عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

"من النادر أن تقع السلطة في أيدى الذين أشعلوا الثورات أو أطالوا أمدها .. السلطة يحوزها من وضعوا حداً لذلك"
- روبرت غرين في كتابه (القواعد الـــ48 للسلطة)
(1)
جميع الحروب في العالم تُخاض من أجل شئ واحد؛ وهو اعتقاد أطرافها بالقدرة على حمل الطرف المناوئ على القبول بإشتراطات سياسية أو إيديلوجية ليس بوسع هذا الطرف القبول بها بطريقة أخرى، ولذلك أطلق المنظّر العسكري الألماني، كارل فون كلاوزفيتز، توصيفاً ذائعاً للحرب على أنها إمتداد للسياسة بوسائل أخرى. الإستثاء الوحيد هو حرب الإبادة الجماعية، ففيها يضمر أحد الأطراف تدمير الطرف الآخر، كليّاً أو جزئياً، فقط لأن هذا الآخر مختلف قومياً أو إثنياً أو عرقياً أو دينياً!
بما أن هناك حركات مسلحة لا تزال تحمل السلاح في السودان لأسباب ودوافع مختلفة، فإن هذه المقالة تبتغي تناول جدوى هذا الخيار، وفي ذلك فإنها تبحث عن الإجابة من خلال النظر، يإيجاز، في معطيات واقع العمل المسلح في السودان ودروس العصر الحديث ونماذجه والمقارنة مع تجارب بعض الحركات المماثلة في مختلف أنحاء العالم.

(2)
هناك مقولة رائجة في أدبيات إدارة الصراع وفض النزاعات تقول بأن أفضل وسيلة لإنهاء أي نزاع مسلح هو عدم إشعاله إبتداءً! فبمجرد اشتعال النزاع المسلح تدخل العديد من العناصر التي تُضعِف من رغبة وقدرة أطرافه على وضع حد له. وبما أن حدوث مثل هذه النزاعات يبدو أمراً حتمياً، بالنظر للتعقيد الذي يشوب العلاقات السياسية والاجتماعية بين الدول أو داخل مكونات الدولة الواحدة، فإنه لا مناص من النظر في جدوى استمرار النزاع بعد اشتعاله، والتفكير بتسويته في أقرب سانحة ممكنة، ذلك أن الكُلفة الأخلاقية والإنسانية لاستمرار أي نزاع مسلح تتجاوز أي فائدة مرجوة أو متحققة من استمراره.. مثلاً، في دراسة للدكتور حامد التيجاني نشرها مركز الجزيرة للدراسات قبل حوالى الخمسة أعوام عن الكُلفة الاقتصادية لحرب دارفور، أشارت البيانات والتقديرات الواردة بالدراسة إلى أن ما أُنفق على حرب دارفور بلغ 24.07 بليون دولار، وهو ما يعادل 162 % من الناتج المحلي الإجمالي خلال سنوات الحرب، ويشتمل هذا على 10.08 بليون دولار في صورة نفقات عسكرية مباشرة، و7.2 بليون دولار في صورة خسائر في الإنتاجية فقدها النازحون عن أراضيهم داخل دارفور، و2.6 بليون دولار في صورة خسائر في المدخرات الحياتية فقدها القتلى في الحرب، و4.1 بليون دولار خسائر نتجت عن الإضرار بالبنية الأساسية. هذا إلى جانب الخسائر البشرية للحرب هناك والتي يبلغ عدد ضحاياها في مكان ما بين عشرة آلاف شخص، بحسب معطيات للحكومة، وثلاثمائة ألف، كما تقدِّر الأمم المتحدة. كما أن مناطق السودان الأخرى التي تشهد نشاطاً مسلحاً، كجنوب كردفان والنيل الأزرق، تعيش أوضاعاً إنسانية حرجة، وليس أدل على ذلك من أن مسألة إدخال المساعدات الإنسانية للمناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية – شمال أصبحت بنداً ثابتاً في جولات التفاوض بين الحكومة والحركة، فضلاً عمّا كشفته تقارير البعثة المشتركة التي قامت بتقييم الإحتياجات الإنسانية هناك والتي أوصت بضرورة تقديم المساعدات العاجلة.. مما يُــؤسف له أن الحركة رفضت، بحماقة، المقترح الأميركي حول كيفية إيصال المساعدات، وهو رفض حتماً سيزيد الأوضاع الإنسانية هناك وهناً على وهن.

