(1)

من العادات الفكريَّة المذمومة، والتي تكاد لا تنجو منها حواريَّة، منشورة أو مذاعة، وعلى المستويين القطري أو الإقليمي، أن بعضنا، خصوصاً (الثَّورجيَّة)، لا يحسنون، بل ولا يُبدون، للأسف، حرصاً حتَّى على مجرَّد الاستماع، دَعْ التلقِّي الدَّقيق، لما يصدر عن (الآخرين)، بقدر ما يبقون منشغلين، الوقت كله، بتحضير اعتراضاتهم (المبدئيَّة) الفوريَّة على ما يُقال، مِمَّا قد يلتوي بالتَّفاعل المطلوب إلى وجهة مغايرة، تماماً، ويسبِّب، بذلك، سوء تفاهم غير مرغوب فيه، فيحوِّل ما يُفترض أن نكون قد بدأناه (حواراً) إلى محض (سجال) ماراثونيِّ عبثي!
سمعت هذه الشَّكوى من كثيرين، داخل السُّودان وخارجه، عانوا من ذلك، في مناسبات مختلفة، فضلاً عن معاناتي الشَّخصيَّة منه لدى استخدامي لبعض المفاهيم والمصطلحات، كـ (الليبراليَّة)، مثلاً، حيث لاحظت أن سوء التَّفاهم المرذول سرعان ما يطلُّ برأسه كلما انفتحت هذه السِّيرة. فبرغم حرصي، في كلِّ مرَّة، على توضيح مرادي من استخدام هذا المصطلح، إلا أن البعض ما يلبث، مع ذلك، أن ينخرط في خلط وتخليط غالباً ما يقع بسبب صرفهم الأنظار عن (الليبراليَّة) كمفهوم (سياسـي) يُعلي من شأن (الحقوق والحريَّات)، وانكبابهم عليها كمفهوم (اقتصادي) يقدِّس (السُّوق)، ويحرِّم تدخُّل الدَّولة فيه.
وقد تُضاعف من احتمالات هذا الخلط والتَّخليط، الحساسيَّة الاستثنائيَّة التي تقترن، لدى هذا البعض، بحالة من الرِّهاب إزاء مصطلح (النيوليبراليَّة) الدَّالِّ على أيديولوجيَّة أضحت تسعى، بصورة شديدة التَّوحُّش، لتأبيد (الرَّأسماليَّة المطلقة)، وتقليص دور القطاع العام في الاقتصاد، إلى حدِّ الهباء والعدم، وتعزيز سطوة القطاع الخاص، إلى حدِّ الهيمنة الشَّاملة.

(2)
لقد نشأ مفهوما (الدِّيموقراطيَّة) و(الليبراليَّة)، في الحقيقة، بانفصال تام، حيث أن (الدِّيموقراطيَّة)، وهي الأقدم تاريخيَّاً، مأخـوذة من اقتران كلمتين إغريقيَّين في معنى (حكم الشَّعب) ـ Demos Kratos. واستطراداً، فقد أوحى جرسهما اللفظي للمرحوم القذَّافي بهجائيَّة كاريكاتيريَّة قلبتهما، في سخريَّة أيديولوجيَّة ماسخة، إلى عربيَّة دارجة تقول: "دي مو كراسي"!
لكن (الدِّيموقراطيَّة)، كمصطلح، وعلى نحو أكثر دقَّة، فتعني شكل الحكم الذى يوقِّر الحقوق، والمشاركة، والمساواة، ويمثِّل تطلع المجتمعات، منذ أقدم التَّشكيلات الاقتصاديَّة – الاجتماعيَّة عند الأسبرطيين، والبيزنطيين، وخصوصاً عند الإغريق الذين يعود المفهوم إلى تلخيصاتهـم الفلسـفيَّة (سقـراط ـ أفلاطـون ـ أرسطـو)، وإلى تطبيقاتهـم الأثينيَّة.
