عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تجلَّت أُطر الحداثة في السياسة السُّودانيَّة في الدور الوطني للأب فيليب عباس غبوش آدم ودعوته لدمج أفريقية السُّودان في عروبته وإسلامه في مسيحيَّته تحقيقاً للواقع الموضوعي في السُّودان. لهذا قدَّم الكثير من الأطروحات والأفكار السياسيَّة القيِّمة التي نادت بالحقوق المتساوية والحرية والعدالة الاجتماعيَّة وحقوق المواطنة ورفع الظلم عن مواطني المناطق الطرفية في السُّودان، دفعاً لقيم الإنسانيَّة. كان غبوش صاحب تاريخ ناصع في السياسة السُّودانيَّة، وقياديَّاً بارزاً معروف بإثارته لقضايا جوهرية في حياة المجتمع بجدية رغم التحدي الكبير الذي واجهه. وفوق كل ذلك كان من الشخصيات المؤثرة ليس في جبال النُّوبة فقط بل في السُّودان كله خاصة في مناطق جبال النُّوبة. فمواقفه ونظرته متقدِّمة وكانت أفكاره متناقضة تماماً مع الرؤى الرجعية التقهقريَّة لكل الأحزاب العقائديَّة المتطرفة منها وغيرها.
فأقواله كانت تعكس مواقفه الوطنيَّة، فيما كان يردده دائماً: "إنَّ السُّودان الذي ننشده ونتمناه يجب أن يقوم على أساس واقعنا الموضوعي. وينبغي الاعتراف بكل تفاصيل أنفسنا كسُّودانيين، حتى تجد كل قومية مكانها على أرضنا الشاسعة. فلا مجال للتملص من الواقع السياسي ولا مجال لركل الواقع الاجتماعي، ولا مفر من الاعتراف بالتعدد العرقي والديني والثقافي". فقد كان غبوش من أنصار بعث الثقافات الأفريقيَّة التي بدت خارج المنظومة الثقافيَّة السُّودانيَّة وطالب الشباب بالتركيز عليها وجمع تراث الأسلاف وتطبيقه على الحياة المعاصرة، واقترن مطلبه بدعوة الحاكمين لتقدير والاهتمام بتطوير هذا التراث.(1) يتناول هذا المقال– باختصار شديد - تاريخ الأب غبوش، ميلاده ونشأته، ودوره السياسي تجاه القضايا الوطنيَّة التي كرَّس حياته لها حتى مماته في العام 2008م.


ميلاده ونشأته
كسائر غالبية السُّودانيين الذين ليست لديهم شهادات ميلاد حقيقيَّة، ولد الأب فيليب تقديراً في الأول من يناير عام 1922م بحي بانت في مدينة أم درمان لأبوين مسلمين، وكان والده جندياً في قوة دفاع السُّودان وبرتبة شاويش. وبعد أن ترك والده الخدمة العسكريَّة عاد إلى حجر السلطان، إحدى قرى قبيلة الأما (النيمانج) بريفي سلارا، غرب مدينة الدلنج، حيث ترعرع ونشأ فيها. أما اسم "فيليب" فجاء بعد تعميده وهو في التاسعة من عمره على يد مبشِّرة إنجليزيَّة تُعرف باسم وينثروب. ولقبيلة الأما اسهامات كبيرة في مناهضة الاستعمار الإنجليزي الأمر الذي دفعهم إلى وصف قبائل هذه المنطقة بالقبائل الجبليَّة المشاكسة، ولعلَّ ثورة السلطان عجبنا من أهم وأشهر تلك الثورات.(2)


