(إستعادة بتصرُّف في مناسبة دعوتي بعد ثلاثين عاماً لاجتماع هيئة المؤسِّسين)


يروق لي، في التَّنويه بمناقب الأمدرمانيِّين الفضلاء الذين شادوا، بأريحيَّتهم النَّديَّة، مجد المدينة الزَّاهي، وعَبَّدوا، بثرائهم الرُّوحي، مسالك الخير فيها، كابراً عن كابر، إلى يوم الدِّين، أن أستشهد بكلمة رقيقة المبنى، باذخة المعنى، كنت سمعتها، صدفة، من العميد الرَّاحل يوسف بدري، يوم تصادف جلوسي إلى جواره أثناء أحد اجتماعات التَّأسيس لجامعة أم درمان الأهليَّة، في حوش آل سوار الدهب، بفريق الخنادقة، ذات مساء بعيد، مطالع العام 1984م. فعندما أفضيت إليه، همساً، بدخيلة قلقى من طيوف الفشل، وقد لاحت لي، وقتها، عن غرارة وقلة خبرة، بدا متيقِّناً، تماماً، من نجاح المشروع، فهمس، بدوره، في أذني: "ما تخاف .. أم درمان دى ربنا مِسَخِّر ليها ناساً مَصَلَّتين"، وأومأ برأسه إلى الجَّمع المهيب، مكبِّين على طروس يتولى استعراضها البروف محمَّد عمر بشير، في ضوء لهبة كيروسين، فالكهرباء مقطوعة، والظِّلال تصطخب على الحوائط حماسة، وفوق سور الحوش اقتدارا؛ فأدركت، لحظتها، أن العميد كان يستدعى خبرة «المدرسة الأهلية»، و«معهد القرش»، و«الجَّامع الكبير»، والكثير غير ذلك، اطمئناناً لعبقريَّة المكان، وثقة بتقاليد العمل الطَّوعيِّ، واستبشاراً بمن "جعلوا الخدمة في الحىِّ نخوةً وابتدارا"، على قول المجذوب.
ما خاب حدس العميد، ولا حبط يقينه، فما كاد العام يتولى على رهانه المجيد حتَّى كان «المصلَّتون» يتبادلون، في مارس 1985م، ودموع الفرح ملء المآقي، أجمل التَّهاني، وأعذب التَّبريكات، بمناسبة حصولهم على تصديق «مشروع جامعة أم درمان الأهليَّة ـ النظام الأساسى لكليَّة أم درمان الأهليَّة». وقتها رأي البروف ألا يقلَّ «مجلس الأمناء» عن 500 عضواً، فلكأنى به يرفع رأسه، في آخر لحظة، من المخططات الأكاديميَّة التى استنفدته، آنذاك، عُمراً، وعافية، واهتماماً، ليكتشف أن الصِّرح لا يتبع إلى جسد مدنىٍّ معلوم، فيسارع للتَّعبير، على ذلك النَّحو، عن خشيته من مغبَّة الأمر، مقترحاً زيادة تمثيل المؤسِّسين في «مجلس الأمناء»، تحسُّباً لِـ «النَّوايا»! ولكن الرَّأي الغالب استقرَّ، للأسف، على ألا يقلَّ العدد عن مئة!
تشكَّل أوَّل «مجلس أمناء» فى 1986م من 247 عضواً برئاسة محمد سيد احمد سوار الدهب، و 6 نواب للرَّئيس، وسليمان أبو قرون مقرِّراً، وانتُخبت لجنة تنفيذيَّة من 15 عضواً. كان ذاك تشكيلاً توفرت له كلُّ عناصر الهيبة، والتَّجرُّد، والاخلاص، والرَّمزيَّة الأمدرمانيَّة ذات اللون، والطعم، والرَّائحة. لكن، وعلى حين كان ينبغى، حسب النِّظام الأساسي، ألا تتجاوز مدته أربع سنوات، استمر، عمليَّاً، حتَّى مطلع ديسمبر 1995م، دون أن يفكِّر أحد فى الرُّجوع إلى «هيئة المؤسِّسين»! بل إن «الهيئة» نفسها غُيِّبت، تماماً، في عقابيل انقلاب الإسلامويِّين منتصف 1989م، وكان ذلك أوَّل الوهن الذي شكَّل، في الحساب النِّهائي، حتف أنف أيِّ تبرير يتوكَّأ على عوامل الضَّرورة المُلجئة، أو حسن النِّيَّة الغالب، بوَّابة لكلِّ ما وقع، لاحقاً، من تجاوزات كبيرة، وإخلالات خطيرة!