أمَّا (الليبراليَّة) فمأخوذة، لغة، من الأصل اللاتينيLiberalis بمعنى (حُر)؛ ثمَّ صارت مصطلحاً يعود، بجذره الفلسفي، إلى مذاهب جون لوك والتَّنويريين الفرنسيين. وقد تبلور هذا المفهوم فى أوروبا القرنين السَّابع عشر والثَّامن عشر كبرنامج أيديولوجي للبرجوازيَّة الصَّاعدة، أوان ذاك، من رماد الاقطاع، وكتعبير ثوري عن حاجتها الملحَّة، اقتصاديَّا وسياسيَّا، لتحطيم قوانينه وميكانيزماته المدعومة من الإكليروس الكنسي، والذي كان يمثِّل، وقتها، العائق الرَّئيس أمام سرعة ويسر حركة رأس المال والسِّلع، والقيد المكبِّل لانتقال الأيدى العاملة من الأرياف الزِّراعيَّة التَّقليديَّة إلى المدن الصِّناعيَّة الناشئة، حيث كانت تلك القوانين والميكانيزمات تبقي الفلاحين الأقنان وأبناءهم في خدمة (أسيادهم) كأنصاف عبيد. وبما أنه كان لا بُدَّ لتلك الضَّرورات (التَّحتيَّة) من تحويلات (فوقيَّة)، فقد قام المفكِّرون الليبراليُّون، بين (حركة الاصلاح الدِّيني اللوثري)، الطور الأوَّل من عصر (الحداثة)، وبين الثَّورة الفرنسيَّة (1789م)، بتدمير الأسس الفكريَّة للإقطاع الذي كانت (النَّبالة) فيه عنواناً لـ (الامتياز)، و(الحقوق) معادلاً موضوعيَّاً لـ (حيازة الأرض)، وبشَّروا، نظريَّاً، بمجتمع جديد يمثِّل مصدرَ الثَّروة فيه (رأسُ المال) القائم على (الملكيَّة الخاصَّة)، وعلى (حريَّة السُّوق) المستندة إلي (حريَّة المنافسة)، وصُوِّرت فرص (الرِّبح) فيه، وخيارات (المنفعة)، بأنَّها مفتوحة أمام الجميع، بحيث تمثِّل (جهود الفرد) الاقتصاديَّة (المستقلة)، و(حريَّته) في (التَّملك) و(المنافسة)، شرعيَّة التَّمايز، مثلما يشكِّل (العقد) الأساس القانوني للعلاقات الاجتماعيَّة.

(3)
ليس ثمَّة من يستطيع أن يكابر في أن (نشيد الإنشاد) الطويل الزَّائف هذا ما لبث أن تكشَّف عن وهم فادح! لكنَّ ما يهمُّنا معرفيَّاً، هنا، هو، ببساطة، أن تلك كانت الخلفيَّة التي تخلقت عليها كلا (الليبراليَّة) الاقتصاديَّة والسِّياسية في رحم النِّظام الرَّأسمالي، كنتاج لمرحلة السُّوق الرَّأسماليَّة، ولتبرير حقوق الطبقة البرجوازيَّة الصَّاعدة، أيَّامها، متوكِّئة على نَّظريَّات وقيم ومبادئ الحريَّات، والمنفعة، والحقوق الطبيعيَّة، والعقـد الاجتماعي .. الخ.
أمَّا كيف أبرم عقد قران (الليبراليَّة) و(الدِّيموقراطيَّة) فتلك قصَّة أخرى، حيث أن (الليبراليَّة) قاومت (الدِّيموقراطيَّة) طويلاً، قبل أن تعود لاستيعابها بالتَّدريج، بل وبالحركة البطيئة. فحقُّ التَّصويت، مثلاً، ظلَّ قاصراً على الرَّأسماليِّين حتى نهاية الثُّلث الأوَّل من القرن التَّاسع عشر. ولم تتمتَّع به الطبقة الوسطى، في إنجلترا، إلا في إثر (الاصلاح الانتخابي) عام 1832م. أما العمَّال فلم يُعترف لهم به إلا في نهاية القرن التَّاسع عشر. وأما الِّنساء فكان عليهنَّ الانتظار، للحصول عليه، حتَّى نهاية الرُّبع الأوَّل من القرن العشرين (إنجلترا: 1920م ـ أمريكا: 1928م).
