I

فى التَّاسع من يناير 2005م أبرم النِّظام البائد، باعتباره حكومة «أمر واقع de facto»، مع الحركة الشَّعبيَّة/الجَّيش الشَّعبي لتحرير السُّودان «اتفاقيَّة السَّلام الشَّامل CPA»التي نصَّت على فترة انتقاليَّة مدَّتها ستُّ سنوات، كما رتَّبت لصدور الدُّستور الانتقالي لسنة 2005م. ورغم ما احتوش تينك الوثيقتين من سلبيات، وما ناشهما من انتقادات شملت، في ما شملت، منهجيَّة إصدارهما بعيداً عن الحاضنة الوطنيَّة للحركة السِّياسيَّة والاجتماعيَّة، فقد عوَّل حتى المعارضين على أن بمستطاعهما، لو توفرت لطرفيهما إرادة سياسيَّة كافية، أن يؤسِّسا لمسار سلس صوب هدفيهما الرَّئيسين: «السَّلام الشَّامل» و«التَّحوُّل الدِّيموقراطي».
لكن مسبحة تلك الفترة الانتقاليَّة كرَّت دون التَّحرَّك شبراً واحداً باتِّجاه ذلك المسار المأمول، بل العكس هو الصَّحيح، حيث انفصل الجَّنوب بدولته، وانهار اتِّفاق دارفور الهشُّ في أبوجا، وراح اتِّفاقها الآخر في الدَّوحة يترنَّح، ومثله اتِّفاق الشَّرق في أسمرا، واتِّفاق التَّجمُّع الوطني في القاهرة، ثمَّ راحت الأوضاع الحربيَّة تتفجَّر في جنوب كردفان والنِّيل الأزرق وأبيي، كما راح الشَّرر يتطاير على حدود الشَّمال والجَّنوب!
وفي الثاني من مايو 2012م، أصدر مجلس الأمن الدَّولي، بناءً على مقترحات وتوصيات من الاتِّحاد الأفريقي، وتضامن من الجَّامعة العربيَّة، القرار/2046 الملزم للدَّولتين المستقلتين، وللحركة الشَّعبيَّة ـ شمال، بتسوية نزاعاتهم عن طريق التَّفاوض، بوساطة تابومبيكي، الرَّئيس الجَّنوبأفريقي الأسبق، منذراً بتطبيق عقوبات تحت الفصل السَّابع، وذلك خلال مدد محدَّدة جرى تجديدها، المرَّة تلو المرَّة، لكن بلا جدوى، فقد انقضت كلها دون أن يتوصَّل الفرقاء إلى التَّسوية المأمولة.

II
وفي الحادي عشر من أبريل 2019م أطاحت انتفاضة ديسمبر 2018م الشَّعبيَّة الباسلة بالنِّظام، حيث أسقطت حكومة «الأمر الواقع»، ونقلت السُّلطة إلى حكومة انتقاليَّة مدَّتها ثلاث سنوات، بمهام محدَّدة، من بينها تحقيق شكل وطني من «العدالة الانتقاليَّة Transitional Justice»، تمهيداً لبسط «الدِّيموقراطيَّة» من خلال علاقات القوى السِّياسيَّة والمدنيَّة المختلفة في المجتمع، وإرساء دعائم «السَّلام» المستدام المتفاوض عليه مع حركات الهامش المسلحة، كما يجري، الآن، بجوبا، بين الحكومة والحركات المسلحة. وإذن فإن المعنى الوحيد لكلِّ ذلك، هو أن الحلم، مجرَّد الحلم، بـ «الدِّيموقراطيَّة» و«السَّلام» لا يمكن أن يُرى، ولو في المنام، دَعْ أن يتحقَّق على أرض الواقع، ما لم تجرِ تصفية كاملة لتركة الماضي المثقلة بانتهاكات النِّظام البائد، وقيل انتهاكات جميع الأنظمة الشُّموليَّة السَّابقة، وإلا رُمَّت جراح البلاد على قيح وصديد. وقد اختارت مواثيق الانتفاضة، وقواها الأساسيَّة، نهج «العدالة الانتقاليَّة» طريقاً لهذه التَّصفية المطلوبة، علماً بأنه ليس أمامها، بخلاف ذلك، سوى ثلاثة خيارات آخرى، على أن لكلٍّ منها عواره الذي يحول دون تطبيقه، أو ينتقص من إمكانيَّة هذا التَّطبيق، على الوجه الآتي:
الخيار الأوَّل: أن تعهد السُّلطة الانتقاليَّة بالتَّصفية المطلوبة لآليَّة القانون الوطني والمحاكم الوطنيَّة، أي «العدالة التَّقليديَّة traditional justice»، مِمَّا سيصطدم بالعوائق التَّشريعيَّة التي استنَّها ذلك النِّظام للحيلولة دون مساءلة أعضائه، وموظفيه، ومسؤوليه الأمنيِّين، فضلاً عن المشكلة القانونيَّة القائمة في كون انتهـاكات دارفـور المطلوب تصفيتهـا هـي جـرائم دوليَّـة ارتكـبت بين العامـين 2003م و2004م، بينما تشريعاتنا الجَّنائيَّة الوطنيَّة لم تعرف عناصر القانون الجَّنائي الدَّولي (جرائم الحرب، والجَّرائم ضد الإنسانيَّة، وجريمة الإبادة الجَّماعيَّة) إلا في العام 2010م، حين جرى تعديل القانون الجَّنائي لسنة 1991م، فأضيف إليه الباب الثَّامن عشر، ليشمل، لأوَّل مرَّة، الجَّرائم الدَّوليَّة المشار إليها؛ وبما أن التَّشريع اللاحق لا يسري بأثر رجعي، فإن النِّظام القضائي الوطني يكون، في هذه الحالة، «غير قادر» على محاكمة الانتهاكات المذكورة؛ علماً بأن «القدرة» و«الرغبة» من أهمِّ شروط ولاية القضاء الوطني التي تحجب «الولاية التَّكميليَّة Complementary» عن القضاء الدَّولي.
