ورقةٌ مستعادةٌ من رُزنامةٍ قديمة:

لم يكن النجَّار الأمدرماني سليمان محمود قد وُلِد بعد، عندما هبَّت المدينة مفزوعة من نومها، فجر الثَّاني من يوليو عام 1976م، على دويِّ الدَّانات تتفجَّر من سطح "قصر الشَّباب والأطفال"، ومن أعالي البنايات في محيط "سلاح المهندسين"، و"السِّلاح الطبِّي"، و"جسر النِّيل الأبيض"، وعلى زخَّات الرَّصاص تنهمر بكثافة فوق الأسقف الواطئة لبيوت الطين القديمة، في "بانت" و"الموردة"، وتخترق حيشانها الضَّيِّقة، وفيرانداتها المفتوحة، ونوافذها الخشبيَّة العتيقة، وعلى وقع أقدام مقاتلي "الجَّبهة الوطنيَّة السُّودانيَّة" المكوَّنة، آنذاك، من حزب الأمَّة بقيادة السَّيِّد الصَّادق المهدي، والحزب الاتِّحادي الدِّيموقراطي بقيادة الشَّريف حسين الهندي، والأخوان المسلمين بقيادة د. حسن التُّرابي. 

كان أولئك المقاتلون القادمون لتوِّهم من عمق الصَّحراء الليبيَّة، حيث جرى تدريبهم بدعم من القذَّافي شخصيَّاً، وإعدادهم، تحت قيادة الشَّهيد محمَّد نور سعد، للاجهاز على سلطة النِّميري في الخرطوم، يجوسون عبر الطرقات والأزقَّة التُّرابيَّة المتعرِّجة للحيَّين المذكورين، فضلاً عن "حي الضُّباط"، و"أبو كدوك" وسائر أحياء أم درمان الجَّنوبيَّة، يبحثون عن جرعة ماء تبلُّ عطشهم، مدجَّجين بمدافع "الآر بي جي" التي ما كان النَّاس قد سمعوا بها إلا في يومهم ذاك، مثلما لم يسمع أمدرمانيو 1898م بمدفع "المكسيم" إلا يوم "كرري" .. الثاني من سبتمبر!
لكلِّ ذلك حقَّ لسليمان، الشَّاب الذي وُلد بعد "غزوة الجَّبهة الوطنيَّة" تلك بثماني سنوات، أن يرفع حاجبيه دهشة بإزاء مشهد مقاتلي "غزوة العدل والمساواة" يقتحمون المدينة بعرباتهم التَّاتشر، وأسلحتهم الثَّقيلة، عصر السبت، 10 مايو 2008م، وهم يلهثون من العطش، ليقول لمراسل "يو إس تودي" بالفم الملآن: "هذا شئ لا يمكن تخيُّل حدوثه مطلقاً!" (الرأي العام؛ 14 مايو 2008م).
.................................
.................................
يوم "غزوة الجَّبهة الوطنيَّة" لم يحر نميري، وقد تكاثر عليه الرُّعب والفزع، حيلة يحشد بها تأييداً يعوز نظامه المعزول، إلا باستثارة العاطفة الوطنيَّة في الشَّارع، عبر خطاب شعبوي ديماغوغي يلصق تهمة "الارتزاق" بالمهاجمين، مستغلاً، من جهة، واقعة تدريبهم في ليبيا، وجعلها قاعدة انطلاق لهم، ومن جهة أخرى مظهرهم ولهجتهم مِمَّا لم يعتد عليه سكان العاصمة، فضلاً عن عنصري المفاجـأة والرعــب اللذيـن باعــدا مـا بيـن الحركـة والشَّـارع منـذ الوهلة الأولى. ومع ذلك كانوا، عَلِمَ الله، أهل بلد، وأهل قضيَّة، والطريف أن فيهم بعض حكام اليوم، وما كانوا، على أيَّة حال، يخوضون حرباً بالوكالة by proxy!
