(نُوسْتَالْجيَا فِي تَذَكُّرِ أُمْ دُرْمَانِ عَبْدِ الهَادِي،
ولَولَا فُسْحَةُ الأَمَلِ لأَسْمَيْتُها مَوْتُ دُنْيَا أُخْرَى)

(1)
كان نصف أم درمان الشَّماليُّ، أواخر خمسينات القرن المنصرم ومطالع ستِّيناته، هو عالم طفولتنا الخاص، ومرتع تلقائيَّتها العذب، ولمَّا تكن يد تغييرٍ تُذكر قد مسَّت، بعدُ، معالم المدينة الأساسيَّة، مذ كانت، قبل ما يربو على نصف القرن من ذلك، محض خاطـرة عن قيمـة التَّنوُّع تطوف بذهن سيِّدي الإمام المهدي عليه السَّلام، ثمَّ تولى تخطيطهـا، وتنفيذهـا، سيِّدي الخليفة عليه رضـوان الله، لتنشأ الأحياء على ذات النَّسق المائز لرايات جيش المهديَّة، تحت كلِّ رايةٍ قوم، وأمير، وثقافة، في تساكن حميم تزينه الرَّغبة الخالصة في التَّعارف الصَّميم، ويجلله التَّوادد، والتَّراحم، والتَّصاهر السَّمح مع أقوام الرَّايات الأخرى.
كان الخُدِّير "الأكلو الطير"، كما في بعض ما صنعوا من غناء، يفرش سجَّادته ناعمة الخضرة على امتداد النَّواحي الشَّماليَّة من ذلك النِّصف الشَّمالي، بما تحوي من حُفَر القمايـر، وأحياء الكبجاب وودنوباوي إلى مقابر أحمـد شـرفي؛ وتحدُّه، كانت، من الجَّنوب أحياء العـبابدة، والشُّـهداء، واليهـود، والشَّيخ دفع الله، والرُّباطاب، والعرضة؛ أما من الشَّرق فالملازمين، والسُّور، وبيت المال، واب روف، وحفر ود دلوق، إلى فريق الدِّباغة؛ وأمَّا من الغرب فحيُّ العمدة، وفريق أمبور، ومقابر البكري، والمسالمة "تعود لمسالمتك سالم"، والمظاهر، وحيُّ العرب إلى مقابر الجَّمريَّة. وفي الوسط من ذلك كله يقوم السُّوق الكبير، بجامعه الكبير، وترامه الكبير، وسينماته الكبيرة ـ برمبل والوطنيَّة "هلمُّوا .. هلمُّوا" يهدر بها بوق الصَّفيح من عربة الكارو بلوحتيها الضَّخمتين تتأرجحان على جنبتيها بتصاوير كلارك جيبل وريتا هيوارث وفريد شوقي وعمر الشَّريف وفاتن حمامة، "هلموا .. هلموا"، والمقاهي الكبيرة، وداللغا وشديد ويوسف الفكي وجورج مشرقي ـ سوق الموية". وكان للأزمنة، وقتها، عبقُ المدينة النَّاشئة، وللأمكنة عبير التَّمدُّن القادم. وكان كلُّ الذين يأتون من الأقاليم البعيدة لينضمُّوا إليها، يحتقبون محبَّتها، مع رغبة الاندغام الصَّميمة في دنياواتها، كي يصيروا بعض حلمها العذب، ومخايلها الجَّميلة، فتأخذهم بين أحضانها، تطعمهم من فاكهة إلفتها، وتسقيهم من حليب تلقائيَّتها.

كان ذلك كله قبل هجمة التَّرييف المحمول طيَّ رغائب المضطرين، لا المختارين، مِمَّن أرغمهم الجَّفاف والتَّصحُّر، مثلما أجبرتهم الحروب، والحرائق، والمَقاتل، وسوء السِّياسات، وخراقة السِّياسيين، على أن يهربوا من قرى وبَوادٍ لطالما ألِفوها وألِفتهم، ولو كانوا خُيِّروا، أو كان الأمر خالصاً لإرادتهم، لما كانوا هاجروا، أصلاً، منها، هِجرتهم غير المنتظمة هذي، مفتقرين حتَّى إلى أدنى استعداد كي يتشرَّبوا أقلَّ القليل من مزاج المكان الجَّديد، فلم يكن ثمَّة بُدٌّ، والأمر كذلك، من أن "يخترعوا"، في حارات هذه البيئة الحضريَّة، وشوارعها المسفلتة، وأزقَّتها التُّرابيَّة، وميادينها، وأسواقها، بادية بديلة تتناسب مع ما ألِفوا، وما اعتادوا عليه من بيئة وحياة!