الخيار الثَّاني: أن تلجأ السُّلطة الانتقاليَّة إلى القضاء الجَّنائي الدَّولي، بما في ذلك محاكم الدُّول التي يقبل قضاؤها الاختصاص الدَّولي، وهو الخيار الذي قد يوفِّر الإمكانات لعدد محدود من المحاكمات، بالنظر إلى طبيعته، وكلفته العالية، بينما كلُّ ضحيَّة ينتظر أن تمتدَّ يد العدالة إلى ظلامته، فضلاً عن افتقار هذا الخيار لإمكانيَّة تطبيق المبدأ القانوني الرَّاسخ، والقائل بأن «العدالة التي تُصرَّف ينبغي أن تُرى وهي تُصرَّف justice to be done is justice to be seen while being done»، وذلك بسبب عامل البُعد الجُّغرافي، وكلفة السَّفر المبهظة، مِمَّا يحرم الضَّحايا وذويهم من حضور جلسات المحاكم المشار إليها.
الخيار الثَّالث: أن تيسِّر السُّلطة الانتقاليَّة تطبيق شكل مناسب من أشكال «المحاكم الهجين Hybrid Courts»، أو ما يُطلق عليها أحياناً «المحاكم المختلطة»، أو «المدوَّلة». هذه المحاكم، وفق طبيعتها القانونيَّة، نوعان، فأمَّا محاكم النَّوع الأوَّل فتنشأ باتِّفاق بين الأمم المتَّحدة، أو منظمة إقليميَّة كالاتِّحاد الأفريقي مثلاً، وبين الدَّولة المعنيَّة العضو في الأمم المتَّحدة، أو في الاتِّحاد الأفريقي، بحسب الحال، وبطلب من الدَّولة نفسها التي يكون قد وقع فيها النِّزاع. أقرب نماذج هذا النَّوع إلينا المحكمة التي أَبرم اتِّفاق إنشائها، بدفع من منظمة الإيقاد، الخصمان اللدودان في الحرب الأهليَّة المأساويَّة التي اندلعت بدولة جنوب السُّودان الوليدة، الرَّئيس سلفاكير وزعيم المعارضة المسلحة رياك مشار، وإن أعاقت تطبيق ما اتَّفقا عليه حقيقة وجودهما، وبعض كبار معاونيهما، في قمَّة السُّلطتين السِّياسيَّة والقبَليَّة. وتتكوَّن محاكم هذا النَّوع، عادة، من خليط من قضاة محليِّين تعيِّنهم الدَّولة المعنيَّة، وآخرين أجانب تعيِّنهم الأمم المتحدة، أو الاتِّحاد الأفريقي، وتطبِّق النِّظام القانوني والقضائي للدَّولة التي وقعت فيها الانتهاكات. أمَّا محاكم النَّوع الآخر فينشئها مجلس الأمن الدَّولي، منفرداً، بموجب سلطاته تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتَّحدة، وتطبِّق، بطبيعة الحال، نظاماً أساسيَّاً خاصَّاً بها، ومستقلاً عن الدَّولة المعنيَّة.