تعليمه وعمله التبشيري
تلقى غبوش تعليمه الأولي في مدرسة سلارا الشهيرة، والوسطى في مدرسة كاتشا، بريفي كادقلي، وكلية (اللاهوت) في جوبا بجنوب السُّودان سابقاً. كان غبوش ثاقب الرؤية وكانت هذه الرؤية واضحة ولم تتعارض أبداً مع مواقفه النضالية إذ كان يبغض الاستعلاء والكبرياء والإزدراء والظلم، وكانت جوبا أولى محطات عمله السياسي الباكر. ففي فترة دراسته فيها وقف ثابتاً معترضاً ورافضاً أوامر المفتش البريطاني السير ويلسن الذي طلب منه وزميل له القيام بدفع عربته التي استقرَّت في الوحل ولم يستطع إخراجها بمفرده. غضب المفتش أشد الغضب عندما علم أنَّ الشاب المشاكس من جبال النُّوبة فصاح فيهما ومن كان موجوداً قائلاً: "(...) لقد أوصينا ألا تجلبوا أبناء النُّوبة إلى هنا لأنَّهم سيؤثِّرون سياسيَّاً على أبناء الجنوب. ثم استطرد سائلاً غبوش: "لماذا أتيت إلى هنا ولديكم مدارس في جبال النُّوبة".(3) فجاءت الإجابة: "ليست لدينا هذا النوع من المدارس في الجبال"!! وآر. إس. ويلسون كان الإداري الإنجليزي السابق لمديرية جبال النُّوبة الذي شهد عصره عدة حركات ثوريَّة ضد الحكم الإنجليزي، أهمها ثورة الفكي علي الميراوي في جبال ميري، غرب مدينة كادقلي الحاليّة.(4) أما المحطة الثانية فكانت مدينة الأبيض حيث عُين راعياً للكنيسة الأسقفيَّة في الفترة ما بين 1957 ــ1962م ثم أسقفاً في الفترة بين 1963 ـ 1964م.


حياته ومساهمته السياسيَّة
في العام 1946م انضم غبوش لتنظيم الكتلة السوداء التي أسسها الدكتور محمد آدم أدهم الذي خاض معركة الحركة الوطنيَّة من موقفه وحسه القومي ومنهجه الإصلاحي في العمل الوطني لتحسين حال الفقراء من السُّودانيين. لقد تشرَّب غبوش باكراً بهذه الأفكار ولعب دوراً بارزاً داخل هذا التنظيم. وفي 1964م ترأس اتحاد عام جبال النُّوبة وهو كيان مناطقي مطلبي مثل مؤتمر البجا في شرق السُّودان بقيادة السيد المرحوم هاشم بامكار، ونهضة دارفور، والتنظيمات الجنوبيَّة المختلفة. خاض غبوش انتخابات مرتين في دورة 1965 ـ 1968م والذي حصل الاتحاد فيها على 8 مقعداً للبرلمان. وما عكس نضجه السياسي وتمرسه لها أنَّه طالب من داخل البرلمان في ستينيات القرن العشرين بلا مركزية إدارة السُّودان. ثُمَّ كان هو الشخص الوحيد الذي وقف نداً متحديَّاً ندءات ومراوغات الراحل الدكتور حسن الترابي حينما أراد الأخير "فرض" الدستور الإسلامي – عن جبهة الميثاق الإسلامي - على السُّودان خصماً على حقوق الأقليات الدينيَّة من المسيحيين وغيرهم في حكم البلاد.(5) ولكن في عام 1970م حل الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري البرلمان. وكعادته انتفض غبوش ضده وانضم للمعارضة الخارجيَّة في نفس العام ولم يعد إلى السُّودان إلا بعد المصالحة الوطنيَّة عام 1977م وتم تعيينه عضواً بمجلس الشعب القومي العام 1978م، ثم عضواً مرة ثانية في نفس المجلس في الفترة 1980 – 1981م.

في إحدى جلسات البرلمان في الفترة 1967 – 1968م وقف غبوش معترضاً على ضريبة الدقنية التي كانت تُفرض على النُّوبة دون سواهم مهدِّداً بمقولته الشهيرة قائلاً: "إذا لم يتم إلغاء ضريبة الدقنية عن النُّوبة فسيعترف النُّوبة بدولة إسرائيل". لِمَ لا وقد كان بند إلغاء هذه الضريبة هو الأول في أجندة الاتحاد. كان غبوش ينوي من خلال التهديد تنبيه الفاعلين في الحكومة بأهمية إلغاء تلك الضريبة المهينة بالضرب على الوتر والعصب الحساس في الوجدان الديني للسُّودانيين وميولهم العروبي. على أية حال، نتيجة لهذا التهديد قامت الدنيا ولم تقعد إلا بعد الإعلان عن هبوط طائرة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات في تل أبيب عام 1978م ضيفاً على الحكومة الإسرائيليَّة، ولتتوالى بعد ذلك الاتفاقيات والصفقات السرية بين الدولتين، العبريَّة والعربيَّة الإسلاميَّة، ولتتبرع الحكومة السُّودانيَّة آنذاك بالدعم البشري بترحيلها لليهود الفلاشا الإثيوبيين إلى إسرائيل في شبه عسكريَّة سميت "عملية موسى".