مع ذلك مضى الحلم يَشخَصُ، بقوَّة الدَّفع الأولى، من الأكتاف إلى أفواف السَّماء، ومضى الصِّرح يستوى خلقاً قويماً، والأمل يعبر مرحلة «الكليَّة» إلى مرتقى «الجَّامعة» .. ولكن!
***
كرَّت مسبحة السَّنوات حتَّى منتصف التِّسعينات. وكم كان زمناً أعجفاً تقلبت بالناس فيه صروف المتغيِّرات المزلزلة، فغالت غائلتها هِمَماً لطالما استعصت، في أزمان أخرى، على نوائب الدهر، فانطفأت جذوة مبادءات كانت، إلى وقت قريب، لا مقطوعة ولا ممنوعة، وراحت «الحاجة» تدفع طاقات البذل، والمشاركة في الهمِّ العام، إلى التآكل، وتُسلِم البعض إلى حالة مؤسفة من الخوف، فالانغماس فى تربية العيال، والانشغال بما لا يتجاوز إلا قليلاً عتبات المساكن، والاستغراق فى ما لا يبعد كثيراً عن أرانب الأنوف! فى لجَّة ذلك الظرف التَّاريخي البغيض، والذى أُبعِد فيه الكثيرون، أو ابتعدوا، صدر قانون التَّأسيس الموحَّد للجامعات عام 1993م، ليسارع «مجلس الأمناء» للقبول به فى 8 ديسمبر 1993م، دون استشارة «هيئة المؤسِّسين»، تلهُّفاً، كما قيل، للحصول على الاعتراف بالجَّامعة! غير أن تلك الخطوة دقَّت أوَّل إسفين داخل المجلس، فغادرته مجموعة مغاضبة، ليتهيَّأ مناخ العدائيَّات البغيض، والملبَّد، للأسف، بكلِّ غيوم الانشقاق والتَّكتُّل. وهنا أيضاً لم يفكِّر أحد فى دعوة «المؤسِّسين» لحسم الخلاف، أو للمشاركة فى صياغة قانون الجَّامعة، أو، على الأقلِّ، لملاحظة الخلل الواضح فيه، ولو بعد اكتمال صياغته مع خواتيم 1994م، قبل صدوره بتوقيع رئيس الجُّمهوريَّة فى 15 أغسطس 1995م؛ وأبرز ملامح ذلك:
أ/ أن المادة/3 تعرِّف «المؤسِّسين» بأنهم «المواطنون الذين بادروا بإنشاء الجَّامعة (أو) أسهموا بفكرهم وجهدهم ومالهم»! إنتهى النَّص. ولعلَّ الخلل هنا أوضح من أن يحتاج إلى مصباح ديوجينس، فكلمة (أو) تصنِّف «المؤسِّسين» في فسطاطين: أحدهما «بادر» والآخر «أسهم» لاحقاً، فهي كفيلة، إذن، بأن تدرج في قوام «المؤسِّسين» حتَّى مَن يتبرَّع للجَّامعة بأيِّ مال، بعد التَّأسيس، أو يتكبَّد حضور اجتماع ولو بعد قرن! خطورة هذا النصُّ لا تقتصر على منح صفة «المؤسِّس» لمن لا يستحقُّها، بل وتتيح لأىِّ «مركز قوَّة» يتشكَّل داخل «المجلس»، ولو بالاستناد إلى السُّلطة الانقلابيَّة، أن يسبغ على من يشاء صفة «المؤسِّس» للاستقواء! ومِمَّا يفضح نيَّة المشرِّع أن كلمة (أو) تبعتها عبارة «أسهموا بفكرهم وجهدهم ومالهم» دون أن يتَّضح فيمَ «أسهموا»! فلو قال: «في إنشاء الجَّامعة» لاستدار المعنى رجوعاً إلى من «بادروا بالانشاء»، مِمَّا قد يجعل العبارتين مترادفتين، فيخلق مشكلة لدى التَّفسير مستقبلاً، ولذا فضَّل المشرِّع الصَّمت المريب!
ب/ وقد يقول قائل: ولكن النَّصَّ مفتوح، حتَّى بهذه الدَّلالة، للجميع! غير أن المادة/8/8 تفضح غرض المشرِّع الحقيقي، كونها تخوِّل «تعريف المؤسِّسين ومهامِّهم» لـ «المجلس»! أي أن «المؤسِّسين»، الذين هم في مقام «الأصيل»، والذين أنابوا «مجلس الأمناء» عنهم كـ «وكيل»، أصبحوا، هم أنفسهم، فى قبضة هذا «المجلس/الوكيل» الذى يمتلك صلاحيَّة أن يمنح صفة «المؤسِّس/الأصيل» لمن يشاء، ويمنعها عمَّن يشاء! فتأمَّل القدر من المفارقة حتَّى للمنطق الشَّكلي!
