الإثنين
الهجاء، كأحد أغراض الشِّعر، قديمه وحديثه، قد يكون سلبيَّاً مجَّانيَّاً، وقد يكون إيجابيَّاً بناءً؛ الأوَّل محض شتم وتباذؤ فارغَين من المعنى، أمَّا الآخر فحامل لمضامين نقديَّة، تربويَّة، وربَّما تحريضيَّة باتِّجاه ثوري. من سنخ هذا الأخير مَسَحَ جيلي عبد الرحمن البلاط، قولاً واحداً، بشاعر تحوَّل من رفيع إلى وضيع، يوم تنكَّر للثَّورة، وأدار ظهره للثُّوَّار، تاركاً أجسادهم معلقة، كالمراجيح، على أعواد المشانق، أو مثقوبة بالرُّصاص، كالغرابيل، يخترقها الهواء، في ساحات الرَّمي، ثمَّ مضى يأكل بأثداء قوافيه، لا يأبه للتَّاريخ، أو الأخلاق، أو أيِّ شئ، فأنشد جيلي: «فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ مِن عَامِ القَحْطْ/ شَاعِرُنَا هَمهَمَ/ مِثْل سنان المِشْطْ/ سَوَاسِيَةٌ أَقْدَارُ القَاتِلِ وَالمَقْتُول/ قَدْ بَاعَ العَهْدْ/ السَّيْفَ النَّوْرانِيَّ المَسْلُولْ/ واسْوَدَّتْ لُؤلُؤةُ بَصِيرَتِهِ/ مِثْلَ جِذُوعِ السَّنْطْ»!

الثُّلاثاء
لم تكن غريبة على المستعربين المسلمين السُّودانيِّين فكرة المهديَّة الرَّائجة فى كل المذاهب السُّنيَّة والشِّيعيَّة، تسـتمد أصـولها من أحاديث لدى الترمذي، وابن ماجـة، وأبى داود، وغيرهـم، وإن لـم ترد فـي الصَّحـيحـين، أشهـرهـا مـا رواه عـبد الله بن مسعود من أن الرَّسول (ص) قال: «لو لـم يبـق من الدُّنيـا إلا يـوم، لطـوَّله الله حتَّى يبعث فيه رجلاً منِّي، أو من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلِئت جوراً وظلماً». وروى الرَّافضي عن ابن عمر أن النبي (ص) أضاف قائلاً: «ذلكم هو المهدي». ورغم ما وُجِّه من نقد إلى أسانيد هذه الأحاديث، حتَّى لقد قال ابن خلدون إنه لم يفلت بينها من النَّقد إلا القليل والأقل منه (المقدِّمة؛ ص 322)، فإن الكثير منها حظي بالقبول لدى الرَّاسخين فى علم السُّنة، كابن تيمية (منهاج السُّنة النَّبويَّة، ج 2، ص 166). ولاحظ باحثون محدثون أن فكرة انتظار المهدي غالباً ما تبرز في أوقات الشِّدَّة (أركون وغارديه؛ الإسلام بين الأمس واليوم، ص 36)، وفى ظـروف يستشـرى فيها الشـَّرُّ، وينتشـر الفساد، مِمَّا تسنده أحاديث عن خروج المهدي في وقت فتنة، وزلازل، واختلاف، وفرقة بين النَّاس (جلي؛ دراسة عن الفِرَق، ص 220 ـ 224). أما لجهة «التَّلاقح»، فقد راجت الفكرة في غرب أفريقيا، خلال القرن الثاني عشر، مع نشوء حركة المُوَحِّدين في الرِّيف المراكشي على يدي المصلح الأمازيقي المهدي بن تومرت، أو «المُنقِذ المُنتظر». ولفكرة «الانتظار» حضور كبير لدى الشِّيعة. ومعلوم أن ثمَّة تسرُّبات شيعيَّة قويَّة في بدايات الأصل المُوَحِّدي (أركون وغارديه، سابق). وفكرة «الظهور» أو «الرَّجعة» موجودة، أيضاً، في الدِّيانتين اليهوديَّة والمسيحيَّة، ومقترنة بالنَّبي عيسى. فاليهود يؤمنون بظهور المسيح المنتظر ليعيد إليهم سلطانهم القديم (بيلاييف؛ العرب والإسلام والخلافة العربيَّة، ص 148). وفى أناجيل المسيحيين: «وتكون علامات في الشَّمس والقمر والنُّجوم. وعلى الأرض كربُ أمم مُحيَّرة. البحر والأمواج تضجُّ. والنَّاس يُغشى عليهم من الخوفِ وانتظارِ ما يأتي على المسكونة لأن قوات السَّماء تتزعزع. وحينئذٍ يبصرون ابن الإنسان آتياً في سحابة بقوةٍ ومجـدٍ كـثير. ومتى ابتدأت هـذه تكـون فانتصـبوا وارفعـوا رؤوسـكم لأن نجاتكم تقترب» (العهد الجَّديد ـ إنجيل لوقا، الإصحاح الحادي والعشرون، 25 ـ 28).
أمَّا في الإسلام فإنَّ الاقتران الشَّرطي، بين «ظهور المهدي» و«رجعة المسيح» عقيدة سنِّيَّة محضة. ففي سنن ابن ماجة أن وقت خروج المهدي فتنة وزلازل، وأنه يبايَع بين الرُّكن والمقام، وفى عهده يظهر المسيح الدَّجال، وينزل بعده عيسى فيقتل الدَّجال (جلي؛ سابق، ص220). وأشار ابن القيِّم، نقلاً عن كتاب الآبرى «مناقـب الشَّـافعي»، إلى تواتر الأخـبار عن الرَّسول (ص) بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدَّجال، وأنه يؤمُّ هذه الأمَّة، ويصلى عيسى خلفه (إبن قيِّم الجَّوزيَّة؛ المنار المنيف في الصحيح والضعيف، ص 129).