لقد تحمَّل غبوش المسؤولية القياديَّة السياسيَّة بجدارة وشجاعة، وكان يوعي النُّوبة وغيرهم بأسباب الصراع الذى أدى إلى تخلفهم. أنتج الوعي السياسي هذا إلى الوحدة بينهم وتكاتفهم فى كل أنحاء السُّودان، وخلق قيادات سياسيَّة رفعت شعلة النضال الوطني. ومن المساهمات الجليلة لغبوش أنَّه ترك الرؤية والرسالة الواضحة أنَّ هذا السُّودان لجميع السُّودانيين بمللهم المتنوعة عرقيَّاً، وثقافيَّاً ودينيَّاً، إذ لخص رسالته في: "الدين لله والوطن للجميع"، إذ في الله يلتقي الجميع تعبداً وعبادةً وفي شعاره تمتزج القيم الإنسانيَّة وتكتمل الروحنيَّات.

لم يكن غبوش راضياً بالأوضاع السياسيَّة في البلاد خاصة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والخدمية لغالبية السكان فقاد محاولة انقلابيَّة ولكنها فشلت وأعتقل وحكم عليه بالإعدام ولكن تم الإفراج عنه بضغوط دوليَّة واحتجاجات داخلية وتذمر من مواطني الهامش. وبعد انتفاضة 6 أبريل 1985م أسس الحزب القومي السُّوداني وكان نائبه في قيادة الحزب هو حسن علي الماحي من قبيلة الهواوير العربيَّة وهذا دليلاً عمليَّاً أنَّه ليس بعنصري كما كانت الاتهامات تُكال ضده. ولكن في سبتمبر 1985م أعتقل غبوش وبعض أنصاره بتهمة تدبير انقلاب دمغته الحكومة والقوى المناهضة لأي تغيير يقوده سُّوداني من الهامش بأنَّه عنصري. ولا غرابة في أنَّ الدكتور الجزولي دفع الله رئيس وزراء الحكومة وقتذاك ذهب عبر الأثير في إذاعة أم درمان حاثاً أبناء وبنات السُّودان أن يقفوا صفاً واحداً ضد مؤامرة عنصريَّة أفريقيَّة مسيحيَّة تستهدف العروبة والإسلام! ولكن تم الإفراج عنه قبيل انتخابات عام 1986م. ومهما يكن، كان غبوش من أعف أبناء السُّودان لساناً وأطهرهم يداً، فلم تنال يده مالاً عاماً يغتنمه ولم يستغل أحداً بأية صورة من صور الاستغلال، ولم ينتزع حق مظلومٍ بدهاءٍ ومكرٍ أو خلسة ليستثري به نفسه، لذا مات وهو فقير فلم يملك في هذه الحياة سيَّارةً ولم يكتنز جنيهاً أو ديناراً واحداً، ولم يمتلك منزلاً قط غير ثراه الذي أوصى بأن يكون بحجر السُّلطان – قريته في جبال النُّوبة - حيث الأرض الوفيرة دون قيود أو ثمن يُدفع.

لقد جلستُ، والدكتور أحمد عبد الرحمن سعيد، القادي بالحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان، والمهندس محمَّد بطران، الموظف بشركة بيطار للسجائر بود مدني آنذاك، إلى الأب غبوش يوماً لنقل إليه تهنئة أنصاره بالإقليم الأوسط (آنذاك) بمناسبة خروجه بسلامٍ من سجن حكومة الدكتور الجزولي دفع الله بتهمة القيام بالمؤامرة العنصريَّة، حيث كنا وقتذاك شباباً غاضبون أشد الغضب على الأسباب الواهية التي أدت إلى إعتقال وحبس الأب غبوش وزملاءه. سألناه عن إستراتيجية الحزب وما هو موقفه من الانتخابات وكيف يستطيع الحزب خوضها بعدما وقع على جماهيره اليأس وبلغ بهم التيه مبلغاً أيام الحبس والمطاردة المستمرة لأعضاء المكتب السياسي والتنفيذي"؟ رد الأب غبوش بقوته وصراحته المعهودة: "إن كنتم تسألون عن مالٍ للدعاية الانتخابيَّة فانصرفوا عني فليس لدي مال ولا أملك شيئاً غير إرادة وقرار الشعب عبر صناديق الإقتراع، وكما ليس لأحدٍ عليَّ دين مستحق وأنَّي لمُنازِل الخصوم هنا في الخرطوم وليس في جبال النُّوبة أو في "ربك" أو امتداد الصحافة، في إشارة للدائرتين التي ترشَّح فيهما السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة والراحل الدكتور حسن الترابي زعيم الجبهة الإسلاميَّة القوميَّة؛ على التوالي.

