكتور مجذوب الخليفة (وزير الزّراعة حينها)، ووزراء آخرين من بعض الأحزاب الحليفة. فهل هناك أسماء أخرى يا تُرى. ونرفع هذا السّؤال بجهة الإنكار، واللجّ فيه، الذي باشرنا به المسئولون السّودانيّون، من قبيل ذلك الذي قام به الدّكتور الصّادق عمارة في النّادي النّوبي بالخرطوم، والذي ــــ باستخدام ألفاظ النّوبيّين ــــ نفى هذه الوقائع التي طفحت بها صفحات الأسافير بطريقة (شُكُّو .. لُكُّو)، أي (أبداً .. أبداً). إذن فهذا جميعُه محض افتراء من المصريّين! حسنا!
***
فإذا كان هذا ما افتراه المصريّون، وعبر واحدة من أعرق مؤسّساتهم البحثيّة، تقوّلاً على المسئولين السّودانيّين، بدءاً من السّيّد الرّئيس انتهاءً بوزراء الدّولة، فلم لم يصدر أيّ نفي رسمي، ثمّ احتجاج رسمي يُطالب الجانب المصري بالاعتذار عن هذه التّقوّلات؟ دعونا نستمرّ في استعراضنا لنرى، إذ عمّا قليل سنرى كيف لم يفوّت المصريّون أيّ فرصة لذكر اسم أيّ مسئول له ضلع أو شبهة ضلوع في هذا الأمر الخطير.
***


ما بين التّوسّع المصري وتحرير حلايب
تُرى إذا كانت المنطقة المقصودة هنا هي الحوض النّوبي، إلى ماذا إذن تُشير كلمة ’وغيره‘ في جملة ".. بهذا وغيره ..." من الحديث المنسوب للوزير الصّادق عمارة أعلاه؟ فهل هناك مناطق أخرى؟ هنا سرعان ما تقفز علينا الإجابات، فنقرأ في الفقرة التي تلي ذلك مباشرةً: "والمنطقة مرتبطة بشبكة طرق ... منها نهر النّيل، ومنها الطّريق البرّي بين أبو سمبل ــــ دنقلا وهناك توجيهات بإتمامه فوراً وقد جرى بحث هذا من قبل بين وزير النّقل السّوداني: السّمّاني الوسيلة [حينها؛ الآن يشغل وزير الدّولة بالخارجيّة عن الحزب الاتّحادي الدّيموقراطي جناح زين العابدين الهندي] وبين وزير النّقل المصري الدّكتور عصام شرف واتّفقا على طريق من أبو سمبل في مصر إلى مدينة دنقلا ــــ شمال السّودان ــــ ومنها يتفرّع شرقاً إلى مدينة القضارف، ثمّ إلى إثيوبيا، كما يتفرّع طريق آخر غرباً ...".
***
ويقول في النّدوة المهندس علي الهيتمي: "ولأنّ الطّرق مهمّة في التّنمية .. فقد علمنا هذا في الفترة الأخيرة، واتّفق الدّكتور محمّد إبراهيم سليمان وزير الإسكان والمرافق العامة والمجتمعات العمرانيّة مع معالي محمّد طاهر جيلا [هل يقصد "إيلا"؛ ولنا أن نعجب، إن كان ذلك كذلك، كيف ارتدّ المسئول المصري بطريقة انعكاسيّة إلى عادة المصريّين الرّسميّة في نطق أسماء المسئولين السّودانيّين بطريقة خاطئة كأنّما هي أسماء ما أنزل الله بها من سلطان] وزير النّقل السّوداني [حينها] على شقّ طريق برّي بموازاة البحر الأحر من الحدود المصريّة السّودانيّة حيث ينتهي الطّريق المصري المرصوف، ويمتدّ حتّى ميناء بورسودان ...". وهكذا يشرع المسئول المصري في تعداد الطّرق التي من شأنها أن تخترق الأقاليم السّودانيّة شمالاً وشرقاً وغرباً.