لذا فإن أكثر ما أقلقني، يوم "غزوة العدل والمساواة"، بقيادة الشَّهيد خليل إبراهيم، ما أخذ يردِّده البعض، كما الببغاوات، عن عدم استواء "اللسان العربي" الذي يتكلم به أولئك المقاتلون .. قال سائق رقشة ألقى القبض على أحد الصِّبية إن أكثر ما استرابه فيه "العربي المكسَّر!" الذي يتكلم به (الرأي العام؛ 16 مايو 2008م).
هكذا بدأ التَّمهيد لأخذ النَّاس بالشُّبهات، تماماً كما أخذهم نظام النِّميري، من قبل، بالشُّبهات، بلون البشرة، بلهجة اللسان، بعدم إتقان "عربي أم درمان"، حيث راجت، وقتها، أخبار إعدامات بلا محاكمات، ودفن أحياء في مقابر جماعيَّة أرغموا على حفرها بأيديهم! وشارك في تعزيز ذلك المناخ، للأسف، صحفيون وإعلاميون وكتاب روَّجوا لمصطلح "المرتزقة" البغيض، فأسهموا في إزهاق أرواح بريئة، وإرسال ناجين من الموت إلى غياهب السُّجون، والمعتقلات، وبيوت الأشباح!
.................................
.................................
ولو فتحت، يوم غزوة أم درمان، أيَّما صنبور ماء في بيتك، لانهمر السُّؤالان اللذان لا ثالث لهما في الصُّحف، والفضائيَّات، ومداولات البرلمانيين، وثرثرات الهواتف، وونسات المكاتب، وصيوانات العزاء: أحدهما يطلب تفسيراً من الحكومة لكيفيَّة قطع هؤلاء المقاتلين (ويستخدم مصطلح "مرتزقة" في وصفهم) مسافة 400 ميلاً، جُلها مكشوفة عبر صحراء جرداء، دون أن يواجهوا أيَّة مقاومة، من أبَّشي بتشاد، إلى شارع العرضة بأم درمان! أمَّا السُّؤال الآخر فيطلب توضيحاً من "الحركة" نفسها للهدف الاستراتيجي النِّهائي من "غزوتها" تلك!
السُّؤال الأوَّل انطرح من زوايا مختلفة. فقد أثير، مثلاً، في سياق الجَّدل الفنِّي البحت من زاوية العلوم العسكريَّة، على غرار ما كتب العقيد محمد عجيب محمد، رئيس تحرير صحيفة القوَّات المسلحة، منتقداً خطة منازلة المهاجمين في شوارع أم درمان بقوله: "لم نسمع من قبل باستدراج لقوَّات معادية إلى داخل الأرض الحيويَّة" (القوات المسلحة؛ 12 مايو 2008م)، وما ردَّ به عليه الفريق أول عبد الرحيم محمد حسين، وزير الدِّفاع، وقتها، بنفيه، مرَّة، أن تكون الحكومة قد خططت للمعركة داخل المدينة، وبقوله، مرَّة أخرى: "لو قيل لي ضع خطة لفضلت أن أستدرجهم إلى داخل المدينة" (الرأي العام؛ 17 مايو 2008م). وأثير الأمر كذلك ضمن محاولة بعض منسوبي النِّظام فضَّ الغرابة البادية على الحدث، كما في قول د. مهدي إبراهيم بأن "إمكانات الجَّيش ضعيفة .. والخرطوم ليست عصيَّة على أيَّة قوَّة" (أجراس الحريَّة؛ 14 مايو 2008م)، الأمر الذي دحضه، في اليوم التالي مباشرة، رئيس الجُّمهوريَّة، القائد الأعلى للقوَّات المسلحة، واصفاً الخرطوم بأنها "مقبرة للغزاة والطامعين في حكم السُّودان" (أجراس الحريَّة؛ 15 مايو 2008م). وأثيرت المسألة، أيضاً، ضمن تصريح د. مطرف صديق، وكيل وزارة الخارجيَّة، آنذاك، بأن "المتمردين تلقَّوا دعماً من داخل الجَّيش" (الرأي العام؛ 14 مايو 2008م ـ نقلاً عن يو إس تودي). كذلك انطرح الأمر داخل الهيئة التَّشريعيَّة، إما كتعبير عن غضب الموالين إزاء تقصير رأوه بادياً في أداء نظامهم، ومن ذلك اعتبار النَّائب عن الحزب الحاكم عثمان نمر أن "ما حدث يؤكد تهاون القيادة" (أجراس الحريَّة؛ 14 مايو 2008م)، وإما من باب التَّعريض بكفاءة النظام، وهو بابٌ مطروق، على أيَّة حال، ولا جديد فيه إلا من جهة الكمِّ، ضغثاً على إبالة فحسب، إذ ما أغنى المعارضة عن ملاحقة المزيد من الشَّواهد الطازجة على هذا الصَّعيد!
