تحت عنوان القضاء يطالب بأن يكون الاعتقال تحت سلطته جاء في صحف الخميس 3/3/2017م ما يلي:" طالبت السلطة القضائية بأن يكون الاعتقال تحت سلطتها، لضمان تحقيق العدالة ويجب ألا يترك الاعتقال لأية جهة تفعل به ما تشاء و لكن يجب أن يتم الأمر تحت رقابة القضاء لينظر القاضي إن كان الاعتقال صحيحاً أم لا. وقال مولانا عبد المجيد إدريس على نائب رئيس القضاء في تصريحات صحفية أمس عقب اجتماعات لجنة التعديلات الدستورية: “إن من حق أي معتقل أن تبلغ أسرته و أن يجد المحاكمة العادلة"." “وجهة نظري الشخصية أن جهاز الأمن إذا حصر دوره في جمع المعلومات يكون بلا فائدة". و تضمن تصريحه رفضه تقليص صلاحيات جهاز الأمن بحجة وجود مهددات وتحديات وأن الجهاز مسئول من أمن المواطنين مما يتطلب أشياء لا تتأتى إلا بوجود صلاحيات”.
و تجدر الإشارة أيضاً‘ إلي أن سعادة النائب العام السابق الأستاذ عوض حسن النور كان قد سبق الهيئة القضائية في نفس الاتجاه و إلي ذات الهدف بطلبه إخضاع اعمال جهاز الأمن والمخابرات، المتعلقة بالقبض والحبس، لسلطات النيابة العامة. و كالمعتاد فإن طلبه ذاك لم يجد آذاناً صاغية من الأجهزة السياسية والتنفيذية المعنية فذهب مع الريح.
المطالبة بإخضاع أعمال الجهاز، للرقابة القضائية، مقصده افتراضاً هو الحد من سلطاته المطلقة من ناحية، و غير الخاضعة لأية رقابة، من ناحية أخرى، ولم يتجاوز لدى المطالبين به إعادتها إلي المهام التي حددها الدستور بنص قطعي صريح. إذن فإن أول ما يلفت النظر، لتصريح سعادة مولانا عبد المجيد هو أن رفضه الجهير لتقليص سلطات الجهاز، لا يعرض فقط، مع أحد مقررات "مخرجاته" ما عُرِفَ بـ حوار الوثبة، بل يصادم قبل ذلك، نصاً في دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م الساري النفاذ اليوم، يقضي بانحصار صلاحيات و مهام جهاز الأمن والمخابرات في جمع المعلومات وتحليلها وتقيمها قرينة رأيه الفني الاستشاري للجهات المختصة. و مفاد ذلك هو أن الصلاحيات التي يتمتع بها الجهاز اليوم مخالفة لنص في الدستور المذكور.
بادئ ذي بدء، يجب عليَ أولاً توضيح أن صريح سعادة مولانا عبد المجيد إدريس، متعلق بشأن دستوري وقانوني عام، لا يخص أحدنا دون الآخر، ويهمنا كلينا ومعنا كل السودانيين بذات المقدار، ومن حقنا بل واجبنا أن ندلي برأينا فيه. لذا فإن تعرضي لتصريح سعادته يأت باعتباره محض رأي فني صادر منه كرجل قانون، وليس بصفته نائباً لرئيس القضاء، و أضيف إلي ما تقدم من أسباب، بأن زمالة المهنة، التي تجمعه معنا اليوم، كما جمعته معنا بالأمس زمالة الدراسة تفرض علي كواجب مهني ووطني أن أتناول تصريح سعادته بالمناقشة و التحليل و النقد الفني، اتفاقاً أو اختلافاً مع ذهب إليه.
