ورقة مستعادة من رزنامة قديمة

لعلَّ أفضل ما يمكن أن نضيئه، بمناسبة سبعينيَّة "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، الصادر في العاشر من ديسمبر 1948م، هو ضرورة "تعليم" هذه الحقوق، خصوصاً في الدول المتخلفة، حيث القاعدة أن تنتهك ماديَّاً وتشريعيَّاً كلما اصطدمت بمصالح السُّلطة التي تضع أمنها فوق أيِّ اعتبار للتَّنمية البشريَّة، ومعلوم موقع الحقوق والحريَّات والكرامة الإنسانيَّة من هذه التَّنمية. لذا فإن إلزاميَّة هذه الحقوق ".. يجب أن تستند إلى إصرار أصحاب المصلحة .. على التَّمسك بها و .. احترامها وكفالة تطبيقها" (فرحات، 1987م)، وذلك لا يكون، بطبيعة الحال، دون المعرفة الوثيقة بها، حيث تعتبر هذه المعرفة الضَّمانة الأكبر لحراسة هذه الحقوق، ذاتيَّاً، فوق كونها، هي نفسها، جزءاً لا يتجزَّأ منها "فحرِّيَّات الناس أثمن من أن يؤتمن عليها الآخرون، وثمن حرِّيَّة كلِّ فرد هو دوام سهره على حراستها" (العفيف، 1998م). ولهذا يكتسي تكريس الوعي بهذه الحقوق أهميَّة خاصَّة في متون وثائقها الدَّوليَّة. فالمادة/26 من "الإعلان" تشدِّد على وجوب توجيه "التَّعليم"، عموماً، نحو التَّطوير الشَّامل للشَّخصيَّة الإنسانيَّة، ونحو "حقوق الإنسان"، وحرِّيَّاته الأساسيَّة، وإن لم تنص، صراحة، على إدراجها ضمن المناهج الدِّراسيَّة. غير أن "اتِّفاقيَّة جنيف الرَّابعة لحماية المدنيِّين في زمن الحرب 1949م) نصَّت على وجوب نشر مبادئها وأحكامها، وتعميم "تعليمها" في جميع المدارس العسكريَّة والمدنيَّة التَّابعة للدُّول الأطراف، وأوصى "مؤتمر اليونسكو الدَّولي لحقوق الإنسان 1968م" بتربية الشَّباب على حقوق الإنسان، وبثِّ الوعي بمبادئ "الإعلان" في كلِّ مراحل "التَّعليم"؛ كما نصَّت وثيقة "مؤتمر فيينا العالمي لتدريس حقوق الإنسان لسنة 1978م) على اعتمادها ضمن مواد "التعليم".

وفى السُّودان ظلت دوائر هذا الاهتمام تنداح، طوال العقود الماضية، لتشمل المزيد من قطاعات القادة السِّياسيِّين والمدنيِّين والكتَّاب والفنانين والصحفيِّين وغيرهم، من مختلف المدارس والانتماءات. فعلاوة على جهود المتطوِّعين في نشر الوعي بهذه الحقوق خارج المساقات النِّظاميَّة، من خلال فعاليَّاتهم المدنيَّة المختلفة، وما ينتزعونه من فرص شحيحة في أجهزة الإعلام الحكوميَّة، أضحى يرتفع الآن مطلبهم بإدراج هذه الحقوق ضمن مناهج "التَّربية والتعليم" في جميع المراحل. وفى هذا السياق جاء "مؤتمر تعليم حقوق الإنسان في السُّودان" الذي نظمته جامعة الأحفاد للبنات، بالتَّعاون مع "مركز الخرطوم لحقوق الإنسان وتنمية البيئة"، خلال الفترة 15 ـ 18 ديسمبر 2003م، ليعطي، في وقته، دفعة قويَّة لهذا المطلب. وما زال عصف أدمغة مرموق يتواصل ليراكم أفكاراً وتوصيات قيِّمة في هذا الاتِّجاه، أبرزها التَّحذير من اقتصار هذا النَّوع من "التَّعليم" على برامج محدَّدة، بهدف إبلاغ معرفة محدَّدة، تنتهي، كما في التقليد الأكاديمي المتَّبع، بامتحانات تكشف عن مستويات التَّحصيل والتَّأهيل، وإنما يفضَّل تأسيسه، بالأخصِّ في مرحلتي "التَّعليم" العام وما قبل المدرسي، على مفاهيم التَّكوين الثَّقافي والأخلاقي، استهدافاً، ليس فقط لتشكيل الذَّات الحاملة لهذه المعرفة، تراكميَّاً، وإنما المنفعلة بها، كيفاً، في المقام الأوَّل. وقد انطرحت، بهذا الصَّدد، كثير من المقترحات لإضفاء مفاهيم هذه الحقوق على العمليَّة "التَّعليميَّة" كلها وفق منهجي "الاندياح المستعرض crosscutting" و"تسييد الاتِّجاه mainstreaming".

