أود أن أشكر المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً, لإبقائها النقاش مفتوحاً, في منابر عديدة حول ملتقى العلاقة بين الدين والدولة, وذلك بعد أن انقطع لظروف ألمت بي, وأود أن أتخذ بيانها (وما ينفع ) من انتقاداتها مدخلاً لتوضيحات حول ملتقى نيروبي. ويمتد الشكر للدكتور الواثق الكمير الذي شارك بمساهمة قيمة, وطرح اسئلة مهمة, شرعت في تناولها ثم توقفت لتلك الظروف, والشكر للدكتور سلمان محمد أحمد سلمان لدراسته المدققة للمجهودات السابقة حول هذا الموضوع. 

الشكر للأستاذ عبد المنعم الجاك أيضاً على اتفاقه مع منظمي الملتقى حول أهمية موضوع العلاقة بين الدين والدولة, وتأثير هذه العلاقة البالغ على مجمل أوضاع بلادنا, أقول هذا في مجرى التعليق أيضاً على بعض بوستات ومساهمات في وسائط مختلفة, ترى في الاهتمام بهذا القضية تضييعاً للوقت, وإنصرافاً أو (جبناً) عن التطرق للقضايا (الحقيقية), كما يقولون..!. على العكس, في الحقيقة, نرى في مشروع الفكر الديمقراطي, أن التناقض الرئيسي في المجتمع السوداني اليوم – باستلاف مبدأ ماركسي - هو بين جماهير سودانية عريضة – خاصة في الهامش المركب – تتطلع للحقوق والتنمية, في مقابل منظومة دينية سلفية فكرية ومؤسسية ومالية ذات أبعاد دولية تقاوم هذه الحقوق وتنكرها ولا تعترف بها, وأن فتح الطريق أمام التطلعات المشروعة لجماهير السودانيين يستوجب تفكيك هذه المنظومة, لا سيما في بعدها الفكري والثقافي, اللذين تأسست عليهما أبعادها الأخرى. وكما جاء في مخطط الملتقى فقد, "تطورت قضية العلاقة بين الدين والدولة عبر السنوات والحقب الماضية لكي تصبح القضية المركزية في الفضاء السياسي السوداني". هذه هي الفكرة الرئيسية للملتقى – وبالمناسبة – لعمل مشروع الفكر الديمقراطي في مجمله.
إذا انتقلنا إلى الانتقادات التي وجهها بيان المجموعة السودانية لملتقى نيروبي, فأولها مأخذه على "غياب السياسة والسياسيين", عن الملتقى. وهو قول يفتقر للدقة, لأنه برغم ما ورد في مخطط الملتقى من أن مدخله للمسألة موضع النظر, قناعة مبدئية ترى أن"قضية العلاقة بين الدين والدولة لا تقبل المعالجة السياسية إلا على قاعدة وضوح فكري ونظري, ورؤية كلية شاملة تخرج هذه القضية البالغة الأهمية من نطاق المضاربات والمنافسات الحزبية والايديولوجية, وتعيدها إلى نطاقها الطبيعي, كمسألة فكرية سياسية, لا سبيل إلى علاجها إلا بالعقل والعلم والمعرفة, وبمنطق المصالح الوطنية العليا" - برغم ذلك, لم تكن السياسة أو السياسيين غائبين عن الملتقى, لأن المفكرين الذين شاركوا هم في الواقع قيادات فكرية سياسية لها تأثيرها الكبير في صنع القرارعلى مستوى وجودها السياسي الحالي, حول موضوع الملتقى.
كذلك برغم أن الدعوة كانت شخصية للمحافظة على الطبيعة الفكرية للملتقى, إلا أن المشاركين كانوا قيادات أو مقربين من معظم - ولم أقل كل - التنظيمات السياسية السودانية الكبيرة, وهي: حزب الأمة, والاتحاديين, والحزب الشيوعي السوداني, والحركة النسائية والنسوية السودانية, والحركة الشعبية, والحركات المسلحة الدارفورية, والحركات الشبابية, والحزب الجمهوري, والمؤتمر الشعبي, والإصلاح الآن, والمؤتمر الوطني, والإسلاميين المستقلين, والمجتمع المدني من المهتمين أو الذين كتبوا في الموضوع.
