Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 

الاثنين

لئن ابتليت الجماعة المسلمة في بلادنا بمن لا يتورَّعون عن اختراع (الفتاوى) الدينيَّة، بلا هدى ولا كتاب منير، يخدمون بها، أكثر شئ، مآربهم (الحزبيَّة) الضيّقة، فإن شتى أصقاع العالم الإسلامي قد ابتليت بصنوف من الفتاوى الغريبة التي ما تنفكُّ تتفجَّر، صباح مساء، كالقنابل العنقوديَّة، لتطال مختلف مجالات الحياة! وفي الحقيقة فإن الكثير ممَّن يتصدُّون للفتوى في هذه المنطقة أقوام عجيبون. والكثير من فتاواهم غثاء كغثاء السيل يسيئون به للإسلام بأكثر ممَّا يفعل أعداؤه. ولا يحتاج المرء، كي يدرك هذه الحقيقة، لأن يكون متبحّراً في الدّين، أو مؤمناً، أو حتى مسلماً عاديَّاً، بل يكفي أن يكون عاقلاً، وأن يتبع إرشاد الرسول (ص)، فيستفتي قلبه وإن أفتوه.

خذ عندك، مثلاً، الفتوى التي أصدرها، قبل نحو من ثلاثة أعوام، (الدكتور) عزت عطيَّة، رئيس قسم الحديث بكليَّة أصول الدين بجامعة الأزهر بالقاهرة، والتي قال فيها، لا فضَّ فوه، إن "الشَّرع يجيز لأيّ من الرجل أو المرأة اللذين تضطرُّهما ظروف العمل للتواجد في خلوة أن يرضع أحدهما من والدة أو أخت الآخر، فيصبحا أخوين في الرضاعة، وبالتالي تحرَّم العلاقة الجنسية بينهما"! ورغم تراجُع (الدكتور)، لاحقاً، واعتذاره عن فتواه الفضيحة تلك، إلا أن المجلس الأعلى للأزهر لم يجد مناصاً من إيقافه عن العمل، وإحالته إلي مجلس تأديب، وإصدار بيان يعتبر فيه ما  جاء على لسانه "منافياً لمبادئ الدين الحنيف، ومخالفاً لأسس التربية والأخلاق، ومسيئاً للأزهر كمؤسَّسة إسلاميَّة مرموقة". كما أصدر وزير الأوقاف، بدوره، بياناً أيَّد فيه قرار الأزهر، قائلاً "إن فوضى الفتاوى، وعدم انسجامها مع العقل والفطرة الإنسانيَّة، أكثر خطراً على الإسلام من خصومه .. (و) تمثل انحداراً في الفكر الديني الذي ينير العقول، ويسمو بفكر المسلمين، ولا يجرُّهم إلى التخلف، والجهل، ومنافاة قواعد الذوق العام!" (الشرق الأوسط، 22/5/07)، ومعتبراً أن فتوى عطيَّة، ومثيلاتها، كالفتوى الأخرى التي كان أصدرها مفتي مصر (الدكتور) علي جمعة، وأكد فيها أن الصحابة كانوا يتبرَّكون بشرب بول الرسول (ص)، "إساءة للإسلام من أبنائه وأتباعه .. فليس كل ما هو موجود في الكتب التراثيَّة القديمة صحيح ومسلم به، وإنما لا بُدَّ أن نعمل عقولنا في ما نقرأ، فقد نجد .. أشياء تخالف العقل الإنساني، فيجب ألا نقولها أو يذكرها أيُّ داعية .. ونحن نربأ بالدّين أن يصل لهذا الحد " (المصري اليوم، 22/5/07).

وخذ عندك، أيضاً، فتوى الشيخ عبد الله النجدي المشهورة، والتي أصدرها بالرياض، في نحو من 36 صفحة، بتاريخ ربيع الثاني 1423هـ، وقطع فيها بتحريم (كرة القدم)، وساق في ذلك جمهرة من الأسباب، أبرزها أنه يُحتكم فيها إلى غير الله! وكذلك فتوى (تحريم الجلوس على الكراسي) التي أصدرتها الدَّاعية أم أنس، على موقعها الإليكتروني، بعنوان (تنبيه إلى حرمة الكراسي وما أشبهها من مقاعد وأرائك، والله أكبر)! وقد أوردت في نصّها "إن من أخطر المفاسد التي بُليت بها أمتنا العظيمة ما يُسمَّى بالكرسي، وما يشبهه من الكنبات وخلافها، ممَّا هو شرٌّ عظيم يخرج من الملة كما يخرج السَّهم من الرَّمية .. (و) إن السَّلف الصالح وأوائل هذه الأمَّة، وهم خير خلق الله، كانوا يجلسون على الأرض، ولم يستخدموا الكراسي، ولم يجلسوا عليها، ولو فيها خير لفعله حبيبي، وقرة قلبي، وروح فؤادي، المصطفى عليه الصلاة والسَّلام ومن تبعه بإحسان .. (و) إن هذه الكراسي وما شابهها صناعة غربيَّة، وفي استخدامها والإعجاب بها ما يوحي بالإعجاب بصانعها وهم الغرب، وهذا، والعياذ بالله، يهدم ركناً عظيماً من الإسلام وهو الولاء والبراء، نسأل الله العافية .. الأمر جلل يا أمَّة الإسلام، فكيف نرضى بالغرب ونعجب بهم وهم العدو .. (و) ما يجلبه الكرسي أو الأريكة من راحة تجعل الجَّالس يسترخي، والمرأة تفتح رجليها، وفي هذا مدعاة للفتنة والتبرُّج، فالمرأة بهذا العمل، تمكن الرَّجل من نفسها لينكحها، وقد يكون الرَّجل من الجّنّ أو الإنس، والغالب أن الجّن ينكحون النساء وهنَّ على الكراسي .. وكم من مرَّة شعرت المرأة بالهيجان والشَّبق الجّنسي المحرَّم، وذلك بعد جلوسها على الكرسي .. ولكم من مرَّة وجدت المرأة روائح قذرة في فرجها كما خبرت وكما حدثتني بذلك بعض الصَّالحات، التائبات من الجُّلوس على الكراسي، لذلك فالجُّلوس على الكرسي رذيلة وزنا لا شبهة فيه .. (و) الجلوس على الأرض يذكر المسلم بخالق الأرض .. وهذا يزيد في التعبُّد، والتهجُّد، والإقرار بعظمته سبحانه"!