الشَّاهد أن الأسس المعرفيَّة لـ (الليبراليَّة) انطرحت، تاريخيَّاً، باستقلال عن (الدِّيموقراطيَّة) التى سبقتها بوقت طويل، حيث وُلدت (الليبراليَّة) بصفتها (الاقتصاديَّة) أوَّلاً، قبل أن (تتمقرط)، في ما بعد، متَّخذة طابعها (السِّياسي) من باب اضطرار البرجوازيَّة، حتف أنفها، لتوسيع دائرة (الحقوق) و(الحريَّات) التي لطالما دافعت عنها، في خواتيم القرون الوسطى، أيَّام كانت ترغب في تحشيد الجَّماهير إلى صفِّها، أثناء نهوضها الثَّورى ضد الإقطاع، ومن هنا نتج التَّداخل بين المفهومين.
وقد كان منطقيَّاً، تماماً، في ظروف التَّلازم الوثيق بين صعود المركانتليَّة، ومفاهيم المدنيَّة والتمدُّن، وبين ازدياد عمليَّات التَّهميش المتسارع للاقتصاد الرِّيفي، ولأجل تيسير انتقال الأيدي العاملة من الأرياف إلى المدن، والقضاء على سطوة التَّوأم السِّيامي: الإقطاع والكنيسة، أن ترتفع، أيضاً، المطالب التي وَسَمَتْ (الليبراليَّة) بميسم الثَّورة البرجوازيَّة، حيث دخلت هذه الأخيرة التَّاريخ بمنظومة حريَّات وحقوق التَّفكير، والضَّمير، والتَّعبير، والتَّنظيم، والتَّنقل .. الخ.
بالخلاصة، ولأن تحقيق مصالح البرجوازيَّة، في حربها على الإقطاع، أضحى مستحيلاً بدون إيلاء الاعتبار الكافي لتحقيق مصالح العمَّال، حتف أنف التَّناقض الجهير بين الكتلتين التَّاريخيَّتين، فقد "ارتقت الليبراليَّة من مستوى الحـريَّات الاقتصاديَّة إلى مستوى الحريَّات السِّياسيَّة = الدِّيموقراطيَّة" (أنظر مثلاً: علي الدِّين هلال؛ مفاهيم الدِّيموقراطيَّة في الفكر السِّـياسي الحـديث، ص35 وما بعدهـا؛ وضـمنه:C. P. Macpherson; The Real World of Democracy, pp. 1 – 11؛ وكذلك هانز كلسن؛ الديموقراطية: طبيعتها وقيمتها، ص 118، 119، 123؛ وأيضاً: برهان غليون؛ إغتيال العقل: محنة الثَّقافة العربيَّة بين السَّلفية والتَّبعيَّة، ص 229 ـ 230).
سوى أن خبرات الشُّعوب ما انفكَّت تراكم من الوعي، مع شروق كلِّ فجر جديد، ما يفضح مدى معاداة (الليبراليَّة الاقتصاديَّة) لمصالحها، في حين لم يكن ليغيب عن نفس هذا الوعي، من جهة أخرى، ما توفِّر (الليبراليَّة السِّياسيَّة = الدِّيموقراطيَّة) من إسناد لنفس هذه المصالح.

(4)
لقد استقر، مثلاً، لدى الشِّيوعيين السُّودانيين، كأحد دلائل استقلاليَّتهم الفكريَّة، أن طريقهـم إلى الاشتراكيَّة نفسها سيمرُّ عبر هذه (الليبراليَّة السِّياسيَّة = الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة)، في معنى (الحريَّات العامَّة) و(الحقوق الأساسيَّة) للجَّماهير. فلئن كان التَّاريخ الحديث قد شهد، في هذا السِّياق، شكل الحكم الذى تكرَّس فى أوروبا، منذ حوالى ثلاثة قرون، وتحدَّد، منهجيَّاً ومؤسَّسيَّاً، بمصطلح (الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة)، فإن السُّـودانيين عرفوا ".. نظام الشُّورى، الذى هو لبُّ هذه الدِّيموقراطيَّة، منذ عهود تضرب في أعماق التَّاريخ. فملوك (كوش) القدماء كان ينتخبهم زعمـاء القبائل، وملوك الفونج وشيوخ العبدلاب كانوا يُختارون بنفس الطريقة .. إن البعض يحاول أن يوهم الناس بأن الدِّيموقراطيَّة نظام غربى لا يصلح لنا. صحيح أن الدِّيموقراطيَّة البرلمانيَّة نشأت فى الغرب مع الثَّورة الرَّأسماليَّة، وانهيار النِّظام الاقطاعي، ولكنَّا كنَّا نمارس مضمون الدِّيموقراطيَّة القائم على الشُّورى قبل ذلك العهد بكثير جداً" (عبد الخالق محجوب؛ دفاع أمام المحاكم العسكريَّة، ص 66).