اعتذر في اللحظات الأخيرة, د. جمعة كنده, الأستاذ بجامعة بحري, كمفكر من الهامش وممثل للسودانيين للمسيحيين, والدكتور حامد التيجاني, أستاذ الإدارة العامة وسياسات الحكم بالجامعة الامريكية بالقاهرة, كمفكر من الهامش (قبل يومين من موعد الملتقى لوفاة شقيقته لها الرحمة).. وأعتذر الأستاذ عبد العزيز حسين الصاوي من البعث السوداني بعد أن وافق في البداية, لكنه عاد وقال أنه يفضل الكتابة على الكلام, وأرسل مساهمته مكتوبة, واعتذرت د. ابتسام الريح السنهوري, باحثة, وأستاذة جامعية , وضاعت أوراق الأستاذة سامية الهاشمي, أردناهما لدعم المشاركة النسائية في الملتقى .. الخ. صحيح أن التمثيل لم يكن شاملا ولا على قدر الطموح, ولكن كمال التمثيل أمر مستحيل في ملتقى لأربعين شخصاً, في بلد كالسودان.
لم يكن التركيز بالتالي على "السياسة السياسيين المباشرين صناع القرار"كما يطالب الأخ عبد المنعم في بيان المجموعة السودانية, لقد جاء اختيار القيادات الفكرية للمشاركة, مع سبق الإصرار والترصد. أولاً لأن الملتقى لم يكن "تفاوضاً", وثانيا, وكما أكدت دراسة د. سلمان محمد أحمد سلمان حول الاتفاقات العديدة السابقة بين سياسيين, تناولت العلاقة بين الدين والدولة ضمن قضايا أخري, أكدت تلك الدراسة أن السياسيين "لم يلتزموا بما اتفقوا عليه, ولم يطبقوه على أرض الواقع السياسي". والسبب هو أن الاتفاقات التي تبرم بين سياسيين حول قضايا فكرية وثقافية سياسية, بالإضافة إلى قلة الإلمام بكافة جوانبها المعقدة والشائكة, على الأرجح, فلها طابع "انتهازي" مرتبط بتحقيق مكاسب سياسية حزبية آنية أو آجلة, وتركز على توازنات القوى اللاحقة لمجرد الالتقاء, واحراز هدف في مرمى الخصم المعني, وربما "المزايدة" عليه, بأكثر من اهتمامها أو قناعتها بمحتويات اتفاقاتها. وقاد تناول المسائل بهذه الطريقة إما إلى تعقيدها, كما في مشاكوس بصورة انتهت إلى فصل الجنوب, أو نسيان الساسة لما قالوه حولها بمجرد تركهم مكان اللقاء, كما هو الحال مع الاتفاقات الكثيرة التي أوردها د. سلمان م. سلمان, أو أعابها مثل هذا التناول في مقتل, كما في اسمرا عام 1995.
لم يكن التركيز أيضاً على القيادات الفكرية (العلمانية), إذا جاز استخدام التعبير إجرائياً (لأنه لم يكن هناك اتفاق كامل عليه), أو على القيادات الفكرية المدنية والسياسية المختلفة الأخرى, لأننا لم نر فائدة من التقاء أشخاص ربما هم متفقون أصلاً حول القضايا التي نوقشت. لم يكن سراً أن التركيز كان على القيادات الفكرية (السياسية) الإسلامية, ولهذا السبب مثلت هذه القيادات نصف عدد المشاركين. فهؤلاء هم دعاة الدولة (الإسلامية), الذين وضعوا الأسس الفكرية لبرامجها ووثائقها وأدبياتها, وألهموا بأفكارهم وكتاباتهم – ولا زالوا – عشرات الآلوف من داعميها ودعاتها, لا سيما في المدراس الثانوية والجامعات وبين الشباب, بما في ذلك الألوف الذين ربطوا شرائط حمراء حول رؤوسهم, واندفعوا إلى أراضي العمليات مضحين بأرواحهم من أجل تلك (الأفكار), التي آمنوا بها. لقد كان الهدف هو استكشاف ما إذا كان هؤلاء القادة الفكريين, وبعد ما يقارب الثلاثة عقود