مهما يكن من شئ، فإن الدُّروس المستفادة من أكثر نماذج هذين النوَّعين، بالنِّسبة لإمكانيَّة تطبيقهما خلال الفترة الانتقاليَّة الحاليَّة في بلادنا، هي صعوبة إخضاع الرُّؤسا، والقـادة، والشَّـخصـيَّات ذات النُّفـوذ للمحـاكمـة، ولمَّـا يـزالـوا علـى كراســي السُّلطة، فضلاً عن أن هذا الخيار، أيضاً، وبالنظر إلى طبيعته، وكلفته العالية، قد يوفِّر العدالة لعدد محدود من الضَّحايا، مثله، في ذلك، مثل المحاكمات الدَّوليَّة، بينما مئات، إن لم يكن آلاف الظلامات بانتظار أن تمتدَّ إليها يد العدالة.

III
وهكذا لا يتبقى للسُّلطة الانتقاليَّة سوى خيار «العدالة الانتقاليَّة»، كمفهوم حديث يمكن أن يفضي إلى تفريغ الاحتقان، وإزالة الغبن، في ما لو أخذ بحقِّه، وفق الخبرة الدَّوليَّة المتراكمة. وسنحاول، في الفقرات التَّالية، إدراك الدَّلالة الحقيقيَّة لهذا المفهوم من النَّاحيتين النَّظريَّة والعمليَّة.
فإذا كنَّا نعتبر تصريف العدالة، فى الظروف العاديَّة، وظيفة أساسيَّة من وظائف الدَّولة، تؤدِّيها هيئة قضائيَّة مستقلة، فإن هذه الوظيفة تتقدَّم، في الظروف غير العاديَّة التي تكون خلالها الدَّولة في حالة «انتقال» من «نظام شمولي» إلى نظام «ديموقراطي»، أو من «حرب أهليَّة»، أو نزاعات داخليَّة مسلحة، إلى «سلام» و«مصالحة» وطنيَّة شاملة، لتمثِّل الأهميَّة الأكثر إلحاحاً ضمن وظائف الدَّولة، بهدف إزالة الظلامات، وتضميد الجِّراحات التي تكون قد نجمت، ولا بُد، عن الممارسات القمعيَّة أو الأوضاع الحربيَّة السَّابقة، وإزاحة العقبات التي تعرقل طريق الانتقال المنشود. ومن هنا جاء مفهوم «العدالة الانتقاليَّة» الذي يقرن بين عنصرين:
العنصر الأول «العدالة»: فرغم أن هذا المفهوم ينصبُّ، بوجه عام، على تحقيق ذات الأهداف التي تتغيَّاها، عادة، آليَّات «العدالة التَّقليديَّة»، كالمحاكم، والنِّيابات، والشُّرطة، وأجهزة محاربة الإفلات من العقاب كافَّة، إلا أنه ينطوي، في حالة «العدالة الانتقاليَّة»، على دلالات أكثر شمولاً، باعتباره مركَّباً من «الحقيقة Truth»، و«جبر الضَّرر Reparation»، و«الإصـلاحات الهيكليَّة Reforms»، باتِّجـاه تحقيق "المصـالحة الوطـنيَّة Reconciliation".
العنصر الثاني «الانتقال»: ويشير إلى «التَّحوُّل» الكبير من «الشُّموليَّة» إلى «الدِّيموقراطيَّة»، أو من «الحرب» الى «السَّلام»، أو كليهما. فرغم أن هذه العمليَّة عادة ما تتَّسم بالتَّعقيد، فضلاً عن استغراقها الكثير من الوقت، إلا أن تطبيقاتها، في معظم التَّجارب العالميَّة، نجحت، حيثما ساعدت سياسات «فتح الصفحات الجَّديدة»، و«خلق البدايات الجَّديدة»، على تقوية وتسريع وتائرها، بما يبلغ بمسار «العدالة الانتقاليَّة» سدرة منتهى «المصالحة»، ليس مع النِّظام السَّابق، كما يعتقد البعض خطأ، وإنَّما مع «الذَّاكرة الوطنيَّة» و«التَّاريخ الوطني»، على حدِّ إفصاح نلسون مانديلا السَّديد، لحظة مغادرته الزَّنزانة الموحشة، منتصراً، عام 1990م، بعد أن قضى سبعاً وعشرين سنة بين جدرانها الشَّائهة، وتعبيره عن رغبة صميمة، ليس في التَّشفي، بل في خلق بيئة صالحة لـ «التَّسامح»، مؤكِّداً أن «إقامة العدل» أصعب من «هدم الظلم»، ومتسائلاً: «أيُّ وطن هذا الذي نحلم بتحريره، وإعادة بنائه، إن نحن أطلقنا العنان لمشاعر الانتقام تسفح كلَّ هذه الأنهار من الدِّماء، وتدلي كلَّ هذه الأشلاء البشريَّة من فوق أعمدة المشانق».