ج/ وتكفي نظرة عابرة للقانون لتقدير مدى فداحة السُّلطات والصَّلاحيَّات التي أنيطت بـ «المجلس/الوكيل»، مقارنة بـ «المؤسِّسين/الأصيل» الذين لم يشر المشرِّع، مجرَّد إشارة، إلى «قيُّوميتهم» على ذلك «المجلس»، فلم يرد لهـم ذكـر فـي غـير ذلك التَّعريـف العجـيب، سـوى مرَّتيـن فقـط: الأولـى ضمن المادة/1/8 التى تنصُّ على أن الأعضاء «يُختارون من بين المؤسِّسين ومن غيرهم» ـ لاحظ «يُختارون» وليس «يُنتخبون» ـ ولا غرو، فقد صدر القانون في زمن «الشَّرعيَّة الانقلابيَّة» التي أحلت «التَّعيِّين» في أكثر الكيانات اقتراناً بالدِّيموقراطيَّة، كالنِّقابات والاتِّحادات المهنيَّة! أمَّا المرَّة الثانيَّة فضمن اختصاصات «رئيس المجلس/الوكيل» الذى يعمل، بنص المادة/12، على «تقوية صلة المؤسِّسين بالجَّامعة»! ولك أن تتصوَّر أن من سهروا يؤسِّسون هذا الصِّرح على لهبة كيروسين، يوم لم يك شيئاً مذكورا، أصبحت علاقتهم به رهينة، حال قوتها أو ضعفها، بعمل «رئيس المجلس»، وليس حتَّى بـ «المجلس» مجتمعاً! ثم لا تسَل بعد ذلك عمَّا «فعل» الرَّئيس وما «ترك»!
د/ ورغم تركيزنا، هنا، بالأساس، على اختلال العلاقة بين «مجلس الأمناء» وبين «هيئة المؤسِّسين»، الأمر الذي نرى أنه أسَّ البلاء، إلا أن الخلل يتعدى، فى حقيقته، هذا الإطار ليشمل سلطويَّة هذا «المجلس» على كلِّ هياكل الجَّامعة الأخرى، بما فيها «مجلس الجَّامعة» و«هيكل إدارتها» اللذين يعانيان من التَّدخُّل المباشر، سواء من جانب شخصيَّات نافذة فى «مجلس الأمناء»، أم من جانب اللجان التى درج «رئيسه» على تكوينها بموجب المادة/12 من القانون، كـ «لجنة العشرة» عام 1996م، و«لجنة الخمسة عشر» عام 2004م، حتى ليبدو «مجلس الجَّامعة» و«هيكل إدارتها» محض تابعَيْن بلا حول ولا قوَّة لـ «مجلس أمناء» لا رقيبين فوقه، أو مُعقِّبين عليه!
***
بصدور قانون 1995م، صار جليَّاً أن الجامعة أخذت تتسرَّب من بين أصابع «مؤسِّسيها»، أصحاب الجلد والرأس، الذين أُبعدوا، أو تباعدوا، غُيِّبوا أو غابوا! وقد عزَّزت من ذلك الانطباع القوي، بل المُعطى الواقعىِّ، الطريقة التى اتُّبعت فى «تعيين» أوَّل «مجلس أمناء» في 7 يوليو 1995م، بموجب المادة/1/8. لقد تدخَّل الوزير إبراهيم احمد عمر بين مجموعتين اصطرعتا على مقاعد «المجلس» السِّتين، فاختار منهما أربعين، ثمَّ أكمل العدد بعشرين لا علاقة لهم بـ «المؤسِّسين» ، ثمَّ «عيَّن» عليهم «رئيساً»! ومع أن مدَّة ذلك «المجلس» كان من المفترض، بنصِّ المادة/2/8، أن تنتهي في 6 ديسمبر 1997م، ليتمَّ «اختيار» غيره كي يستمر لفترة أربع سنوات تبدأ في 7 ديسمبر 1997م لتنتهي في 6 ديسمبر 2001م، إلا أن «المجلس» الأوَّل مدَّد فترته «بإيده وشديده» حتَّى 14 مارس 1999م، حيث دُعيت جماعة «يُفترض!» أنها، بادِّعائها، تمثِّل «المؤسِّسين!»، فاستصدر منها «رئيس المجلس» موافقة على قائمة بذات السِّتِّين السَّابقين تقريباً، مع ملء خانات المتوفِّين، فانفضَّ السَّامر بلا ترشيح، ولا تصويت، ولا يحزنون!