الشَّاهد .. كان سلاطين التَّغنِّي بالحبيبات والأوطان يجمعون، كما في قبضة يدٍ، كلَّ تلك الجُّغرافيا الصُّغرى، ضمن جغرافيا أم درمان الكبرى، وجغرافيا السُّودان الأكبر، ثمَّ سرعان ما يفردونها شمسيَّة مونقة الألوان، وأجهزة الرَّاديو تبثُّهم، صباح مساء، إلى أفئدة النَّاس، فتورق العوالم الجَّافة، وتزدهي الدُّنيا الفقيرة، من الخليل وسرور والعبَّادي وكرومة وود الرَّضي وسيِّد وأبو صلاح وبطران والأمين برهان وإبراهيم عبد الجَّليل، إلى عبد الحميد يوسف وزنقار والعمري وعتيق والكاشف والتِّنقاري وعبيد وعبد الدَّافع وأبو الجُّود، ومن أحمد المصطفى وحسن عوض وبازرعة وعثمان حسين وعبد المنعم عبد الحي وأبو داود وسيِّد خليفة وود القرشي وعثمان الشَّفيع، إلى عبد الرحمن الرَّيَّح ورمضان حسن والتَّاج مصطفى وسعديَّة العوَّاديَّة والطاهر إبراهيم وسيف الدِّسوقي وإبراهيم عوض وابن البادية واسماعيل حسن ووردي وبرعي وشرحبيل والجَّابري، وأنجمٌ كُثر كُثر.

وفي سماوات الحركة المسرحيَّة كانت أنجم أخرى تتلألأ، حيث خالد أبو الرُّوس وإبراهيم العبَّادي وميسرة السَّرَّاج "أعطني قرشاً أعطيك مسرحاً" يتبعون أثر صديق فريد الذي خلد ذكره بما قدَّمت فرقته من أعمال باكرة على خشبة نادي الخرِّيجين الكائن في الركن الجنوبي الغربي من المستطيل الممتدِّ من السُّوق الكبير إلى السُّور "إن لم أصُن بمهنَّدي ويميني × مُلكي فلستُ إذن صلاح الدِّينِ"؛ وقيل إن علي عبد اللطيف، زعيم الحركة الوطنيَّة في العشرينات، كان ينشط، بنفسه، في تلك الفرقة .. كمصمِّم أزياء!

وعلى ذكر نادي الخرِّيجين فقد قامت، خلال السَّنوات اللاحقة، أندية كثيرة في أحياء المدينة، مشدِّدة على رغبة الأهالي الصَّميمة في الولوج إلى قلب الحداثة والحياة العصريَّة، من خلال النَّشاط الجَّمِّ في ترقية الرِّياضة والاجتماع والثَّقافة بطوابعها المدنيَّة في التَّنظيم والإدارة. ولم تقتصر تلك الأندية الشَّعبيَّة على المشهورات الثَّلاثة، الهلال والمرِّيخ والموردة، فحسب، بل قامت في الأزقَّة التُّرابيَّة أندية الزَّهرة، والشَّاطئ، والكراكسة، والإصـلاح، والإخـلاص، واب روف، وبيت المال، وحي العرب، وغيرها.


(2)
ورغم الفقر الشَّائع، كأثر موروث عن المرحلة الاستعماريَّة، كان لطفولتنا تلك مذاق بليل الفريك بالسَّمن البلديِّ، ومصابيح الشَّرافة تزدهي بألوانها المشعشعات على حوافِّ الألواح، تماماً كنساء جحا يزدهين بشلوخهنَّ المضيئات على صناديق الحلوى وجدران المقاهي، وسيف الحاوي الخضر يحشر ابنه الأصغر الحسين في صندوق صغير، ثمَّ يروح يشطره نصفين، على أنغام أكورديون ابنه الأكبر عبد اللطيف، قبل أن يعيده سالماً كاملاً، لا جرح فيه ولا أوهى خدش، أمام أعيننا الواجفات وأنفاسنا المبهورة!

وكان لطفولتنا اضطرام المخايل البكرة في المساءات المنزليَّة، بأحاجي الفواطم السَّمحات، والفوارس الأشدَّاء، وصيحات الهنود الحمر تهبُّ، مع برودة النَّسمات، من جهات برمبل والوطنيَّة. وكان لسباحة الظهيرة احتدام أشواقنا النَّاهدة، طوال النَّهارات المدرسيَّة، من بحر اب روف إلى بحر بيت المال، نعود منها بغبشة مفضوحة، وشهيَّة مفتوحة، حتى إذا غيَّمت العصاري، ونشَّرت عبقها الفوَّاح، ولبقها الرائق، انطلقنا، نحن زغب حواصل الاستقلال، وقتها، وبشريات باندونق، وأحزان توريت، وجلالات حلايب، ونداءات "المجدُ لمين"، و"يا بني السُّودان"، و"يا شباب كوريا"، و"أيها المبعوث فينا"، و"منقو قل لا عاش من يفصلنا"، نملأ سوح المدينة، وأسواقها، وأزقَّتها، ضجيجاً، وعجيجاً، ومهرجانات من البللي، والدَّافوري، والسِّيجة، وصفرجت، وشليل، وحرينا، وشدَّت، وأم الصِّلص، وأم الحُفَر، وسجَّك بجَّك، وعسكر وحراميَّة، وسباق التَّرتارات، ثمَّ سباق الدَّرَّاجات الصَّغيرة نستأجرها من عجلاتيَّة الأسواق والأحياء، وكذا سباق التقافز المتعاكس نتبارى فيه من محطة المجلس البلدي إلى المحطة الوسطى إلى جهات البَحَر "بالطريق الشَّاقي التُّرام"، ترام الاسكندراني أو ترام ودَّ العمدة، حتى إذا صرنا إلى معديَّة اب روف، وسوق ام سويقو، عرجنا نواحي السُّور والملازمين، كي ننخرط في طراد لا يفتر لأقوام من الفراش، والكُدُندار، والجَّراد، كلٍّ في موسم لا يتأخر عنه ولا يتقدَّم، وأجـناس شـتَّى من طـيور ملوَّنات مزقـزقات، نصــطنع لهــنَّ، بكـلِّ مـا حـبانا الله مـن مهارة وحذق، أشكالاً من نُبلان سديدات، وألواناً من حبائل لا تخيب.