من قيام دولتهم (الإسلامية), ثم الفشل البائن لمشروعها, قد وعوا الدرس, وراجعوا التجربة, وتبينوا خللها, لا سيما وأنهم جميعا بلا استثناء, قدموا, قولاً أو كتابة, مساهمات ناقدة, أحيانا نقداً جذريا, لتجربتهم في الحكم, سواء في مقدماتها, ومسارها, أومآلاتها الحالية (كان ذلك أهم معايير الأختيار للمشاركة), وما إذا كانت هذه المراجعات ترقى للالتقاء مع مطالب الدولة الوطنية الديمقراطية, التي بات سودانيون كثيرين يرون أنها المخرج الوحيد من هذا المأزق الراهن. ولكن حتى إذا ساهمت مخرجات الملتقى بتأثير الثقل الفكري لمن شاركوا فيها من الإسلاميين, إذا ساهمت في (إنقاذ), واحد/ة من ألوف الشباب الذين لا تزال تدغدغ مشاعرهم أحلام (الدولة الإسلامية), أو دولة الخلافة الداعشية, ففي تقديري, قد أفاد الملتقى وأوفى. هذا في ما يتعلق بالمشاركة والمشاركين, وعددية ونوع الإسلاميين ..الخ, مما جاء في بيان الأستاذ عبد المنعم الجاك.
لم يورد بيان المجموعة السودانية إلا انتقادات معممة لمخرجات الملتقى وصفها فيها بـ"الاعتذارية", وافتقار "الجرأة" على الجهر بمواقف من قضايا مثل "الردة وحرية المعتقد والتمييز المركب والبطش بكرامة وحرية النساء والإرهاب".. الخ .. في البداية ظننت أن من كتب بيان المجموعة لم يقرأ الإعلان الختامي, لأن هذه كانت هي على وجه التحديد ما تناوله الإعلان, ولكن اتضح لي في ما بعد أن الزاوية التي تُقرأ بها النصوص هي التي تحدد ما تراه, وما لا تراه فيها. الخلط كما بدا في بيان المجموعة السودانية هو خلط منهجي, بين طبيعة الملتقى (الفكري) والمؤتمر (السياسي), وهو خلط يظهر في بيان المجموعة بقوة, ويشابه من يتعامل مع ملتقى طبي على أنه مؤتمر رياضي. أما في الواقع فيختلف المشاركون ومسار الحوار والمنهج واللغة والمخرجات.. الخ, في كل واحد من هذه عن الآخر. المرجعية واللغة المعتمدة حالياً لدى المجموعة السودانية هي مرجعية الناشط السياسي, ولغة الحدث السياسي اليومي. ولغة السياسة اليومية هي أداة تحريضية, تعبوية, تبغي الحشد وترمي إلى الكسب السياسي العاجل, متخذة من مخاطبة العواطف, والمناطق الملتهبة في الشعور, ومراكز الحماس والاندفاع منفذاً إلى ردود فعل مساندة من الذين تخاطبهم. في المقابل ترمي لغة الفكر إلى مخاطبة العقول وتسعى بالمنطق والإقناع إلى تغيير مستدام في التركيبة الذهنية, كأساس لا غنى عنه ولا بديل لتغيير السلوك والمواقف والممارسات. تركز لغة السياسي اليومي, خاصة لدينا في السودان على الشجب والإدانة وتبرز ما هو مرفوض وغير مرغوب فيه, وما لا تريده .. بينما المطلوب من لغة الفكر أن تتجاوز محطات الشجب والإدانة, إلى التحليل العلمي للواقع, واستخلاص الحلول وإبداع المفاهيم التي تعبر عما هو مطلوب, وتبيان طرق الوصول إليه. طبعاً مثل هذه اللغة لا تجاري اللغة الملتهبة للسياسي اليومي, لذلك نعتها البيان بـ"الاعتذارية". وكما قلت في مكان آخر فإن هذه هي "حاكمية جديدة": أن تعتمد أسلوباً واحداً في مجال ما (المجتمع المدني هنا), ثم تعمل على فرضه على الآخرين, ومن لا يتفق معك فهو "اعتذاري", كما في بيان المجموعة..!!