وثمَّة، كذلك، الفتوى المنسوبة إلى الشيخين عثمان الخميس وسعد الغامدي في تحريم الإنترنت على المرأة "بسبب خبث طويتها،  فلا يجوز لها فتحه إلا بحضور محرم مدرك لعهر المرأة ومكرها!" (موقع "إيلاف" على الشَّبكة العنكبوتيَّة وصحيفة "القبس الكويتيَّة"، 12/11/04). ورغم أن الأوّل كذبها، عن نفسه، في موقع (الداعية المسلم)، مستدركاًً بقوله: ".. ولم أطلع على فتوى الشيخ سعد الغامدي"، إلا أن الأخير لم يعلق بشئ!

وهناك، إلى ذلك، فتوى (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بتحريم استخدام حرف (X إكس) الأجنبي، الذي لاحظت الهيئة أنه على شكل (صليب)، حسب تجربة عمرو محمد الفيصل، مدير (شركة الدليل لنظم المعلومات) بالسعودية، والتي أوردها عوني سماقية في موقع (أهل القرآن) الإليكتروني، نقلاً عن بعض صحف المملكة، حيث روى الفيصل أنه تقدَّم لوزارة التجارة لتسجيل أحد منتجات شركته؛ إلا أن الوزارة، وبعد تلكؤ دام عاماً كاملاً، رفضت تسجيل المنتج، بناء على طلب من الهيئة، لأن اسم المنتج هو (برنامج المستكشف)، وترجمته الإنجليزيَّة Explorer، وهي كلمة تتضمَّن حرف (X إكس) الذي يستفزُّ المشاعر الإسلاميَّة!

وأفتى الشيخ ابن عثيمين بحرمة تنشئة الأطفال على تعلم اللغة الإنجليزيَّة، مستدلاً بقول ابن تيمية، في كتابه (اقتضاء الصّراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم): "إن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، ولا يصح لمسلم التكلم بغيره" (ص 203)، ليستنتج أن الذي يعلم طفله اللغة الإنجليزيَّة منذ الصغر سوف يحاسب على ذلك يوم القيامة، لأنه يؤدي إلى محبَّة الطفل لهذه اللغة، ثمَّ محبَّة الناطقين بها، ومن ثمَّ لزم التحريم وفق ابن عثيمين!

كما أفتت (اللجنة الدائمة للإفتاء) بالمملكة، بالرقم/21409، بتاريخ 21/3/1421 هـ، وفق موقع (منتديات الإذاعة السودانيَّة) على الشَّبكة، بتحريم بيع أو شراء أو إهداء الزهور إلى المرضى، كونها عادة وافدة من بلاد الكفر، نقلها بعض المتأثرين بهم من ضعفاء الإيمان!

 

الثلاثاء

صدر، مؤخَّراً، عن دار جامعة دوك الأمريكيَّة للنشر، العدد/1/109 من فصليَّة جنوب الأطلنطي ـ The South Atlantic Quarterly لشتاء 2010م، بمحور أساسي تحت عنوان (What’s left of the left? The View from Sudan ـ ماذا بقي من اليسار؟ المشهد سودانيَّاً)، وذلك في 225 صفحة من القطع المتوسط، بغلاف أخضر صقيل، تتوسطه صورة الشهيد عبد الخالق محجوب، وقد أشرفت على العدد، كمحرّرة خاصَّة، د. رقيَّة مصطفى أبو شرف، البروفيسير المشاركة في علم الأنثروبولوجيا بجامعة جورج تاون. ويحتوي العدد المُهدى إلى ذكرى محمد محجوب عثمان على مقدّمة بقلم المحرّرة، بعنوان (كتابة الدياليكتيك)، وعشر مقالات لكتاب يساريين، من داخل وخارج السودان.