(3)
دراسة التجارب المختلفة للنزاعات المسلحة في مختلف أنحاء العالم تكشف عن أربعة نتائج رئيسية:
أولاً: النزاعات المسلحة لا تنتهي في وقت وجيز؛ فمتوسط أمد النزاعات الداخلية التي اندلعت بعد الحرب العالمية الثانية يبلغ عشرة أعوام. وبتطبيق ذلك على النزاعات الدائرة في السودان نجد أن قضية دارفور، مثلاً، قد فقدت الكثير من الزخم الذي كانت تتمتع به بعد مُضي عشرة أعوام من اندلاع النزاع، وهذا يحتّم على الذين لا يزالون يؤمنون بالخيار المسلح من قادة الحركات المسلحة في دارفور إعادة التفكير في جدوى هذا الخيار. أما قدرة الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق في تخطي حاجز العشرة أعوام فتُعزى بشكل كبير إلى قدرة قائد الحركة في الإستفادة من الظروف والتناقضات الدولية التي سبقت وصاحبت وأعقبت إنهيار الكتلة الشرقية، وكذلك لظروف عدم الاستقرار السياسي الذي شهده السودان بتعاقب حكومات نميري، سوار الدهب، الصادق المهدي، ثم الرئيس البشير.
ثانياً: كلما تكاثر عدد الفصائل المشاركة في النزاع المسلح كلما طالت فترة النزاع؛ وبالنظر إلى واقع النزاع المسلح في دارفور يمكن بسهولة تدعيم هذه النتيجة، إذ أن كثرة الفصائل المسلحة في الإقليم هي إحدى العقبات التي أعاقت الوصول لإتفاق يمنع معاناة المواطنين في الإقليم، فإتفاقية أبوجا لم تحقق سلاماً شاملاً لأن هناك فصائل مسلحة رفضت أن تكون طرفاً فيها، وذات الأمر ينطبق على إتفاقية سلام الدوحة، بالرغم من أن الأخيرة قد أصابت نجاحاً مرده إلى ضعف قدرة الفصائل الحاملة للسلاح حالياً على القيام بأعمال ذات بال بعد عشرة أعوام من اندلاع النزاع. كما أن الحكومات أحياناً لا تمتلك سياسة موحّدة في التعامل مع النزاعات المسلحة، وتتجاذبها، تارةً أخرى، اختلاف التقديرات والمصالح السياسية عن العسكرية، مما يطيل النزاع.
ثالثاً: أغلب النزاعات المسلحة تنتهي في ساحة المعركة وليس على طاولات التفاوض؛ هذا لا يعني أن النزاع سيستمر حتى ينتصر أحد الأطراف عسكرياً ويقضي على الطرف الآخر قضاءً مبرماً، بل معناه أن أحد الأطراف، أو كليهما في حالة النزاعات الثنائية، لم يعد بوسعه الاستمرار في القتال لأن الحرب قد أنهكته، ولأن النتائج المتوقعة من استمرار النزاع هي أكثر فداحة لهذا الطرف أو ذاك من أي مقابل يمكن الحصول عليه نتيجة التفاوض، فيمهّد ذلك، بالتالي، للجلوس على طاولات المفاوضات والقبول بالنتائج التي تتمخض عنها.
رابعاً: هناك سمتان تميزان النزاعات التي تنتهي بالتفاوض؛ أولاهما أن المكاسب السياسية التي تتحقق من التفاوض تعكس توازن القوى على الأرض، ويعني ذلك أن الطرف الذي يدخل التفاوض وهو في موقف ميداني جيد سيحقق أكثر مما لو دخلها وهو في موقف ضعف.. وفي هذا درس للفصائل الحاملة للسلاح سواء في دارفور أو جنوب كردفان والنيل الأزرق، فحركة العدل والمساواة، على سبيل المثال، كان يمكن لها أن تحقق عائداً سياسياً مقبولاً لها فيما لو دخلت في عملية سلمية مع الحكومة قبل خسارتها الفادحة في معركة (قوز دنقو).. السمة الثانية هي أن أي تسوية سلمية تتطلب المساعدة من طرف ثالث يضمن سلامة الانتقال مع النزاع للسلم وتطبيق بنود اتفاق السلام، ويُفضّل أن يكون هذا الطرف خارجياً لأن ثقة أطراف النزاع في مكونات الداخل غالباً ما تكون ضعيفة. إحدى المآخذ التي يراها البعض في إتفاقية السلام الشامل بين الحكومة والحركة الشعبية (CPA) هي أنها جعلت ضمانة تنفيذ الإتفاقية في إحتفاظ الحركة الشعبية بجيشها، وهو أمر سيئ بحسبان أنه كان قد يدفع الحركة للجوء مجدداً إلى النزاع حال الخلاف في تنفيذ بنود الاتفاق خلال الفترة الإنتقالية.. التجارب الدولية تضع هذه الضمانة دائماً في قوات من الأمم المتحدة أو دولة تحظى بثقة أطراف النزاع. بما أن السودان يضم حالياً الآلاف من قوات الأمم المتحدة سواء في دارفور أو أبيي، فإن وجودة هذه القوات سيشكّل أكبر ضمان للفصائل المسلحة خلال فترة نزع سلاح قواتها وتسريحها وإعادة إدماجها في القوات النظامية أو المجتمع، حال التوصّل لتسوية تفاوضية.