كذلك, ولأن بعض القضايا التي ذكرها بيان المجموعة لم تأت بلغة الشجب والإدانة في إعلان الملتقى, فقد سقطت تماماً عن ناظر من كتبوا البيان, فقالوا إنها أهملت, ثم بنوا على فرضيتهم تلك حكماً أخراً على المنظمين والمشاركين: أنهم افتقروا إلى "الجرأة" المطلوبة لمخاطبة تلك القضايا..!! يقول بيان المجموعة السودانية إن إعلان الملتقى أهمل الموقف من "الردة وحرية المعتقد والتمييز المركب والبطش بكرامة وحرية النساء والإرهاب". لنأخذ "الردة" مثلاً, جاء في الفقرة السابعة من إعلان الملتقى: "أكد المؤتمرون التزامهم بالمواثيق الدولية لحقوق الانسان، لا سيما حرية التعبير والتفكير والضمير". ما هي حرية الضمير والمعتقد إن لم تشمل الحق في تغيير الدين؟؟ لنأخذ موضوع "التمييز المركب", مثالا ثانياً. جاء في الفقرة 6 من الإعلان: "تعرض المؤتمرون بمختلف توجهاتهم إلى العلاقة مع الآخر المختلف فكريا أو سياسيا، أو دينياً، مؤكدين أن منهج الإقصاء وسلوك العزل والاستئصال أضر بالمجتمع السوداني، وهو كيان قديم متجدد، امتيازه في التنوع والتعدد والاختلاف، وعبقريته في إدارة ذلك المزيج، ولكن دولة ما بعد الاستقلال والنخب الحديثة لم تتبع الثقافة المنفتحة المستوعبة لمجتمع السودان، وأبدلتها في بعض المراحل بالقهر والإقصاء، مما أقعد المجتمع وعطل اكتمال مشروع الدولة الوطنية". لنأخذ البطش بكرامة المرأة مثالاً ثالثاُ. جاء في الفقرة 10 من الإعلان: "عبر المشاركون عن وقوفهم مع المرأة السودانية في جهودها من أجل حقوقها المتساوية القائمة على "مرجعية المواطنة", هذا الانتقال الصريح من "مرجعية العقيدة", مصدر البطش بكرامة المرأة, إلى "مرجعية المواطنة", في ملتقى, الكتلة الغالبة فيه من القيادات الفكرية الإسلامية, لم يحدث من قبل, ولم يرتق إليه لا مؤتمر أسمرا, ولا وثيقة الفجر الجديد, كما سيأتي لاحقاً, مع ذلك لم يره كاتب البيان ..!
بهذه القراءة المتحاملة غير المستوثقة وصل بيان المجموعة السودانية إلى استنتاج, لم يسنده بأي دليل, بأن "صناع القرار [السياسي] كان ان وصلوا الى سقوف أعلى واوضح [من إعلان ملتقى نيروبي] حول القضية [علاقة الدين بالدولة] في وثائق التجمع الوطني الديمقراطي- مع تخلف هذه الوثائق في قضايا حقوق المرأة- [المقصود مؤتمر اسمرا] ووثيقة الفجر الجديد". لجوء البيان إلى إلقاء هذا الاستنتاج بصيغة التقرير هكذا, ودون تقديم أي دليل, فلأنه استنتاج – ببساطة – غير صحيح, ولا وجود لذلك الدليل. بيان المجموعة نفسها قدم الشهادة على عدم صحة الاستنتاج في الجملة السابقة. لأن البيان يقول صراحة إن الوثائق التي يستشهد بها, وقال إنها وصلت إلى سقوف أعلى وأوضح - "متخلفة في قضايا حقوق المرأة". والسؤال لمن كتبوا بيان المجموعة: الا يكفي – في رأيهم - أن تضع وثيقة ما أكثر من نصف سكان السودان تحت "سلطة البطش" المسماة "مرجعية العقيدة" - ألا يكفي ذلك للحكم بلا فائدتها, في موضوع العلاقة بين الدين والدولة ..!؟
في الحقيقة كان حصاد مؤتمر اسمرا لعام 1995, في قضية العلاقة بين الدين والدولة حصادا فقيرا ضامرا, فقد اقتصرت إضافته المباشرة للموضوع على جملة يتيمة, هي: "لا يجوز لأي حزب سياسي أن يؤسس على أساس ديني, وفيها شبهة "مزايدة". ذلك أن أكبر حزبين شماليين وقعا على وثيقة اسمرا, تأسسا – جزئياً على الأقل – على أساس ديني, كما كان أحدهما – ولا زال – ينادي بـ"الدستور الإسلامي", وينادي الآخر – وربما لا زال – بـ"برنامج الصحوة الإسلامي". وبينما كفلت الوثيقة في البند الثاني من الدين