عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لا يزال الطريق طويلاً حتى نصل إلى تثبيت الغرض الرئيس من هذه السلسلة، وهي ما نحاول تجذيره حول مسألة (الهامش والمركز) في السودان، والتي اتخذنا في سبيل فهمها لحظة المهدية، لحظة للتحليل والتأمل الجاد، نفعل ذلك طمعاً في الوصول إلى زعمنا أن المهدية كانت هي حصان طروادة الذي دخلت به مسألة الهامش وصراعه مع المركز، بل تمثل المراحل الأساس وقد تعيننا على فهم مسيرة الحراك السياسي المسلح ضد الدولة، والأمر هنا ليس كفاحاً من أجل تبرئة أو اتهام، الأمر كله أمر بحث. ولكن مما يصعب عملية البحث أننا ملزمون بشيء من التأسيس النظري الدقيق، والبحث في ثنايا أحداث مرت وتمر علينا مرور عابر دون أن تلفت انتباهنا لأهميتها وجدواها في فهم الواقع وتجلية مكامنه السياسية والاجتماعية، وكنا لا نزال نطمح في القراءة المتجردة لهذه الفترة، فترة تداخل الديني والسياسي عند محمد أحمد (المهدي) لاحقاً، وقصة التحالف التي بذرنا فهمها، تحالف المهدي مالك الامتياز (تجاوزاً ممثلاً للنخبة)، وبين التعايشي (الخليفة) لاحقاً كذلك، صاحب القدرة على تثوير الجماهير التي نالها عسف حضاري متعدد الأطراف، فهي متأذية من موقعها في سلم الظاهرة الاجتماعية، هامش في مقابل مركز، (نيل – عرب)، وكذلك من الثمن الذي دفعته من خيبة أمل الحكام الأتراك، إذ لم يجدوا في تلك البقاع ما كانوا يأملونه من ثروة وجند، ويأتي فوق ذلك كله، أن حافظت التركيبة القبيلة في مناطق التعايشي على امتيازها تجمعات صغيرة يلعب فيها الولاء القبلي الدور الأكبر، ولكن غير مسموح لها بتخطي حاجز هذا الولاء، وإن أرادت تغييره لصالح ولاء ديني.
إن المراكز الدينية في شمال السودان ووسطه وبسبب من قربها من مراكز الحضارة المتوسطية، حسب إشارة حاج حمد وتحليله، مكنت لنفسها أكثر فأكثر من بناء تحالف مافوق قبلي، والذي انتهى في أجسام الطائفية التي نعرف، وكذلك قربها من مراكز صناعة القرار جعلها تؤسس لموقعها الاجتماعي المتقدم شيئاً ما في مقابل جغرافيا الغرب والجنوب، والسبب كله في تحالفها مع السلطة، والخدمات المتبادلة بينهما. إذن نحن أمام ظاهرتين اجتماعيتين، الأولى (شمالي ووسط السودان) والتي اتخذت مكاناً أعلى كما أسلفنا بموجب تعقيدات الظاهرة، إذ الأتراك وإن دخلوا إلى السودان بنية توسعية بحتة، إلا أنهم وجدوا أنفسهم بعد خيبة الظن في الاستفادة من العنصر البشري السوداني في جيش محمد علي العثماني حينها، والفشل الذي نعزوه نقصد به الضغط من قبل الدول الأوروبية وبالذات قناصلها المقيمين في مصر بوقف تجارة الرقيق، ونعمل أن تجارة الرقيق كانت ترفد ميزانية الدولة بالمال، بل في فترات كانت تصرف مرتبات القادة الأتراك بمنحهم الرقيق بدلاً عن المال، ولعل إشارات عدة تقول بعدم التقيد بهذا الأمر.