قالها غبوش قولة الواثق بخيار الشَّعب وهو مؤمن بحب وطنه وقومه وموقن بحبهم له وبأنَّه سيفوز بأية دائرة في عاصمة البلاد (مجمع كل السُّودانيين) لكيما يثبت للنَّاس أنَّه بريىء من العنصريَّة وأنَّه مِلكٌ للسُّودانيين. وبالفعل فاز في دائرة الحاج يوسف بالخرطوم بحري، إحدى مدن العاصمة المثلثة على منافسيه. ففي البرلمان كان سياسياً بارعاً بشهادة خصومه لأنّه كان يجيد اللعب على تناقضات الممارسة السياسيَّة وألاعيبها الحزبيَّة ومناوراتها. وكانت فطنته وكان حذقه ونضوجه السياسي في تناول قضايا الوطن السياسيَّة والإجتماعيَّة بالظرافة الممتعة مصدر استهزاء البرلمانيين الجدد في عهد الديمقراطيَّة الثالثة حينما نعتته ثُلة منهم "بالسياسي المشاغب" رغم أنَّه كان أكثرهم تجربة سياسيَّاً، واجتماعيَّاً ولربما أتقاهم دينيَّاً. في بداية حكومة الإنقاذ شارك في البرلمان باسم الحزب القومي السُّوداني الحر بعد الإنشقاقات التي حدثت في الحزب، وثم شارك في نظام التوالي الذي ابتدعته حكومة الإنقاذ باسم الحزب القومي السُّوداني المتحد حتى وفاته.


حياته ووفاته

عاش غبوش في منزل شعبي بسيط مشيَّد من "الجالوص" بحي العرضة بأم درمان، إذ لم يملك منزلاً خاصاً به – كما ذكرنا - في حين كان باستطاعته أن يقيم في منزلٍ فخم إن أراد، ولكن ذاك هو حال العظماء من الرجال وأصحاب القضايا العظيمة. ظل غبوش وفياً لقضايا الهامش رافضاً الظلم والواقع السيئ واستمر يطالب بإزالة الفوارق التنمويَّة والاجتماعيَّة بين أقاليم السُّودان المختلفة حتى وفاته. فعندما مات نعاه الكثيرون منهم الدكتور شركيان مبتدراً كلامه ببيت شعرٍ رصين وذات معنى عميق جاء فيه:
مات قوم وما ماتت مآثرهم وعاش قوم وهم في الناس أموات.
هذا حق، والحق يُقال إنَّ غبوش: "كان باعث نهضة الجبال، وكان متسامحاً وكريماً يحب الناس كلهم، وكان دوماً ما ينشد الخير لكل أمة السُّودان، ولم يكن عنصرياً كما وصفوه، وكان صاحب رسالة واضحة ظل يتحدث ويناضل من أجلها دون لف ولا دوران". أما الدكتور أحمد تيه كافي فقال عنه: "كان غبوش مناضلاً من طراز فريد يعشق الناس جميعاً إذ سحر قلوب كل الناس. إنَّ هذا الزعيم ولد بطلاً ليحيا بطلاً ومات بطلاً ". (6) ولكن الدكتور حامد البشير إبراهيم فيقول إنَّ الأسباب التي دفعته إلى زيارة غبوش بمنزله هي رغبته في تدوين إفاداته لدعم بيانات بحثه عن " التنمية والتطور السياسي في جبال النُّوبة" لأنَّه شاهد على التحولات التي حدثت في المنطقة بكل اختلافاتها ولكونه واحدًا من أهم الذين لعبوا أدوارًا فاعلة في جبال النُّوبة. استطرد الدكتور إبراهيم أنَّ غبوش رحَّب به ترحيباً حاراً وفاض فمه بعبارات الإطراء والإعجاب، وأكرمه كرماً فيَّاضاً. وعندما ذكر الدكتور البشير لغبوش انبهاره بالكرم الشديد، ضحك مازحاً ومداعباً: "إنَّه الكرم العربي يا ابني كما تقولون"، فضحكا سوياً! وكما استنكر الدكتور إبراهيم ما اقترفه بعض الساسة في حق غبوش قائلاً:" كان الأب فيليب ذا نظرة عميقة ودقيقة وبعيدة تحيط بكل زوايا المستقبل وبالطبع كان كثيراً ما يسترشد بالتاريخ في أغلب مواقفه السياسيَّة. وأنَّ الخطأ الكبير الذي ارتكبه بعض ساستنا في حقه هو الترويج بأنَّه عنصرياً، وتلك كانت اتهامات رمادية لا تشبه الزعيم غبوش وكانت محض صراعات حول السلطة من المركز الذي أدمن ممارسة الرفض وظل يأبى على أطرافه بالعدل حتى إن ثارت عليه الأطراف. فقد كان غبوش كثيف التواضع والبساطة، وكان واحداً من النماذج السياسية السُّودانيَّة القليلة الذين اتسمت حيواتهم بالعفة والعصامية. وكان فوق كل ذلك ذكيٌّ وحاد في نقده وبقدر عالي من الدعابة".(7)
أما كاتب هذا المقال فقد ساهم في النعي بأنّ غبوش عاش ومات مناضلاً لإثبات القيم الإنسانيَّة ومن أجل العدالة الإجتماعيَّة لذا حكم السُّودان بفكره ورؤيته لتكوين سُّوداناً جديداً موحداً فيه يجب أن تتغيَّر مفاهيم أحاديَّة الثقافة ليعمه مبدأ قبول التعددية الثقافيَّة، أراده سُّوداناً تتلاشى فيه الإستعلاء العرقي والديني والثقافي، وتتوفر فيه الحريات الأساسيَّة للفرد والجماعة. وأنَّ مواقفه كانت ثابتة، حافظاً للحق بقوة العزيمة والشكيمة، وكان حاذقاً ذكيّأً وقوراً وشجاعاً لا يخشى في قول الحق لومة لائمٍ. وكانت قوته وشجاعته مقرونتان بالتواضع والظرافة الماكرة والنكتة الذكية في الاسترسال الرمزي تبسيطاً لتوصيل القضية والمعاني النبيلة لكل أهل السُّودان رغم التشويش المقصود وغير المقصود على رسائله. لقد كانت تكمن عظمته في كرهه للظلم والقهر ومناهضة ممارسة العنصريَّة المعكوسة بواسطة الأنظمة القمعيَّة التي توالت على حكم السُّودان.(8)