والدولة "المساواة الكاملة بين المواطنين تأسيسا على حق المواطنة" عادت سريعاً لنزع هذا الحق من النساء في البند الخامس: "يلتزم التجمع الوطني الديمقراطي بصيانة كرامة المرأة السودانية (..) ويعترف لها بالحقوق والواجبات المضمنة في المواثيق والعهود الدولية, بما لا يتعارض مع الأديان". بيان اسمرا يبقي بهذا ضمناً على مفهوم "الحاكمية", وهو كما سنرى "العمود الفقري للدولة الدينية". السبب في هذا التأرجح, هو ما قلته أعلاه عن طبيعة التفاهمات التي تبرم مباشرة بين السياسيين من صناع القرار, من الذين نعت علينا المجموعة السودانيين غيابهم عن ملتقى نيروبي, وهي أن هذه التفاهمات لا تقوم على قناعات, وإنما على مصالح ومكاسب حزبية, متقلبة وغير مستدامة. في الواقع اكتسب مؤتمر اسمرا ألقه ومرجعيته التاريخية ليس من وضوحه أو سقوفه العالية في موضوع الدين والدولة, كما تقول المجموعة السودانية, وإنما لإقراره في بنده الأول بـ"حق تقرير المصير لجنوب السودان", ومن جمعه لأول مرة بين أوسع تحالف حتى وقتها لـ"القوى السياسية المدنية والمسلحة المعارضة الجنوبية والشمالية في إطار تنظيمي موحد وبرنامج سياسي متفق عليه", كما ذكر د. الواثق الكمير في مداخلة حول ملتقى نيروبي, ومن المشاركة الشخصية التاريخية الكارزمية لجون قرنق فيه, ومن التوقيت الذي انعقد فيه المؤتمر, في تلك الفترة القاتمة الأولى من حكم نظام الحركة الإسلامية, حينما كانت موجات المتحركات الجهادية تسابق بعضها البعض للدفاع عن الدولة "الإسلامية", كما كانت تردد.
كذلك لم يحدث نقاش مفصل حول قضية العلاقة بين الدين والدولة في "مؤتمر الفجر الجديد" الذي انعقد في يناير 2013 , واقتصرت الإشارة إلي موضوع الدين والدولة في الوثيقة على جملة يتيمة أيضاً جاء فيها: "إقرار دستور وقوانين قائمة على فصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة لضمان عدم استغلال الدين فى السياسة". أقول هذا وقد قادت صدفة وجودي حينها في كمبالا أن طلب مني المنظمون إدارة جلسات المؤتمر, وهو ما حدث باستثناء الجلسة الختامية, وكنت عضوأ في لجنة الصياغة كذلك. كما هو واضح فإن هذه الصيغة - على غير ما يقول بيان المجموعة السودانية عن "السقوف العالية" - هي صيغة محدودة جداً, ومنقولة حرفياً. بإصرار أحد الفصائل, من برنامج "إعادة هيكلة الدولة السودانية" للجبهة الثورية, الذي صدر في اكتوبر 2012. محدودة لأن فصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة يقتصر على مؤسسات دينية مثل الزكاة ودار الإفتاء والأوقاف وما شابهها, تاثيرها محدود على مجمل العلاقة بين الدين والدولة. كما أنها صيغة تقوم على تقليد حرفي للتجربة الاوربية في الفصل بين الدين والدولة (وهي تجربة مختلفة عن تجربة العلاقة بين الدين والدولة في المجتمعات الإسلامية), لذلك أبقت أيضاً على مبدأ "الحاكمية", الذي سبق أن ذكرت أنه العمود الفقري للدولة الدينية في سياق المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة. دليلي على إبقاء وثيقة الفجر الجديد على مبدأ "الحاكمية" متماسكاً, أنني اقترحت في الجلسة الختامية, وفي وجود قيادات الجبهة الثورية, إلغاء قانون الأحوال الشخصية, أبرز تجليات الدولة الدينية القائمة على "الحاكمية" وتطبيق الشريعة, ولكن مقترحي رُفض بشدة ..!! الشاهد أنه لا يوجد أساس البتة لادعاء المجموعة السودانية أن السياسيين من صناع القرار "وصلوا [في مرات سابقة] إلى سقوف أعلى وأوضح" في قضية العلاقة بين الدين والدولة, كما جاء في بيانها.