في مقدّمتها تنبّه رقيَّة إلى أن هذا العدد ليس محض تجميع لأوراق أكاديميَّة، بل هو حزمة ضوء نادرة على إحدى أقوى الحركات اليساريَّة في أفريقيا: الحزب الشّيوعي السُّوداني، حيث، وربَّما لأوَّل مرَّة باللغة الإنجليزيَّة، يجري استعراض مجموعة من الأفكار والاتجاهات اليساريَّة المؤثرة، بما يعكس الصّراع الفكري حول مسألة توطين الفكر الماركسي في مجتمع ما زال يعايش فترتي الاستعمار وما بعد الاستعمار.

وفي مقالته بعنوان (الضباط الأحرار والرّفاق: الحزب الشّيوعي السُّوداني والنميري وجهاً لوجه: 1969 ـ 1971م) يعرض آلين غريش، نائب رئيس تحرير (لوموند ديبلوماتيك)، ورئيس جمعيَّة الصحفيين الفرنسيين المتخصّصين في شئون المغرب والشرق الأوسط، للظرف السّياسي الإقليمي الذي ساد العالم العربي في عقابيل النكسة، وكذلك الظرف السياسي داخل السودان، من حيث سيطرة الأحزاب التقليديَّة على البرلمان، والأزمة الاقتصاديَّة المستفحلة، ومحاولة قهر التمرُّد في جنوب البلاد، وفرض القوانين المقيّدة للحرّيَّات، وحلّ الحزب الشّيوعي وطرد نوَّابه من البرلمان، الأمر الذي هيَّأ، في مجموعه، المناخ الملائم أمام (الضباط الأحرار) للاستيلاء على السلطة، بدون سفك دماء، في مايو 1969م. لكن، وخلافاً لردود أفعال كلّ الأحزاب الشّيوعيَّة التي تعرَّضت بلدانها، في المنطقة، لانقلابات (الضباط الأحرار)، وما رفعت من شعارات الاشتراكيَّة ومناهضة الإمبرياليَّة، رفض الحزب الشّيوعي السُّوداني، عمليَّاً، فكرة التماهي التام في السلطة الجديدة، كما رفضها، فلسفيَّاً، عبر إثارته للسؤال الأساسي عن القوَّة الاجتماعيَّة الأكثر تأهيلاً وجدارة بقيادة عمليَّة التغيير في البلاد.

من جهته يتناول البروفيسير أحمد العوض سيكينجة، أستاذ التاريخ الأفريقي بجامعة أوهايو، في مقالته بعنوان (العمل المنظم في السودان الحديث: قصَّة عمال السّكة حديد بعطبرة)، تاريخ الطبقة العاملة في السودان من خلال الحركة العمَّاليَّة بمدينة عطبرة، ويحلل الكيفيَّة التي استطاع بها الحزب الشّيوعي أن يخلق لنفسه قاعدة قويَّة وسط جماهير العمّال المسلمين، والدَّور الذي لعبه عمَّال السكة حديد ونقابتهم في صياغة النسيج الاجتماعي والثقافي بالمدينة.

كما يتناول د. عبد الله علي إبراهيم، الكاتب المعروف، واليروفيسير المشارك السابق في التاريخ الأفريقي والإسلام بجامعة ميسوري ـ كولومبيا، تحت عنوان (البيت الذي بنته الأموميَّة: الاتحاد النسائي السُّوداني)، تاريخ هذا التنظيم، وعلاقته بالحزب الشّيوعي، وذلك من خلال مناقشته للبروفيسير سوندرا هيل، المؤرّخة الأشهر للاتحاد، منتقداً عدم فحصها الوافي لأرشيفه الهائل، ولأرشيف الحزب، عند كتابتها لـ (سياسات الجندر في السُّودان: الإسلام والإشتراكيَّة والدولة). كما يرصد تذبذب وتقلب واضطراب آراء د. فاطمة بابكر لدى تعرُّضها لمعالجة الحزب الشيوعي لقضيَّة المرأة، وعلاقته بالاتحاد، كما يناقش الكاتب، أيضاً، الصّراع الفكري الذي دار حول هذه القضايا بين عبد الخالق وبين الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم.

أما د. حسن موسى، التشكيلي والناقد وأستاذ الفنون بفرنسا، فيتقصَّى، تحت عنوان (حزب الفن: عندما دخلت الجماهير المعرض)، الظروف التاريخيَّة التي مهَّدت لدخول فكرة (معرض) الفنون البصريَّة الحديثة، كاستيعاب لجماليَّات الحداثة، في الثقافة السُّودانيَّة.

وأما البروفيسير صلاح حسن الجَّرّك، مدير مركز البحوث والدّراسات الأفريقيَّة بجامعة كورنيل، فيستعرض في مقالة بعنوان (دارفور وأزمة الحكم في السُّودان من منظور يساري)، تأمُّلاته الخاصَّة حول مشكلة دارفور. كما ويعرض، لأوَّل مرَّة، في مقالة أخرى بعنوان (كراسة سجن إبراهيم الصَّلحي: مفكرة بصريَّة)، لخواطر التشكيلي السُّوداني الأشهر، خلال فترة سجنه في أواسط السَّبعينات، مكتوبة بخط يده، ومقرونة برسومات عبقريَّة له بقلم الحبر، وتعتبر أوَّل شهادة بصريَّة على تجربة الاعتقال السّياسي في السُّودان.

