لا يعلم غير الله وحده مصدر الحكمة التي يهتدي بها النِّظام السُّوداني، أحياناً، في معالجة بعض ما يواجه من مشكلات قانونيَّة، ليس، فقط، في اختيار طرقٍ يعلم حتَّى مَن لا زالوا، بعدُ، طلاباً في مقاعد كليَّات القانون أنها مغرقة في الخطأ، بل وفي الإصرار العنيد على تكرار اللجوء إلى نفس هذه الطرق، المرَّة تلو المرَّة!

خذ عندك، مثلاً، تعاطي هذا النظام مع منظمة الإنتربول «الشُّرطة الدَّوليَّة»؛ ففي 25 يناير المنصرم أعلن وزير الدَّولة للإعلام أن حكومته شرعت في تقديم طلب إلى هذه المنظَّمة كي تقوم، خارج السُّودان، بملاحقة من أسمتهم بالمحرِّضين على المظاهرات، وناشري الأخبار الكاذبة على مواقع التَّواصل الاجتماعي، والقبض عليهم، وتسليمهم إلى الخرطوم! ومع عدم صحَّة الزَّعم بكون هذه المواقع هي مصدر التَّحريض على الانتفاضة، بل وانطوائه على عدم فهم مأساوي من النِّظام نفسه لطبيعة الأزمة التي يواجهها، إلا أنني، وبافتراض جدلي لصحَّة هذا الزَّعم، خطر لي، فور سماعي الخبر، السُّؤال الذي لا بُدّ منه بشأن الحجَّة التي ستسعف النِّظام كي يتفادى طلبه عقبة المادة (3) من القانون الأساسي للإنتربول، والتي تمنع المنظمة، بصرامة، من التَّدخُّل في أيِّ مسألة ذات طبيعـة ســياسيَّة أو عســكريَّة أو دينيَّـة أو عرقـيَّة:
It is strictly forbidden for the Organization to undertake any intervention or activities of a political, military, religious or racial character.

وفي الحقيقة ليست هذه هي المرَّة الأولى التي يتورَّط فيها النِّظام في مثل هذا الطَّمي القانوني اللبيك! فقد سبق له أن فعلها مرَّتين، دون أن ينبِّهه إلى خطئه الفادح اصطدامه الفضائحي، في أيٍّ من تينك المرَّتين، بذلك الشَّرط القانوني البحت، حيث أنه تقدَّم في المرَة الأولى، عام 2008م، وعن طريق وزارة العدل ديوان النَّائب العام، بنفس الطَّلب إلى الإنتربول، لملاحقة، والقبض على، وتسليم أكثر من عشرين من قيادات «حركة العدل والمساواة»، مِمَّن اعتبرهم مسؤولين عمَّا عُرف، وقتها، بـ «غزوة أم درمان» في العاشر من مايو من ذلك العام (أجراس الحريَّة ـ الصَّحافة، 10 يونيو 2008م)، دون أن يحفل بهذه المسألة الجَّوهريَّة المتعلقة بنصِّ المادّة (3)، أو يعيرها، حتّى، أدنى التفات. ومع أننا أثرناها، يومها، ونبَّهنا إليها، علناً، على صفحات الجَّرائد، فقد عاد، مع ذلك، واصطدم بذات هذه العقبة، في سابقة العميد (م) عبد العزيز خالد، عندما طلب، أيضاً، تدخُّل «الانتربول» لملاحقته، والقبض عليه، إبان نشاطه السِّياسي المعارض خارج السُّودان. على أن الانتربول نفسه لم يكن محتاجاً، أصلاً، لتذكيره بحدود التزاماته القانونيَّة في هذا الشَّأن، ردَّاً على المذكرة الضَّافية التي بعثت بها إليه هيئة الدِّفاع المكوَّنة من الأساتذة عمر عبد العاطي والمرحوم الصَّادق الشَّامي وشخصي، حيث قرَّر، وبحسم، أنَّه، فعلاً، لا شأن له بالأمر. وهكذا لم يكن من الممكن للنِّظام أن يتلقَّى أيَّ مساعدة خارجيَّة في استجلاب «أبو خالد» من الإمارات، لولا آليَّة العلاقات المتبادلة، بالاستناد إلى «الشُّرطة العربيَّة»، ومقرِّها في دمشق، حيث لا «قشَّة مُرَّة» لديها، بالطبع، على هذا الصعيد، حسب اتفاقيَّة إنشائها التي أُبرمت بمعرفة "مجلس وزراء الدَّاخليَّة العرب!"، في بعض مؤتمـراته، والتي تخلو، أصلاً، من أيِّ ضابط شبيه بنصِّ المادَّة (3) من قانون الإنتربول!

ثمَّ إن النِّظام كان قد اعتزم، في نموذج رابع عام 2007م، عن طريق الوزارة نفسها، وفق ما نقلت «رويترز»، آنذاك، تقديم طلب إلى الإنتربول للقبض على إيرين خان، الأمين العام لـ «منظمة العفو الدوليَّة»، بسبب مذكِّرة كانت المنظمة أصدرتها، وقتها، اعتراضاً على اعتقال السَّادة علي محمود حسنين ومبارك الفاضل وآخرين، مدنيِّين وعسكريِّين، بعدَّة تهم سياسيَّة، على رأسها التآمر لتدبير انقلاب عسكري ضد النِّظام، فاعتبرت الوزارة مذكرة المنظمة شائنة بسمعة الأجهزة القضائيَّة والأمنيَّة في البلاد! لكن ملف ذلك الطلب أغلق، في ما يبدو، نهائيَّاً، ولم يعُد أحد يسـمع عنه شـيئاً، حيث لا بُدَّ قد اصطـدم، أيضاً، بعقـبة المادة (3) المشار إليها!

والآن، يثور نفس السُّؤال القديم المتجدِّد بإزاء اعتزام النِّظام تقديم نفس ذلك الطَّلب إلى الإنتربول لمساعدته في القبض على من يديرون الصُّحف ومواقع التَّواصل الاجتماعي الإليكترونيَّة من خارج السُّودان؛ فلئن كان هذا الطلب قد تكرَّر رفضه، من قبل، قانوناً، ثلاث مرَّات، على الأقل، فما هو، يا ترى، الأساس القانوني الجَّديد الذي سيبني عليه النِّظام أمله في أن يستجيب الانتربول لطلبه، هذه المرَّة، استثناءً من قاعدة المادَّة (3)؟! بل ما هو المنطق أو الحكمة، أصلاً، وراء إصرار النِّظام على مواصلة تكرار هذا التأسيس القانوني الخاطئ، المرَّة تلو المرَّة؟!

***


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////