إن خيبة الظن هذه ترجمت في بناء شبكة علاقات غير مرئية، نلحظها في علاقة الزبير باشا بالحكومة، والأهداف التوسعية التي أوكلت إليه بفتح دارفور، لكن أيضاً لا يفوتنا التذكير بأن الصراع القبلي في شمال ووسط السودان تم حسمه، أو على الأقل تسكينه لحظات حكم الأتراك، فدخلت قبائل كثر في خدمة الحكومة، وأخرى تقاسمت معها النفوذ وأن كانت كفة الحكومة بطبيعة الحال هي الغالبة، إذن ماذا كان يجري هناك في كردفان ودارفور والجنوب؟، بالنسبة إلى كردفان، نشأت علاقات شعب/حكومية، يمثلها الأعيان في مناطق السوق، كمدينة الأبيض مثلاً، والتي لها حضور في تحركات المهدي رفقة كتيبته (دروايشه) وكأنه كان في رحلة استطلاع ليعرف أكثر طبيعة هذه الجغرافيا التي لا يفهم من ينتمون لظاهرة الشمال والوسط مثله ما هي عليه من حضور اجتماعي.
(الغريب الحكيم) يزور الأبيض:
قوبل المهدي في كوردفان باعتباره الغريب الحكيم، إذ لم يدخر وسعاً في التعرف على المدينة والتي هي واجهة المدخل الغربي للسودان، وكيف أنه بحكم رحلته الاستشكافية تلك استطاع عبر زيارات لأعيان المنطقة أن يبذر جذوة تميزه هناك، إذ نقرأ في تداعيات رحلته وتفاصيلها، أن زائراً جديداً سيجد الاحتفاء بل سيكشف لساكنة تلك المناطق معنى آخر من الدين، معنى يبدوا أنهم فقدوه في رجال دينهم هناك، وهذا زعم طبعاً، إذ يصعب علينا الحكم على كل رجال الدين هناك. لكن الاحتفاء بالرجل والنظر إليه نظرات إكبار تعكس ما كان مفقوداً هناك، حين زيارة المهدي، نقرأ: (وبعد نصف الليل سمعنا صوت ذكر جديد في حوالي البلد من الخارج، وعند الصباح نسمعوا الأولاد كل واحد يكلم التاني يقول له: يا أخي أنا سمعت صوت ذكر حوالي البندر، في من يقول: أيو أنا صاحي). ولما بلغنا الخبر الناس الكبار- أنه حضر رجل (درويش، وهي هنا ذات دلالة إيجابية، درويش كلمة تركية تعني: العابد المنقطع لذكر الله) من البحر اسمه محمد أحمد، ومعه حيران، التلامذة بكتره، ونازل عند السيد المكي، ينبغي علينا التوقف قليلاً ثم نواصل الرواية. إن السيد المكي هذا (جلابي) آخر يتفق ونسبه الحضاري مع المهدي، ولذا فالاختيار ليس مجانياً، فجذور السيد المكي البديري الدهمشي ترجع لقرية في شمال السودان، كما أنه يمثل مدخلاً آخر للمهدي وهو يستكشف هذه البقعة الجديدة، وإن شئت الدقة يعيد تركيب العلاقة معها عبر توظيف موقع السيد المكي، وما سيوفره له من عون في مقبل الأيام، فرجل مثل محمد أحمد لا يمكن أن يتحرك بلا خطة مسبقة، وهو الذي استطاع في فترة وجيزة أن يتجاوز أزمته مع شيخه، ويعيد تنصيب نفسه شيخاً يملك ما يملكه رصفائه من سكان الوسط والشمال من مريدين، وبالدقة من موقع ديني يؤهله ممثلاً للطبقة الوسطى (نستخدم تعبير الطبقة الوسطى بحذر شديد، لكننا مرغمون على ذلك، فتعريف هذه الطبقة أنها توسطية بين الحكومة والشعب، وتحمل قيم حداثية مقارنة بعامة الناس) ولذا فإننا نحذر أنفسنا من الانسياق خلف الاستخدام لهذا المصطلح.. ولكن لنتابع..
