في يوم الجمعة الموافق السابع من شهر أبريل العام 2017م، انتقل المؤرخ ضرار صالح ضرار إلى جوار ربه في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية، حيث ووري جثمانه الطاهر فيها. ولد المؤرخ في مدينة سواكن العام 1922، ثم انتقل مع والده العام 1926 إلى مدينة بورتسودان وقضى فيها صباه الباكر وحفظ القرآن في خلوة شيخ يمني مما مكّنه من تجويد لغته العربية واستمر ببورتسودان حتى أكمل المرحلة المتوسطة بعدها انتقل للخرطوم لكلية غردون.
بالنسبة لأسرتنا الصغيرة، كان الفقيد ركناً أساسياً في الأسرة فكان الأخ الأكبر والأب الروحي والأستاذ والصديق، كان عطوفاً على كل أفراد أسرته وكان يُجّل ويحترم والديه بقناعة ورضا ويجسّد قدوة في ذلك السلوك، فكان يقضي كل اجازاته مع أسرته. وكانت له علاقة خاصة بوالدنا رحمهما الله فكانت لهما اهتمامات مشتركة ومناقشات منهجية طالما استمعت لها ولأن لضرار ابنه اسمها هند الآن تحمل درجة الدكتوراه في الهندسة، كان والدنا يناديه "أبا هند فلا تعجل علينا" عندما يحتد النقاش التاريخي بينهما. كان ضرار يرى أن والده واحد من أهم ثلاث شخصيات أدبية في القرن العشرين من الذين تلقوا فقط التعليم المتوسط ورغم ذلك ألفّوا العديد من الكتب الأدبية وهم عباس العقاد وبرنارد شو ومحمد صالح ضرار.
عندما كان ضرار في المدرسة الأولية التي دخلها قبل السن القانونية بكثير، كان متفوقاً ويكتب في الصحف السيارة ولا أنسى مقاله الذي بعنوان "رحلة إلى فلامنجو". تفوقه الدراسي على أقرانه هذا زرع قناعة راسخة لدى والدتنا بأنه عندما يكبر سيتم اختياره رئيساً للوزراء وكانت تعامله على هذا الأساس.
عند التحاقه بكلية غردون وكان من دفعته البروف عبدالله الطيب رحمه الله، كان مهتماً بالتاريخ ووجده مدير الكلية الإنجليزي في احدى الليالي في الفصل وحيداً ومعه مجموعة من كتب التاريخ يطالع فيها فما كان منه إلا أن نصحه بالاتجاه نحو دراسة التاريخ الشيء الذي حصل لاحقاً حيث ابتعث لجامعة اكسفورد العام 1951 وكان معه المهندس أحمد شبيكه رحمه الله وكانا أول من درسا من بعثة حكومية سودانية في جامعة أكسفورد.
تخرّج الفقيد من كلية غردون العام 1940 وهو في الثامنة عشر من عمره، وكانت الحرب العالمية الثانية اندلعت في سبتمبر العام 1939م، فأصدرت بريطانيا وعداً بأن الشعوب التي ستشارك معها في الحرب ستمنحها حق تقرير المصير، فتطوع المؤرخ ضرار هو وشقيقاه إدريس ونورالدين في قتال القوات الإيطالية التي احتلت العام 1941 مدينة كسلا وجنوب مدينة طوكر في طريقها لبورتسودان ثم بورسعيد للاستيلاء على قناة السويس ولكن الايطاليين لاقوا هزيمة نكراء في معركة كرن الشهيرة، خاصة من قوات الفرقة الشرقية في القضارف وكان شعارها (الشوتال) أي الخنجر المعقوف، وكانت مكونة من البني عامر والحباب والبلين والسبدرات وبقية القبائل الناطقة بلغة التجري وغنت لهم الفنانة عشه الفلاتية "يجوا عايدين بالمدرع والمكسيم".
