للمعرفة ألف سبيل وسبيل، مع ذلك تبقى القراءة أقصر هذه السُّبل، وتظلُّ الكتب بمثابة الخزائن الجِّياد لهذه المعرفة، شريطة أن تحسن العقول، التي هي مستودعات الحكمة، التَّفريق بين معرفة مُرْشِدة تُثري الفكر، وتُغني الخيال، وتنقِّي العاطفة، وأخرى ضالة مُضلة تلوِّث الرُّوح، وتفسد المعاني الكبيرة، وتدمِّـر الحـسَّ الإنسـاني.

ولكون معرض الخرطوم الدَّولي للكتاب عادة ما يصادف فصل الشِّتاء، فقد أضحى هذا الفصل، بالذَّات، يستثير، ضمن ما يستثير، حاسَّة تذوُّق الجُّمهور للقراءة المختلفة، ولذَّة التَّنقيب عن الإصدارات الجَّديدة، وفق نظريَّة بافلوف عن الارتباط الشَّرطي وردِّ الفعل المنعكس. غير أن تدخُّل السُّلطة، وحشر أنفها في كلِّ شئ، خلق، لدى هذا الجُّمهور، ارتباطاً آخر، وردَّ فعل مغاير، على صعيد العلاقة بين الشِّتاء والمعرض، وهي العلاقة التي تحكمهـا ذهنيَّة الحظـر، وتحدِّدها سياسـة المنع!

لم تشـذ عن هذه "القاعـدة" الدَّورة الرَّابعـة عشـر لمعرض الخرطوم الدَّولي للكتاب (17 ـ 29 أكتوبر 2018م)، والتي أبت، هي الأخرى، أن تنقضي دون أن ترسِّخ في الذَّاكرة أثراً من هذه الممارسة البغيضة (!) حيث شهدت، كالعادة، ووسط قلق كبير، واعتراضات واسعة، من المبدعين والقرَّاء، مصادرة أعمال المعتدى عليه "الدَّائم" عبد العزيز بركة ساكن، "الجَّنقو" وأخواتها، بالإضافة إلى "الطواويس الغبشـاء" لعـبده فضـل الله، و"جمجمتان تطفئان الشَّمس" لمنجد باخوس، وأعمال أخـرى لصـلاح البشير، وعبد الرؤوف فضل الله، وإيهاب عدلان، ومصعب جبارة، ويس حبيب نورة، وغيرهم. وقد أعاد هذا الاعتداء "الرَّسمي" إلى الذَّاكرة وقائع اعتداءات جرت سابقاً، عبر مختلف الدَّورات، منها أعمال كـ "بستان الخوف" لأسماء عثمان الشَّيخ، و"أسفل قاع المدينة" لإيهاب عدلان، و"ساعي الرِّيال المقدود" لمبارك أردول، وغيرها من الاعتداءات التي لم تستنكف وزارة الثَّقافة، وقتها، من التَّنصُّـل عنها، ونسـبتها إلى "الأمن الثَّقافي"!

لا شكَّ أن مصادرة الإبداع هي محاولة لقتله، ولحزِّ وريد المبدع بسكِّينة صدئة مثلومة الحد. لكن الموجع، حقَّاً، أن تعبير أسماء عثمان الشَّيخ عن الألم الذي أحسَّته إزاء مصادرة روايتها، بقولها "كنت أتمنى أن يحاكمني القارئ فقط، وليست أيَّة جهة أخرى"، لم تبلغه أدنى مدارك وزير الثَّقافة السَّابق الطيِّب حسن بدوي، أو يترك في نفسه أيُّ صدى، أكثر من محض "المغالطة" بالاستناد إلى ما وصفه بـ "العدد الكبير من دور النَّشر العربيَّة المشاركة في معرض 2015م"، باعتبار ذلك "دليلاً كمِّيَّاً" كافياً على توفُّر "حريَّة النَّشر في السُّودان"! فلكأن الحكم الذي كانت قد أصدرته محكمة جنايات الخرطوم شمال، بحق موظفَي جناح مدبولي المصريَّين، في دورة سابقة لمعرض الكتاب بالخرطوم، بتهمة "إهانة العقيدة!"، بناءً على شكوى من "هيئة علماء المسلمين"، لم يكن كافياً لإثبات أن الإجراءات المتعسِّفة ضدَّ الثَّقافة من شأنها أن تفضي، حتماً، إلى نتائج سالبة!