***
ولا نريد أن نلفت نظر القارئ إلى أنّ هذه هي نفس مصر التي تحتلّ حلايب ومثلّث سرّة بأدنى وادي حلفا لعقود وعقود، بل نلفت نظره إلى أنّ هذا هو نفسه نظام الإنقاذ الذي زعم أنّه جيّش الجيوش وأعلن النّفرة الكبرى لتحرير حلايب من قبضة المصريّين.
***
ثمّ انظر إلى الرّسالة المبطّنة التي تشتمل عليها معلومة أنّ ابن البجا (إن كان المقصود فعلاً محمّد طاهر إيلا) هو الذي يفاوض المصريّين من أجل أن يتوسّعوا في الشّرق. ومثلُه في ذلك كمثل الرّسالة التي تنطوي عليها حقيقة أنّ اللواء عبد الرّحيم محمّد حسين والدّكتور الصّادق عمارة كليهما من النّوبيّين. وفي هذا تأكيد لقولنا الذي يا طالما ظللنا نسوقه بخصوص مفهوم التّهميش، وكيف أنّه ليس جغرافيّاً كما ليس عرقيّاً، بل هو سلطوي. فمنذ الاستقلال ربّما لم يزد عدد أبناء البجا من الوزراء عدد السّتّة، بينما قد يفوق عدد الوزراء النّوبيّين عدد السّتّمائة. ومع ذلك ما أفاده النّوبيّون من ذلك العدد الكبير يساوي ما أفاده أهلنا البجا من ذلك العدد الضّئيل، أي صفر. ولو انعكست الآية لما كان هناك فرق. عليه ينبغي أن يُحاكم هؤلاء الوزراء بالبرامج والأيديولوجيّات التي صدروا منها، لا باعتبار الإثنيّات التي ينتمون إليها بالدّم، بينما قد لا ينتمون إليها فكراً وروحاً وعملاً (في ذلك راجع كتابنا منهج التّحليل الثّقافي: صراع الهامش والمركز، ط 1، الخرطوم، 2014م).
***


هل هناك مناطق أخرى يا ترى؟
دعونا الآن نتأمّل مسألة شبكة الطّرق العنكبوتيّة التي يزمع القوم إنشاءها في شمال وشرق السّودان، ويزعمون بأنّهم قد حصلوا في ذلك على العون كلَّ العون من الحكومة السّودانيّة. تُرى ما هي قصّتها؟ لفهم ذلك نحتاج إلى ربطه بما نُسب إلى السّيّد اللواء عبد الرّحيم محمّد حسين (انظر أعلاه) لنفس المجموعة من الخبراء والباحثين، في معرض حثّه لهم بقبول مشروع توطين ملايين المصريّين في السّودان: "وأنّ هناك بالفعل مساحات جاهزة للزّراعة في كلٍّ من المديريّة الشّماليّة وكسلا والقضارف ..."، بعد ذلك تكشّف المستور حيث بيعت أراضي دلتا طوكر والقاش لشركات مصريّة وعربيّة بينما البجا ينظرون. ليس هذا فحسب، بل لعب صندوق تنمية الشّرق المكوّن بموجب اتّفاق الشّرق دوراً في هذا. ففي نفس اللقاء يقول الدّكتور الصّادق عمارة: "هناك تفصيلات كثيرة لم نقلها ...". وليت الأمر توقّف عند هذا الحدّ، إذ واصل في انحداره بطريقة رأسيّة، ليصل دركاً سحيقاً في الرّياء ومسح الجوخ، بما لم يألفه السّودانيّون أبداً في تعاملهم مع العرب عموماً والمصريّين خاصّة.
