ما الذى أقسى من الموت ؟ فهذا كشفنا سره ، وخبرنا أمره ، واستسغنا مره..قالها الشاعر الراحل صلاح أحمد ابراهيم ، الذى غادر دنيانا وهو لم يتعد الستين من عمره ، ملخصا مانعيشه فى الفانية بعبارة بليغة جامعة (أخر العمر قصير أم طويل .كفن من طرف السوق وشبر فى المقابر)

و ظللنا فى أيامنا الاخيرة نفقد الاعزاء والاحباء بوتيرة متسارعة ..سرعة مرور الايام... فرحل منا مصطفى مدنى و عايدة عبد المجيد وعبد المنعم محمود مصطفى والطاهر مصطفى ونورى خليل وأحمد التنى ومن قبل بشير البكرى وابوبكر عثمان محمد خير وعمر شونا وعبد الهادى الصديق وأنور دفع الله و صلاح دفع الله....والقائمة تطول وتطول ...

وذكرياتى مع الراحل محمد تمتد منذ السبعينيات من القرن الماضى ، ذات يوم قائظ ، كنت عائدا من وزارة الحكم المحلى بعد أن اخطرت بنقلى للولاية الشمالية ضابطا اداريا تنفيذيا بعد ان عملت ردحا من الزمن فى ولايتى الخرطوم والجزيرة، و بينما انا على شارع الجامعة قبالة القصر الجمهورى ، اثرت أن أجلس بالقرب من كشك للصحف متاخم لوزارة الخارجية فى مبنى جلاتلى هانكى السابق، اشتريت صحيفة يومية وأنا اجلس على رصيف وظهرى على سور الوزارة.و تصفحت الجريدة ولفت انتباهى اعلان من وزارة الخارجية تطلب التقديم لوظائف سكرتيريين ثوان ، و فكرت... لماذا لا أقدم للوزارة وهى على مقربة منى ، ربما يكون اللجوء اليها خيرا من الاستمرار فى الحكم المحلى . و بعد ان رشفت كوب الليمون البارد توجهت الى

بوابة الوزارة .. وكان ضابط الاستقبال فيها هو محمد عبد المنعم ، أبديت له رغبتى فى التقديم لوظائف السكرتيريين الثوانى ، و قال لى بأدب جم ، بأنه من المطلوب ابراز الشهادات المطلوبة و موافقة الوزارة التى ينتمى اليها مقدم الطلب كشروط اساسية للتسجيل , وابنت له بأن الحر قائظ و لا يمكننى الرجوع الى الوزارة بشارع النيل ، ولكن بعد ادراج اسمى من ضمن المقدمين للوظائف يمكننى تقديم المتطلبات من شهادات قبل الجلوس للامتحانات، استمع محمد الى حججى بصبر ، ثم قادنى الى مكتب حيث تم تسجيل اسمى ضمن المقدمين لهذه الوظائف ، محمد بهذا التصرف أعطانى النموذج المثالى لضابط العلاقات العامة بحركته النشطة وقدرته الاستماع لمن يحاوره و مقدرته على التصرف.

بعد ان تم قبولى جئت الى الوزارة و محمد بيننا ذاك الشاب الملىء بالحيوية ، المحب لعمله..و طفقت أقول له كلما التقيه انك كنت سببا فى ان ألج لعالم الدبلوماسية ..لاننى كنت لن استمر فى التقدبم لو كان الاصرار على احضار الشهادات أو تمت مقابلتى بجفاء شأن الكثيرين فى المواقع المشابهة .، وشاءت الاقدار فى مرحلة لاحقة ان نعمل سويا فى سفارتنا بالكويت ليكون بجانبى وأنا اعمل قنصلا او مشرفا على العمل الاعلامى والثقافى تحت قيادة السفير الانسان محمد الامين عبدالله.

كان محمد فى السفارة كتلة من النشاط ، يجيد كل ما يكلف به ، و يبتعد عن القيل والقال، وكانت كويت الخيرانذاك تقبل العشرات من المرضى السودانيين للعلاج من بعض الامراض المستعصية كالفشل الكلوى وامراض القلب والسرطان ..يأتى المرضى ومرافقيهم ليودعوا فى بيت المرضى التى تتبع ادارتها للسفارة

...كان محمدهو الحارس الحامى لهؤلاء المرضى يستقبلهم اناء الليل واطراف النهار بلا تبرم، و يشرف على راحتهم بل و متابعة اجراءات علاجهم بالمستشفيات المختلفة .. ماكانت هذه الجهود لتثمر لولا ما امتاز به العمل فى السفارة من تنسيق وانسجام.

كان محمدمن اؤلئك الذين اختصهم الله بقضاء حوائج الناس، لا يشكو ، بل احيانا يتحرك بمركبته الخاصة لو تعذر استعمال مركبات السفارة، و مرت الايام ، و تفرقت بنا سبل الحياة وكنت أقابله بين الفينة والاخرى فى الوزارة . ولم اسمع باصابته بالفشل الكلوى الا بعد ان جاءنى الخبر المفجع .. رحيله قى هذا الشهر الفضيل.و هكذا نحن فى دوامة الحياة ندور مع دوراتها و دواماتها..رحمك الله يا محمد والهم اهلك وذويك واصدقاءك واقرباءك الصبر السلوان....

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.