برغم ذلك لم ينطفئ الفأل الحسن في النُّفوس الخيِّرة؛ لم يغيِّبه الموت الحقُّ مع النفر العزيز الذى غَيَّب تباعاً، ولم تُبهت بريقه مماسح الإهمال التي طالت أخلص «المصلتين»، ولم تجرف لؤلؤته سيول الجُّحود تطبْطبُ فى كل وادٍ تتراجع عنه ديموقراطيَّة النَّشاط الأهلي! وحدُه حُسن الفأل، والظنِّ، والنيَّة هذا هو ما ألزم أبكار أولئك «المَصَلتين» الصَّمت، جزعاً من مآلات التَّنازع على الجَّنين، تماماً كحال الأم التى نازعتها أخرى على جنينها، في الأمثولة الصِّينيَّة، ولمَّا لم يجد القاضى مناصَّاً من الحكم بقسمته بينهما «بالتَّساوي!»، صرخت متنازلة عنه «كله» لغريمتها، كآية في «القسمة بقدر الحب»!
وليت كلَّ ذلك أجدى فتيلاً! فقد استيقظ النَّاس ذات صباح من منتصف مايو 2004م على انفجار الأوضاع، فجأة، في هذا الصِّرح على النحو الآتي:
أ/ كانت هيئة الأساتذة قد طالبت بزيادة الرَّواتب بنسبة 100%، وإصلاح الوضع الإداري والمالي، منتقدة ميزانيَّة 2004م. لكنها، وبإزاء إجازة الميزانيَّة، قرَّرت، فى11 مايو 2004م، التوقف عن العمل يومى 15 ، 16 مايو، وتنظيم ورشة لتدارس الأوضاع الأكاديميََّّّة، والإداريَّّة، والماليَّّة، ووجَّهت بذلك مذكرة للمدير في 12 مايو 2004م. وفى اليوم التَّالي نفَّذ الأساتذة إضرابهم، وأصدرت هيئة الإداريين، وتجمُّع روابط الطلاب، بيانين منفصلين مؤازرة لهم.
ب/ إنتهى الإضراب صباح 17 مايو، وتوجَّه الأساتذة، والطلاب، والاداريُّون، إلى الجَّامعة ليفاجأوا بأن «مجلس الأمناء» أغلق أبوابها دون سابق إخطار، حتَّى لعمداء الكليَّات، واستدعى الشُّرطة لتحيط بالمبنى، وتمنع الاقتراب منه، وأصدر بياناً هاجم فيه الإضراب معتبراً إيَّاه «حدثاً غير مسبوق في تاريخ الجَّامعات السُّودانيَّة، إذ لم يحدث أن توقَّف أستاذ جامعي عن العمل بسبب مطالب فئويَّة»! وشكَّك، فوق ذلك، في شرعيَّة هيئة الأساتذة باعتبارها «تضمُّ أساتذة الجَّامعة، ومساعدي التَّدريس، والمدرِّسين من حملة البكلاريوس!» (الرأى العام، 17 مايو 2004م). ولم يكتف المجلس بذلك، بل عقد مؤتمراً صحفيَّاً وصف من خلاله عمر شمينا المحامي قرار الهيئة «بالفوضى ومخالفة القانون العام»، كما اتَّهم ياسين عمر الإمام جهات لم يسمِّها «بالتآمر لتقويض الجَّامعة لاغراض خاصَّة!» (الصَّحافة، 18 مايو 2004من). ولو ان السَّيِّد ياسين، بالذَّات، تريَّث قليلاً، لأحجم عن ذلك القول الغليظ، كون إخوة له كانوا، آنذاك، قابعين خلف القضبان بسبب اتهامات من نفس الشَّاكلة، وعلى رأسهم د. حسن التُّرابى. ردَّت هيئتا الأساتذة والإداريِّين على ذلك الهجوم ببيان مشترك دافعتا فيه عن شرعيَّتهما، وعن شرعيَّة الاضراب، وقالتا إنه "لو حسنت النَّوايا لكان بالإمكان التَّوصُّل لحلول وسطى"، وأن مطالبهما ليست فئويَّة بحتة «بل شملت الإصلاح المالي، والإداري، والأكاديمي»، وأكدتا أن «أموال الجَّامعة تُستثمر في أغراض لا صلة لها بها .. كأعمال البنوك من تمويل قصير الأجل للغير»! وتلك تهمة نصحنا «مجلس الأمناء» بالمسارعة للإبانة حولها، فلا جدوى من تجاهلها، ولا طائل من السكوت عليها!
