تدرب البشير جيدا على قيادة الدولة وكان تدريبه عبارة عن تجارب فاشلة كتجارب أديسون المخترع الذي قال بأنه عرف أن هناك تسعا وتسعين طريقة فاشلة وواحدة أخيرة ناجحة .. وكان الشعب هو فئران هذه التجارب .. عقود من عداء ساذج للقوى العظمى والكبرى ، عقود من إيواء الإرهابيين والتنظيمات الإرهابية ، عقود من التحالف مع دول مارقة كإيران وتنظيمات مصنفة كحماس.. عقود من مواقف مخزية ضد دول الخليج ، عقود من انتهاكات حقوق الانسان ، عقود من الفشل في إدارة الدولة وتكريس الفساد والتمكين البائس . عقود من إذلال اكارم الخلق ومحاولة تركيع المقاومة الشبابية .. عقود من أشياء كثيرة وذكريات أليمة وعدوان منظم ضد حقوق الشعب ، عقود من الكبت والدكتاتورية بإسم الدين ، كل هذا كان مجرد تمارين لتعلم كيف تقاد دولة ، وأخيرا ، وبعد كل هذه التجارب المريرة وعى النظام الدرس جيدا. وكما هي عادته في اتخاذ قرارات راديكالية سلبية فقد انقلب انقلابات راديكالية كوميدية جدا ومفاجئة ، وتجاهل كل الخطابات والشعارات والاعلانات وما أعتبرها مبادئ من ذي قبل .. انقلب انقلاب عجيبا وسلخ كيانه الهزيل وهو في أضعف حالاته من جلده الممزق والمرقع البالي ، وقام بقطع العلاقات مع ايران فجأة ، والمشاركة في عاصفة الحزم فجأة وقبلها فصل الجنوب فجأة ، والانبطاخ الكامل بدون قيد ولا شرط لأمريكا فجأة ، وتخلى عن دعمه لحماس فجأة ، وأرسل مليشياته لحماية أوروبا من تدفق الهجرة غير الشرعية فجأة.. وصرخ صرخة المرأة التي تلد لأول مرة فجأة طالبا الغفران من المجتمع الدولي ومن الدول العظمى والكبرى فجأة ، وغسل وجهه الدميم ببوله النجس فجأة ... نسي كل شيء ..تجاهل الماضي كله .. وبالرغم من ان هذا الانقلاب جاء متأخرا بعد أن عانى الشعب معاناة مريرة من الحصار الاقتصادي ونبذ المجتمع الدولي والصراعات التي لا تنتهي مع دول التخوم والدول الاقليمية ومعاركه الفاشلة مع طواحين الهواء ؛ رغم كل ذلك جاء هذا الانقلاب بنتائج إيجابية جدا وسريعة وفجأة هي أيضا حتى كانت مفاجئة للنظام نفسه قبل الشعب . فالحركات المسلحة فقدت الدعم عندما تخلت عنها الدول الاقليمية ولم يبق لها سوى الجنوب الذي هو نفسه يعاني المجاعة والحرب ، وامريكا وفي آخر قرارات أوباما ترفع الحظر فجأة عن النظام ، وأوروبا تغدق على مليشيات حميدتي ملايين اليوروهات لحمايتها من تدفق الهجرة غير الشرعية ، والسعودية ودول الخليج تفتح خزائن ريالاتها ودراهمها للنظام وترسل افواج المستثمرين للسودان ، ويتخلى البشير عن الاخوان المسلمين تماما وعن حماس وغيرها فترضى عنه اسرائيل وتطلب هذه الأخيرة من أمريكا رفع الحظر عن النظام ، والأوفاك تغل يدها الطولى عن البنوك العالمية لتتيح لها التعامل مع البنوك السودانية (التابعة للنظام) ، وأوروبا وأمريكا بل والمجتمع الدولي بأسره يتجاهل استخدام النظام للأسلحة الكيمائية في مناطق الحرب كهدية منهم للنظام المطيع والذي خرج من ربقة الدول المارقة أخيرا ، يفرح النظام بكل هذه النتائج المدهشة وهو يرى كيف أن السعودية تشارك القوات الجوية مناورات عسكرية وكيف ان كل تلك المخاطر الى زوال ولم يبق من منغص له سوى تلك المؤسسة الدولية العدلية المسماة بالمحكمة الجنائية الدولية. 

أمور البشير تتحلى وتتجمل بعسل النحل وتتأزم وتتقزم المقاومة السياسية والعسكرية ، فلم يبق من حزب كبير ولا صغير ولا طائفي او أيدولوجي الا وصار يتمحك في استار النظام .. فبعضهم وجد زعماؤه لأبنائهم وظايف دستورية ، وبعضهم نال وزارات وبعضهم ينتظر الليلة الكبيرة ، ليلة المولد حيث يتم توزيع الوظائف وبالتالي المخصصات المالية على أحزاب الحوار ، بل ونشأت صراعات داخل الأحزاب والحركات بسبب رغبة كل فرد اضافة اسمه إلى قائمة المستوزرين المستقبليين .
صار هناك مديح علني للبشير من بعض الأحزاب ، وصارت بعض الأحزاب تكيل الثناء للبشير وتتقرب منه لتعيد مجدها البائد كحزب المؤتمر الشعبي . إن القوى كلها مهتاجة جدا لكل هذه التغيرات .. مهتاجة حد الأورجازم التفاؤلي ، وهي تمارس امتهانها العالمي والاقليمي والمحلي كأفضل ما تمارسه عاهرة . الجميع ملتف حول القيادة ، والمتفلتون والمارقون والمصرون على مواقفهم المتعنتة لفظهم الحظ الأسود خارج دائرة الفعل السياسي . ياسر عرمان انتهى وقد رفض النوبة ان يمثلهم عربي شمالي .ولم يساعده لسانه الأغلف في استجداء الانتماءات الكاذبة للهامش وسيتم لفظه بكل تأكيد من كل التنظيمات المسلحة التي لم تعد تتفق مع تعنت عرمان المستمر فهي لن تضحي بمصالحها القبلية والشخصية من أجل شخص مهووس بالزعامة واسقاط النظام . عقار ومناوي والحلو وغيرهم سيمدوا أيديهم عما قريب ليتسلموا المظاريف المغلقة التي اندست فيها جوائز اللا مواقف واللا مبادئ .. ونحن لا نأخذ ذلك عليهم .. فقد حاربوا وانهزموا وارهقوا وصار بعضهم يسترزق من الحروب بالدول المجاورة الأخرى لضخ بعضا من أكسجين الحياة في رئتيه الجافتين ... انها تسير معك زي العسل يا سيادة الرئيس .. فالجميع سيحرز هدفا عندما يكون الجميع ضد لا شيء .. الجميع .. نعم الجميع ..ماعدا الشعب.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.