أمَّا من ناحية التَّعريف الإجرائي لمفهوم «العدالة الانتقاليَّة»، فإنه يشير إلى مجموعة التَّدابير الشَّاملة للملاحقات القضائيَّة، حيناً، وغير القضائيَّة، أغلب الأحيان، والتي قد تقوم دول مختلفة بتطبيقها لمعالجة ما ورثته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدَّولي الإنساني. وغالباً ما ينصبُّ المفهوم، في دلالته الحديثة، على التَّدابير غير القضائيَّة التي تتضمَّن، أوَّل ما تتضمَّن، إصدار قانون خاص بتكوين آليَّة مستقلة لتنظيم عمليَّة المجابهة بين غرماء الأمس ـ الجَّلادين وضحاياهم ـ والإشراف عليها، وعلى ما تتمخَّض عنها من نتائج.
«العدالة الانتقاليَّة»، إذن، لا تعني، كما قد يتصوَّر البعض، أو يتبادر إلى أذهانهم خطأ، مجرَّد «عقد محاكمات»، بالشكل «التَّقليدي»، خلال فترة «انتقاليَّة»، بقدر ما تعني، غالباً، إنفاذ "العدالة" بصورة «غير تقليديَّة» خلال هذه الفترة. لذا لا يكون إدراك محتواها المفاهيمي والاصطلاحي بمعزل عن شبكة المفاهيم والمصطلحات التي يتضمَّنها هذا المحتوى، مثل "لجان الحقيقة ـ إعادة تأهيل الضَّحايا ـ المصالحة الوطنيَّة ـ الإصلاح القانوني والقضائي والسِّياسي" .. الخ. فهي تشتغل، بوجه عام، في مجتمعات ما بعد التَّغيير لطيِّ صفحة الماضي، ولتمكين هذه المجتمعات من فتح صفحة جديدة، لا لكي «تنسى»، وإنَّما لكي «تسامح» و«تعفو»، وتبدأ عهداً مغايراً من المشاركة والمساواة، فالموتى وحدهم، على قول حكيم لجاك دريدا، هم من يعجزون عن ممارسة «التَّسامح» و«العفو». وتمثِّل هذه الشَّبكة، في مجملها، مفهوماً دالاً على حقل من النَّشاط تتركَّز فيه، بصورة مبتدعة، كيفيَّة مخاطبة مختلف المجتمعات لتركة الماضي المثقلة بالانتهاكات الفظة للقانون الإنساني الدَّولي، بغرض تهيئة أرضيَّة مناسبة لبناء مستقبل أكثر ديموقراطيَّة، وعدلاً، وسلاماً.

IV
مع تنوُّع التجارب والخبرات العالميَّة لـ «العدالة الانتقاليَّة»، فإن ترتيبات الكشف عن «الحقيقة» تمثِّل القاسم المشترك بينها، باعتبارها بداية الطريق. وعادة ما يعتبر هذا القاسم المشترك بمثابة المنهج الأصوب لمجابهة التَّركة المطلوب تصفيتها. ويندرج ضمن هذا المنهج:
أ/ قانون خاص بتكوين آليَّة مستقلة لتنظيم هذه المجابهة، والإشراف عليها. وغالباً ما تتَّخذ هـذه الآليَّـة شـكل "الهـيئـة الوطـنيَّة للحـقيقة والمصالحـة"، كما في خـبرة جـنوب أفريقـيا (1994م)، أو "الهيئة الوطنيَّة للحقيقة والإنصاف Equity والمصالحة"، كما في خبرة المغرب (2004م). وعموماً فإن خبرات هذه «الهيئات الوطنيَّة»، بما فيها تأسيس منصَّات الكشف عن «الحقيقة»، وبرامج «جبر الضَّرر»، وصولاً إلى تحقيق «المصالحة الوطنيَّة»، بالإضافة إلى «الإصلاحات» المؤسَّسيَّة المتنوِّعة، تشمل زهاء الـ 40 ـ 50 بلداً حول العالـم، أبرزهـا، بالإضافـة إلى المغـرب وجـنوب أفريقـيا، كلٌّ من تشـيلي (1990م)، وغواتيمـالا (1994م)، وبولنـدا (1997م)، وسـيراليون (1999م)، وتيمـور الشَّـرقيَّة (2001م)، وهلمَّجرَّا.
ب/ اعترافات الجَّلادين لضحاياهم، أو روايات الضَّحايا علانية، وذلك من خلال جلسات «استماع عمومي Public Hearing» مفتوحة للجُّمهور، تنشرها الصَّحافة، ويبثُّها الرَّاديو والتِّلفزيون، وتتداولها وسائط التَّواصل الاجتماعي كافة.