(4)
النظر في التجارب العالمية للحركات التي انتهجت العمل المسلح تكشف عن أن أغلبها الأعم لم يستطع تحقيق أهدافه إلا من التفاوض للتوصل إلى تسوية سلمية يمكن من خلالها تحقيق ما يمكن تحقيقه من أهداف لتلك الحركات، وستكتفي المقالة باستعراض ثلاثة تجارب من ثلاث قارات مختلفة، وهي تجربة الاتحاد الوطني للاستقلال التام لأنغولا (يونيتا)، نمور التاميل في سيريلانكا، والقوات المسلحة الثورية الكولومبية.
بنهاية العام 1993 كانت حوالى السبعين بالمائة من الأراضي الأنغولية تقع تحت مرمى النشاط العملياتي أو الغارات التي تشنها حركة يونيتا بقيادة جوناس سافيمبي، وبسبب توجهات الحركة المناوئة للشيوعية فقد أغدقت الولايات المتحدة، عبر وكالة الإستخبارات المركزية (CIA)، الرعاية عليها وتعهدتها بالدعم والاهتمام لأكثر من ربع قرن من الزمان. بيد أن تغيّر سياسة الولايات المتحدة تجاه حكومة أنغولا الشيوعية والنظر إليها كحكومة يمكن الوثوق بها في إمداد أميركا بالنفط الأنغولي، مقروناً مع عدم قدرة سافمبي على استقراء وتقييم ذلك التغير على نحو جيد، جعلت موازين القوى تتجه بسرعة شديدة لصالح الحكومة الأنغولية، فتمكنت القوات الحكومية، وفي أقل من عام واحد، من السيطرة على 60% من الأراضي الأنغولية، مما إضطر سافمبي للإعتراف بأن الهزائم التي مُنيت بها حركته في العام 1994م هي "أسوأ كارثة" تمر بها يونيتا منذ إنشائها. وإزاء الهزائم المتلاحقة للحركة أذعن سافمبي، مكرهاً، على الموافقة على إتفاق للسلام بلوساكا، رغم أنه شخصياً لم يتقبل فكرة التوقيع عليه وأناب عنه الأمين العام للحركة للتوقيع.. كان الاتفاق هشاً خرقته قوات يونيتا عدة مرات تمثّلت إحداها في إسقاط مروحية تتبع لبعثة الأمم المتحدة للتحقق في أنغولا، كما رفض سافمبي عرضاً بأن يصبح نائباً للرئيس، وتجدد القتال مرة أخرى في 1998م! حينها شعرت القوى التي طالما دعمت سافمبي بأنه يقف عقبة أمام استقرار الأوضاع، فتمكّن مرتزقة، يُشاع أنهم إسرائيليون، من وضع حد لحياته في العام 2002م. بعد أقل من شهرين من مقتله وافقت الحركة على إلقاء السلاح والدخول في عملية سلمية أصبحت بموجبها يونيتا حزباً سياسياً لديه حالياً 32 مقعداً في البرلمان الأنغولي من جملة 220.
في القارة الآسيوية يمكن النظر في تجربة نمور التاميل في سيريلانكا، وهي الحركة التي ظلت تقاتل الحكومة المركزية في سيريلانكا لمدة 26 عاماً طلباً لإنفصال شمال شرق البلاد لتكوين دولة مستقلة للأقلية من عرقية التاميل التي تشكّل نحو 3.8 مليون نسمة من جملة 17 مليوناً هم سكان البلاد ذات الأغلبية التي تنتمي للعرقية السنهالية. الآثار الإنسانية والمادية للنزاع السيريلانكي كانت فادحة، وتكفي الإشارة إلى أنه خلّف ما بين 80.000- 100.000 قتيل.