(3)
على طقوس الانسجام اليوميَّة تلك شببنا؛ وفي مستطيلنا المار ذكره من بقعة الإمام عليه السَّلام شببنا؛ وبين صداح المآذن وأجراس الكنائس كما في إنشاد التِّجاني "بِنْتُ وَهْـبٍ شَـقِيقَةُ العَذْراءِ" .. شببنا؛ مثلما شببنا على أصداء ذكريات "خلوة بولص"، القبطي الخيِّر النَّابه الذي كان أقامها، وأدارها، ردحاً من الزَّمن، على تخوم بيت المال وأب روف، يعلم القرآن لعيال المسلمين، والإنجيل لعيال المسيحيِّين، والعربي والحساب للجَّميع، مثلما يجود على الكل بوجبة في اليـوم؛ وإلى ذلك شببنا وسـط نفحـات القباب، وبخـور الأضـرحـة، وطبول حوليَّات الشَّيخ قريب الله، والشَّيخ دفع الله، والسَّيِّد المكِّي؛ وشببنا في مختلف الإثنيَّـات، والثَّقافـات، والأديان؛ مسلمين ونصارى ويهود وهنود شببنا، نتزاور وأولاد النَّقادة، بالذَّات، بمناسبة وبغير مناسبة، يطعمون، في بيوتنا، من كسرتنا، وعصيدتنا، وصنوف مفاريكنا، ونطعم من فسيخهم، وبيضهم الملوَّن، ورغيفهم ذي الأكواع، في حيِّ المسالمة الذي تنشع في أرجائه ذكريات النِّضال السِّرِّي ضدَّ الاستعمار، واجتماعات الأماسي في دار فوز "إنْ قَعـَدْنا اخوانَكْ عِجَابْ/ وانْ مَرَقنا السِّرْ فِي الحِجَابْ" على غناء الخليل. ويلذُّ لنا، كان، أن نحتفل معاً في الأعياد، لا نفرِّق بين عيد وعيد، فالجَّميع سواءٌ في الأضحى، والفطر، والفصح، والموالد، والميلاد، وشمِّ النسيم، بقبائلنا المختلفة "يا ام قبايل ما فيك منافق"، على قول آخر للخليل، ومن شتَّى الأحياء والمدارس قطعنا إلى بيوت بعضـنا البعض مشاوير التَّوادد العذبة بطول وعرض هذه "المدينة في القرى .. القـرية فـي المـدائن"، عـلى قـول ود المكـي، فأدام الله المعروف، ومدَّ حباله إلى الأهـل، وإلى أهـل الأهـل، بل وإلى جيران الأهـل، تمامـاً كما في أيَّة قرية صغيرة وادعة!

سوى أن مشاوير التَّوادد بين بيوتنا في حفرة كلودو والشُّهداء والرِّكابيَّة، شرقيِّ السُّوق الكبير، وبين بيوت ناس دار صليح، نواحي البَحَر، كان لها مذاق آخر!


(4)
في "ناس دار صليح" كان نديدنا الحبيب هُدهُد. وفي مهرجانات العصاري تلك، في نصف أم درمان الشَّماليِّ ذاك، تعارفنا، وتآلفنا، وتحالفنا. جمعتنا بهم مقاعد مدارس شتّى في مرحلتي الكُتَّاب والوسطى، بعضها حكوميٌّ، كـ "الأميريَّة ـ مدرسة السَّاعة"، و"بيت المال أ ، ب"، و"الرِّكـابيَّة"، و"الهجرة"، و"أب قرجـة"، و"شـيخ الطاهـر"، وبعضها الآخر قيَّض الله لـه أناسـاً "مسلطين"، على قول يوسف بدري، أو "انسلاطيين"، على قول عبد الله الطيِّب، لم تقتصر نخوتهم الأهليَّة على تعليم البنين وحدهم، وإنَّما شملت تعليم البنات أيضاً، فتأسَّست، على يدي الشَّيخ المستنير بابكر بدري، وأسرته الطليعيَّة، مدارس "الأحفاد"، بعضها للبنين وبعضها للبنات. ثمَّ ما لبثت أن سرت عدوى الخير تلك فقامت صروحٌ شوامخ كـ "الأهليَّة"، و"النَّصر"، و"المليك"، و"النَّهضة"، و"عثمان صالح"، و"معهد القرش"، وغيرها. وكان ذاك هو ذاتُ بذل "مسلطي" أو "انسلاطيي" المدينة في الارتقاء بجودهم الأهلي، حين آن الأوان بعد سنوات طوال من ذلك، إلى "جامعة أم درمان الأهليَّة".