***


تهافت التّهافت
ما يجعلنا نذهب إلى أنّ الموضوع كلّه محاولة مصريّة لإقناع المؤسّسات العلميّة الأكاديميّة لتقبل وتبارك مشروعها المتهافت الذي يقوم على الاستيطان في السّودان تحت غطاء الاستثمار هو تبادل الأدوار بين مقدّم النّدوة، محمود مراد، وهو صحفي يبدو كما لو كان مكلّفاً بتسويق هذه الصّفقة، وبين المسئولين السّودانيّين. تأمّلوا معنا ما يقوله محمود مراد: "وبالنّسبة للنّقطة الحسّاسة .. وهل تكون الأرض ملكيّة خالصة أم حقّ انتفاع فإنّني أقول في ضوء مناقشاتي مع المسئولين السّودانيّين ــــ وعلى مستوى رفيع ــــ إنّ هناك دراسة حول التّمليك تأسيساً على اتّفاقيّة الحريّات الأربع بين البلدين وهي: حقوق ’السّفر والإقامة والعمل والتّملّك‘. والنّظام المعمول به حاليّاً ومن الآن هو الحصول على الأرض بعقد ’حقّ الانتفاع لمدّة خمس وخمسين سنة وتجدّد‘ ويمكن أن تكون ــــ وهذا ميسور ــــ لمدّة تسع وتسعين سنة، قابلة للتّجديد ...".
***
ويعكس هذا الخلفيّة التي صيغت عليها اتّفاقيّة الحريّات الأربع، الأمر الذي يجعل المرء يفكّر في ما قالت به مجموعة العمل النّوبي، عندما زعمت بأنّ المسألة كلّها تمثيليّة الغرض منها ذرّ الرّماد في عيون الشّعب حتّى لا يرى بأمّ عينيه الوطن يُباع في الدّلالة الدّوليّة. ويبلغ سوء الإخراج جرّاء "الكلفتة" Mediocrity النّاجمة عن العجلة الماحقة قمّته عندما يقوم مقدّم النّدوة بإعلان حيثيّات لاتّفاق رسمي لم يُعلن عنه من قبل. ثمّ يبلغ التّناقض قمّته عندما يُثبّت ما سعى اللواء عبد الرّحيم محمّد حسين إلى نفيه، ذلك بالنّظر إلى الموضوع باعتباره إستراتيجيّة أمنيّة. فهو يقول: "فالمسألة في صالح البلدين بل أقول في مصلحة الأمن القومي لكليهما .. مع وجود مصلحة اقتصاديّة واستثماريّة لمن يشارك ويستثمر .. ومن يسارع سيحصل على أفضل المواقع ...".
***
ثمّ يبلغ التّهافت والتّداعي قمّته ليكشف عن مستوى من الانتهازيّة مارسته مصر في حقّ الشّعب السّوداني مرّات ومرّات، ذلك كلّما واتتها الفرصة، ولا تُلام في ذلك طالما كانت تستخدم أذرعة سودانيّة شعبيّة ورسميّة. يقول محمود مراد (المصري ــــ لاحظوا!): "أضيف إلى أنّه إذا كانت هناك رغبة وإرادة لتنفيذ منطقة التّكامل هذه .. فلا بدّ من الإسراع، وأنا أدعو هنا القطاع الخاصّ للتّحرّك الفوري قبل أن يفوت الوقت ونقول ’يا ليتنا‘ ونفاجأ بآخرين هجموا عليها ...".
***
ولكم صدق في قوله هذا مع ما فيه من درجة عالية من الانتهازيّة؛ فإذا كانت "البلد هاملة"، إذن فلنهجم عليها نحن قبل أن يهجم آخرون. إذ كيف يُلام المصريُّ على انتهازيّته في الهجوم الكاسر للإجهاز على السّودان، عندما يكون ردّ الوزير السّوداني (الصّادق عمارة) على مثل قوله ذلك: "... فهذا صحيح لكن العالم يتحرّك ونحن لا نتحرّك ...". تُرى من يعني بقوله "نحن"؟ هل يعني مصر أم تُراه يعني السّودان؟
***


دعك من أرقين، فالأمر كلّه استيطان
رفع العديد من الخبراء والباحثين بالمركز صوتهم متسائلين عن الضّمانات في ألاّ تعصف متغيّرات السّياسة السّودانيّة بهذا المشروع الاستيطاني الذين نطقت به السّطور دون أن يجرؤ أحد على ذكر كلمة استيطان. فإذا لم يكن الموضوع كلّه استيطانيّاً، فكيف بالله يمكن فهم ما قاله محمود مراد: "ربّما أضيف أنّه سيجري تخطيط المنطقة وتقسيمها وتحديد مساحتها ..". وهذا القول قد يبدو متناقضاً بالإشارة إلى أنّ مساحة المنطقة هي التي بدأ بها المشروع كلّه، وهي 6.1 مليون فدّان (وليس 1.6 مليون فدّان). وفي الحقيقة تتضارب الأرقام بين إفادة مسئول وآخر، مصريّاً كان أم سودانيّاً. لكن تبقى الحقيقة في أنّ المنطقة المقصودة هي الحوض النّوبي الذي تفوق مساحته العشرة مليون فدّان "جاهزة"، باستخدام ألفاظ الوزير الصّادق عمارة. فالمساحة التي ذُكرت هي نقطة البداية، حيث من المخطّط أن تتوسّع لتشمل مساحات أخرى.
