أهداف الثورة الفرنسية 1789، الحرية والمساواة والإخاء، شكلت الدلالات السياسية الأولى لمفهوم اليسار قبل أن يشيع المفهوم مع مصطلح اليمين، بعد ثورة 1830، الفرنسية أيضا، ويرتبط المصطلحان مع مفاهيم البرجوازية والبروليتاريا والإشتراكية…الخ. ومنذ النصف الثاني من القرن 19 اصبح المصطلحان يعبران عن التعارض القائم بين ايديولوجيات وبرامج وحركات سياسية مختلفة، وصار معيار التمييز بينهما هو التمييز ما بين موقفين لقوتين، إحداهما تناضل من أجل المساواة بين البشر، وترجع اصل اللامساواة إلى مصدرها الإجتماعي في الطبقة والإثنية والجنس وما يترتب على ذلك من استغلال وتمييز أو استلاب. وترى هذه القوى، أن أسس اللامساواة يمكن إزالتها، لكن النضال من اجل المساواة يصبح تعبيرا عن توجه واقعي نحو تقليص اشكال اللامساواة القائمة بين البشر، وذلك بالنظر إلى نسبية مفهوم المساواة، حيث لا يمكن تصور مساواة كاملة. أما القوة الأخرى فترى أن اللامساواة محتومة ولا فكاك منها، وذلك لأن اصلها طبيعي!.
وفي أواخر القرن 20 وبدايات القرن 21، تزايد التشكيك في جدوى إستمرار تبني التمييز بين اليسار واليمين، وبدأ كثيرون يتحدثون عن تلاشي المفهومين، وذلك بالاستناد إلى عدد من الحجج من نوع الزعم بموت الآيديولوجيات، وبروز حركات مناضلة جديدة من الصعب تصنيفها ضمن اليسار أو اليمين، كحركة الخضر مثلا، وإنهيار المعسكر الاشتراكي، والتبشير بالانتصار النهائي للرأسمالية. وبالطبع، إنبرى عدد من المفكرين لدحض هذه الحجج فأشاروا إلى أن الزعم بموت الايديولوجيات هو في حد ذاته ايديولوجية، وأن وصول مشاريع التغيير التي حملتها قوى يسارية معينة إلى طريق مسدود لا يعني موت ايديولوجية اليسار بقدر ما يعني تعثر، وربما انزواء، ايديولوجية هذه القوى المعينة تحديدا، وذلك لأن اليسار متعدد ولا يمكن حصره في، أو المطابقة بينه وبين، هذا الفصيل أو ذاك، ثم أن الأيديولوجيات لا تموت، قد تذبل وتشحب ويضعف اثرها إلى حد بعيد، وقد يتوقف تطورها وتتحول إلى تعاليم ثابتة وعقائد ودوغما، ولكن جذوتها تظل حية، وتحمل إمكانية أن تتجلى وتبرز مرة أخرى، لتعبر عن نفسها بشكل جديد طالما بقي الانسان متمسكا بالقيم التي تنطوي عليها.
شخصيا، أعتقد، في عصرنا الراهن، من الصعب ترسيم الحد الفاصل بين اليسار واليمين، كخط مستقيم خال من التعرجات والتداخلات، بذات السهولة التي كانت فيما مضى، ولم تعد معالم هذا الخط واضحة كما كانت في مرحلة سابقة. وربما السبب الرئيسي في ذلك، هو قبول اليمين، خاصة عندما يكون في موقع المعارضة السياسية، لمعظم المبادئ المرتبطة تاريخيا بأطروحات اليسار، كالتمسك بالديمقراطية والدفاع عن حقوق الانسان والعدالة…الخ. إضف إلى ذلك علو النغمة الليبرالية، بل والمعادية للقوى الإمبريالية، التي تعزفها أحيانا بعض قطاعات اليمين خلال تناقضاتها المؤقتة مع تلك القوى. أنظر تجربة المؤتمر الشعبي العربي في السودان أوائل التسعينات بقيادة الترابي وجورج حبش ونايف حواتمة!. ويمكنني الزعم، بأن مفهوم اليسار في السودان يتوسع حاليا ليحتل مساحة اوسع، تمتد من قوى الحداثة والاستنارة في المدينة أو المركز إلى حركة الهامش المحتجة والمتمردة في الأطراف رغم أن قوتها الدافعة مثقلة بالطابع الاثني والقبلي، وهي متمردة على الإجحاف والتهميش خلال مسيرة الدولة المستقلة، وعلى قياداتها التقليدية في أحزاب اليمين الحاكم والتي ظلت تدين لها بالطاعة لعقود طويلة، لكنها لم تحصد سوى الريح.