ج/ حِزَم من أشكال الانصاف، كنظام متكامل لمعالجة الانتهاكات، جسديَّاً، وسايكولوجيَّاً، ومادِّيَّاً، وإعادة تأهيل الضَّحايا، وجبر ضررهم، فرديَّاً وجماعيَّاً. وقد يتخذ ذلك، بالنسبة للأفراد، شكل التَّعويض المالي، أو إعادة الإلحاق بالعمل، أو توفير مصدر الرِّزق المقطوع، أو الدِّراسة، أو السَّكن المناسب، وخلافه. وقد يتَّخذ شكل «التَّمييز الإيجابي Affirmative Action» في التَّنمية، والإعمار، والخدمات، وغيرها، بالنِّسبة للمناطق والمجموعات الإثنية التي طالها التَّهميش، وكذلك بالنِّسبة للنِّساء، وللفئات التي تكون قد عانت من الاستضعاف، وإلى ذلك بعض الإجراءات الرَّمزيَّة، كالاعتذار الرَّسمي من الدَّولة، وما إلى ذلك.
د/ إحياء ذكرى الضَّحايا وتكريمهم، بعد التَّشاور معهم أو مع ذويهم، وذلك بإقامة التَّماثيل والنُّصُب التِّذكاريَّة، وبإنشاء المتاحف، كالمتحف الذي أقيم، مثلاً، داخل مصنع البطاريَّات بسيربينيتسا في البوسنة، حيث وضعت متعلقات 20 من أصل 8000 ضحيَّة من المسلمين الذين تمَّت تصفيتهم فيه من جانب الصِّرب، وإلى ذلك تحويل المواقع التي كانت تستعمل في الماضي كمعسكرات اعتقال، أو تعذيب، على غرار "بيوت الأشباح"، إلى منتزهات تذكاريَّة، فضلاً عن تفعيل الحوار البنَّاء حول أحداث الماضي، فليس المطلوب هو النِّسيان، بل الصَّفح والعفو.
هـ/ تحقيق ودعم مبادرات "المصالحة" في المجتمعات المنقسمة، بمشاركة الضَّحايا، أو من يمثلونهم سياسيَّاً ومدنيَّاً، حول ما يمكن عمله لإبراء الجِّراح، وخلق فرص التَّعايش السِّلمي مع «أعداء» الماضي، بما يفتح الطريق نحو بناء المستقبل الوطني الأفضل.
و/ إصلاح المؤسَّسات الرَّسميَّة التي قد تكون استخدمـت في الانتهاكات «الأمن ـ الشُّـرطة ـ الجَّيش ـ القضاء .. مثلاً»، كإجراء وقائي ضدَّ تكرار الانتهاكات مستقبلاً.
ز/ تمخَّضت هذه الخبرات والتَّجارب الدَّوليَّة عن تأسيس «المركز الدَّولي للعدالة الانتقاليَّة ICTJ» بنيويورك، وذلك بفضل جهود البروفيسير أليكس بورين والقس ديزموند توتو، اللذين يُعتبران المهندسَـين الحقيقيَّين، إلى جانب مانديـلا، في ما يتَّصل بتَّجـربـة جـنوب أفريقــيا.
لقد أفضت جملة تلك التَّجارب والخبرات إلى الارتقاء بخطاب المجتمع الدَّولى من مجرَّد المطالبة بتيسير الوصول للعدالة Access to Justice، فى سبعينات وثمانينات القرن المنصرم، إلى تعزيز مبادئ المحاسبية Accountability، والتَّشديد على عدم السـَّماح بالافلات من العقاب Impunity، منذ مطالع تسعيناته، حتَّى أضحت هذه التَّجارب والخبرات بمثابة علامة انعطاف فارقة، في التَّاريخ الإنساني، يُستهدى بها، لأجل ابتداع وإثراء أشكال جديدة لـ «العدالة الانتقاليَّة»، من واقع المخزون الأخلاقي، والدِّيني، والثَّقافي، لدى مختلف الشُّعوب.