حركة نمور التاميل التي عُرِفت بشراسة قتالها وتوظيفها للعمليات الانتحارية في تكتيكاتها بلغت في الثمانينيات شأواً عسكرياً مكّنها حتى من الحصول على أسطول بحري صغير خاص بها، وأجبرت الهند على سحب ثمانين ألفاً من قواتها التي أرسلتها لمحاربة الحركة، كما أن إنتحارية من إقليم (تاميل نادو) الهندي تمكّنت في مايو 1991م من الوصول لرئيس الوزراء الهندي الأسبق، راجيف غاندي، ومزّقت جسده بقنبلة انتحارية، وبذات الطريقة قتلت الحركة عدداً من كبار المسئولين السيريلانكيين!.. ولكن تغيّر الظروف الإقليمية والدولية جعل تلك القوة تتراجع بإضطراد وأصبحت قواتها تتقهقر باستمرار أمام القوات الحكومية التي استطاعت في 2009م من إلحاق هزيمة منكرة بالحركة وقتل قائدها فيلوبيلاي براباكاران، فعمد مسئول العلاقات الخارجية بالحركة إلى إصدار بيان قال فيه: (لقد وصلت هذه المعركة إلى نهايتها المريرة، فشعبنا هو الذي يموت الآن بسبب القنابل والقذائف والمرض والجوع ولم يعد لدينا سوى خيار وحيد، هو إسكات صوت السلاح، وذلك من أجل حرمان العدو من آخر حجة يمكن له استخدامها من أجل قتل أبناء شعبنا)، وتخلّت الحركة نهائياً عن برنامجها الإنفصالي وقنعت بنظام لا مركزي للحكم في ظل ترتيبات فيدرالية.
أما في أميركا اللاتينية فقد تأسست القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك) في العام 1964م كجناح عسكري للحزب الشيوعي الكولومبي، وتتبع الحركة في أدبياتها الأيديلوجية الماركسية اللينينية.. وقد لجأت الفارك إلى حمل سلاح لمحاولة إعادة التوازن للمجتمع الكولومبيى الذي كان يشهد، أثناء فترة ظهورها، العديد من الإختلالات الإقتصادية وغياب العدالة الإجتماعية.
في مرحلة ما كانت الفارك تسيطر على حوالى العشرين بالمائة من الأراضي الكولومبية، ولكن الضربات المتوالية التي تعرضت لها الحركة من قِبل القوات المسلحة الكولومبية المدعومة من الولايات المتحدة حدّت من قدرتها على القيام بأي أعمال مؤثرة، وتعرض قادة الحركة، في مختلف المراحل، للإغتيال، وفقدت الحركة القدرة على تجنيد الأتباع حتى تناقص عدد قواتها من عشرين ألفاً إلى حوالى سبعة آلاف. كل تلك العوامل لم تترك للحركة مناصاً من الجلوس في مفاوضات متطاولة بكوبا إمتدت من أغسطس 2012 وحتى أغسطس 2016م حينما تم التوصل إلى اتفاق سلام رفضه الشعب الكولومبي عندما طُرح في استفتاء شعبي، فلجأت الحكومة والحركة إلى إدخال تعديلات طفيفة على الإتفاق وطرحته للبرلمان الذي أجازها في نوفمبر 2016م منهياً بذلك ما يقارب الستة عقود من الصراع.. الإتفاق بصفحاته التي تقارب الثلاثمائة يُنظر إليه على أنه لا يلبي الأهداف البراقة التي حملت من أجلها الفارك السلاح منذ 1964م، وهي عقود اكتسبت خلالها الحركة سخط الشعب الكولومبي الذي رفض الاتفاق معها في الإستفتاء، وتعترض أصوات كثيرة في الشارع الكولومبي على منح قادتها عفواً بعد عقود من الصراع الدامي.

(5)
إن إستشراف المستقبل السياسي للحركات السودانية التي لا تزال تؤمن بالعمل المسلح كوسيلة لتحقيق أهدافها يحتّم عليها إغتنام الأجواء التي يُنظر إليها بإيجابية في البلاد هذه الأيام، والمتمثلة في نتائج الحوار الوطني وتبادل إطلاق سراح الأسرى والمحكومون بين الحكومة والحركة الشعبية- شمال وتغير بعض الظروف الدولية، من أجل الوصول لتسوية توقف ويلات الحرب، فالرهان على البندقية كثيراً ما أثبت عدم جدواه، فضلاً عمّا يترتب عليه من آثار سياسية، مادية، وإنسانية بالغة الفداحة، ولتأخذ هذه الحركات العِبرة من تنظيمات شبيهة كانت أشد منها قوةً وعتاداً فانتهى أمرها إلى الغياب والإضمحلال دون أن تحقق ما كانت تصبو إليه، أما التي أصابت شيئاً من النجاح فهي تلك التي ارتضت الخيارات السياسية السلمية إبتغاء تحقيق مطالبها.