تستمر الرواية: "ومن يقول: أنا شفته عند ولد سوار الذهب، (وهذا أيضاً يحتل موقع السيد المكي في مدينة الأبيض، فهل اختيار المهدي لهذان الرجلان كان بمحض الصدفة؟!) ويقولوا عليه رجل صالح من صُلاح البحر، ويزور كافة المنازل الكبيرة من أهل الدين، وفي نصف الليل يقوم مع جماعته الحيران ويطوف بالبلد مرة واحدة حتى يطلع الفجر، وأوان الصلاة يبطل الذكر، وعند طوافه بالليل يذكر "الدايم هو الدايم الله هو الدايم" .. ويقول أهل كوردفان تزوره في محل إقامته لأجل أخذ البركة من هذا الدرويش الصالح، ويتبركوا فيه، واشتهر اسمه وهو يزور كافت أهل المدينة من أهل الطرق الدينية، ويزور إلياس باشا، وهو الجعلي حاكم كردفان حينها، إن هدف المهدي من زيارته الأبيض كان هدفاً سياسياً بامتياز، إذ به يحقق لنفسه أراضي جديدة، وما يلفت انتباهنا أيضاً عدم ذكر أي إشارة لمهدية الرجل، فالأمر كله كان رحلة لبناء نفوذ جديد، عبر التحالف مع المركز البعيد الممثل بجلابة الغرب القريب، والرواية تكشف عن الموقع الذي احتله محمد أحمد من خلال زيارة صغيرة إلى الأبيض، تقول الرواية إنه بعد أن أكمل زياراته لعدد من رموز المنطقة هناك، مثل محمدين (سر تجار) كوردفان، والمحلات العالية الذي له بهم معرفة، ومن بعد يأخذ له مدة سوى كان شهر أو اتنين يتوجه إلى محل إقامته، ويسؤال أهل الطرق الدينية منه يقولوا له: عرّفنا عن محل إقامتك يا أستاذ!، يقول لهم: أنا مسكني في جزيرة أبا بالبحر الأبيض، يقولوا: ما شاء الله دائماً أهل البحر ناس صالحين، عند الله وعندك يا سيدنا الشيخ!.. وهذه أيضاً كاشفة عن تمثيله لوعي مغاير إن لم يكن متقدم في مقابل ما يحوز عليه الهامش. بل ما يتطلع إليه ويطمح فيه..
نفذ محمد أحمد خطته الرامية للبحث عن نفوذ جديد، ووجد ضالته في ممثلي المركز هناك، وهم تجار مدينة الأبيض، وأعيانها المنتسبين بجذورهم إلى شمال السودان، ومن الأهداف التي حققها أنه استطاع أن يجذب أنظار الكثيرين، حتى القبطي صاحب هذه الرواية كان منبهراً جداً بهذه الشخصية، ومرد هذا الإكبار الذي لاقاه المهدي، تفصح عنه الرواية في ثنايا ذكرها لامتياز الرجل إذ هو قادم من (البحر)، وهذا ما أنعش ذاكرتهم الدينية من جديد، وجعلهم يعيدون النظر في واقعهم السياسي والاجتماعي، وبطبيعة الحال الهدف الأكبر لمحمد أحمد كان يتقصد من هم هناك، في مكان استبعاده بالقوة، أي نشير إلى نفيه غير المعلن من الوسط الذي ينتمي إليه، والسبب كان منازعة سياسية بحتة، بينه وشيخه، ودخل على الخط أبناء الشيخ القرشي الذين ناصروه ضد محمد شريف لنزاع قديم بينهم. إذن ماذا يفعل المهدي؟ هل يقنع بالحيز الذي أجبر عليه، أي فقط يظل في الجزيرة أبا؟، وهو يرى أمامه امتداداً واسعاً، وأرض بكر تسمح له بتنفيذ مشروعه السياسي عبر توظيف الدين المُحمل بقيم مفارقة، وهذا كان سبب رئيس في زيارته إلى الأبيض. وإن أمعنا النظر في البيوتات التي قصدها هناك، وهو اختيار كما قلنا ليس مجانياً بل يكشف عن ذهن مرتب، ووعي سياسي متقدم، وغرض أكيد، فقد زار، الفكي مكاوي الركابي (من الركابية في شمال السودان) وأولاد العريق، وأولاد عربي، وأثمرت زيارته المنفذة بعناية، في رسم صورته التي كان يبحث عن تسويقها، وهي صورة (الغريب الحكيم) إذ نقرأ عند صاحب الراوية التي نعتمدها هنا: "وفرحوا به فرحاً شديد من شدة تواضعه، وحلاوة مقاله- والإشارة القادمة جوهرية وتفيد ما نحن بصدده، وهو أن الرجل وجد أرضاً خلو شيئاً ما بطبيعة الحال، فهناك الأعيان، لكنها خلو من قائد ديني بمواصفات مقدسة، إذ تقول الرواية: "كأنه يسقي في أرض عطشانه حتى غرس محبته في قلوبهم، وجذبهم بمذاكرته، وسحرهم بحسن مقاله!".