ومع التأكيد على أن الإلهام الاكثر عمقا لليسار لايزال هو القناعة بقدرة الانتفاض على الخضوع وقلب انظمة السيطرة القائمة، إلا اننا نلحظ أن الصمت التاريخي الراهن الذي يحيط باليسار في الفضاء العربي، لا تفسره قوة المسيطر الراهن على العالم، بل هو ناتج، بالضرورة، من قصور اليسار عن تقديم رؤى جديدة ومقترحات ملموسة في واقع متغير بإضطراد. وآمل ألا أكون شاطحا إذا قلت ان اليسار اليوم يكاد يفتقد البوصلة الضرورية لإكتشاف الأسس الاجتماعية والثقافية للفعل السياسي المقاوم، رغم أن أمامه فرصة كبيرة للإقتراب أكثر من أوجاع الحياة اليومية وفق فهم متطور ومتجدد. وأقسام عديدة من اليسار لم تغتنم هذه الفرصة، بل تمترست حول ذاتها، تجتر من ذاكرتها مدافعة عن «مقدساتها» في الأيديولوجيا، ومحتفية بإرتفاع مبيعات كتاب «رأس المال» إبان الأزمة المالية الأخيرة للرأسمالية. وأعتقد لايزال بوسع اليسار الإستفادة القصوى من هذه الفرصة، شريطة أن يوسع مفهوم الديمقراطية داخله، ويطور خطابه السياسي وبرامجه وأساليب عمله، متفننا في إستخدام منجزات العصر العلمية، كالأنشطة البحثية العلمية، في كل المجالات مثل قضايا التطور الاجتماعي، التربية والتعليم، الشباب، المرأة، الثقافة، التراث، الدين..الخ.
نعم، أمام اليسار العربي معضلة أساسية، عليه مواجهتها بكل جدية، وتتلخص في تقلص نفوذه وقدرته على تحريك الجماهير. وكثير من الاسئلة يجب أن تثار للتعرف على أسباب هذه المعضلة وتداركها: ما الذي يدفع، أو يمنع، الناس للإنخراط في الحراك الجماهيري؟
لماذا أصبح شعار الدين هو المحرك الأقوى للشارع؟ لماذا توقف مفكرو اليسار عن استكمال مشاريع دراسة التراث العربي الإسلامي، والتي بدأها حسين مروة والطيب تزيني وآخرون؟ هل ما زال اليسار مؤهلا لإختراق الحياة اليومية للجماهير لتقديم التحليل والحلول والبديل؟. لا يكفي رصد المتغيرات العامة، وإنما علينا معايشتها بعمق، فالحلول لا تأتي من مقاعد المتفرجين!.
وعموما، لن يكون في مقدور اليسار أن يسترد عافيته ويشق لنفسه طرقا نضالية جديدة تبقيه فاعلا ومؤثرا على مسرح الأحداث، ما لم يمتلك شجاعة كافية تمكنه من إعادة النظر في المنطلقات المفاهمية والتوجهات البرنامجية التي قامت عليها هويته، ليس في اتجاه التخلي عنها، وإنما في اتجاه السعي لأجل إعطائها مضامين جديدة تنسجم مع دروس تجربة نضالية طويلة ومريرة، ومع التغييرات الهائلة التي حدثت وتحدث يوميا، ومع الآفاق المنفتحة أمام عالم لن يكون كما كان.

٭ كاتب سوداني

نقلا عن القدس العربي