V
التَّاريخ الفعلي لنشأة مفهوم "العدالة الانتقاليَّة" غير معروف بدقة. فقد جرى تداوله، ابتداءً، في حقل السِّياسة الفرنسيَّة. لكن ظهوره، بدلالته التَّطبيقيَّة الرَّاهنة، يعود إلى العام 1992م، في كتاب من ثلاثة أجزاء حرَّره نيل كيرتز بعنوان "العدالة الانتقاليَّة: كيف تنظر الدِّيموقراطيَّات الوليدة إلى الأنظمة السَّابقة"، ويضم أهمَّ الكتابات الباكرة التي استخدم فيها المفهوم ضمن أدبيَّات السِّياسة والقانون في مختلف البلدان، باعتباره مفهوماً استثنائيَّاً يقرن بين مفهومي "العدالة" و"الانتقال"، كما قد رأينا، ويشتغل فقط في البلدان التي تروم استدبار الأوضاع الشُّموليَّة، وإقرار السَّلام، وإنجاز التَّحوُّل الدِّيموقراطي، وترميم شروخات الجَّبهة الدَّاخليَّة، والسَّير باتجاه إعادة البناء الاجتماعي، وتحقيق "المصالحة" الوطنيَّة الشَّاملة، وذلك من فوق تاريخ مثقل بتركة انقسام اجتماعي ناجم عن حرب أهليَّة متطاولة، أو نزاعات داخليَّة مسلحة، أو ممارسات إبادة جماعيَّة، أو قمع وحشي عام، أو تعذيب منهجي للخصوم السِّياسيِّين، أو ما إلى ذلك من انتهاكات حقوق الإنسان، أو جرائم الحرب، أو الجَّرائم ضدَّ الإنسانيَّة. ويستند مفهوم «العدالة الانتقاليَّة»، من النَّاحيتين التَّاريخيَّة والفكريَّة، إلى ركيزتين أساسيَّتين:
الأولى: مجتمعيَّة، فبفضل تطوُّر حركة حقوق الإنسان تمحور المفهوم حول مركز «الضَّحايا»، حيث انصبت الجُّهود على حقوقهم، وحقوق أسرهم، وحقوق المجتمع ككل، فرديَّاً وجماعيَّاً، إذ بغير ضمان هذه الحقوق تبقى الجِّراح مفتوحة تهدِّد بانهيار أيِّ مسعى لـ «السَّلام» أو «الاستقرار».
الثانية: سلطويَّة مستقاة من القانون الدَّولي الإنساني، والقانون الدَّولي لحقوق الإنسان، حيث تُلزم بلدان الفترات الانتقاليَّة بـ:
أ/ وقف الانتهاكات الجَّارية لحقوق الإنسان،
ب/ تفعيل العدالة إزاء الجُّناة في الانتهاكات السَّابقة،
ج/ جبر الضَّرر بالنِّسبة للضَّحايا، وذويهم، والمجتمع من حولهم، فرديَّاً وجماعيَّاً، ومنع الانتهاكات المستقبليَّة، وتدعيم السَّلام، وتعزيز المصالحة الفرديَّة والجَّماعيَّة.
ويعترف المفهوم، كمنهج، بكون «التَّحوُّل» أو «الانتقال»، بقدر ما هو عمليَّة محفوفة بفرص قيام ديموقراطيَّات مبتكرة، وتأسيس أجواء سلام مستقرَّة، هو، أيضاً، عمليَّة معقَّدة، تحتوشها المعوِّقات، ومخاطر الانتكاس. فمثلا، يمكن أن تنبني هذه العمليَّة على مفاوضات مطوَّلة، فتفضي إلى سلام ضعيف، أو ديموقراطيَّة هشَّة، أو يكون عدد المنتهكين كبيراً، مِمَّا قد يفوق القدرة على التَّعامل معهم؛ أو يكون عدد الضَّحايا أو ذويهم، مِمَّن يرغبون في رواية قصصهم ونيل التَّعويضات، كبيراً، أيضاً؛ أو توجد معوِّقات دستوريَّة أو قانونيَّة ناجمة عن جولات تفاوض سابقة، كالعفو عن مجرمين مرتبطين بالنِّظام السَّابق؛ كما وأن الدِّيموقراطيَّات الوليدة قد تعاني من تدخُّلات السُّلطة البائدة «الدَّولة العميقة أو الخفيَّة»، أو تأثيرات مجرمي النِّظام السَّابق، مِمَّا يجعل المفهوم منتقَصاً من ناحية قيم أخرى مهمَّة، كالسَّلام الرَّاسخ، والاستقرار الدِّيموقراطي، وسيادة حكم القانون، والمساواة أمامه، وتحقيق العدالة للضَّحايا وأسرهم .. الخ.
أمَّا الملابسات التَّاريخيَّة لتطبيقات المفهوم والمصطلح فلم تقع بضربة واحدة، وإنَّما بالتَّدريج، عبر خبرات مختلف البلدان والشُّعوب كما سبق أن أشرنا:
ففي أوروبا الغربيَّة ووجه العالم بمحدوديَّة نموذجي "نورمبرج وطوكيو"، على أهميَّتهما التَّاريخيَّة، بعد الحرب الثانية، إزاء ملايين الضَّحايا من المدنيِّين، فأخذت الحاجة إلى «العدالة الانتقاليَّة» تتبلور، من ثمَّ، كمفهوم وكمنهج عمل أكثر نضجاً وجدوى، مـع ارتفـاع المناقشـات، لاحـقاً، حـول محاكمـات جـنرالات اليونان (1975م)، والأرجـنتيـن (1983م)، وملاحقة القادة النازيِّين الفارِّين، والقبض عليهم، ومحاكمتهم.