أمَّا السُّؤال الآخر فإجابته تبدو مشمولة بذات المعالجات التي وردت على السُّؤال الأوَّل! فرغم إصرار محلل مرموق كأليكس ديوال على حصر استراتيجيَّة "الغزوة" في هدف وحيد هو "السُّلطة" its aim was nothing less than taking power، إلا أن ردود الأفعال المشوبة بالتَّناقض والارتباك لهيَ مِمَّا يُتصوَّر، عقلاً، أن تكون هدفاً استراتيجياً لتلك "الغزوة" تحت عنوان رئيس: "توسيع رقعة حرب دارفور"!
.................................
.................................
هي الحرب، إذن، .. "مَا قدْ عَلِمْتمْ وذقتمُ"! والحرب في دارفور كلُّ أطرافها سودانيون .. ولا يغرَّنَّك اختلاف اللهجات! والحرب في أم درمان ليست أخطر من الحرب في دارفور! والحرب بين أبناء الوطن الواحد ينبغي إنهاؤها! والحرب التي لا تنتهي تتفاقم! والحرب التي تتفاقم لا تعود ثمَّة حُرمة لأي شئ أمامها! والحرب التي لا حُرمة لشئ أمامها تحرق كلَّ ما تطال ألسنة لهبها من قيم ومبادئ .. في التَّاريخ كما في الجُّغرافيا!
على هذا ينبغي أن يتركَّز نظرنا، وفي معالجة هذا ينبغي أن نجتهد، وكلُّ ما سوى ذلك إنما خوضٌ لا معنى له في موج دائري ذي لجب لا يبلغ بنا ساحلاً آمِناً، بقدر ما هو مرشَّح لأن ينخسف بنا في قيعان لا قرار لها من التنابز بالأعراق، والاستعلاء بالإثنيات، والانشغال عن "المتون" بـ "الهوامش"، من سنخ ذينك السُّؤالين، بما تناسل وما يزال يتناسل عنهما من أسئلة ملحاحة: "كيف" جاءوا؟! "من" يربض وراءهم؟! "كيف" قطعوا كلَّ تلك المسافة؟! أكانوا "يستهدفون" وادي سيِّدنا أم السُّلطة ذاتها؟! أكان صواباً اختيار منازلتهم "داخل" المدينة أم "خارجها"؟! الخ .. الخ.
الشَّاهد أننا ما نزال، كلما هلت علينا ذكرى غزوة خليل، أو غزوة محمَّد نور التي سبقتها، نسارع إلى طرح الأسئلة الخطأ، بينما الحكمة تقتضينا، من كلِّ بُدٍّ، أن ننفكَّ، فوراً، من إسار هذه الأسئلة المتناسلة بلا نهاية، طالما أن الحرب هي الحرب، وتفاصيلها هي تفاصيلها، وأن ننفض أيدينا تماماً عن صمغها اللبيك، لننشغل، في الحالين، بما هو أجدي .. بالسُّؤالين الأكثر ذكاءً وزكاوة: مَن "هم"؟! وما هي "دوافعهم"؟! ولنتذكَّر، دائماً، كلمة جيمس ثيربر الحكيمة: "لئن نطرح سؤالاً واحداً صحيحاً خير من أن نعرف جميع الإجابات"!

***
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////