“الإنسان لمجرد أنه وُلد عند خط الاستواء بعض المجانين يعتبرونه عبداً وبعضهم يعتبره إلهاً. أينَ الاعتدال؟ أين الاستواء؟”.
الطيب صالح، موسم الهجرة إلى الشمال
السيد إبراهيم أحمد الميرغني، لم تكن طائفياً من قبل ولكنك تبوأت الآن مقعدك الطائفي باختيارك، ولنا أن نخاطبك من هذا المنطلق لتوضيح العديد من الأشياء لأننا لا نرغب في ترك الحزب لعجز أو لإنكار.
وطالما سنتقابل كثيراً في المستقبل، رأيت أن أسطّر لك هذه الرسالة المفتوحة كأرضية لنقاش ابتدرناه سابقاً عن مستقبل الحزب الاتحادي الديمقراطي، والصراعات داخل الحزب، والطريقة، والبيت. ولأن المجالس أمانات لن أستعين بما كتبته في آخر لقاء جمعنا في برج البركة بترتيب من الصديق مصطفى بانقا.
لديك طموح سياسي مفهوم بالنسبة لنا، وتقديرات سياسية تخطئ وتصيب مثل جميع البشر.
أنت تحسب أنك أكثر أبناء الطائفة تأهيلاً على المستوى السياسي والفكري، وهذا واضحٌ مقارنة بالنماذج التي قدمها الميرغني، ولكن معركتك المؤجلة ما زالت قائمة، ولعلك أردت الاستعانة بالسلطان لتثبيت أقدامك، وهو ذات الخطأ الذي ارتكبه زين العابدين الهندي عندما قرر الاستعانة بالإنقاذيين لمواجهة مولانا الميرغني، فانحسر عنه كل بهاء الحسين وفر منه أقرب الأقربين.
إذا أردت أن تفهم كيف صعدت على أكتاف الطائفة إلى هذا المنصب. أدر النظر حولك، أنت مؤهل للمنصب دون شك، ولكن كم عدد المؤهلين من الاتحاديين؟ كيف تمت المفاضلة بينك وبين الآخرين؟ هذه هي الطائفة.
أما إذا أردت أن تُحدّثنا عن الطائفة كمرحلة في تاريخ السودان، والفرق بين الطائفة في السودان والمشرق العربي، وتعريف الطائفة والطريقة الصوفية، هذا الكلام سمعناه ودرسناه آلاف المرات ربما بعدد سجائر البرنجي التي التهمناها في ما يُعرف بالطوافات الفكرية بالجامعات السودانية، وهي مدارس دورية ويومية تنعقد للحديث عن القضايا الفكرية التي تلامس حواف السياسة.
في منتدى السودانوية الذي انعقد بمحلية كرري، قدمت ورقة عن إصلاح الأحزاب السياسية في السودان بمعية حاتم السر، وخضنا في شأن الحزب الاتحادي وقلت يومها: “المنتدى مبذول على اليوتيوب”. إن الطائفية لن تزول في القريب العاجل، ولكن لا يمكن ترك هذه المسألة للمصادفات التاريخية، بل يجب أن يتصدى الأشقاء لتقنين الوضع. هنالك اختلافات بين الاتحاديين والختمية، وهنالك مشتركات عدَّة لا يراها معظم الناس وتتجلَّى في وجودهم في فضاء جغرافي واحد في السودان (شمالاً وشرقاً)، إضافة إلى المدن السودانية المختلفة، وبالتالي لا بد من اتفاق حول هذه العلاقة التاريخية المُرهقة التي تنفض وتنعقد في استمرار عبثي لا نهائي.
الطائفة مستفيدة من فرقة الاتحاديين دون شك، لذلك تقدمت وأصبحت هي المالك لزمام الأمور، ورفضك أن توصف بالطائفي هو جزء من الإنكار المستمر لفتح الحساب وإعطاء كل ذي حقٍ حقه، فإذا كان بإمكانك أن تصعد بالطائفة وتقنع الناس بأن هذا خيار الحزب فستصر على ذلك، وهذا ما ذهبت إليه في خطابك المفتوح الذي ملأته بشعر البادية والفروسية والصيد.
لم أكن أرغب في الخوض في قصة صيدك للغزال وغيرها من الخطابات التي أغضبتك، إلا أنك جعلت منها جوهر خطابك مُقدِّماً نفسك كبدوي، وهذا غير صحيح بطبيعة الحال، فأنت ابن المركز ومدارس حلة حمد وجامعة القاهرة، وعندما تذهب للبادية فإنك تذهب إليها بسيارة الدفع الرباعي والجينز وبندقية الصيد وغيرها من لوازم الرفاهية. لم أقل هذا حسداً بل من أجل شرح أشياء محددة، ابن المدينة ليس أقل بأي حال، وابن البادية ليس أعلى مقاماً، فالاختبارات هي التي توضح معدن الإنسان. البادية مجهولة لدى معظم النخبة السودانية بحسب الدكتور عبدالله علي إبراهيم، ومن هذا الجهل أخرجت أثقالها (جنجويد) وصراعاتٍ قبلية، وعليه فإن البادية ليست مجرد نزهة ورحلة صيد وأشعار ود ضحوية، بل هي نمط حياة متكامل لم تعشه، وربما أدركت بعض جوابه بحكم اهتمامك.
لن ينقص منك شيء أنك ابن مدينة، ولن تعلي البادية من مقام أبنائها. ما أردت قوله أن تجربة العيش في أي مكان تحيط الإنسان بمجموعة معارف محددة، ويمكن للإنسان أن يستلف من هنالك، ولكن لن يكون بدوياً لمجرد حُبِّه للبادية.
وصفك للآخرين بأنهم ناس (يمة زيدي الكسرة)، فيه جرأة على الحقائق بصورة غير معقولة، جيلي الذي واجه الجبروت أعزل من كل شيء سوى إيمانه بشعبه هو الذي حفظ للحزب اسمه ورسمه من الذوبان، الآلاف الذين كانوا يعملون بصورة يومية بالمعنى الدقيق للكلمة على امتداد الوطن السوداني، وواجهوا مصائر مفزعة من فصل وتشريد وحرمان من الوظائف العامة، لا يمكن وصفهم بأنهم (ناس يمة زيدي الكسرة).
لم يكن هنالك أحد غيرهم على أرض الواقع، ومازلت أذكر مكالمة من أحد قيادات الحزب يقول لي: “تم اعتقال شقيق في مدينة الدمازين”، وعندما أكدت له أن الجامعة ليس بها أي شخص بهذا الاسم، قال لي إنه من المدينة، فأخبرته أن الأمر خارج دائرة اختصاصي كأمين للطلاب، فأجابني بحيرة: “طيب أسه أنا أكلم منو؟”.
إذ لم يجد أي شخص يشكو إليه، فالجميع ولى من أرض المعركة.
شعرت بالأسى لما تعرَّض له شخصك الودود من هجوم شخصي مرير، الأمر الذي أدى لانفعالك، وهذا كشف أنك لم تتخلَّق في رحم الحركة السياسية السودانية العامرة بالخطاب الشخصي، وعلينا التكاتف لإنهاء هذه المناخات السياسية السيئة، وحتى نعيد الحوار إلى الفكر والسياسة. نقول لك الآن: أنت طائفي وإن أنكرت، وابن مدينة رغم كل أشعار الهمباتة، فلنضع كل شيء في سياقه الصحيح حتى نتفق على استمرار الحوار.

صحيفة اليوم التالي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.