يحتوي العدد، أيضاً، على ثلاث ترجمات مختصرة، الأولى لمقالة الخاتم عدلان (أن أوان التغيير)، والأخرى لردّ د. صدقي كبلو عليها بعنوان (موسم الهجرة إلى اليمين)، والثالثة لدفاع عبد الخالق أمام المحكمة العسكريَّة، إضافة إلى كتابات الشهيد جوزيف قرنق، عضو المكتب السّياسي واللجنة المركزيَّة للحزب الشّيوعي الذي أعدم مع عبد الخالق والشفيع في ملابسات إنقلاب 19 يوليو 1971م؛ وهي مجموعة المقالات التي نشرها جوزيف متفرّقة بمجلة (الجنوبي) السّريَّة، بعنوان (مأزق المثقف الجنوبي: هل ثمَّة ما يبرّره؟)، وكان الهدف منها شقُّ طريق لحلّ "مشكلة الجنوب"، واجتراح استراتيجيَّة وتكتيك تحالفيين بين الجنوبيين والحركة الدّيموقراطيَّة في الشمال، باتجاه التقدُّم، وضدَّ الإمبرياليَّة.

العدد في مجمله دسم المادَّة، جيّد التحرير، غير أنه جاء مشوباً، للأسف، بنقص معيب، يتمثل في عدم تطرُّقه لأهمّ قضيَّتين جابههما الحزب الشّيوعي عبر مسيرة تطوُّره منذ إرهاصات تكوينه الأوَّلي في منتصف أربعينات القرن الماضي، وقد جاء تصدّيه لهما ترجمة فكريَّة وعمليَّة لمطلب توطين الماركسيَّة، وسودنة تطبيقها: الموقف من الدّين والموقف من الديموقراطيَّة الليبراليَّة والحرّيَّات الفرديَّة.          

 

الأربعاء

بين صفحتي 159 ـ 161 من كتاب (الحركة الإسلامية السودانيّة: دائرة الضوء ـ خيوط الظلام: تأملات في العشريّة الأولى لعهد الإنقاذ)، الصادر حديثاً عن دار مدارك بالقاهرة (2010م)، والذي كنا رحّبنا به، الأسبوع قبل الماضي، ونوَّهنا بأهميَّته، أدلى الأستاذ المحبوب عبد السَّلام، ضمن شهادته المطوّلة، بإفادة في غاية الخطورة والأهميَّة عن الكيفيَّة التي أدير وحُسم بها الصّراع داخل الحركة الإسلاميَّة نفسها حول (انتخاب) الأمين العام للمؤتمر الوطني عام 1997م، وذلك على النحو الآتي: 

{مثل الخروج الأوَّل للحركة الإسلاميّة إلى العلن اختباراً .. لمدى تهيُّئها للشَّفافيَّة والديموقراطيّة، فقد اختارت الهيئة القياديَّة مُرشَّحاً جديداً لمنصب الأمين العام للمؤتمر الوطني، يُجسِّد صدق التحوُّل نحو حاكميَّة (التنظيم السّياسي)، وهيمنته على السّياسة والحكم، ويحسم ازدواج الظاهر والباطن لصالح توحيدهما، حركةً إسلاميَّةً غالبُ عملها ظاهرٌ مفتوح في حزب سياسي يتهيَّأ للمنافسة مع أحزاب أخرى في إطارٍ ديموقراطيّ تعدُّدي. وكان المرشَّح الذي اختارته الهيئة القياديّة هو الدكتور غازي صلاح الدين العتباني، خلفاً للأستاذ الشفيع أحمد محمد. وإذ شَغَل الأوَّل منصب وزير الدولة للشُّؤون السّياسيَّة برئاسة الجُّمهوريَّة، ومنصب وزير الدَّولة بالخارجيَّة، وتولى، في الأطر الخاصَّة بالحركة، وظيفة مقرِّر مجلس الشُّورى، وعضو المكتب القائد، ثمَّ عضو الهيئة القياديَّة، حمل ترشيحه مدى جديَّة الحركة في تأكيد الدَّور المحوري للمؤتمر الوطني في منظومة الحكم والحركة، بعد مرحلة متطاولة ظلَّ هذا الدَّور فيها هامشيَّاً لا يكاد يُذكر.

كان مسرح الانتقال هو المؤتمر القومي العام للمؤتمر الوطني الذي شهده العام 1997م. ورغم أن مرشَّح الحركة الإسلاميَّة لمنصب الأمين العام قد اتفق عليه بقرار الهيئة القياديَّة، إلا أنَّ إصرار كتلة مقدَّرة من ولايات دارفور على إعادة انتخاب الأمين العام السابق، ومقاومة مقترح القيادة، قد حَمَل مفاجأةً لم تعتدها القيادة في إخراج ترتيباتها وتدابيرها للعلن، إذ ظلت تمضي كما كان يخطط لها، من الباطن إلى الظاهر، في سهولة ويسر، طيلة عهد الإنقاذ منذ يومها الأول.

أخذت المقاومة شكل تكتل جهوي انتظم فيه غالب أعضاء الحركة الإسلاميَّة القدامى من دارفور، ومعهم المكتسبون في عهد الإنقاذ .. وإذ بلغت عضويَّة المؤتمر بضعة آلاف، فقد جَذَب موقف دارفور تلقائيّاً موقف نظرائهم في الولايات الأشدّ تهميشاً، لا سيّما ولايات الجنوب. وعلى الفور انتظم تحالف لا يُقاوَم بالإجراء الانتخابي الديموقراطي كما يُحدِّده النظام الأساسي للمؤتمر الوطني، وكما تنظمه لوائحه، فتكتل دارفور والجنوب يُمثل أغلبيَّة تحتاج لمنظومة واسعة من التحالفات حتى تهزم بالغلَبة العدديَّة.