وعلى ذكر تلك الحادثة فإن تبرير أيِّ مصادرة لأيِّ كتاب أدبي أو علمي لا يخرج عن هذه التُّهمة. لكنني لم أستطع أن أميِّز، وقتها، وجه "الإهانة" الذي رآه "السَّادة العلماء" في ركن مدبولي، أكان في عرض كتاب حديث يتناول "مقتل عثمان"، بالإضافة إلى "موقعة الجَّمل" بين علي وعائشة، أم في عرض "كتب جنسيَّة تخدش الحياء من تأليف نوال السَّعداوي، وكتباً فلسفيَّة أخرى مثيرة للجَّدل"، على حدِّ تعبير سعد احمد سعد، ممثِّل "هيئة العلماء"، أم للسَّببين معاً، واللذين لم أعثر على ثالث لهما (الرأي العام ، 16 ديسمبر 2007م).

أياً كان السَّبب، فإنه لا يبطل العجب! فمن جهة أولى، إن كان تناول "مقتل عثمان" و"موقعة الجَّمل" هو موضوع الاتهام، فذانك خبران متواتران في أعرق وأجلِّ أسفار التَّاريخ الإسلامي، وأوثقها، لدى أكثر الباحثين. ويمكن لمن أراد التَّثبُّت أن يلتمسهما، مثلاً، في "تاريخ الطبري، ج 4، ص 365 ـ 547"، أو في "مروج الذَّهب ومعادن الجَّوهر للمسعودي، م 2، ص 340 ـ 383"، أو في "الكامل في التَّاريخ لابن الأثير الجَّزري، ج 3، ص 75 ـ 135"، أو في "تاريخ ابن خلدون، ج 2، ص 586 ـ 622"، أو في غيرها من أوثق مصادر التَّاريخ الإسلامي لأكثر من ألف سنة! فأين، إذن، وجه "إهانة العقيدة" في تناول المُتناوَل، أو تداول المُتداوَل، إسلاميَّاً، لأكثر من عشرة قرون؟!

أما إن كانت شكوى مندوب "هيئة العلماء" قد انصبَّت، من جهة أخرى، على عرض جناح مدبولي "كتباً جنسية تخدش الحياء من تأليف نوال السعداوي وكتباً فلسفية أخرى مثيرة للجَّدل" فذاك، بالحق، حديث عجب بكلِّ المعايير! إذ ما هي الدَّلالة الحقيقيَّة للشَّكوى ضدَّ احتواء الجَّناح على "كتب فلسفيَّة مثيرة للجَّدل"؟! وهل ثمَّة فلسفة غير مثيرة للجَّدل أصلاً؟! أم أن المقصود هو "إعدام الفلسفة" كلها؟! ثمَّ إن مؤلفات السَّعداوي ظلت تعرض في أرفف المكتبات على مدى أكثر من ثلاثة عقود، لا بهدف إشاعة "الفاحشة"، وفق اتجاه الشَّكوى، وإنما لإفشاء نمط مغاير من التَّفكير العلمي القائم على إجلاء ما ران على العقل المسلم، والعربيِّ عموماً، جيلاً بعد جيل، من ركام الصَّدأ الذي لا يد للإسلام فيه، والذي كاد يسدُّ، نهائيَّاً، أيَّ مسرب لنور المعطيات المعرفيَّة الثَّابتة المبرِّئة لبيولوجيا الأنواع والوظائف الفسيولوجيَّة للجَّسد البشري من تهمة التَّسبُّب في اضطهاد المرأة، ونشر الوعي بكون الأمر برمته متجذِّراً، لا في فروقات "الجِّنس" وأوهامه، بل في فروقات "الاجتماع" وحراكاته التَّاريخيَّة!