تعارفنا، إذن، في تلك المدارس، مع أندادنا أولاد البَحَر أولئك، وفيهم حبيبنا هُدهُد، وتآلفنا، وتحالفنا، من خلال مشاوير البحث الذَّكيَّة عن الكنز، والزِّيارات الممتعة إلى جغرافيَّات كثر، والرِّحلات التي تدمع لها الذَاكرة حنيناً إلى جبل أوليا، وغابة السُّنُط، وجناين شمبات، مثلما جمعتنا حصص الفلاحة، والمدوَّنة الطبيعيَّة، والجمعيَّة الأدبيَّة، والمكتبة المدرسيَّة، ومنافسات المنازل السَّاخنة، ونزالاتها المشهودة.

نغبطهم، كنَّا، على البَحَر، واللبَخ، وتمر ابونا، ونذور جليس، وميدان البحيرة، وغابة الحراز، وأكَمَات المِسْكِيت؛ ويغبطوننا، كانوا، على التَّراميج، والسِّينمات، وباسطة بيِّن، ودندرمة محمَّد برعي المصري وناديي الهلال والمرِّيخ في زقاق واحد، نشاهد فيهما، يوميَّاً، وبالعين المجرَّدة، صديق منزول، وسبت دودو، وود الديم، وحسن أبو العايلة، وبرعي احمد البشير، وزكي صالح، وجقدول، يشربون الشَّاي بالحليب، في الأماسي، قبل أن يراهم النَّاس، في غدهم، يصولون ويجولون، بدار الرِّياضة، في العصاري!

يتباهون، كانوا، علينا بثلة عباقرتهم التي قد لا تبدأ بالطيِّب السَّراج، ومحجوب عثمان، وطه حمدتو، أو بسيرة الأبروفيِّين الأماجد الذين تأسَّسوا مطالع ثلاثينات القرن المنصرم، وفيهم "أولاد الكد" حسن وحسين، وخضر حمد، والهادي أبوبكر، واسماعيل العتباني، ولا تنتهي بعز الدين يوسف، ثيرد باك الشاطئ الحريف، وعازف العود الحاذق بأوركسترا الإذاعة، أو بالأولاد المبشِّرين، وقتذاك، بشارة، والدِّحيش، وأخيه الأكبر كمال عثمان، وذلك في بعض امتداداتهم الجُّغرافيَّة من أوَّل الملازمين والسُّور، مروراً ببيت المـال، وسـوق ام سويقو، إلـى آخـر سوق الشَّجـرة، وعلايل اب روف. أمَّا نحن فقد كنَّا، فوق تباهـينا بأزهـري، وعبد الله بك خليل، واحمد محمَّد صالح، والوسيلة، وعبد الخالق، واحمد حسن عبد المنعم، وعبد السَّلام ابو العلا، وحسن الظاهر، وبشير البكري، وأحمد بشير العبادي، نتباهى عليهم، أيضاً، سواء في حيِّنا "حُفرة كلودو"، في قلب كرش الفيل، أو في بعض امتداداته الجُّغرافيَّة، من العصاصير والرِّكابيَّة، إلى فريق السَّيِّد المكي والشُّهداء، بعلي المك، وحسن أبو العلا، وإبراهيم حجازي، والسِّميح، والتَّقر، وعبده مصطفى، والطفل المعجزة كمال ترباس، سلالة كسلا الذي جاء يشجي غرارتنا، مطالع المساءات الحالمات، تحت أعمدة النُّور، وفوق عتبات البيوت، بـ "الوسيم"، و"ما معيون"، و"قائد الأسطول"، و"ليك سلامي يا ام در أمان"، وأرجلنا لمَّا تزل، بعدُ، معفَّرة بتراب البللي، وغبار الدَّافوري الحار!