وفي أوربا الشَّرقيَّة أسهمت الجهود المجتمعيَّة بشأن التَّعامل مع انتهاكات الماضي، في فتح ملفَّات وكالات الأمن السَّابقة، مثل «قانون سجلات استاسي في ألمانيا 1991م»، كما وفي الدَّفع بالنِّضال العالمي من أجل العدالة خلال فترات الانتقال السِّياسي.
وفي أمريكا اللاتينيَّة أسهمت مؤسَّسات الكشف المدنيَّة عن «الحقيقة»، مثل «اللجنة القوميَّة الأرجنتينيَّة لتقصِّي المختطفين، 1983م»؛ والجهد غير الحكومي في الأورغواي، والذي أفضى إلى التَّقرير الأشهر «الأورغواي: ليس مرَّة أخرى»؛ و«لجنة الحقيقة والمصالحة التشيليَّة، 1990م»، إسهاماً كبيراً في تطوير مفهوم «العدالة الشَّاملة» خلال فترات «الانتقال»، استناداً إلى أن «الحقيقة» مبدأ جوهري لا يجب الانتقاص منه. كما وأن الجُّهود الإضافيَّة لتعويض الضَّحايا في الأرجنتين وتشيلي أسهمت أيضا في توفير العدالة للضَّحايا.
وفي أفريقيا، واستهداءً بتجارب أمريكا اللاتينيَّة وشرق أوربا، كوَّنت جنوب أفريقيا، في 1994م ـ1995م، «لجنة الحقيقة والمصالحة» لتتناول جرائم التَّفرقة العنصريَّة. ومنذ ذلك الوقت، أصبح نموذج هذه «اللجنة» آليَّة عالميَّة لـ «العدالة الانتقاليَّة»، حيث تكونت لجان مشابهة في تيمور الشرقية، وغانا، والبيرو، وسيراليون، والمغرب، وغيرها، رغم تمايزها، وابتداع كلٍّ منها أسلوبه الخاص، كإضافة «الإنصاف» بين «الحقيقة» و«المصالحة» في تجربة المغرب، بالمفارقة لتجربة جنوب أفريقيا.
وأمَّا المنطق وراء الحاجة لاجتراح نمط "العدالة الانتقاليَّة" فيقوم على عدَّة عناصر، منها:
(1) ضخامة الجَّرائم المرتكبة خلال الفترة السَّابقة على الانتقال، والمكوِّنة لتركة الماضي المراد تصفيتها، رأسيَّاً من حيث النُّوعيَّة، وأفقيَّاً من حيث أعداد المنتهكين والضَّحايا، بحيث تصعب معالجتها جميعها عن طريق إجراءات المحاكم العاديَّة.
(2) قيود التَّقاضي العادي أمام المحاكم الجَّنائية، وصرامة قواعده، مثل:
أ/ الإثبات دون الشَّـكِّ المعقـول beyond a reasonable doubt، والـذي يسـتوجـب التَّثبُّت، والتَّبيُّن، وعـدم استعجال الإجراءات، فهو، بالتَّالي، من ثمَّ، لا يفي بالكشف عن نطاق واسع من الجَّرائم.
ب/ اصطدام بعض إجراءات التَّقاضي العادي، كعرض العفو Pardon مقابل تقديم إفادات عن أدوار الشركاء King's Evidence، ببعض المبادئ القانونيَّة الدَّولية التي لا تقبله في حالات الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان وللقانون الدَّولي الإنساني.
ج/ حصانة المعلومات التي يدلي بها الشهود أمام جلسات الاستماع من أن تستخدم في الدعاوى ضدهم أمام المحاكم العاديَّة، في ما إذا رفض الضَّحيَّة أو ذووه العفو، وأختاروا أن يتَّجهوا إلى التَّقاضي أمام المحاكم التَّقليديَّة، فهذه المعلومات مطلوبة لا للإثبات الجَّنائي، بل، فقط، للكشف عن «الحقيقة» أثناء «الاستماع العمومي».
لقد أفضى جدل التطوُّر الطبيعي لعلاقات وصراعات المجتمع المدني مع النِّظام السَّابق في المغرب إلى إحداث تحوُّل أكثر تأثُّراً بالدِّيموقراطيَّة داخل بنية النِّظام نفسه، بينما أفضى، في تجربة جنوب أفريقيا، إلى نموذج مغاير، بالاتِّجاه لإنجاز القطيعة التَّامَّة مع نظام الفصل العنصري السَّابق. لقد اضطر الكثير من الجَّلادين لمواجهة ضحاياهم في جنوب أفريقيا، وقدموا اعترافات علنيَّة بما اقترفوا، كما وتمكَّن الضحايا في المغرب من "إسماع أصواتهم من منبر عمومي رسمي .. (و) تأسيس حكي وطني حول المعاناة والآلام الماضية" (أنظر: التَّقرير الختامي لهيئة الإنصاف والمصالحة المغربيَّة).