و لا بد لي أن أوضِح ثانياً، أنَني في تناولي لهذا الأمر، البالغ الأهمية والحساسية معاً، ورغم صعوبة و تعذَر الحديث عن حقوق المواطنين، الدستورية و القانونية، بمعزل عن الكيفية التي تدار بها تلك الحقوق بواسطة النظام السياسي القائم، كنت حريصاً كل الحرص، على حصره في جوانبه القانونية و عدم الخوض في لجج الخلافات الفكرية والسياسية، وكنت أكثر حرصاً، من باب أولى، على عدم إقحام سعادة مولانا عبد المجيد في أي من ذلك، ليس خوفاً أو ازوراراً من الخوض في أمور الفكر والسياسة، بل لأن موضوعه (افتراضاً) أمر فقه دستوري و قانوني (خالص) أولاً ولحساسية المنصب الذي يشغله مصدر التصريح في قمة إدارة القضاء، حتى وإن لم يصدر منه بتلك الصفة كما افترضنا. بيد أن سعادة مولانا عبد المجيد قد اختار ألا يترك لي سبباً أو مبرراً لقصر الموضوع في جوانبه القانونية وتجنب الخوض في جوانبه السياسية، فهو قد ذهب وبحسب الخبر المنشور، إلي ما يعرف بالمجلس الوطني، وهو حزبي التكوين والتوجه، ليجتمع بلجنة التعديلات الدستورية وهي حزبية التكوين و التوجه، لمناقشة أو اجازة لا فرق التعديلات الدستورية. و القضاء فيما نعلم لا يجتمع باللجان الحزبية كما لا يصنع أو يجيز الدستور، وإن كان هذا لا يمنع الاستئناس برأيه إما كهيئة أو برأي القضاة كأفراد في التشريعات التي تجيزها الهيئة التشريعية لأخذه (كرأي خبرة) في الاعتبار عند إعدادها و صياغتها في شكلها الأخير. و لا تترك لنا مرةً أخرى، صيغة تصريح مولانا عبد المجيد الرافض لتقليص صلاحيات الأمن، بأي حال من الأحوال، أي هامش للاعتقاد بأن مهمة سعادته مع لجنة التعديلات الدستورية كانت للمناقشة أو الاستئناس بالرأي أو الاستشارة. نضيف إلي ذلك أن أسباب و مبررات رفضه حصر مهام جهاز الأمن فيما قرره الدستور نصاً، لا تعدو كونها، محض تعبِير عن رأي، و اجتهاده السياسي. ومن ذلك قوله أن جهاز الأمن يحمي ويحفظ أمن المواطنين، وقوله أن صلاحيات الجهاز ضرورة لوجود مهددات وتحديات، و أنه إذا حصرت مهامه في جمع المعلومات وكان بدون صلاحيات فلا فائدة منه. فليعذرني القارئ إذن إن وجدني قد حدت عن مناقشة محض الفقه هنا أو هناك، وما عليه إلا أن يدر العلة مع معلولها وجوداً وعدماً كما في قول الفقهاء. فالرد على الرأي السياسي بخلاف مثله يكون مضرا (كوضع الندى في موضع السيف).
و مما لا شك فيه أن أغلبية القانونيين السودانيين لا تتفق مع سعادة مولانا عبد المجيد في و صفه الجهاز بحامي و حافظ أمن المواطنين، بل وليس غائباً عليها غلبة الانتماء و الولاء الحزبي على تكوينه ومجمل نشاطه. و علاوةً على ذلك فهم يعلمون أن الجهاز هو الشرطة السياسية، و أنه رأس الرمح في تعقب نشطاء العمل العام المعرض للنظام واعتقالهم وحبسهم، لتوطيد الحكم القائم واستدامته، و هو غالب نشاطه، إن لم يكن كل عمله الذي يقوم به، أي و ظيفته (فائدته) التي لأجلها أنشئ، وفي تقدرينا أن (هذه الفائدة) إذا كانت تعني سعادة مولانا عبد المجيد شخصياً فمن غير المفترض أن تكون الهيئة القضائية (كجهاز وظيفته حماية الحقوق وإدارة العدالة) معنية بترصد وتعقب واعتقال وحبس المعارضين لتوطيد واستدامة الحكم.
و لا تدري كيف يدخل اعتقال جهاز الأمن للسياسيين (خارج رقابة القضاء) كما يشاء وكيف ومتى يشاء و إبقائهم في الحبس إلي أجل غير مسمى .. (إلخ عبارته الواردة في التصريح) ضمن تعريف حفظ أمن المواطنين. نضيف إلي ذلك أن أسباب ومبررات رفضه تقليص صلاحيات الجهاز ليست جديدة، بل هي نفس الحجج و الدفوع التي يثيرها الجهاز السياسي و (ذراعاه الأمني والدعائي) في وجه المطالبين بتقليص وتقييد صلاحيات جهاز الأمن بموجب أحكام دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م.