لقد كَشَفت لحظة الانتقال، بما حملت من تكاليف، مواضع الهشاشة والخلل في البناء، فالقيادة ظلت تختار وتقرّر، والقاعدة ظلت توافق وتقرُّ، ولكنها غافلة عمَّا تموج به عضويَّتها من حركة وانفعال يستشعر ظلماً وتهميشاً، ويطلب العدل والإنصاف حتى داخل الصَّفّ التنظيمي. فقد ظلَّ أعضاء الحركة من الأطراف عامَّة، ومن دارفور خاصَّة، يستشعرون مرارة تجاه قسمة المناصب في قيادة الحركة والدَّولة، وآلية توزيع الفرص والمغانم، مهما تكن قليلة محدودة. ومن طبيعة شبكة العلاقات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة التي تنتظم قيادة الحركة ذات المزاج والتوجُّه الشمالي العاصمي الخرطومي باختراقات محدودة في القيادة من الأطراف، إذ أن بقاءها في الصَّفّ القيادي استمرّ بتصميمٍ وإرادة اقتضت مثابرة واصطباراً على الارتباط. وقد حملت قضيَّة المهندس داؤود بولاد في أوَّل عهد الثورة نذراً مبكرة من الضرورة الملحَّة لضبط المعادلة بين المركز والأطراف حتى داخل صفّ الحركة الملتزم، كما كشفت عما يعتمل في الصدور من مرارة، ومشاعر سالبة، لا تتيح الأطر التنظيميَّة، بما تقتضي من أدب والتزامٍ، أن يفصح عنها كثيراً. وهي ذات المشاعر التي تجلت في المؤتمر بالانحياز الدارفوري المطلق نحو الأمين العام السابق، يحالفه الصوت الجنوبي الذي انحاز، بدوره، على قاعدة التهميش الذي يجمع بين الإقليمين ويوحِّدهما ضدَّ شخص المرشَّح الجديد الذي تتجلى فيه كلُّ سمات المجتمع المديني بتنوُّعه وتقدُّمه البائن على ولايات السودان كافة. وقد كانت أكبرها مفاجأة اصطفاف كثير من قيادات الدولة الإنقاذيَّة والحركة الإسلاميَّة، بمن فيهم الأكبر والأقدم من دارفور وجبال النوبة والجنوب، مع مواطنهم في حماسٍ لا يُضاهى.

كما حمل تحدّي الديموقراطيَّة والشَّفافيَّة المبكر داخل أروقة المؤتمر الوطني مدى ضيق أوعيته بحركة قاعدته وطلاقتها في الاختيار. ومثل ذلك اليوم اختباراً أوَّلاً لقيادة المؤتمر الوطني عن مدى قناعتها بالحرّيَّة والشُّورى، الأصول التي أدَّت، بعد سنوات قلائل، إلى انقسام الحركة الإسلاميَّة، كما تجلت في ردَّة الفعل القيادي على تحالف الهامش روح العنصريَّة المضادَّة المشوبة بالاستعلاء وإرادة الهيمنة التي استمرت في السودان، منذ الاستقلال، من المركز على الأطراف، فظهرت على ساحة المؤتمر الوطني، رغم أدبه ووثائقه ونظمه المؤصَّلة على الإسلام، العنصريَّة الحرام التي أشعلت في مُقبل الأيام الفتنة الكبرى في دارفور.

أخيراً لجأت قيادة المؤتمر الوطني في معركتها الضروس لفوز مرشَّح القيادة، وهزيمة تحالف الهامش، إلى إباحة التزوير، وهو خلق استشرى، بغير فقه ولا تقوى، في منافسات الحركة الإسلاميَّة مع خصومها في اتحادات الطلاب ونقابات المهن، وبرعت فيه الأجهزة الخاصَّة للمعلومات والأمن، وظلت تتحالف لإنفاذه وتمام نجاعته عضويَّة الحركة في الأجهزة الشعبيَّة والرسميَّة لتكسب به مقاعد الاتحادات والنقابات، ريثما تستدير بالفوضى على نفسها فتزوّر إرادة قاعدتها داخل حزبها لصالح أجندة القيادة. وإذ أن التزوير ظلَّ سريَّاً ومكتوماً حتى عن الأمين العام للحركة لم يُتح لأيٍّ من أجهزة الحركة أو عضويتها النهي عن منكرِه، ومحاسبة مقترفيه، بل دأبت العناصر الغافلة على إنكاره حتى عندما بلغ خاصَّة أجهزتها ضمن سنن الله في المجتمع والتي تدير الفوضى على من يُمارسها على الآخرين إلى داخل بيته.