ويحتلُّ إدماج هذا الحقل المعرفي ضمن برامج المرحلة "الجامعيَّة" والدراسات "العليا" موقعاً متقدِّماً، لما تتيح هذه المرحلة من بيئة بحثيَّة ملائمة، بمشاركة الأساتذة والطلاب والإداريين والفنيين والعمَّال. وتلعب برامج الدكتوراة والماجستير دوراً مهمَّاً في ترقية هذه المعرفة، ومراكمة وتطوير المباحث العلميَّة حول وسائلها ومناهجها، لغرسها في الوعي والسلوك الاجتماعيَّين، بما يسهم بفاعليَّة في بناء رأى عام منيع ضد أي انتهاك لها.

تاريخياً كانت الجامعات الأوربيَّة سبَّاقة في هذا المضمار، حيث أدرجت "تدريس" حقوق الإنسان كمادة ضمن كليَّات القانون والعلوم السِّياسيَّة، مِمَّا أثمر في توقيع "اتِّفاقيَّة روما لحماية حقوق الإنسان 1950م" التي أوصت بإنشاء محكمة أوربيَّة لهذه الحقوق تأسَّست لاحقاً في ستراسبورغ؛ إضافة إلى "اتِّفاقيَّة جنيف الرَّابعة 1949م" التي سلفت الإشارة إليها. وتوجد، في الوقت الرَّاهن، عدَّة معاهد أوربيَّة متخصِّصة في "تدريس" القانون الدَّولي لحقوق الإنسان والقانون الدَّولي الإنساني، لعلَّ أهمها "معهد جنيف للقانون الإنساني" الخاص بالنِّزاعات المسلحة، تحت رعاية "اللجنة الدَّوليَّة للصَّليب الأحمر"، و"المعهد الدَّولي لحقوق الإنسان" بجامعة ستراسبورغ (الزُّحيلي، 1978م)، وكذلك كليَّتا القانون الدَّولي والعلاقات الدَّوليَّة بجامعتي موسكو وكييف الحكوميَّتين.

أمَّا في العالم العربي فلم يبدأ الاهتمام الرَّسمي بقضايا حقوق الإنسان إلا في عقابيل هزيمة 1967م، حيث عقدت جامعة الدُّول العربيَّة مؤتمراً للقانون الدَّولي الإنساني، أعقبته، عام 1969م، بتخصيص جوائز لأفضل الدِّراسات في مجال حقوق الإنسان (المصدر). غير أن المجتمع المدني هو الذي بادر بالعناية بهذه القضيَّة باكراً، حيث ركز "اتِّحاد المحامين العرب"، مثلاً، اهتمامه عليها، منذ السَّنوات الأولى لتأسيسه في أغسطس عام 1944م، باعتبار أن تعزيزها والدِّفاع عنها سيسهم بشكل أساسي في مواجهة أزمات الاقتصاد والاجتماع والسِّياسة. لكن الاتِّحاد لم يدشِّن جهوده باتِّجاه "تدريس" حقوق الإنسان إلا عام 1984م، بلقاء الخبراء ضمن مؤتمره العام الخامس عشر في سوسة بتونس. كما نظم، عقب ذلك، مائدة مستديرة ضمن "ندوة أوضاع حقوق الإنسان في العالم العربي، القاهرة ـ مايو 1985م"، بالتعاون مع "المنظمة العربيَّة لحقوق الإنسان". ثم أجرى اتِّصالاته بعمداء كليَّات الحقوق في مصر بشأن "تدريس" حقوق الإنسان، مِمَّا انعكس خلال اجتماعات القطاع القانوني بـ "المجلس الأعلى للجَّامعات المصريَّة" عام 1986م. وفى أبريل 1987م، وضمن أعمال مؤتمره السَّادس عشر بالكويت، نظم مركزه للبحوث والدِّراسات، بالتعاون مع كليَّة الحقوق بجامعة الكويت، ندوة بعنوان: "تدريس حقوق الإنسان وتطوير العلوم القانونيَّة بالجامعات العربيَّة" (أبوعيسى، 1987م).