ولئن استندت التَّجربة في بيئات الثَّقافة المسيحيَّة، كما في جنوب أفريقيا، إلى التَّعاليم الكنسيَّة بشأن فضيلة التَّسامح والعفو، فمِمَّا يرجِّح سداد تطبيقات التَّجربة، أيضاً، في بيئات الثَّقافة الإسلاميَّة، كالمغرب، أن تعاليم الإسلام نفسه قائمة، في هذا الجانب، على الإعلاء من فضيلة "العفو عند المقدرة". ويقيناً تكفل آليَّة "الاستماع العمومي"، وما شابهها، هذه "المقدرة" بحمل الجَّلادين ونظامهم السِّياسي على "الاعتراف" بـ "الحقيقة" علناً، أو، على الأقل، بتمكين "الضَّحايا" من رواية "ما جرى"، علناً أيضاً، مع طلب المنتهكين «العفو» من «الضَّحايا».

VI
ونسبة لِما لجلسات «الاستماع العمومي» من موقع مركزي في سياق مشروعات «العدالة الانتقاليَّة»، تلزمنا العودة، هنا، بمزيد من إضاءة أبرز خصائصها، على النَّحـو الآتي:
(1) تنعقد في قاعات مفتوحة، ويشارك فيها المنتهكون، والضَّحايا، وذووهم، ويتاح حضورها، بلا أيِّ قيود، للجُّمهور عموماً، وللإعلاميِّين والصَّحفيِّين خصوصاً، وتنقل وقائعها الصُّحف الورقيَّة، والوسائط الإليكترونيَّة، وأجهزة الراديو والتَّلفزة، المحليَّة والأجنبيَّة، وما إليها.
(2) تُعرض خلالها على المنتهكين صفقة الإدلاء، أمام الضَّحايا، باعترافات كاملة عن «حقيقة» ما جرى، دون أدنى محاولة لإخفاء أدقِّ تفصيلة، مقابل أن يستجيب الضَّحايا لـ «العفو» الذي يطلبه المنتهكون منهم في نهاية اعترافاتهم. وعندما سُئل مانديلا عن ضمانته لهذه الاستجابة بعد أن يكون المنتهك قد أدلى بكامل اعترافه، أجاب قائلاً: «إنني أثق في طيبة قلب الإنسان»، فضلاً عن أن مثل هذا الاعتراف محصَّن، كما سبق أن قلنا،، أمام الضَّحايا، من الاستخدام في معرض الإثبات الجنائي من قِبل الضَّحايا الذين لا يقبلون بممارسة «العفو»، ويقرِّرون اللجوء إلى «المحاكم التقليديَّة»، فعليهم أن يتحمَّلوا كامل عبء الإثبات وحدهم.
(3) إذا وافق المنتهكون على صفقة الاعتراف، لكن أخلوا بشرط عدم إخفاء أدنى تفصيلة، فإنهم يفقدون الحقَّ في طلب «العفو».
(4) إذا حدث وعفا الضّحايا تُقدَّم لهم مختلف أنواع «جبر الضَّرر»، مادِّيَّاً ومعنويَّاً، أما المنتهكون الذين ينفذون شرط «الاعتراف» كاملاً، فيُفرض عليهم القيام بأشكال مختلفة من «الخدمة الاجتماعيَّة social service» التَّطوُّعيَّة لمدد زمنيَّة محدَّدة.
(5) «جبر الضَّرر» قد يكون فرديَّاً، أو جماعيَّاً. الأوَّل ربَّما يشمل «التعويض المالي ـ الوظيفي ـ التَّعليمي ـ الإسكاني» .. الخ؛ أما الجَّماعي فقد يشمل «التَّمييز الإيجابي لمناطق بأكاملها، أو إثنيَّات أو شرائح اجتماعيَّة بعينها ـ تخليد الضَّحايا بالتَّماثيل والأنصاب التِّذكاريَّة ـ الإصلاحات المؤسَّسيَّة للقوانين، وآليَّات القضاء، والنيابة، والشُّرطة، والأمن، والسجون» .. الخ.


* باختزال من ورقة قُدِّمَت أمام اللقاء التَّفاكري الثَّاني، بالدَّوحة، تحت عنوان "عناق الآخر"، 22 ـ 24 أغسطس 2012م؛ و مداخلة ضمن ندوة «رؤى وآفاق التَّحوُّل الدِّيموقراطي في السُّودان» التي أقيمت بـ «المقهى الثَّقافي» في «معرض الخرطوم الدَّولي» مساء 28 أكتوبر 2019م، ونعيد طرحهما هنا بتصرُّف.

***


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.