لقد بدأ المؤتمر الوطني عهده الجديد بغير تقوى، وأسَّس بنيانه على شفا جرف هار من التزوير، وبتواطؤ تامّ من قيادة في المؤتمر مع لجان الانتخاب، فوَّز مرشَّح القيادة، وهزم تحالف الهامش الذي أراد إثبات إرادته في وجه المركز بالتجديد لمرشَّحٍ لم يكن له كسبٌ كبير في إدارة عمل المؤتمر في مدى السنوات التي تولى فيها المنصب حتى لأقاليم الهامش؛ وقد فاز مرشَّحهم بالفعل، لولا التزوير الكبير الذي اعترى العمليَّة الانتخابيَّة. وأعلنت لجنة الانتخابات فوز الدكتور غازي صلاح الدين العتباني دون إشارةٍ إلى عدد الأصوات}.

 

الخميس

يبدو أن قوى (تحالف جوبا) قد استقرت، بالنسبة للانتخابات الرّئاسيَّة على الأقل، على الأخذ بفكرة د. الترابي الرَّامية إلى أن يرشح كلُّ حزب بمفرده في الجولة الأولى لـ "تشتيت الأصوات" بعيداً عن مرشَّح المؤتمر الوطني، فلا يتمكن من إحراز النسبة المطلوبة في هذه الجولة، فيضطر لخوض جولة أخرى مع أقوى مرشحي المعارضة، وعند ذاك تتحالف ضدَّه الأحزاب كلها، وتحتشد خلف المرشَّح المنافس بالضرورة!

وإذن، فما يبدو، الآن، (انفراداً) من كلّ حزب بالترشيح على حدة، هو، في حقيقته، تحالف (مضمر) بشروط المرحلة الأولى، وإن كانت تلك خطة خطرة، إذ ما أدرى المعارضة أن المؤتمر الوطني سيقف، خلال المرحلة الأولى، مكتوف الأيدي، في انتظار أن يخوض مرحلة ثانية يعلم، علم اليقين، أنها ستضعه على حافة الهاوية؟!

مهما يكن من أمر فإن عدة أحزاب ومستقلين قد تقدَّموا، فعليَّاً، بترشيحاتهم لمنافسة البشير. لكن، باستثناء الصديق الأستاذ ياسر عرمان عن الحركة الشعبيَّة، ما من أحد منهم اتخذ خطوة عمليَّة باتجاه التحضير لحملة علاقاته الانتخابيَّة.

في هذا الإطار حضرت، مساء اليوم الخميس 21/1/2010م، لقاءً غلبت عليه العفويَّة، بين ياسر وبين لفيف من الكتاب والصحفيين وناشطي المجتمع المدني الذين يجمع بينهم المشروع الوطني الديموقراطي. طابع الصَّراحة والمكاشفة الذي طغى على اللقاء أنتج فكرتين أساسيَّتين متقابلتين: الأولى عبَّر عنها عدد ممَّن يعدُّون أنفسهم في خندق واحد مع الحركة ومرشَّحها، ومع ذلك شنُّوا نقداً عنيفاً على أداء الحركة السّياسي الذي اتسم، في رأيهم، بالتناقض، والارتباك، بل والانتهازيَّة، والتنصُّل عن شعار (السُّودان الجديد)، وذلك خلال الفترة التي أعقبت رحيل قرنق، الأمر الذي عقد طعم الحنظل في حلوق حلفائها في الشمال حين بدا ترشيحها لياسر، رغم كفاءته المشهودة، بمثابة إعلان عن انكفائها جنوباً،  ونفض يدها عن بقيّة السُّودان.

الصير، والصّدق، والوضوح، والنأي عن اللفّ والدوران السياسيين، مكن لياسر، ولإدوارد لينو وود يوسف اللذين حضرا اللقاء معه، أن يقدّموا، بالمقابل، خطاباً متماسكاً، يتوخَّى الحقَّ، ويتحرَّى سداد المنطق، ويحترم عقول الآخرين، فلا يكابر، ولا ينافق، ولا يتعصَّب! قال ياسر إن اجتماع المكتب السّياسي الذي جرى ترشيحه من خلاله انعقد في ظرف مفصلي شديد التعقيد، وهو الظرف الذي تبدو فيه أقسام واسعة من الحركة يائسة، بالفعل، من إحداث أيّ تغيير في الشَّمال، بسبب تعنت شريكها في اتفاقيَّة السلام، وعدم توفر أدنى إرادة سياسيَّة لديه صوب تنفيذ التزاماته بموجبها، وعلى رأسها التزاماته إزاء قضايا التحوُّل الديموقراطي. وكشف أن عبد العزيز آدم الحلو جاء إلى الاجتماع حاملاً قرار الحركة في جنوب كردفان بمقاطعة الانتخابات، كون مجمل الظروف المحيطة تؤكد أنها لن تكون لا حرَّة، ولا نزيهة، ولا ديموقراطيَّة؛ "فإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة أن داخل الحركة ثقل (انفصالي) لا يُستهان به، مقابل ثقل آخر (وحدوي)، لاتضحت، إذن، أبعاد التعقيدات التي جرى ترشيحي من خلالها". لكن ياسر زاد قائلاً بوضوح: "مع ذلك، إذا كان ترشيحي يخدم أهدافاً لقضيَّة الجنوب، فإنني أقبل أن أحققها، فالجنوب جزء مهم في معادلة السّياسة السُّودانيَّة، ومن أراد أن يخدم قضيَّة الوحدة، حتى بافتراض وقوع الانفصال، فإن عليه أن يكسب ثقة الجنوبيين".