وفي تقديري، والحال كما ذكرنا، فإن تطبيق القانون وإدارة العدالة و تصريف شئونها في بلادنا في مأزق خطير، لسبب عائد بالأساس إلي أن بعض مزاولي مهنة القانون، من المعنيين بتطبيق القانون وتصريف العدالة، قد اختاروا مخالفة قسم الالتزام بمبادئ حاكمية الدستور وسيادة حكم القانون الضامنة لاستقلال القضاء و غيرها من المبادئ الدستورية، لأنهم ببساطة يضمرون خلاف هذه المبادئ الدستورية القانونية الملزمة، بسبب ولائهم لمبادئ أخرى، والتزامهم بقناعات خاصة بهم.
و أكرر من باب الحرص البالغ - على مبدأ حياد القضاءً - إصراري على وتمسكي بأن ما صرَح به سعادة مولانا عبد المجيد، صدر منه كاجتهاد رأي لشخصي، و ليس بصفته الرسمية. لأن القول بخلاف ذلك يعني أنه بصفته نائباً لرئيس القضاء قد أعلن رفضه لنص دستوري، نافذ وساري (افتراضاً) و ملزم الاتباع والعمل به. و يمكننا القول بأنه أفتي صراحةً بعدم لزوم حاكمية الدستور، مما يستنتج منه جواز عدم إلزامية عمل القضاء به؟. وهو ما تقوم بتنفيذه وتطبيقه عملياً السلطة السياسية و جهاز أمنها في مخالفة النص المحدد لصلاحياته حصرا، و انتهاكات أحكام وثيقة الحقوق.
في أي بلد خاضع لحكم القانون يستحيل صدور مثل هذا التصريح، من أي شخص يمتهن القضاء، ناهيك عن أن يكون في قمة إدارته. و تكمن خطورته في نتائج أخذ القضاء به، فإن الحقوق الدستورية والقانونية في بلادنا عندها لا تصبح في مهب الريح فحسب، بل تكون في خطر ساحق و ماحق. ودعون نفترض أن قد أخذ بهذا الرأي قاضيٍ ينظر نزاعاً فيه طعن في عمل من أعمال الدولة مخالف لنص دستوري، فاتبع الأخذ بمبدأ عدم حاكمية الدستور، و أجتهد رأيه برفض التمسك بنصوصه، فإنه سيحكم دون أدنى شك بدستورية عمل مخالف للدستور ظاهراً وباطناً، مخالفاً بذلك القسم الذي أداه، لأسباب تتعلق بقناعات خاصة بصاحبها ولا علاقة لها بالقانون ومبادئه، التي أدي قسم الالتزام بها، وهو القسم الذي يؤديه أي شخص يزاول المهن القانونية (قاض، أو مستشار أو محامي) فإذا أقسم أحدهم على الالتزام بتلك المبادئ مع إضماره عكسها، فإن في هذا حنث باليمين مزدوج الأبعاد، أحدهما ديني و الأخر مهني.
و لي جملة ملاحظات على طلبي القضاء والنائب العام اخضاع نشاط الجهاز لرقابة القضاء. أولاها هي أن واجب الهيئة القضائية هو إخضاع مجمل الأداء الحكومي لرقابتها، لا جزءا منه فقط.
و ثانيها هو أن التفاتة القضائية لاخضاع اعتقالات الجهاز حصراً تحت رقابتها قد جاءت متأخرة جداً، بقرينة أن مجمل ما احتجت به في سند طلبها من اعتقال المواطنين بسلطة مطلقة بغير تهم محددة أو غير مسماة في الغالب الأعم و الحبس لأجل غير مسمى، و خضوع أمره لمشيئة إدارة جهاز الأمن، لهو الوضع السائد في السودان منذ 30 يونيو 1989م. و يمتنع علينا، بالطبع، أن نعزي أنفسنا بالمثل السائر:" لأن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي"، نظراً للأثمان الباهظة التى دفعها البعض، أفراداً كانوا أم جماعات، من حرياتهم وأرواحهم (في كثير من الحالات) جراء تجاوزات بعض أجهزة الدولة، المتمثلة في أدائها، الخارج عن الخضوع للقانون والمنفلت عن رقابة القضاء.