ج/ ما حدث بعد ذلك كان عبارة عن كوميديا سوداء، إذ استدارت جهود الأساتذة، والإداريِّين، والطلاب، عن مطالبهم الإصلاحيَّة، إلى إقناع «مجلس الأمناء» بفتح الجَّامعة! لكن «المجلس» ظلَّ يتعنَّت، ولم يستجب إلا بعد لأي، وبعد أن أهرقت الصُّحف حبراً كثيراً في هذا المنحى، وبحَّت حناجر الوسطاء من المناشدة!
كان أكثر ما يقلق في تلك الأحداث هو أنها كشفت عن خلوِّ وفاض «مجلس الأمناء»، للأسف الشَّديد، من أبسط حكمة أو كفاءة لاحتواء أزمة كهذه، دون حاجة لاستعراض قوَّة هوجاء، أو عنف فجٍّ، مادِّيَّاً كان أم لفظيَّاً. كما كشفت عن شكلانيَّة منهجه فى معالجة القضيَّة بمسارعته لتأطيرها في علاقة «المخدِّم والشَّخص المستخدَم»، دون مراعاة لحساسيَّة وضع المؤسَّسة في مخيلة النَّاس، اجتماعيَّاً وأخلاقيَّاً! وحتَّى باستبعاد حُجة الهيئتين القويَّة بشأن شرعيَّتهما، وكونهما ممثَّلتين في «مجلس الجَّامعة»، فقد كان على «مجلس الأمناء»، بدلاً من أن الغرق مع مستشاره في شبر ماء الشَّكليَّات القانونيَّة، منصرفاً عن «لؤلؤة» المطالب العادلة، ومنشغلاً لحصد «صَدَفتها»، أن يستشعر خجلاً إنسانيَّاً مرغوباً فيه من حقيقة أن دخول هؤلاء «المستخدَمين» الذين لولاهم لما قامت لهذا الصِّرح قائمة، تقلُّ بما لا يقاس عن دخول أغلب أعضاء «المجلس»، وأنهم لا يملكون، ومن ورائهم أسر ممتدَّة، سوى هذه المرتَّبات الشَّحيحة، وأن تهيئة ظروفهم الماديَّة الأفضل، ووضع شروط خدمة مجزية لهم، لهي من أولويَّات شروط الاستقرار للبيئة الجَّامعيَّة بأسرها، وأن ارتفاع أسعار السُّكَّر، والبنزين، والجَّازولين، وتكلفة النَّقل، ومدخلات الانتاج الزِّراعي، والصِّناعي، قد تسبَّب في رفع أسعار كلِّ السلع الأخرى، مِمَّا يعنى، عمليَّاً، انخفاض الدُّخول الحقيقيَّة للمواطنين، وأن هؤلاء الأساتذة والموظفين سبق أن ضحُّوا من أجل هذه المؤسَّسة بالعمل فى مرحلة التأسيس لقاء مكافآت رمزيَّة، وأن آخر مرَّة حُسِّنت فيها شروط خدمتهم كانت قبل أربع سنوات، وأن الدَّولة نفسها قرَّرت زيادة الأجور فى تلك السَّنة الماليَّة بنسبة 66%، رغم عدم جدوى ذلك فى ظل استمرار التَّضخُّم وارتفاع الأسعار!
***
إن تقديرى لا تحدُّه حدود للكثير من الرُّموز الأمدرمانيَّة الماجدة التي سعت بالوساطة في هذه الأزمة. وأعلم يقيناً كم هي خيِّرة دوافعهم، وكم هي نبيلة مراميهم. غير أنني، مع ذلك، أستميحهم العفو أن أهمس في آذانهم بأن هذه الخبرة المريرة قابلة للتِّكرار، ولذا فالاستقامة تقتضينا أن نصدع بكلمة حقٍّ مستحقٍّ باتِّجاهين: ضرورة إعادة الاعتبار لـ «هيئة المؤسِّسين الحقيقيِّين»، من جهة، كى تنتظم فى كيان مدنىٍّ مؤهَّل لضمان مستقبل هذه «الجَّامعة»، وضرورة إجراء المراجعات الشَّاملة، من جهة أخرى، ليس فقط للسِّياسات، والمناهج، والأساليب، بل وللقانون نفسه الذى جعل الجَّامعة بلا أب ولا أم! فبغير ذلك لن تبلغوا، رغم حسن نواياكم، أكثر من حشو الجراح بالتَّبغ، وتقبَّلوا صادق اعتذاري!
***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.