وأمَّن إدورد لينو، من جانبه، على طرح ياسر بشأن (قضيَّة الوحدة)، قائلاً: "نحن داخل الحركة (وحدويون)، لكن ليس من الحكمة أن ننسى أن ثمَّة (انفصاليين) داخل الحركة أيضاً. ومع ذلك فترشيحها لياسر لا يعني، إطلاقاً، تنصُّلها من بقية السُّودان، أو انكفاءها جنوباً، كما قد يعتقد البعض، بدليل ترشيحها لي، أيضاً، لولاية الخرطوم". وذكر إدوارد الحضور بالملابسات التي جرت خلال الفترة التي أعقبت وفاة قرنق مباشرة، والتي ابتعد فيها ياسر ونيال مغاضبين، وقال إنه اضطرَّ، وقتها، لالتزام بيته، ثمَّ أردف: "ومع ذلك لم نيأس، وعُدنا، وأعتقد أن عودتنا ساعدت على تحقيق مكاسب كثيرة للتيَّار (الوحدوي)، والآن نعتقد، بكلّ الحسابات، أن في دعم المثقفين الشَّماليين لياسر دعم لهذا التيَّار، ولقضيَّة الوحدة".

وبعد، هذه ملامح سريعة وعامَّة لأهمّ ما دار في ذلك اللقاء الذي أعتقد أنه كان مفيداً لياسر وللمثقفين والنشطاء الوطنيين الديموقراطيين، وقد أعود إليه في رزنامات قادمات، راجياً أن يعقد مرشحو أحزاب (تحالف جوبا) الآخرون لقاءات مماثلة، يتوخُّون فيها الصبر على النقد، والصدق مع الآخرين، وعدم المكابرة في الحق!

 

الجمعة

في حضرة رباعي البلالايكا الرُّوسي الشهير (تيريم كوارتيت)، وبمسرح مدرسة كيكس المكشوف بالخرطوم، قضيت ليلة الجمعة برفقة زوجتي د. فائزة حسين، وصديقينا العزيزين التشكيلي جرجس نصيف ود. صدقي كبلو.

البلالايكا إسم يطلق على نوع من الموسيقى الشعبيَّة الرُّوسيَّة والسّلافيَّة الصَّدّاحة، وعلى آلات عزفها أيضاً. وهذه الآلات عائلة أصوات تتدرَّج من الأحدّ الى الأغلظ، رغم أنها جميعها تتميَّز بهيكل هرمي تتكوَّن جوانبه الخلفية من ثلاثة إلى تسعة أجزاء خشبيَّة، مثلما تتميَّز كلُّ آلة منها باحتوائها على ثلاثة أوتار فقط.

وتعتبر البلالايكا، بالنسبة للروس، بمثابة البانجو للأمريكان، والأكورديون للفرنسيين، والكلارنيت للسويسريين، والجيتار للأسبان. ويشير غوتري مايلي، الباحث في تاريخ الآلات الموسيقيَّة الروسيَّة إلى أن اليونانيين أسروا، عام 591م، بعض السّلافيين الشماليين، فوجدوا مع كلّ منهم آلة موسيقيَّة تتسم "بالبساطة والفظاظة"، على حدّ وصفهم، وقد اتضح، لاحقاً، أنها إحدى سلالات البلالايكا التي جذبت الموسيقيين، مع الزمن، وبدأ استخدامها في عزف الألحان الشعبيَّة والكنسيَّة.

جدير بالذكر أن للبلالايكا، موسيقى وآلات، تأثيراً مدهشاً ومشهوداً على أنماط التأليف والأداء الموسيقيين في مختلف أنحاء العالم، ومن بينها المنطقة العربيَّة، حيث أخرج محمد عبد الوهاب موسيقاها من أسر التخت الشرقي، باستخدامه آلات أخرى كالبلالايكا الروسيَّة التي لحن بها أغنية (كان أجمل يوم).

رباعي (التيريم كوارتيت) مكوَّن من أندري كونستانتينوف وميخائيل دزيودزي وأليكسي بارشتشيف وأندري سميرنوف، ويلعبون على آلتي بالالايكا صغيرتين، شبيهتين بالمندلين، وألة بالالايكا ضخمة لأداء وظيفة الكونترباص، إضافة إلى آلة الأكورديون التي يعود تاريخ دخولها روسيا إلى العام 1820م. وقد تأسَّس الرُّباعي عام 1986م في ليننغراد (سانت بيتربورغ حاليَّاً)، وتطوَّر على خط المزج بين تقاليد البلالايكا الشعبيَّة البسيطة، وبين تقنيات الموسيقى الكلاسيكيَّة، بأوركستراتها الضخمة، وتقنياتها المعقدة، ممَّا مكنه، فضلاً عن الألحان الشعبيَّة، من أداء مقطوعات لموسيقيين عالميين كفيفالدي وموزارت وغيرهم. وكان أوَّل بروزه من خلال المنافسات التي كانت ترعاها الدولة السُّوفيتية، قبل أن يبدأ خروجه إلى ساحة العروض الدوليَّة منذ 1988م.