***
في هذا، تُذكر قرية أرقين للتّمويه، مع أنّها معنيّة بجزء خطير في هذا المخطّط، إذ إنّها هي التي ستكون حاضرة المستوطنة المصريّة داخل الأراضي السّودانيّة، ذلك لسهولة حمايتها بحكم أنّها "... تقع على حدود مصر مباشرةً بمسافة عدّة أمتار"، باستخدام ما نُسب من ألفاظ لوزيرنا الصّادق عمارة. ويقول محمود مراد عن الخطط المصريّة لأرقين المسكينة: "وإنّ أرجين يمكن إعادة تخطيطها لتكون مدينة حاكمة للمنطقة، أو المركز الحضاري لها يضمّ الخدمات الرّئيسيّة المختلفة من مستشفيات ومدارس وبنوك ومراكز ثقافيّة وتجاريّة وترفيهيّة وغيرها .. علاوة على ما يمكن أن ينشأ وسط هذه المساحة الضّخمة من تجمّعات سكنيّة بخدمات ...".
***
ويخلق هذا القول لبساً مقصوداً، إذ يُشير في ظاهره إلى أنّ قرية أرقين موجودة على الأرض، الأمر الذي يُتيح لنا أن نُعيد تخطيطها. لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع أنّ أرقين القرية تقبع تحت عشرات الأمتار في عمق البحيرة، وعلى الشّاطئ لا توجد الآن إلاّ الأرض اليباب. ومثل هذه المنطقة لا يُعاد تخطيطها، بل يُشرع في تدشين تخطيطها. وعلى أيٍّ، الكلام يشير بوضوح إلى الخطّة الاستيطانيّة، أللهمّ إلاّ إذا أراد لنا المسئولون أن نرى الله عزّ وجلّ عياناً بياناً كيما نؤمن به. ثمّ لماذا يتكلّم القوم المتآمرون عن أنّه: "... سوف توجّه الحكومة السّودانيّة ــــ عن طريق وزارة الزّراعة وفق ما قال الدّكتور صادق عمارة ــــ دعوات رسميّة إلى كلٍّ من: الدّكتور مهندس محمّد إبراهيم سليمان وزير الإسكان والمرافق العامة والمجتمعات العمرانيّة، والدّكتور مهندس محمود أبو زيد وزير الموارد المائيّة والرّي، والسّيدة فايزة أبو النّجا وزيرة التّعاون الدّولي، والمهندس أحمد الليثي وزير الزّراعة، والدّكتور عصام شرف وزير النّقل وإلى عدد من المسئولين لزيارة منطقة أرقين الشّهر القادم وتفقّدها والاتّفاق على خطوات تنفيذيّة للمشروع ...".