ثم اختلف بعضنا إلى ثانويَّات متباعدات، وبعضنا إلى جامعات شتَّى، وتخرَّج مَن تخرَّج فينا، من داخل البلاد وخارجها، وكبرنا، وكبرت أحزاننا، وانشغالاتنا، وغفلاتنا عمَّا كانت تدسُّ لنا الأيَّام في حبَّات مسبحتها التي ما تنفكُّ تكرُّ، بينما خواطرنا النَّديَّة، وقتها، خالية، بل ذاهلة، كلَّ الذُّهول، عن أن السُّودان، الذي ما كنا نخاله سوى مرتع خضرة دائمة لصبا يانع لا يذوي ولا يزول، يمكن أن يخبِّئ لنا كل هذا القدر من السُّكَّري، وضغط الدَّم، وضيق الشَّرايين، وكلَّ هذه السَّنابك الطاحنة من الرَّكاكة، والكذب، والإحباط، والزَّيف، والحزن الكثيف، والأسى الممضِّ، وعدم المواتاة، والكدر السِّياسي، والثَّقافي، والرِّياضي، ما أضحى يفضي بنا، واحدنا في إثر الآخر، إلى مثل هذا الكمِّ الهائل من موت الفجاءة، وعصف الذَّبحات الصَّدريَّة، ومداهمات السَّكتات القلبيَّة والدّماغيَّة، وأشياء أخرى .. قاتلة!


(5)
مساء الإثنين هاتفته، وكنت فرغت، للتَّوِّ، من تدقيق حلقة جديدة من كتابته الرَّائعة عن "قصيدة الجَّمال بين التِّجاني وتشايكوفسكي"، قبل أن أدفع بها إلى المطبعة، يوم كنت أشرف على إصدار "عدد الثلاثاء المتميِّز" من جريدة "الصَّحافة"، أوان ميلادها الثاني فـي خـواتيم تسـعينات القـرن الماضـي. وعاتبته، أسـتغفر الله، على إخلافه وعده لي بإجراء ذلك التَّدقيق بنفسه، وألا يزيدني به رهقاً على رهقي، فقلت له، وكانت تلذُّ لي مشاغبته:
ــ "كيكي! إنت فاكر نفسك كافكا عشان أصحح ليك بروفاتك"؟!
ولم أنتبه، يا لله، لم أنتبه قط إلى أنه لم يطلق، كما عهدي به، ضحكته المجلجلة تلك التي يهتزُّ لها جسده الوافر كله، وإنْ انتبهت إلى أنه أجابني بحبال صوتيَّة غاية في الوهن:
ــ "لا، فاكر نفسي .."!
وذكـر اسـم أديـب كـان أســتاذنـا المـجـذوب، عليـه رحمـة الله ورضـوانه، كـثيراً ما يتندَّر باجـتهاداته غيـر الموفقـة!
أضحكني بقفشته الطريفة، وشكرني برقته المعهودة، واعتذر لي بالمرض عن عدم الحضور. فقلت له، وأستغفر الله:
ــ "أنت لست مريضاً، هذا محض إرهاق ناتج عن متابعتك في الآونة الأخيرة لتشطيبات البيت".

وكان قد أكمل، لتوِّه، بناء بيته في ضاحية الطائف، وتهيَّأ مع أسرته الصغيرة للرحيل إليه، حتَّى لقد احتجنا إلى فتح الكراتين لإخراج الأواني التي تمَّ حزمها فيها، وذلك لأغراض خدمة المأتم. وقلت له، واستغفر الله:
ــ "يبدو أننا استمرأنا التَّمارض والتَّنقُّل من عنقريب لعنقريب! انهض يا رجل، واذهب لعملك، ولا تقلق عطور والبنيَّات"!
سعل خفيفاً، وقال لي بصوت أكثر وهناً:
ــ "أبداً والله يا كمال .. شاعر فعلاً بأني عيَّان، تعال يا خي نتونس شويَّة، عندي ليك خبر مفاجأة"!
تمنَّيت له عاجل الشِّفاء، ووعدته بزيارته مساء غدٍ الثُّلاثاء، و .. آهٍ لو كنت أعلم الغيب، آه .. لو، لطرت إليه، في لحظتي تلك، طيراناً!