صُمم مخطط ملتقى نيروبي ورُتبت محاوره بصورة علمية, بحيث تُحدد المشكلة وجبهات الاشتباك بين الدين والدولة في سياق المجتمع السوداني. درس الملتقى في 28 ورقة وتقديماً العلاقة بين الدين والدولة في التراث الفكري الإسلامي والإنساني, وتعرف على نماذج معاصرة من العلاقة بين الدين والدولة, وحلل ماضي وراهن العلاقة بين الدين والدولة في السودان, ودورها في الحروب الأهلية, واستمع إلى تجارب حياتية يومية خاصة مع دولة "الشريعة" خلال فترة حكم الحركة الإسلامية السودانية, وناقش قضية الشريعة والمرأة, وقضايا العدل, والعدالة الاتقالية, والتعليم, والدين والتدين, وتوظيف الدين في السياسة, والفصل بين السياسي والدعوي, والإصلاح الديني, ومفاهيم "العلمنة" و"الأسلمة", وتعرف على التجربة التونسية..الخ, وذلك قبل أن يستشرف مستقبل العلاقة بين الدين والدولة في السودان, ويخرج بإعلانه النهائي.
انصب جهد كبير في تعريف إطار المشكلة في العلاقة بين الدين والدولة في المجتمع السوداني, وتحديد مناطق ومجالات الاشتباك السالبة بينهما مقارنة بتجارب أخرى. فقد قام هذا الاشتباك في التجربة الاوربية على توسط الكنيسة الكاثوليكية في العلاقة بين الإنسان والله, واتخذ رجال الدين من هذه الصيغة الدينية وسيلة للسيطرة السياسية على السلطة والثراء وحرموا منها بقية الناس.. لذلك كانت الدعوة للعلمانية, والتي تعني فصل الدين عن الدولة في اوروبا هي في الواقع دعوة لإعادة "قسمة السلطة", وللتخلص من السيطرة السياسية لرجال الدين على مصائر البشر, المسنودة بتوسطهم وتوسط الكنيسة للعلاقة بينهم وبين الله.
لم تعرف المجتمعات الإسلامية أمثال الممارسات الدينية التي سادت المجتمعات المسيحية في القرون الوسطى, بصورتها تلك, ولم تنشأ في المجتمعات المسلمة – باستثناء ايران - سلطات روحية هرمية راسخة. هذا, بينما يكمن الاشتباك في العلاقة بين الدين والدول في المجتمعات المسلمة على تأويلات, غير متفق عليها - ولكنها معتمدة بصورة واسعة - لأحكام ونصوص وردت في القرآن والسنة, تمس بصورة أساسية الجزء المتعلق بالحقوق المدنية, أو حقوق المواطنة, مثل الحقوق المتساوية للمرأة, وحقوق غير المسلمين, والحريات الشخصية .. الخ. وقد تفاقم هذا الاشتباك منذ فترات مبكرة في تاريخ المجتمعات الإسلامية, بنشأة أحزاب وطوائف وجماعات, أولت آيات (من لم يحكم بما أنزل الله..), على أنها أمر رباني بفرض الأحكام والنصوص المذكورة على الناس بالقوة. فنشأ مبدأ "الحاكمية" الذي قامت عليه "الدولة الدينية" للحركة الإسلامية في السودان, وتعني "الحاكمية" اعتماد تفسير وحيد للدين - هومذهب أهل السنة والجماعة – وفرضه, باستخدام الآلة القمعية للدولة, بكل تأويلاته "الدينية" التي تنتهك وتنتقص من الحقوق المدنية, وحقوق المواطنة. فالعلمنة المطلوبة, في الحالة السودانية والإسلامية, تعني اعتماد "مرجعية المواطنة" كما أشار إلى ذلك د. حيدر ابراهيم (الديمقراطية السودانية بين الواقع والمثال, 2017).
