في السودان.. الحكومة لا تدعم البسطاء حتي علي مستوي النوايا:

تميزت الموازنة الحكومية في السودان لأكثر من عقدين من الزمان، بتخصيص القدر الأكبر من الإيرادات الحكومية للصرف السيادي، بما في ذلك الأمن والدفاع والمراسم والوفود الرسمية، مما يجعل في العادة المجال ضيقا لبنود صرف أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في الصحة وتطوير البيئة والخدمات والتعليم والتنمية وتطوير القطاعات المنتجة، مما كان له مردود علي المدي البعيد في تضاعف الإشكالات المتعلقة بصحة البيئة والسيطرة علي الأوبئة وأثر ذلك علي الإنتاجية ومعدل الوفيات، وعلي الإشكالات المتعلقة بكفاءة مخرجات العملية التعليمية، أضف إلي ذلك عدم مواكبة العملية التنموية وتطوير البنية التحتية لتضاعف الطلب الداخلي، وإحتياجات التنامي الحضري الإستهلاكية..
.
تضاعف الإنفاق علي الخدمات المتعلقة بالأمن والدفاع والخدمات السيادية في ظل ضمور العملية الإنتاجية، وعدم مواكبتها للطلب، خلق تراكما من العنت والضيق، وضغوطا جبارة علي العملات الصعبة، فأحدث ذلك كله إضطرابا تمثل في تصاعد الضغوط التضخمية وفي التضاءل المستمر للقيمة التبادلية للعملة الوطنية في السوق الموازي.. وما تبع ذلك من تضاعف أعباء الموازنة بالعملة الوطنية، وبالتالي تضاعف العجز في المعروض منها. فكان كثيرا مايلجأ السياسيون للإعتقاد أن تزايد العجز في المقابل المحلي للسلع الإستهلاكية كالدقيق والقمح والدواء، أو ما اصطلح الرسميون علي تسميته بالدعم، هو السبب الرئيس في المشكلة الإقتصادية، والإعتقاد الجازم كذلك أن البوابة التي سيخرج منها الدعم يوما، لا بد أن يدخل منها الرخاء الإقتصادي.
.
لكن ما لا يخفي علي مراقب هو أنه لا يوجد في حقيقة الأمر دعم حكومي للسلع الإستهلاكية مخطط له ومدعوم بالإعتمادات المالية اللازمة، ويهدف في مؤداه إلى تخفيف الضائقة المعيشية وإحداث قدر من الرفاهية الإقتصادية لمجتمعات واسعة من البؤساء.. ما يوجد هو ان السلطات النقدية بالبلاد تتحكم في سعر الصرف للعملة الوطنية مقابل الدولار وغيره من العملات الحرة. إذ أن سعر الصرف الرسمي يتمثل فيما يزيد قليلا عن ستة جنيهات مقابل الدولار الواحد، مما أحدث وضعا شائها ومستمرا، تتخذ بموجبه العملة الوطنية سعرا تبادليا إفتراضيا يفوق قيمتها الشرائية بأضعاف ثلاث..
.
يحدث هذا في الوقت الذي يقايض فيه بنك السودان منتجي الذهب بمقابل محلي يقارب العشرين جنيها للدولار الواحد.. ومصدري المنتجات الزراعية والحيوانية بما يعدله إلا قليلا. لذلك فإنه حينما يقوم بنك السودان بدوره بتخصيص تلك الأرصدة من العملات الحرة مقابل إعتمادات القمح والدواء والوقود، ومن ثم محاسبة وزارة الطاقة والمطاحن وشركات الدواء، بواقع السعر الرسمي للعملة الوطنية، تنشأ جراء ذلك خسائر ضخمة أو سمها عجوزات في المقابل المحلي.. تزيد من عجز الخزانة.. لتلجأ الحكومة لاحقا لإعتبار تلك العجوزات دعما للسلع بأثر رجعي، بينما هي مجرد خسائر تحدثها سياسات نقدية خاطئة في إدارة سعر الصرف.
.
فإذا ماكانت السلطات النقدية جادة في تجاوز هذا العجز فإنه بالطبع يتحتم عليها أن تكون لها لجان من مؤسسات القطاع النقدي، منعقدة بصفة دائمة لإستقراء السوق وقراءة مسار الميزان التجاري. تجري تلك اللجان بموجب تلك الإستقراءات تعديلات بصفة إسبوعية علي سعر الصرف للعملة الوطنية، يراعي الموضوعية ويكافح الإغراق وتسرب الأرصدة.. كما يراعي في نفس الوقت الحماية التنافسية للصادرات السودانية.
.
من شأن ذلك التدبير إن تم، أن يقلل من مثل هذه العجوزات، التي تلجأ الحكومة لتدليلها بإعتبارها دعما للبسطاء، بينما هي ليست في حقيقتها كذلك.. بل هي علي العكس من ذلك تزيدهم بؤسا على ما هم عليه من البؤس .. فان هذا التفاضل في سعر الصرف، قد أحدث تشوهات أزكمت رائحتها الأنوف، ربما لم تكن مقصودة في ذاتها، لكنها قد أحدثت ثراءا فاحشا لطبقات طفيلية ترتبط بوثاق مصلحي مع بعض الإدارات في القطاع المصرفي من رأسه وحتى أخمص قدميه، وليست فضيحة دولار الدواء إلا ما طفى من جبل الجليد.
.
كما فات علي في صدر المقال أن أذكر بأن وزير المالية السابق قد من الله عليه ذات يوم بالمواجهة والجرأة على الحق اللتين جعلتاه يطالب البرلمان يوما بتشديد الرقابة علي مطابع العملة !!.. إن هذا التفاوت الكبير في سعر الصرف لابد أن تنشأ عنه ضغوطا هائلة في إدارة السيولة النقدية والطلب عليها.. ربما أحدثت هذه الضغوط إضطرابا في الإلتزام الرسمي بمحددات عرض النقود وبالتالي انفلاتا في المعايير الكمية لإصدار البانكنوت.. يحدث ذلك مجتمِعاً، تصاعدا جنونيا في معدلات التضخم، وتضاعفا في وتيرة الإفقار وتناقص الثروات الإجتماعية.. كل ذلك يجعل المواطن البسيط عرضة للنهب بصفة تلقائية دون ان تمتد يد اللصوص لمحفظة النقود التي ما زالت هناك في جيبه.
.
البسطاء لا يتمتعون بدعم من الدولة ولا ينتظرونه أصلا، ولا حتي على مستوي النوايا.. فما أفقرها النوايا الرسمية وما أشقاها.. لذلك فإن هؤلاء البسطاء بالمقابل ليسوا علي استعداد لغسيل الغباء الرسمي .. وليسوا علي إستعداد كذلك لإزدراد ثمرات غرث الحكومة المر، ولو بدا لها طعم كطعم البرتقال اللذيذ.
إنتهي..
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////