(6)
كان عبد الهادي، أو "هُدهُد" أو "كيكي" كما كنا ندلعه في أوقات الصفاء، وما كان أكثرها، قد أبدى، ذات يوم من سبعينات القرن الماضي، نظراً ناقداً بجرأة في أدب، ولغة، وأسلوبيَّة أستاذنا الجَّـليل عـبد الله الطـيِّب، مِمَّا عدَّه طه الكد تطاولاً على مقام "الهرم الأكبر"، وكان لا يحتمل فيه "هبشة" الرِّيشة، فانبرى لعبد الهادي يكدِّره، بالمقابل، على لغته الحداثيَّة، بمقالة نشرتها صحيفة "الأيَّام"، وقتذاك، وحكى فيها أن "كيكي" كان قد اصطنع لنفسه، في بعض طفولته، حين كان آل الكد وآل دار صليح جيرانا أحباباً في واو، كما بين حيِّ السُّور وحيِّ اب روف بأم درمان، سيَّارة وهميَّة جعل مقودها صينيَّة طعام يخطفها من تُكُل والدته الحاجـَّة فاطمـة بنت عبد الله، ينطلق بها، لا يلوي على شيئ، وهو لا يني يقلد، بحنجرته ولسانه معاً، صوت المحرِّك، متنقلاً بين تروسه المختلفات، وكذا صوت البوق "جين.. جين.. كع.. تريت.. تيت"، أو نحو ذلك!
كان واضحاً أن طه، وقد كانت له، في الزَّجر النَّقدي، صولات وجولات، يرمي للقول بان لغة عبد الهادي، بل ولغة أدباء الحداثة على بكرة أبيهم، هي، من يومها، لغة الـ "جين.. كع.. تيت"، لا يستثني منَّا أحداً! وعندما قرأ عبد الهادي المقالة أطلق واحدة من ضحكاته تلك المجلجلات، حتى دمعت عيناه الوديعتان، وراح يروي لنا بمرح صخَّاب، وكأنه يحتفي بتبكيت طه له، أن والده احمد أفندي صدِّيق دار صليح كان على علاقة صداقة حميمة مع حسين افندي احمد عثمان الكد، والد طه وخالد، وكلاهما خرِّيج الكليَّة القديمة، وقد تزاملا محاسبَين بالحكومة، وتجاورا بأسرتيهما في مدينة واو، حيث أسَّسا معاً أوَّل مدرسة أوليَّة، وكانا يتبادلان بعض مؤلفات الفابيِّين البريطانيِّين Fabians، على غرار ما كان يفعل عموم الأبروفيِّين؛ وكان، حين يبعثه والده بكتاب إلى حسين أفندي، في واو أو في أم درمان بعد عودتهم إليها، يضعه تحت إبطه، ويخطف الصِّينيَّة من المطبخ ليقصِّر مشواره إلى بيت آل الكد بتلك الـ "جين.. كع.. تيت"!
هكذا لم يفُت على هُدهُد الشَّفَّاف، رشيق المزاج، رقيق الحاشية، أن يلتقط ما في مقالة طه من طرافة الأدب، وما في مشاغبته من حسن الطويَّة، فيحسن الظن به وبها، كونه كان ذا حسٍّ عال في الفكاهة، وذائقة رفيعة في الإخوانيَّات.
وشبيهة بتلك الطرفة الحكاية الأخرى التي رواها لي خالد الكد، ضحى يوم شتائي كنا نجالس فيه الحاجَّة فاطمة، برفقة هُدهُد، نحتسي قهوتها الظريفة في صحن دارها، قال يخاطبني وهو يغمز متخابثاً:
ــ "عارف يا كمال لغة الحداثة دي أحياناً بتسبب لي سيدا خسائر فادحة"!
ــ "كيف"؟!
ــ "أهو عندك هُدهُد دا مثلاً؛ مرَّة، وأنا ظابط في الجَّنوب، وكانت تجارة الحدود مزدهرة مع يوغندا وكينيا وزائير، رسَّل لي جواب، كلام الطير في الباقير، أتذكر منه: (القطط العمياء تموت في مقاهي المدينة .. ومش عارف إيه)! طبعاً قريت الجَّواب ونسيتو. وبعد فترة جيت أم درمان، فإذا بهُدهُد زعلان .. قال إيه؟! ما رسلت الفنيلة ليه؟! فنيلة شنو يا كيكي؟! قال: فنيلة الصَّقط! ومتين انت طلبت مني فنيلة صقط؟! قال لي: كييييييف؟! أنا ما رسلت ليك جواب؟! قلت ليهو: أوعى يكون ده بتاع القطط العمياء! قال: والقطط العمياء دي الكتلها في مقاهي المدينة شنو غير الصَّقط"؟!
وانفجرنا أجمعنا، بما فينا الحاجَّة فاطمة، بضحك مرح صخَّاب، وكان أكثرنا ضحكاً ومرحاً كيكي نفسه.


(7)
يحبُّ كثيراً، كان، شوقي عزَّ الدِّين، ومبارك بشير، ومحجوب شريف، ومحجوب عبَّاس، والطيِّب محمَّد الطيِّب، وعلي عبد القيُّوم، وعيسى الحلو، وعبد القدُّوس، وشابو، وابو ذكرى، وود المكِّي، والياس، وحردلو، وعركي، وكابلي، ووردي، والدُّوش، وود الرَّيَّح، وليلى المغربي، وعلي المـك، وهشـام الفـيل، ومحمــود تمــيم، وجعفـر ميرغــني، وعـبد الله علي إبراهيم، وكمال بخيت، وطلحة الشَّفيع، وأولاد الحلة: فريد الطيب وأشقَّاءه، والدِّحيش الذي بنى بشقيقته الصُّغرى ثريَّا، فقـدَّر الله أن تصبح، خلال أيام المأتم، جدَّة لطفل جميل أسموه عبد الهادي، وسوف نناديه أيضاً، إن مدَّ الله في أيامنا، "هُدهُد" و"كِيكِي"!
أما مهدي بشرى فقد كان خدن روحه بلا منازع، ومن أحبِّ الناس إلى نفسه، ما اجتمعنا في أيِّما مكان إلا وانخرطا في مشاغبات ومكايدات تكاد لا تنتهي، فإن لم يفعلا دققنا بينهما عطر منشم ليفعلا! قال لنا هُدهُد مرَّة: "إنتو قايلين مهدي ده بقى أديب كيف"؟! قلنا: "كيف"؟! قال: "دخل الجَّامعة فوجدنا أدباء فصار أديباً معنا"! وتُضحك الطرفة، أوَّل ما تُضحك، مهدي نفسه. وكان حبل مودَّته موصولاً، أيضاً، مع صديقنا الدِّبلوماسي اللامع الأمين بشرى، بهار المجالس، وريحانة الأنس، وشقيق مهدي الأكبر، وكذا مع أحبَّة في الخارجيَّة سعدنا بمعرفتهم في رحاب كرمه الفيَّاض، وفي رأسهم كوكبة نادرة عجَّلت بالرَّحـيل ولمَّـا تبلـغ، بعـدُ، مُعـترك المنايا: يوسف مختار، وعبد الله جبارة، وعمر شونة، وأخـيار كثر.