كان على ملتقى نيروبي إذا أراد الخروج من ما أسماه "المأزق الراهن" ومن حالة "الاحتقان السياسي والاستقطاب الايديولوجي" في السودان, و"التمهيد لمشروع الدولة الوطنية السودانية", مع التركيز على تجربة الحركة الإسلامية في العقود الثلاثة الماضية "ووقعها وتأثيرها البالغ على عامة أهل السودان". كما جاء في إعلانه - كان عليه أن يبدأ بتفكيك مبدأ "الحاكمية", فهذا المبدأ هو العمود الفقري للدولة الدينية المستبدة في السودان. وهذا - في تقديري - ما فعله الملتقى في إعلانه, فقرر في فقراته: "أن اعتماد تفسير واحد للدين، وقهر الناس عليه، واستغلاله للكسب السياسي، لا تقره الأديان نفسها، لا سيما الإسلام", وأقر بأن "منهج الإقصاء وسلوك العزل والاستئصال أضر بالمجتمع السوداني", وأن إبدال "الثقافة المنفتحة المستوعبة لمجتمع السودان .. بالقهر والإقصاء، أقعد المجتمع وعطل اكتمال مشروع الدولة الوطنية", وأكد على "قيمة التعددية الفكرية والسياسية", ودعا إلى "الدولة التي تقف علي مسافة واحدة من جميع الأديان والمذاهب والمدارس الفكرية".. الخ.
بعد الاستبداد, عالجت فقرات الإعلان الجانب الثاني من اسقاطات "الحاكمية" المتعلقة بالمواطنة, فاعتمدت التأسيس الراسخ "لمفهوم دولة المواطنة والعدل والقانون, التي تسع جميع أهل السودان، وتؤمن حمايتها من الإحتراب والتشظي", وحقوق المرأة "المتساوية, القائمة على مرجعية المواطنة" و"مفهوم المواطنة المتساوية أمام القانون", كما أتفق المشاركون وتعاهدوا على العمل المشترك لإكمال "مشروع الدولة الوطنية", واتفقوا على المواثيق الدولية والحريات, "لاسيما حريات التعبير والتفكير والضمير .. [على] أنها السبيل الصحيح إلى الدولة الوطنية", ودعوا المفكرين والمثقفين والساسة "لصياغة .. مشروع وطني ديمقراطي متفق عليه", وغيرها, وغيرها من الفقرات الداعمة للتعددية والحريات والحقوق المدنية ومرجعية المواطنة.
طبعا ليس هناك عمل فكري وسياسي عام يمكن أن يدعي الكمال, لذلك نرحب بآراء كل السوادنيين وملاحظاتهم الناقدة, من أجل البناء عليها, وتطوير المواقف, فهذا الجهد هو من أجلنا جميعا. وواجب علينا كمنظمين ومشاركين في الملتقى أن نشكر من اهتم بالملتقى ومن عقب وأبدى ملاحظاته, ونقدم شكراً خالصاً للدكتور الواثق الكمير ليس بوصفه عالماً متخصصا وموثقاً محققاً, فحسب, بل كمشارك نشط في الحياة السياسية أيضاً, خبير بدروب هذه القضايا. لخص د. الواثق تقييمه لإعلان الملتقى بقوله: "لاشك, هذه خلاصات جيدة جداً, تقرب شقة الخلاف بين أفكار مختلفة حول ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الدين والدولة". وطالب د. الواثق بالتفكير في كيفية الدفع بالخلاصات للتأثير بفعالية على القيادات السياسية. لقد توافق المؤتمرون على ضرورة تواصل الجهد .. وتكوين آليات لتوسيع الحوار ليصير تياراً فكرياً جامعاً. وستكون واحدة من الخطوات العملية في هذا الشأن إيصال مخرجات الملتقى إلى القوى السياسية والمدنية والشخصيات الوطنية المهتمة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.