وثالث الملاحظات هي الحديث عن حق المعتقل في إبلاغ أهله والمحاكمة العادلة وكلها حقوق دستورية وقانونية أساسية، منصوص عليها في الدستور والقوانين، لا مسوِغ لانتهاكها أو الانتقاص منها. بيد أن من يقومون بانتهاكها و الانتقاص منها لا يعيرون الدستور والقوانين أي اهتمام أو احترام. فليس من الحكمة في شئ أن يرجى ممن لا يحترم الانسان ذاته أن يحترم حقوقه.
و رابع الملاحظات هي الحديث عن عيوب وقصور التعديلات التي أجريت مؤخراً على الدستور. و في تقديرنا أن الدستور بأصله وتعديلاته مفصَل على مقاس نظام شمولي لا يعترف بالحقوق الأساسية و لذا فإن الغرض من كل التعديلات التي أجريت عليه، هو تكريس وترسيخ سلطة الفرد. و عليه فإن أبسط ما يمكن أن يوصف به الحديث عن الدستور (المؤقت) وتعديلاته (الدائمة)، هو أنه لا علاقة له بجوهر حقوق المواطن الدستورية.
و خامسة الأثافي (إذا جاز التعبير)، هي أن كل هذا الحديث يتجاهل أن مُفَصِلِي و مُطَبِقِي الدستور، على السواء، يتخذونه كغطاء للإيهام بشرعية الحكم، بينما لا يسفر عنه للعيان، إلا نقيضها المطلق، و لا يختلف تعاملهم مع الدستور، عن تعامل الراقصة مع بدلة الرقص فهي تتوسل بها للإيهام بحرصها على الاحتشام بينما هي أحرص ما تكون على إبداء المزيد من العري للاثارة، تماماً كما يستخدم النظام الدستور للإيهام بشرعية حكمه، بينما لا يسفر للعيان منه إلا نقيضه.
ونورد إجمالاً رأينا و نؤكِد فيه ما أسلفنا تأكيده، في مقالات لنا نشرتها سابقاً هذه الصحيفة، في التشريعات السائدة اليوم بما فيها الدستور فيما يلي:
ونبدأ بملابسات وضع و اجازة، دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م، و تأثير تلك الملابسات على الالتزام بضمان الحقوق الدستورية والقانونية، المكفولة بموجب أحكامه. خلصنا فيها إلي خطورة النظر إلي الدستور، كوثيقة لابرام صفقة أو تحالف سياسي، مع إغفال حقيقة أنه، في المقام الأول، وثيقة مقررة و حامية لتلك الحقوق، في إطار تأمين وضمان تطبيق سيادة حكم القانون. و نضيف اليوم أن مبدأ استقلال القضاء، كأحد أهم تلك المبادئ رهين بالدرجة الأولى بشرط فرض و بسط سلطة القضاء الاشرافية و الرقابية الصارمة على أداء كافة أجهزة الدولة و منها السياسية و الإدارية والتنفيذية على وجه الخصوص، لضبط سيره و ضمان جريان عملها وفق صحيح نصوص الدستور و القانون. وغني عن القول بالطبع، أن أداء أيٍ من أجهزة الدولة، خارج عن الخضوع لرقابة القضاء، ينسف مرجعية و حاكمية القانون ، كما يمثل اختلالاً خطيراً، لمبدأ المساواة أمام القضاء ، بحسبانه، المختص حصرا بتطبيق القانون، والحارس الأوحد للحقوق بموجبه والدستور. و ذلك لأن مقتضى مبدأ حكم القانون، بحسب الفقهاء، هو خضوع جميع أشخاص القانون، الطبيعيين والاعتباريين، بمن فيهم الدولة، للقانون على قدم المساواة، دون أدنى تمييز أو استثناء أو حصانة، لأي سببٍ أو مبررٍ كان. و يستنتج من ذلك أن القضاء العاجز عن فرض رقابته وإشرافه على أداء أجهزة الدولة لهو قضاء عاجز عن حماية و صون استقلاله، في المقام الأول، مما يجعله دون أدنى شك، قليل، بل قل إن شئت الدقة، عديم الفائدة لمن استجار به ممن انتهكت أو انتقصت أي من حقوقه الدستورية والقانونية، بفعل صادرٍ من قبل أي من أجهزة الدولة. هذا من جهة.