وعاد عبد الخالق ليكتب، مطلع 1971م، مسترشداً بقانون "نفي النفي" الدِّياليكتيكي: إن "تغيير المجتمع إلى مرحلة أعلى لا يعنى نفياً كاملاً لما أحرزت الشُّعوب من حقوق قانونيَّة إبان الثَّورة الدِّيموقراطيَّة البرجوازيَّة .. (بل) تحويلها من إعلان إلى ممارسة فعليَّة .. إنجاز مهام الثَّورة الوطنيَّة الدِّيموقراطيَّة للانتقال للاشتراكيَّة لا يتمُّ إلا عبر الدِّيموقراطيَّة في الحقوق السِّياسيَّة للجَّماهير، (أي) الدِّيموقراطيَّة في النِّظام السِّياسي، (أي) تغيير المجتمع بالدِّيموقراطيَّة الشَّاملة" (ع. الخالق؛ وثيقة حول البرنامج).
وقبل ذلك كان حسن الطاهر زروق، نائب دوائر الخريجين عن الجَّبهة المعادية للاستعمار، قد نادى، عام 1955م، من خلال مساهمته فى مناقشة مشروع الدستور المؤقت، بأن يضمن الدستور المشاركة الشَّعبيَّة الواسعة في الحكم، وأن يوفِّر الحريَّات العامَّة، كحريَّة العقيدة، وحريَّة اعتناق الآراء السِّياسيَّة، والعمل من أجلها (محمد سليمان؛ اليسار السُّوداني في عشر سنوات، ص 173 ـ 176).
وفي أغسطس 1977م جاء بيان اللجنة المركزيَّة الموسوم بـ (الديموقراطية مفتاح الحل)، ثمَّ دورتها في ديسمبر 1978م، ليشكلا، بطابعهما البرامجي، خطوة تحويليَّة متجاوزة، بعد كلِّ تلك المراكمات الفكريَّة والسِّياسيَّة، بتبنِّيهما، نهائيَّاً، (الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة) منهجاً للحكم، ولتداول السُّلطة، وتجديدهما لقناعات الحزب القديمة القائمة في اعتبار ما توفِّره هذه الدِّيموقراطيَّة من مساحات للحريَّات والحقوق.
وقد وصف محمَّد إبراهيم نُقُد هذا التَّوجُّه، عام 1990م بأنه "متميِّز، ومفارق للتَّصوُّر الذي كان سائداً في الأدبيَّات الماركسيَّة، ومن بينها أدبيَّات حزبنا، والذي يبرِّر مصادرة (الدِّيموقراطيَّة) فى النَّموذج السُّوفيتي للاشتراكيَّة، ونمط الحزب الواحد، وبعض نماذج الأنظمة الوطنيَّة العربيَّة والأفريقـيَّة" (مبادئ موجِّهة ..).
مع ذلك بقيت عيون الحزب الشِّيوعي السُّوداني مفتوحة على الاتِّجاه النظري العام في تقييم (الدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة) كأداة لا تلغي الاضطهاد الطبقي، ولكنها تساعد على كشفه، لا تخلص الكادحين من الاستغلال، ولكنها تعينهم على منازلته. فعن تأسيس الجُّمهوريَّة في فرنسا عام 1848م، نبَّه ماركس إلى ضرورة ألا يكون ثمَّة وهم حول أنها تساعد على بسط سيادة الطبقة البرجوازيَّة، لكنَّه نبَّه، أيضاً، إلى أنها تهيئ المناخ السِّياسي الملائم الذي يمكِّن المستغَلين "بالفتح" من منازلة مستغِليهم "بالكسر" (ضمن: أ. دنيسوف "محرر"؛ نظريَّة الدَّولة والقانون، ص 129).

(5)
والآن، من ذا الغافل الذي يمكن أن يهدر كلَّ هذا الوعي، فينفض يده عن (الليبراليَّة السّياسيَّة)، خالطاً بينها وبين (الليبراليَّة الاقتصاديَّة)، سواء الكلاسيكيَّة، أو (النِّيوليبراليَّة)؟!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.