صناعة الخيال الديني.. المهدي يتقن اللعبة:
وحتى ندلل أكثر عن المسافة الحضارية التي كانت تفصل بين ظاهرة الهامش والمركز، الهامش هنا تمثله قطعة محتلة مجازاً بقوى المركز، وهم التجار والأعيان وبعض رجال الدين، والمركز يمثله محمد أحمد، الرجل الذي وقع الجميع في محبته، وسحرهم بحسن بيانه، بل بجميل صورته، كما ذكرنا في الحلقة الماضية من هذه السلسلة، فقد كان الشيخ (لاحظ يصفه يوسف ميخائيل ب(الشيخ) وهذه الصفة تحتل مكان أعلى من (الفقير = الفقيه) وتفيد أكثر موقعه المفارق لمن زارهم، فلفظة الشيخ لا تتعلق هنا بعمر الرجل، بل بصفاته الدينية، أي شيخ يملك علم ديني حقيقي. ومحمد أحمد كان ذكياً بالفعل، إذ وهو يزور ويستعرض قوته الدينية ممثلة في سلوكه وسلوك دروايشه، فقد زار المدينة مثل الفاتح الخفي، يحمل في سفره نموذج جديد للدين، وهذا ما يؤكده يوسف ميخائيل فيقول بأن محمد أحمد بعد أن صار اسمه كبيراً، ومشهور فرح الرجل وزاد فرحه خصوصاً عند أهل الدين، وأكابر عموم أهل المدينة بالمناشدة معهم (أي دعوتهم سراً) في المذاكرة بالدين وبالتنفر عن الدنيا الخسيسة، والإقبال على الآخرة، لقاء رب العالمين.. نعتقد أن دعوته لم تكن للقيام بثورة ضد الحكم التركي هناك، والدليل عدم انقطاعه عن زيارة حاكم الإقليم، إلياس باشا أم برير، فما هي طبيعة الدعوة التي قدمها محمد أحمد لمن زارهم؟ وإلى ماذا كان يرمي منها؟، هل فقط يريد توسيع دائرة نفوذه الديني، ليصنع له مركزاً في مقابل المركز الذي طرد منه؟ وهل كان لينجح في مزاحمة من زارهم على الصدارة وجمع الجماهير؟ وهل دعاهم للإيمان به مهدياً منتظراً يعم به العدل في المشرق والمغرب إن آمن به الناس؟ أم كانت الدعوة يحركها مزاج توسعي لجلابي مُضطهد؟!
هذه أسئلة نحتاج إلى تفصيل أكثر لفهمها، وإيجاد العلاقة بينها وبين التحالف الذي قلنا به، بين المهدي صاحب الامتياز، وبين التعايشي صاحب الجماهير المنبوذة والمهمشة من الظاهرة السودانية؟! وحقيقة لم يكن أمام التعايشي من سبيل لإدعاء المهدية لنفسه، ففوق أنه ينتمي إلى موقع لا يمكنه من القفز على الجميع هناك، فقد فهم الرجلان طبيعة اللحظة، لحظة تفكك الولاء الديني في شكله الصوفي المهادن للسلطة، وضرورة إيجاد بديل يقدم للسلطة ذاتها، ويعقد معها التحالف، تحالف الطبقة المتوسطة مع الحكومة..
الرواية التي اعتمدنا عليها هي رواية يوسف ميخائيل القبطي الذي عاصر التركية المهدية وطرفاً من الحكم الثنائي، وقد قام بتحقيق هذه المذكرات البروفيسور أحمد إبراهيم أبو شوك، وما ذكرناه موجود بالنص في صفحات ( 41 – 43).
نواصل..