و من جهة أخرى، فإن أول ما يلفت النظر، في التشريعات السائدة اليوم من دستور وقوانين،هو إصدار النظام الحاكم ترسانة من القوانين المخالفة لصريح نصوص الدستور، منها مثالاً دون حصر، قانون جهاز الأمن والمخابرات، الذي يجعل الجهاز تنفيذياً من الدرجة الأولى، ورأس الرمح في انتهاك الحقوق والانتقاص منها، و لا يغيب على أحد توظيف النظام له كأداة لحجب حقوق منصوص عليها في الدستور. وكذلك يلفت النظر إصدار الدولة لترسانة من القوانين المصادرة للحقوق الواردة في وثيقة الحقوق بدستور السودان الانتقالي لسنة 2005م، من ضمنها قانون جهاز الأمن والنقابات و الصحافة .... إلخ من قوانين التمكين. فبموجب أحكام هذه التشريعات مجتمعة، تهزم قواعد أسس في فقه الدستور منها: حاكميته وأنه أصل القوانين جميعاً، وأنه يعلو و لا يعلى عليه و يقع باطلاً كل قانون يخالفه. وهكذا يسود في نظامنا التشريعي وتطبيقاته، الفرع (القانون) على الأصل (الدستور) فيترتب على ذلك مصادرة الأول حقوق كفلها الأخير. و هكذا فإن القوانين لا تطغى على الدستور فحسب، بل تلغي أحكامه القطعية الصريحة و تبطلها. وفي ظلِ هذا الوضع فإن أهم أحكامه الكافلة للحقوق ( باب وثيقة الحقوق) معطلة النفاذ بأمر السلطة السياسية وبفعل ذراعها الأمني و سريان قانونه. و في تقديري أنَ الحديث في ظل سريان هذه القوانين عن هذا الدستور (المؤقت) و تعديلاته (الدائمة) يصبح ضرباً من ضروب تبديد الوقت والجهد فيما لا طائل من ورائه كما أن تعديلات هذا الدستور التى أصبحت صنعة لبعض محترفي حياكة التشريعات على (مقاس الشموليين) لن تصلح حله بل تزيده خبالاً على خبال.
و مِنْ بابِ النظر إلي الظاهرة، بكل جوانبها و أخذها في كليتها وشمولها للإحاطة بها نتطرق إلي ما يسميه فقهاء القانون بعلة التشريع بالنسبة إلي كل القوانين المخالفة للدستور و المصادرة للحقوق المكفولة بموجب أحكامه، لنكتشف أنَ علة هذه القوانين تتمثل في أن مشرعيها و مطبقيها يضمرون أيديولوجية قائمة على الاعتقاد الخاطئ و الباطل بحقهم في التمييز بين السودانيين بسبب غير المواطنة و المساواة في الحقوق على أساسها أفضى بهم إلي اعتبار أن السودان ليس لكل مواطنيه بل لبعضهم مع اعتقاد هذا البعض، إعتقادا أكثر بطلاناً، بأن من أوجب - واجباته المقدَسة - أن يحمل من ليس معه، وهم أغلبية السودانيين، على مراعفهم، للخضوع لحكمهم إكراها، و إرغامهم جبراً على قبول أنهم أغراب في وطنهم، ليتنازلوا ويتخلوا، من ثم، عن حقوقهم المعلومة كمواطنين، و القبول بواجبات الرعايا، تماماً كـ "البدون" في بعض دول الخليج العربي. ومعلوم أنَ الـ "بدون" تطلق على من حجبت حقوقهم فأصبحوا بلا حقوق. و تجدر الإشارة إلي أن (جل أن لم نقل كل) حقوق أكثرية السودانيين التي جحدتها (أقليتهم) كانت مكفولة لهم حتى تحت الحكم الأجنبي على عهدي التركية السابقة (1821-1885م)، والحكم الثنائي الانجليزي – المصري (1899 -1956م).
( ظاهر ) طلبين القضاء والنائب العام، يحمل على الاعتقاد أن ضمائر القضاة و النيابة العامة، مثقلة بمسئولياتهم عن مصائر، مواطنيهم الذين تنتهك حقوقهم، نتيجة لعدم خضوع أداء جهاز الأمن للرقابة القضائية، ويبدي (ظاهره أيضاً) حرصاً على وجوب جريان أعمال الجهاز وفق القانون وخضوعها لفحص للقضاء المختص، ليقرر بناء عليه مدى التزام تلك الأجهزة بأحكام الدستور و مطابقتها لصحيح نصوص القانون.