المراجع والإحالات

(1) محمد أبو القاسم حاج محمد، الأسقف فيليب غبوش الشريك الثالث بعد الإنقاذ وقرنق في قسمة السُّودان، صحيفة الوسط البحرينيَّة، العدد 94 - الاثنين 09 ديسمبر 2002م، المنامة، البحرين. يضيف حاج محمد أنَّ للأب غبوش رأي منشور بهذا الخصوص في المجلد العاشر من مجلة تراث، العدد الصادر في 18 فبراير/ شباط 1986م، إذ يرى غبوش أنَّ بعث ثقافة النُّوبة هو إحدى أكبر المشكلات التي تواجه السُّودان لذلك يجب تطويرها كثروة قوميَّة. ولقد اقترح حاج محمد اختيار الأب غبوش نائباً أولاً لرئيس الجمهورية محاولاً "قطع الطريق" على تحالف الحركة الشعبيَّة مع قوى النُّوبة في الجبال، صحيفة الصحافي الدولي، العدد 225 - السنة الأولى - تاريخ 11 يوليو 2000م.
(2) الدكتور عمر مصطفى شركيان، في النزاع السُّوداني: عثرات ومآلات برتوكول جنوب كردفان/جبال النُّوبة والنيل الأزرق، مطابع (إم. بي. جي)، لندون، 2015م.
(3) الشخصي الذي تم بين الأب فيليب عباس غبوش والكاتب في مدينة أوماها، ولاية نبراسكا، الولايات المتحدة الأمريكيَّة العام 2007م.
(4) Jackson, H. C., Behind the Modern Sudan, MacMillan & Co LMT, London, 1955.
(5) الأستاذ محمود محمد طه، الدستور الإسلامي؟ نعم ...ولا!! الطبعة الأولى، يناير 1968م. كذلك انظر في الدكتور عمر مصطفى شركيان، النُّوبة في السُّودان: نضال شعب في سبيل العدالة والمشاركة في السلطة، دار الحكمة، لندن، 2006م.
(6) الدكتور أحمد عثمان تيه كافي، الأسقف: فيليب عباس غبوش آدم، جريدة الراكوبة الإلكترونيَّة، 2013م. http://www.alrakoba.net/articles-action-show-id-30808.htm
(7) الدكتور حامد البشير إبراهيم، الأب فيليب عباس غبوش... ذكريات و مذاكرات (9)،. جريدة سودانيز أونلاين الإلكترونيَّة، 2008م.
(8) الدكتور قندول إبراهيم قندول، الأب فيليب عباس غبوش: لن نبكيك لأنك أمة خالدة، جريدة سودانيز أونلاين الإلكترونيَّة، 2008م.