الاستماع إلى الأداء الحي للبلالايكا فرصة نادرة ظللت، على المستوى الشَّخصي، أتشوَّق إليها مذ غادرت الاتحاد السوفيتي عام 1973م، ضمن كلّ ما ظللت أتشوَّق إليه من فنون تلك الجغرافيا العبقريَّة، وها قد أهدتنا السفارة الرُّوسيَّة هذه الفرصة، برعاية شركة الطيران الرُّوسيَّة (أوتير)، ومجموعة دال، وبرج الفاتح، فلهم أجمعهم أجزل الشُّكر.

 

السبت

قولة الخواجة الشهيرة عن الذباب الذي ما يلبث أن يحط على شفتين تتهيَّئان للابتسام صدقت، هذه المرَّة، على الرئيس أوباما، وإدارته، والكتلة الديموقراطيَّة الدَّاعمة له في مجلس الشّيوخ! فلم يكد ينقضي عام واحد على فوزه المجيد برئاسة الولايات المتحدة الأمريكيَّة، ونحو من شهر واحد على حدوث (المعجزة) بحصده للسّتين صوتاً المطلوبة لتمرير مشروع الرّعاية الصّحّيَّة في مجلس الشّيوخ، الأمر الذي عجز عن تحقيقه كلُّ الرؤساء السابقين الذين تداولوا المكتب البيضاوي طوال القرن المنصرم، حتى منيت مارثا كواكلي، المدعية العامَّة لولاية ماساتشوستس، ومرشَّحة الحزب الديموقراطي، بالهزيمة السَّاحقة الماحقة في المعركة الانتخابيَّة التي جرت هناك، الثلاثاء الماضية، أمام منافسها الجمهوري سكوت براون المحامي، لملء المقعد الذي شغر في مجلس الشّيوخ بوفاة تيد كينيدي، بعد أن ظلَّ يشغله، باسم الديموقراطيين، عن جدارة واستحقاق، لمدَّة تقارب نصف القرن، لم ينافسه، خلالها، ولا جمهوري واحد، حيث كانت أصوات الولاية محتكرة له بالكامل. 

وإذن فقد فعلها براون باسم الجمهوريين، لأوَّل مرَّة منذ خمسين عاماً، واكتسح الديموقراطيَّة كواكلي بنسبة 52% مقابل 47%. غير أن هذه النتيجة تساوي، في حقيقتها، أكثر من مجرَّد خسارة الحزب الديموقراطي لمقعد واحد فقط من مقاعده في مجلس الشّيوخ؛ فهذا المقعد هو الذي يكمل به الديموقراطيون قوَّتهم التصويتيَّة داخل المجلس إلى ستين صوتاً، وبفقدانه تهبط هذه القوّة إلى تسعة وخمسين؛ كما وأن التوقيت الذي جرت فيه هذه المنافسة سابق، مباشرة، على توقيت آخر إجراء مطلوب قبل وضع المشروع على طاولة الرئيس لتوقيعه كقانون، وهو الإجراء المتعلق بإجازته في اجتماع الغرفتين الذي كان مقرَّراً له الشهر الجاري. وهذا وذاك ممَّا يُفقد الديموقراطيين نسب التصويت المريحة، ويتهدَّد المشروع بالتراجع، ويقلب الصورة رأساً على عقب، إذ بعد أن بدا أوباما جزلاً متلهفاً للدفع بالإجراءات إلى ختامها السعيد، سيتحتم عليه، الآن، أن يبطئ الخطى شيئاً، لا لحين استلام براون لمنصبه رسميَّاً، فحسب، وإنما، في المقام الأوَّل، لحين تحقيق مساومة ما، مع الجمهوريين، تقيل عثرة المشروع التاريخي، وتنقذ ما يمكن إنقاذه، بكلّ ما يعنيه ذلك من تنازلات يلزمه تقديمها.

لكن الأهمَّ من كلّ ذلك هو أن كلا الحزبين، الديموقراطي والجمهوري، سيجد أن من واجبه تقديم تفسير أكثر عقلانيَّة لما جرى في ماساتشوستس؛ إذ لا يبدو منطقيَّاً، من جهة، قول أوباما إن الناخبين  صوَّتوا من منطلق غضبهم وشعورهم بالإحباط "ليس بسبب ما حدث على مدار العام أو العامين الماضيين، ولكن بسبب ما حدث على مدار الأعوام الثمانية الماضية!"، كما ولا يبدو مقنعاً، من جهة أخرى، قول براون إن هذه النتيجة تعبر عن "رفض المواطنين لمشروع أوباما للإصلاح الصّحي"! 

 

الأحد

وقف معاوية بن مروان على باب طحَّان، وحمار له يدور بالطاحون وفي عنقه جرس صغير، فقال للطحَّان:

ـ "لِمَ جعلت في عنق الحمار جرساً"؟!

قال الطحَّان:

ـ "ربما أدركتني سآمة أو نعسة، فإذا لم أسمع صوت الجَّرس علمت أنه نام، فأصيح به". قال معاوية:

ـ "أفرأيت إن نام، ثم مال برأسه هكذا وهكذا (وجعل معاوية يحرّك رأسه يمنة ويسرة) ما يدريك أنت أنه نائم"؟!

فقال الطحَّان:

ـ "ومن أين لحماري عقلٌ مثل عقل الأمير"؟!

 

***