(8)
واعلم، فداك نفسي، أن فريق "الرَّبيع" لكرة القدم كان خليطاً من أولاد بيت المال والسُّور والملازمين، وأن هُدهُد كان، في زمانه، هدَّافه الخطير، السَّريع، المباغت، اللادغ، البارع في التَّسجيل، خصوصاً من الضَّربات الرُّكنيَّة، وكان ذلك أمراً عجباً، يثير الخيال، ويشعل الحماس! فازوا، أيَّامها، بكأس "رابطة القلعة" دورتين متتاليتين بلا هزيمة أو حتَّى تعادل. وأحرز هُدهُد، وحده، أربعين هدفاً بوَّأته، عن حقٍّ، منصَّة هدَّاف الرَّابطة الأوَّل. ويا طالما سار بذكر ذلك، ومثله، منظمو، ومؤرِّخو، وموثقو سِيَر الرَّوابط و"الدَّافوري" في "البقعة المباركة" إلى يوم النَّاس هذا. وأعجب كيف أنه لم يلعب بين المردة والأساطين، أو تكتمل إجراءات تسجيله، وقد بدأت بالفعل، لـ "النيل" أو "الزهرة"، إن لم يكن لـ "الهلال" أو "المريخ"، بل أعجب أكثر كيف شَغَلنا الأنسُ بـ "الشِّعر"، و"الفونج"، و"الخليل"، و"الحزام السُّوداني"، و"اتِّحاد الكتَّاب"، وأصل "التُّم تُم"، عن سؤاله حول تلك المسألة!


(9)
أما شيخنا وحبيبنا الرَّاحل محمد المهدي المجذوب فقد وضع عبد الهادي في بؤبؤ عينيه، بادله مودة عميقة رائقة، وأجازه على مراقي المجد يوم أسماه "صاحب الإمارة والسِّفارة"، كناية عن حذقه الأدب والدِّبلوماسيَّة معاً، وصَدَق؛ فلقد كانت لعبد الهادي حين يجدُّ الجِدُّ، مجالدات مشهودة مع أمَّهات المراجع، ومخاضات غير منكورة في بطون الخزائن الجِّياد؛ بحَّاثة، كان، بصبر أيوب، وعِثَّة كتب bookworm، على قول الفرنجة، ولغويَّاً مفوَّهاً، وناقداً صيرفيَّاً، نبيهاً، مدققاً، سواء تمكَّث أو لمح.
كان عبد الهادي من سنخ "المبدعين التلامذة" الذين لم نعد نرى نظائر لهم اليوم! أجرى حفريَّاته في "أصول الشِّعر السُّوداني"، وهو لمَّا يزل، بعد، طالباً بآداب جامعة الخرطوم. ثم تواتر رفده للمكتبة السُّودانيَّة "نقوشاً على قبر الخليل"، وتأمُّلات في عناصر الوحدة والتنوُّع في ثقافات "الحزام السُّوداني"، وإلى ذلك مئات المقالات والبحوث المتنوِّعة. وكانت له انتباهة سديدة لخطورة جهازي الرَّاديو والتلفزيون، وقدرتهما على مدِّ جسور التَّواصل الذي لا مثيل له بين المثقف المنتج وبين الجُّمهور المتلقي، في بلد تتفشَّى فيه الأميَّة، فنثر عليه إبداعاته، وأجاد، من خلال هذين الجِّهازين. ولا تزال ثمَّة مخطوطات تنتظر همَّة الناشرين مِمَّا أثمر على أيَّام سفارته في "بانقي" عاصمة أفريقيا الوسطى.
وكانت لعبد الهادي بصمة عميقة حيثما حلَّ، فإليه، ضمن ثلة ماجدة، يعود الفضل في إتاحة الفرصة للموهوبين من الموسيقيِّين والمسرحيِّين للتأهيل في المعهد العالي، وقد كان من أبكار مؤسِّسيه، حيث لم يقصروا القبول فيه على نتائج الشهادة السُّودانيَّة، وإنَّما أتاحوا الفرصة لذوي المقدرات والمهارات العالية، فكانت تلك نعمة على أبو عركي البخيت، وخليل إسماعيل، وعثمان مصطفى، ومصطفى سيد احمد، وعشرات غيرهم من مغنِّين، وعازفين، ومسرحيين، مثلما كانت نعمة على البلد بأسرها. وزاملته، شخصيَّاً، في اللجنة التَّنفيذيَّة لاتِّحاد الكتَّاب، أوان ميلاده الأوَّل، حين كان أميناً مساعداً لشؤونه الخارجيَّة، فأزهرت على يديه علائق لنا مع اتِّحادات الكتَّاب والأدباء في اليمن، والجزائر، وتونس، وفلسطين، وسوريا، ولبنان، والإمارات، وموريتانيا، والاتِّحاد السُّوفيتي، وقتها، وارتفع لنا ذكر في أروقة رابطة كتاب آسيا وأفريقيا، يوم أسهمنا في إعادة تكوينها، كما أسهمنا في تأسيس اتِّحاد الكتَّاب الأفارقة، ودرجنا ضمن المنظمات غير الحكوميَّة NGOs تحت مظلة الأمم المتَّحدة.