و سؤالنا هو هل يحقق إخضاع أعمال جهاز الأمن للرقابة القضائية، في ظل التشريعات السارية والسائدة اليوم، صون و ضمان كفالة الحقوق الأساسية وعدم انتهاكها ؟؟. إجابتي هي النفي القاطع، ففي ظل القوانين السائدة اليوم و الآنف ذكرها، يستحيل ضمان كفالة حقوق دستورية أو قانونية. عليه فإن طلب إخضاع الاعتقال السياسي، للرقابة القضائية، في ظل التشريعات النافذة حاليا، بفرض الاستجابة له، لن يحقق شيئاً خلاف إظهار ممارسات وأعمال الجهاز وكأنها وفق القوانين فتكتسب شرعية زائفة ومضللة، نسبةً لأن للقوانين السارية نفسها، - و هي من صناعة السلطة السياسية الحاكمة منفرد - تفتقر إلي الشرعية لمخالفتها للدستور. و لا يختلف اثنان على أنها تشريعات صنعت لتمكينها في الحكم واستدامته. و نخلص من ذلك، إلي أن طلب إخضاع أعمال جهاز الأمن للقوانين المخالفة للدستور، سيفضي في واقع أمره، إلي تقنين تجاوزات أعمال الجهاز المخالفة للدستور، بإسباغ شرعية شكلية و زائفة عليها. و دليل شكليتها وزيفها، أنها تستند، كما أسلفنا القول، على قوانين مخالفة لأحكام الدستور. و إذ صح ما تقدَم، فإن مثل الطلبين سالفي الذكر، لا يحققان حماية أية حقوق للمواطن دعك أن تكون الدستورية والقانونية.
ومن جهة أخرى، و في ظل سياسة تمكين كادر التنظيم ومؤيديه، و ما لازم أداء بعض الأجهزة العدلية في الماضي ويلازمه حتى الآن من تجاوزات وانتهاكات فظة، فما ومن أدرانا، أن يلتزم (كل) قضاة القضائية و (كل) مستشاري النائب العم بتطبيق صحيح القانون ومراعاة أحكام الدستور وحاكميته و أسس تطبيق العدالة. تجربة بعض القضاة والمستشارين (بتاعين البتاع – على راي نجم) الذين ائتمروا بأمر السلطة السياسية و حادوا عن تطبيق القانون لينفذوا مشيئتها، ماثلة و تستعصي على النسيان. و نذكر تجربة القضاة الذين كانوا يتعمدون عقد جلسات محاكمهم ما بين الساعة الثانية والخامسة صباحاً، ويصدروا أحكامهم ضد نشطاء السياسيين و الكتاب و النساء و الطلاب، بالسجن والجلد والغرامة بمبالغ، تعمد قصداً أن تكون، بمبالغ ضخمة، يتعذر سدادها في تلك الساعات، لاتخاذ عذر من يباغتوهم بالمحاكمة ذريعة لتنفيذ أحكام السجن والجلد فوريا. و إن ننسى لا ننسى، محكمة الجنايات إياها المختصة ( على وجه التأبيد) بمحاكمة نشطاء المعارضة حتى كادت أن تسمى محكمة (الانقاذ) جنوب أو شمال أو شرق لا فرق. و أذكر في تلك الأيام الغبراء و محاكماتها الجائرة، أن نقلت فضائية حكومية، مناظرة بين رئيس شرطة ما يعرف بالنظام العام و رئيس نيابتها (كمدافعين عن تلك المحاكمات)، من جهة، والأستاذ المحامي محمد الحافظ (كرافض لها و طاعن في دستوريتها وقانونيتها وعدالتها)، من جهة أخرى، واستدل الأستاذ على طعنه، بحجج وأسانيد كثيرة، منها - مثلاً- أن محاكم النظام العام تنفذ أحكام الجلد فورياً رغم طعن المحكوم ضدهم بالاستئناف في أحكامها. فانبرى بالرد عليه من وُصِفَ وقتها، برئيس نيابة محاكم النظام العام، فقال: بأن هذا من الطبيعي و لا يخالف القانون، لأن الاستئناف لا ينصب على العقوبة بل على الادانة!! و لا أعرف انتهاكاً لحقوق الانسان أفظع من أن يترك مصيره في يد مثل ذاك الشخص؟؟ و إلي أن سمعت ذلك القول الغريب كان اعتقادي أن أضرار تمكين المؤيدين والموالين من الوظائف العامة تنحصر في انحيازهم لمن مكنهم و من ثم عدم حيادهم فحسب، و بعده أدركت مدى خطورة الضرر الثاني المترتب على التمكين وهو تسلق الجهلة وبلوغهم أرفع المناصب. فتجد أن ببعض شاغلي المناصب العامة جهلٌ يحصنهم ويكفيهم عن كل علم.