***
انظروا كيف تحوّلت قرية أرقين الصّغيرة هنا إلى "منطقة". ثمّ فلننظر كيف تكشف لنا خائنةُ الألسن ما تواطأ علي كتمانه القوم المتآمرون. فالسّيدّ محمود مراد لا يتكلّم عن تجمّع سكني واحد هنا، حتّى نحسن به الظّنّ فنعتقد أنّه يتكلّم عن أرقين، القرية الصّغيرة التي ابتلعتها أمواه بحيرة النّوبة. فالرّجل يتكلّم عن تجمّعات سكنيّة يمكن أن تنشأ في هذه المساحة الضّخمة. فإذا كانت أرقين غير موجودة على الأرض، عليه يمكن لأيّ كائنٍ ما أن يستخدم اسم "أرقين" ليعني به أيّ نقطة في المنطقة الممتدّة من حلفا صعوداً إلى دنقلا جنوباً ثمّ نزولاً بزاوية منحرفة شمال غرب إلى جبل عوينات، ثمّ إلى حلفا مرّة أخرى. فمن الذي يمكنه أن يثبت أنّ هذه المنطقة ليست أرقين طالما أنّه لا توجد أصلاً أرقين. فأرقين الأصليّة غير موجودة على الأرض.
***


الضّمانات ... الضّمانات!
تجاوب صدى "الضّمانات" بين أركان النّدوة المحضورة في مركز الأهرام، وقد تركّزت بشكل خاص حول "مدّة الانتفاع" بالأرض، وكيفيّة جعله "ملكيّة الأرض". وقد استندت الشّرعيّة الرّسميّة على ما يُعرف باتّفاقيّة الحريّات الأربع التي داوم العديد من المؤتمرين على الاستشهاد بها حتّى ظنناها أمراً مُنزلاً من السّموات العُلَى. من ذلك مثلاً ما قاله الدّكتور حلمي الحديدي: "إنّ مصر والسّودان مرتبطان ارتباطاً وثيقاً وينبغي تدعيم هذا وتعميقه رسميّاً وشعبيّاً .. ومن هنا فإنّني أتحفّظ على مسألة ’حقّ الانتفاع‘ وأرجو أن تُفكّر الحكومة السّودانيّة في حقّ التّمليك وفق اتّفاق الحريّات الأربع .. ثم ما هي الضّمانات للاستمرار بهذا الحماس وعدم حدوث مخاطر للاستثمار؟ ونقطة ثالثة فإنّني أرجو أن تكون هذه المنطقة للتّكامل المصري السّوداني لمشروعات مصريّة سودانيّة فقط دون دخول مستثمرين آخرين ...".
***
إذن فلا بدّ من تدعيم هذه العلاقات الأزليّة رسميّاً وشعبيّاً! حسناً، لكن حتّى الآن لم يأت ذكر لأيّ مستثمر سوداني، دع عنك أهل الأرض المغيّبين. وقد صدقت مجموعة العمل النّوبي عندما قالت في مذكّرتها بأنّ الموضوع كلّه قد أُبرم بليلٍ دون أن يُشار فيه إلى النّوبيّين ولو من قبيل المجاملة (هذا باستثناء الإشارة المنسوبة للوزير الصّادق عمارة إلى أنّ منطقة أرقين بها تجمّعات قبائل نوبيّة، كما لو كانوا من شُذّاذ الآفاق.