مع ذلك لا توجد حتى الآن، للأسف، تجارب يؤبه لها، على هذا الصَّعيد، في الجَّامعات العربيَّة ما عدا في كليَّتي الحقوق بجامعة الكويت والجامعة الأردنيَّة.
وفي السُّودان، أيضاً، ظلَّ العمل جارياً، حتى في كليَّة القانون بجامعة الخرطوم، التي نتخذها، هنا، نموذجاً معياريَّاً، على "تدريس" حقوق الإنسان من خلال المواد التَّقليديَّة الأخرى. ولم يبدأ التَّفكير في "تدريسها" كمادَّة منفصلة إلا مع بداية الثَّمانينات (فضل الله، 1987م). ومع أن الفرصة سنحت، أوائل السَّبعينات، لوضع برنامج متكامل لهذه الدِّراسة، ضمن الاتِّجاه العام الذي ساد في الجَّامعة، وقتها، لاستيعاب العمل بنظام السَّاعات المعتمدة، إلا أنه لم يقدَّر للكليَّة أن تنجز شيئاً ذا بال من ذلك بسبب النَّقص في هيئة التَّدريس نتيجة الهجرة المستمرَّة للأساتذة (المصدر). ثمَّ عادت الفرصة تلوح مجدَّداً عام 84/83، من خلال التوسُّع في الدِّراسات العليا بالكليَّة، عندما تمَّ، للمرَّة الأولى، قبول دفعة صغيرة من القضاة للتَّحضير لدرجة الماجستير، فأدرجت مادَّة "حقوق الإنسان والحريَّات الأساسيَّة" ضمن برنامج السَّنة الأولى، مع التَّركيز على تجميع المادَّة السُّودانيَّة، قوانين وسوابق، بهدف تأسيس مركز خاص لحقوق الإنسان بالكليَّة (المصدر). وكانت الفكرة قد ولدت صيف 1980م، استجابة لتوصية مؤتمر "مركز دراسات حقوق الإنسان بجامعة أنقرة"، بدعوة من اليونسكو؛ ومحورها أن يسعى المؤتمرون لإقامة مراكز لحقوق الإنسان في بلدانهم. وقد خاطبت الكليَّة إدارة الجامعة، وأعدَّت مشروع النظام الأساسي للمركز. لكن الإدارة رأت إدماج المشروع ضمن "مركز دراسات السَّلام"، الأمر الذي لم يتم.

هكذا، وباستثناء برنامج الدِّبلوم الخاص، استمرت الكليَّة في اتِّباع ذات الأسلوب القديم في ملامسة موضوع حقوق الإنسان من خلال المواد التقليديَّة. لكنَّ الضَّرورة ظلت تقتضي من كلِّ المؤسَّسات الرَّسميَّة والمدنيَّة بذل المزيد من الجَّهد في الدَّفع، قدماً، بقضيَّة "تعليم" حقوق الإنسان، ورفعها إلى مصاف الأولويَّات القصوى، كما الماء والهواء، خاصَّة وقد أنشئت مفوَّضيَّة لحقوق الإنسان، اتِّساقاً مع "مبادئ باريس لسنة 1993م"، وإلا فما معنى إنشاء هذه المفوَّضيَّة لتعنى بحقوق لا يعلم الناس عنها شيئاً! لذا كان لا بدَّ من الاستجابة لهذه الضَّرورة، في نهاية المطاف، حيث تأسس المركز بجامعة الخرطوم، وإن لم يكن مستقلاً، وإنَّما أُتبع لكليَّة القانون. وإلى ذلك تجري، حاليَّاً، جهود مدنيَّة يرعاها نفر من الحادبين، أكاديميين، ورجال أعمال، وناشطين مدنيِّين، لإنشاء مركز مستقل لحقوق الإنسان يشمل العناية بتعليمها، ضمن برامج تخليد ذكرى أيقونة حقوق الإنسان العظيم الذي رحل مؤخَّراً .. د. أمين مكي مدني.


***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////