فليسمح القارئ لي بطرح سؤال (شكلي و إجرائي) و اجتهاد الرأي للإجابة عليه. والسؤال هو: هل يمكن تقديم طلب فرض خضوع أداء جهاز الأمن لرقابة القضاء، بالكيفية التي تضمنها التصريح وهل يمكن الاستجابة إليه بإجراء إداري روتيني، سواء كان سياسياً أو تنفيذياً؟؟.
و الإجابة هي: أن مقدِم الطلب لم يبيِن لنا إلي من قدمه أو رفعه، أو من هي الجهة المختصة لنظره والفصل فيه استجابةً أو رفضا. ولكننا نؤكِد أن الهيئة القضائية، أعلم من غيرها، دون أدنى شك، باستحالة قيامها بمهام اختصاصاتها الولائية بحماية وصون الحقوق الدستورية والقانونية دون حماية وصون مصادر هذه التشريعات من الانتهاك بالزام الدولة باتباعها تنفيذاً لأحكام الدستور( باب وثيقة الحقوق) والمادة التي تحدد صلاحيات الجهاز وحقوق المواطنين أولاً. كما تعلم الهيئة القضائية باستحالة فرض اخضاع أداء جهاز الأمن أو غيره لرقابة القضاء دون وقبل إلغاء أو تعديل القوانين التي تصادر حقوق المواطن الدستورية والقانونية الأساسية، كما تعلم باستحالة إلزام أجهزة الدولة بالخضوع لسيادة حكم القانون دون إلغاء التشريعات التي تستمد منها سلطاتها واختصاصاتها المخالفة لحكم القانون ثانياً. ثالثاً، ينطبق كل ما قلناه في هذه الإجابة عن الهيئة القضائية على النائب العام أيضاً. فَلا يَسْتَقِيمُ الظِلُ والعُودُ أعْوَجُ.
و نختتم بأن على كل القانونيين، دون استثناء، صرف النظر عن انتماءاتهمنا الفكرية و المذهبية، أو ولاءتهم السياسية الالتزام الصادق بقيم الحق و العدل والانصاف، والانحياز التام والمطلق لتلك القيم، و الاصطفاف، تحت رايات وشعارات المطالبة بتحقيق مبادئ استقلال القضاء و سيادة حكم القانون، وحاكمية الدستور، الكفيلة بفرض ، إخضاع كل أجهزة الدولة وجوباً ، للرقابة القضائية. فالعدل في التشريعات و تطبيقاتها على الأرض أدعى لتأسيس دولة المؤسسات، القائمة على مرجعية الدستور وحكم القانون، أي الدولة التي تجعل من أولوياتها القصوى، بسط قيم العدل والانصاف والوجدان السليم. أما دون هذا فلا سبيل لاستعادة مجد الأجهزة العدلية السودانية، و في مقدمتها الهيئة القضائية، ذات التاريخ الوضئ و المشرِف بالأداء المهني المميَز، و بالنزاهة والحيدة والاستقامة على طريق الحق. وبغير كل ذلك فلا سبيل لتعافي وطننا، و لا أمل في تأمين وحدة أراضيه والحيلولة دون المزيد من تشظيها. فالمساواة بين أبناء الوطن الواحد تحققها التشريعات الديمقراطية الكافلة للحقوق دون تمييز، و تطبيقاتها بواسطة قضاء عادل، والعدالة وحدها هي التي تضمن وتدفع مع غيرها من سيادة قيم العدالة الاجتماعية الاقتصادية، لتحقيقه ما افتقر إليه الوطن من أمن و سلام اجتماعي، ضروري و لا غنىً عنه لنهوض شعبه واستعادة وحدته وتماسكه و تحقيق استقراره المطلوب لإنجاز التنمية المتوازنة والمستدامة دفعاً للتطور الاجتماعي – الاقتصادي المنشود.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.