(10)
فِي الواحدة إلا خمس دقائق من بعد ظهر الثُّلاثاء رنَّ جرس الهاتف في مكتبي. أبلغتني سكرتيرتي عبير بأن صديقي كمال حسن بخيت على الطرف الآخر. رفعت السَّـماعة. ثانيتان .. وسقطت من يدي. صرخت .. ركضتُ .. تعثَّرت على الدَّرج، بضع دقائق أخرى وإذا بي جالس في حضرته. وحيداً كان، مسجَّى على عنقريبه القصير داخل صالونه المغلق، ومغطى بثوبه الخفيف. كشفت وجهه. نفس الهدوء. نفس الوسامة الملوكيَّة. نفس الإهاب السَّمح، حتى لقد بدا، للوهلة الأولى، مستغرقاً في سبات ثقيل. حدَّثوني، في ما بعد، بأنه، حين سقطت الصَّحيفة على وجهه، خفيفة كريشة من صدر يمامة، كان مستلقياً على نفس ذلك العنقريب يقرأ لمن تحلقن حوله من بناته وصديقاتهن فقرات من مقالته تلك عن التِّجاني وتشايكوفسكي، فظننَّ أن النُّعاس غلبه فغفا. شئ تكاد لا تصدِّقه عقولنا الخفيفة! لكن وَلوَلات الفجيعة، خارج الصَّالون، ما فتئت تخترق جمجمتي، تفتِّتها، وتردُّني لإحساس عظيم بالفقد يرسب في أعماقي، يسحقني، ويمحقني، ولا ينفكُّ يدوي دويَّاً هائلاً بأن دنيا بأسرها تموت، في تلك اللحظات، وأن عالماً بأكمله ينهار ويتداعى أشلاء متناثرة.


(11)
اللهمَّ إنَّا لا نزكِّي عبد الهادي لديك، ولكنَّا نشهد، فحسب، بأنه كان من أنفع النَّاس للنَّاس، فقد كان من أحدِّهم ذكاء، وأوسعهم معرفة، وأغزرهم علماً، وأطرفهم إبداعاً، وأوفرهم إنتاجاً، وأعفِّهم لساناً، وأزكاهم فؤاداً، وأطيبهم معشراً، وأصدقهم لهجة، وأقلهم خلافاً، وأندرهم نفوراً، وأكثرهم كرماً، وأعطرهم سيرة، وأنقاهم سريرة، ونشهد، وقد أضحى يا ربُّ في رحابك، بأنه كان ليِّن العريكة في شمم، ميمون النقيبة في إباء، وكان حمولاً للنازلات، صبوراً على المكاره، عُركة للأذى بجنبه، أخا أخوان، تهفو نفسه إلى المعالي، وتنهد للمكرمات، وتعفُّ عن الدَّنايا، وتتجافى عن الرذائل. ونشهد اللهم، والدِّين المعاملة، بأن أفئدة العارفين فضله قد هوت إليه، ولطالما شرحها منظره، وأبهجها مخبره، وراقها مظهره، وآنسها محضره، فهشَّت لإطلالته، واستوحشت من غيابه، فكيف بالغياب الذي لا عودة منه، ياربُّ، وبالفقد الذي لا أمل في لقاء بعده؟!
اللهم أعد لأم درمان مجدها وألقها، فما من بلدة لم تذبل نضرتها، بعدها، ولا من قرية حفَّها حُسن أو بهاء، واجعل رضاك عنها وعنَّا، يا ربُّ، ينشع في سمائها وفي الأديم، وانفخ في ربوعها الفيحاء من روحك القديم، واكرم نزل حبيبنا عبد الهادي لديك، فهو لم يهُن إلا عليك، وإنا لنسالك، ونحن نتقلب في دخنة الحمأ المسنون، أن تغفر له ولنا، وتشمله وتشملنا برحمتك، وتلهمنا من بعده جميل الصبر، يا ربُّ، وتلحقنا به في زمرة الصِّديقين والشُّهداء وحسن أولئك رفيقاً، إنا لله وإنا إليه راجعون.

يونيو 2001م


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.