وتستوقفنا، هنا، بوجه مخصوص، محاولة قمع المعرفة بالشَّكوى من "خدش الحياء"! فلو كانت هذه المؤلفات "تخدش" الحياء حقاً، لكان هذا "الحياء" قد "تدشدش"، بالكليَّة، ولما كان قد تبقى فيه سنتمتر "صقيل" واحد، ليس فقط منذ مطالع سبعينات القرن الميلادي العشرين، عندما بدأت السَّعداوي نشر مؤلفاتها العلميَّة، بل ومنذ أوائل القرن الثَّالث الهجري، أوان بدأ يظهر هذا الضَّرب من التآليف المعرفيَّة في علوم التَّدوين الإسلاميَّة من خلال السِّياق الإرشادي الذي دأب عليه الأئمَّة والفقهاء. ولعلَّ أشهر هذه التآليف طرَّاً كتاب قاضي الأنكحة الجَّليل الشيخ النفزاوي الموسوم بـ "الرَّوض العاطر في نزهة الخاطر"، وهو نصٌّ في التثقيف الجنسي وفقه النكاح مطوَّر من أصل نصِّه السابق المختصر الموسوم بـ "تنوير الوقاع"، وقد استند فيه، على نهج علوم التدوين كافة، إلى القرآن والسُّنة وأفعال وأقوال الصحابة، ويعود تاريخه إلى النصف الأول من القرن الثامن الهجري، وما يزال حتى يوم الناس هذا محلاً للاعتبار والتجلة والترجمة إلى أغلب اللغات الحيَّة. ولعلَّ المفارقة ذات المغزى العميق هنا تتمثل في واقعة إقدام نظام هتلر ووزير ثقافته غوبلز، فور صعود النازيَّة إلى سدة الحكم في المانيا، على سحب الترجمة الالمانيَّة لكتاب النفزاوي، والتي يعود تاريخها إلى عام 1905م، ومن ثمَّ حرقها بتهمة "الاباحيَّة"!

العقل السويُّ وحده هو الذي يستطيع التَّمييز بين ما هو "تثقيفي" يرمي إلى الكشف والتَّفتُّح الإنسانيَّين، وبين ما هو "إباحي" لا يستهدف سوى إثارة الغرائز البدائيَّة. ولأن الإسلام براء من هذا الأخير، فقد أصاب الإمام الحافظ ابن قتيبة الدَّينوري كبد الحقيقة الدِّينيَّة في مؤلفه "عيون الأخبار" بقوله السَّديد: "وإذا مرَّ بك حديث فيه إفصاح بذكر عورة، أو فرج، أو وصف فاحشة، فلا يحملنَّك الخشوع أو التَّخاشع على أن تصعِّر خدَّك، وتعرض بوجهك، فإن أسماء الأعضاء لا تؤثِّم، وإنما المَأثم في شتم الأعراض، وقول الزُّور والكذب، وأكل لحوم النَّاس بالغيب"!
ما يستحق الإدانة والدَّمغ، حقيقة، ليس الإبداع، ولا التفكير العلمي، بل هو هذا النَّمط المُعوَج من التَّفكير العُصابي الذي لا يمت إلى دين العقل بأدنى وشيجة، بل يرتبط ارتباطاً لا انفصام له بذهنيَّة الحظر بلا استحقاق، والتحريم دونما سند! وقد ظلَّ هكذا على الدَّوام، وعبر كلِّ تواريخ الجُّمود التي ابتليت بها البشريَّة، كابراً عن كابر، من "قتل السَّاحرات" إلى .. "قتل الكتب"!


***



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.