***
ولا ندري هل قام السّيّد الوزير الصّادق عمارة بتصحيح معلومة أنّ الدّولة في السّودان لا تملّك الأرض المستثمرة زراعيّاً، إن هي إلاّ حيازة منفعة لأجلٍ معلوم، أم لا. ولننظر إلى هذا الجشع المصري الذي لا يعرف الشّبع؛ فاتّفاقيّة الحريّات الأربع ساوت بين المصري والسّوداني من حيث مدّة الانتفاع بالأرض الزّراعيّة للاستثمار، ولكنّ القوم يريدون أكثر من ذلك؛ يريدون فرماناً من الباب العالي بملكيّة الأرض لتكرار سيناريو إسرائيل والفلسطينيّين، وهذا كلّه تحت دعاوى تمتين العلاقات والصّلات شعبيّاً ورسميّاً. ومع هذا لا نجد ذكراً لأهل الأرض الأصليّين. ثمّ يزداد الجشع الذي لا يعرف الحدود (أو الاختشا)، فإذا بالقوم يُطالبون بأن ينكفئ المشروع على السّودانيّين والمصريّين فقط فلا يدخل ثالث بين التّفّاحة وقشرتها، أو قل بين البصلة وقشرتها. وتكمن النّكتة هنا في أنّه إذا كان السّودانيّون أهل الحقّ المطلق في هذا الأمر لم يتمكّنوا من الدّخول، فكيف بالله يتمكّن الآخرون من ذلك؟
***
لكن الموضوع ليس بهذه البساطة، فهو يعني بالنّسبة للمصريّين (بكلّ بساطة ــــ باستخدام الألفاظ المنسوبة إلى الوزير الصّادق عمارة) الآتي: الآن وقد ضمنّا إبعاد أيّ سوداني من المشروع، علينا استخلاص الضّمانات بألاّ يُسمح لأيّ جهة أخرى غير سودانية أو غير مصريّة (ليبيّة مثلاً) بالدّخول في هذا الموضوع. هنا يتدخّل عرّاب النّدوة السّيّد محمود مراد مقدّماً ضمانات لا نعلم مصدر التّخويل أو التّفويض فيها، وهو المصري وليس السّوداني: "بالنّسبة للتّمليك، فهذا يُدرس وفي رأيي فإنّه سيتقرّر [كذا] ولكن المتاح الآن ليس مُضرّاً [كذا] فإنّ حقّ المنفعة [القائم على مساواة حقّ المواطن المصري بالسّوداني] يتجدّد ويمكن النّصّ على هذا، وبالنّسبة للضّمانات فهذا حقّ وللمستثمر أن يطلب ما يشاء [كذا] من ضمانات قانونيّة وضدّ مخاطر الاستثمار ... أمّا عن اقتصار المنطقة على المشروعات المصريّة السّودانيّة فقط فهذا صحيح ولذلك ندفع بالمستثمرين .. لكن إلى متى"؟
***
لكن هذا ما قال به القوم الجِشاع؛ تُرى ماذا قال وزيرنا إن كان قد قال شيئاً؟ هنا اسمحوا لي، سادتي، أن أنقل إليكم ما دار بخصوص هذه الجزئيّة نقل مسطرة. بعد حديث محمود مراد أعلاه، وتقديمه لهذه الضّمانات المجّانيّة باسم حكومتنا الموقّرة، جرى الحديث على النّحو التّالي:
الدّكتور صادق عمارة: أضيف إلى ما قاله الأخ محمود .. إنّ حقّ الانتفاع يمكن أن يمتدّ لمدّة تسعة وتسعين عاماً .. وأقول إنّ زراعة أراضي هذه المنطقة غير مكلّف ـ وأنا فلاّح ودارس للزّراعة ـ إذ يمكن أن نزرعها فوراً .. وعن اقتصارها على مشروعات مصريّة وسودانيّة فهذا صحيح لكن العالم يتحرّك ونحن لا نتحرّك ..
أشرف عبادة: ربّما يكون من الأوفق تأسيس شركات مصريّة سودانيّة مشتركة للعمل ..
صلاح الملّيجي: كنتُ أودّ التّركيز على موضوع الضّمانات ..
الدّكتور صادق عمارة: الضّمانات القانونيّة موجودة ومستعدّون لأيّ ضمان .. وأكرّر أنّنا سنتكفّل بكلّ الطّرق الرّئيسيّة والفرعيّة وبشبكة الكهرباء .. وشبكة الرّيّ .. وأكرّر أنّ حقّ الملكيّة ستكون للمصريّ مثل السّوداني. ومثلاً فإنّ حقّ ملكيّة المنفعة لغير السّوداني تكون في حدود ثلاثين سنة .. أمّا بالنّسبة للسّوداني والمصري ــــ مثله ــــ فهي في حدود خمسين سنة ويمكن أن تكون تسعاً وتسعين سنة .. والسّعر يكاد يكون مجّاناً ... .
***
MJH
جوبا ــــ 3 مارس 2021م

///////////////////////