اشتراكه في الحرب العالمية الثانية لمنح السودان استقلاله بالاضافة إلى أحاديث أستاذه الزعيم الأزهري معه نمّت فيه المشاعر القومية الوطنية فقرر كتابة تاريخ السودان الوطني لدحض أكاذيب المؤرخين الاستعماريين وبعث الثقة وحب الوطن في الشباب والطلاب السودانيين. كما دفعه هذا لتدريس التربية الوطنية كأستاذ أساسي ووحيد لها في المدارس التي عمل بها حيث لم يكن هناك مقرر للتربية الوطنية. كذلك كان الفقيد يكتب قصصاً قصيرة للأطفال في مجلة الصبيان لتثقيف الأطفال بتراثهم وتاريخهم.
عمل في بخت الرضا مع الأستاذ الكبير عبدالرحمن علي طه، رحمه الله، وشارك في حملة محو الأمية لمحاربة الجهل، كذلك كان هو أول من طبّق اختبار الذكاء في المدارس الثانوية العام 1948م، حيث كان للمبرزّين في الاختبار مستقبل زاهر في الحياة الأكاديمية والعلمية.
اكتشف باكراً الميناء الذي هاجر له المسلمون الأوائل وهو في السودان وليس الحبشة التي ليس لها ساحل وأيده في هذا كل من البروفيسور عبدالله الطيب والبروفيسور الشيخ حسن الفاتح قريب الله.
عند استقلال السودان قاوم تسميته بهذا الاسم وطالب بتسميته باسمه التاريخي وهو اثيوبيا إلا أن السياسيين أخذوا وقتاً طويلا في الجدل حتى سمع بذلك الإمبراطور هيلاسلاسي فاختطف اسم إثيوبيا.
قام بمراجعة معظم مؤلفات والده وطبعها ونشرها دون أن يكون فيها ولا خطأ إملائي أو نحوي واحد. والآن تنتظر مؤلفاته هو لمن يقوم بمثل ما قام به لمؤلفات والده.
عندما تم نقله لمدرسة عطبره الثانوية كان يدرّس متطوعاً في مدرسة كمبوني عطبره حيث تعرف على زوجته السيدة حميده عبداللطيف وأقترن بها وأصبحت شريكة حياته ورفيقة دربه وكانت تساعده في كتاباته حيث يمليها مؤلفاته مثل كتابي العرب والحجاج بن يوسف ومن ثم يقوم بطباعتها ونشرها.
إلى جانب اهتماماته الأكاديمية كانت له هوايات عديدة. فقد أسس فريق كرة للقدم في مدينة بورتسودان باسم النادي الأهلي هو وثلاثة من أشقائه. كذلك كان يجيد العزف على الصفارة والعود، كما كان يجيد لعبة التنس والرسم والسباحة ويقوم بتدريب تلاميذه على الجمباز الذي تعلمه من أستاذه في كلية غردون.
كان المؤرخ ضرار لطيف المعشر حلو الحديث المليء بالطرائف يعطف على الصغار ويحترم الكبار، وفي أحيان كثيرة يداعب تلاميذه ومن أمثة ذلك يقول لهم في قصيدة يا كناراً قد تغنى في القفار "في حقول القطن زاهي الأخ ضرار" بدل الإخضرار. وعندما كان في كلية غردون، وكان والده آنذاك نباتياً وله فلسفة وقصائد في ذلك المنهج، كان أستاذه جلال الدين كلما يلاقيه ينشد له بيت شعر والده الذي يقول فيه: "كُل (فعل الأمر من أكل) النبات الغض إلا الترمس ولأكليه الفخر دون الأنفس".
في آخر أيامه في وزارة التربية وجد مضايقات من وزير رفض انتدابه لليونسكو ثم قام نافذان بتغيير كتبه المقررة في المدارس دون سبب مبرر. ولم يكن الفقيد راضياً عن السّلم التعليمي الجديد الذي وضعه الوزير دون دراسة مسبقة وذلك لأسباب سياسية لإرضاء احدى الدول، كل هذا الجو غير الملائم للعمل اضطره لأن يختار التقاعد الاختياري وهاجر من وطنه مجبراً. اللهم أخرجني من البلدة الظالم حكمها.

نواصل بإذن في الحلقة القادمة ....

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.