وأمَّا بالنسبة لـ «أنصار» السُّودان، فإن عقيدة «الاقتران» هذه كثيراً ما ترد ضمن النَّتاج الثَّقافي لشعرائهم وكتَّابهم المعاصرين. من ذلك، مثلاً، أبيات البنَّا الصَّغير في رثاء بابكر بدري، وكلاهما ذو جذور مهدويَّة: «وللضُّعَفَاءِ كَمْ أَسْدَيْتَ نُعْمَى/ فَصَارُوا بَعْدَ ضَعْفٍ أقوياءْ/ كَفَلْتَ حَيَاتَهُمْ فَشَبِهتَ عِيسَى/ بِنُورِ العِلْمِ تُحـْيِي مَا تَشَـاءْ»! وإلى ذلك، أيضاً، ما روى العميد يوسف، إبن الشَّيخ بابكر، من أنه، على أيَّام دراسته في بيروت، رأى نفسه، في المنام، يدخل غرفة فيجد فيها رجلين، أحدهما جالس على كرسي، مرتدياً زيَّ عرب الشُّكريَّة والبطاحين، والآخر قائم إلى جانبه، حافي الرَّأس والقدمين، مرتدياً ملابس شباب غرب السُّودان، فيبتدره الأخير قائلاً: «أنا المسيح عيسى بن مريم وهذا محمَّد رسول الله، الإنسان كالسِّراج يحرق نفسه ليضئ لغيره». وفسَّر يوسف هذه الرُّؤيا بضرورة أن يعود ليعمل مع والده في مدرسة الأحفاد (قدر جيل، مذكِّرات العميد، ص49). ويرى بعض الكتَّاب الأنصار، كحسن إسماعيل، رمزيَّة خاصَّة، في تطابق خصال إمامهم الصَّادق مع نبي الله عيسى، بل حتَّى في تاريخ ميلادهما معاً في 25 ديسمبر «الدُّستور؛ 30 يونيو 2001م»، الأمر الذى يبدي الشَّيخ عبد المحمود أبُّو، الأمين العام لـ «هيئة شؤون الأنصار»، وإمام مسجد السَّيِّد عبد الرحمن المهدي بود نوباوي بأم درمان، حرصاً كبيراً على التَّذكير به كلما صعد المنبر في هذا التَّاريخ ليزفَّ التَّهنئة بمناسبته.
إذن، ولأن دعوة المهديَّة، حسب الإمام الصَّادق، «لم تمت بعد الغزو الثُّنائي .. بل عاشت، وكان لها أثرها في بناء المزاج السُّوداني» (يسألونك عن المهديَّة، ص 238 ـ 239)، فقد دخل أبناء المهزومين عصر ما بعد كرري 1898م، ليجابهوا أعباء النهوض بالمسألة الوطنيَّة في سياق تاريخي مغاير، مشبَّعين بنفس ذلك الفكر الذي لا يعرفون غيره، والذي سبق لآبائهم أن أطلقوا به «صيحة» النُّهوض الثَّوري الأولى ضدَّ القهر التُّركي. ولمَّا لم يكن ممكناً، بالطبع، لأيٍّ من أولئك الأبناء أن يدَّعي، مجدَّداً، أنه «المهدي»، فإنه لم يكن متاحاً لهم، في ذلك المنحنى التَّاريخي، سوى ترديد «صدى الصَّيحة» في مواجهة الاستعمار البريطاني. من ثمَّ انطلق ذلك «الصَّدى»، مسقطاً عنصر «التَّحقُّق الوجودي» للمهديَّة الدَّولة، ومُبقياً على عنصر «الإلهام الفكري» للمهديَّة الثَّورة، ومضيفاً عنصر «الظهور المادِّي» للنَّبي عيسي!
هكذا شاعت «حركات النَّبي عيسى» فى السُّودان (1900 ـ 1915م)، وفى خلفيَّتها الاعتقاد بأن الدَّجال الذي حطم حكم المهدي وخليفته، سوف يهزمه النَّبي عيسى الذي سيهبط من السَّماء، ويقود المسلمين إلى النَّصر (تيم نبلوك؛ صراع السُّلطة والثروة في السُّودان، ص 163)، كإحدى علامات السَّاعة، وكمحاولة منطقيَّة لاستولاد الأيديولوجيَّة المهدويَّة القديمة في الظرف الجديد. وقد ذهب بعض الباحثين إلى تسمية ذلك بـ «المهديَّة الجَّديدة» (م.ع. بشير؛ تاريخ الحركة الوطنيَّة في السُّودان، ص 71). وادعى «نبوَّة عيسى» كثيرون، أشهرهم الشَّيخ علي ود عبد الكريم في أمدرمان عام 1900م، والشَّيخ محمد الأمين في تقلى عام 1903م، والشَّيخ آدم ولد محمَّد في سنَّار عام 1904م، والشَّريف مختار من الشَّنابلة، والفكي مدني بالنيل الأبيض عام 1910م، والفكي نجم الدِّين في كردفان عام 1912م، والشَّيخ أحمد عمر في دارفور عام 1915م.
كان علي ود عبد الكريم، إذن، أوَّل أولئك جميعاً، حيث أنشأ «جماعة ود عبد الكريم» أو «طائفـة عباد الله» التي أعلن أفرادها، أثناء محاكمتهم، أنهم يحتكمون إلى خمس شعائر إيمانيَّة، أخطرها، بنظر الإدارة الاستعماريَّة، «أن كـلَّ الأفـعــال تُعــزى إلـى وحـي مـن الله»، كما أعلنوا أنهم ملهمون بـ «نبوَّة عيسى»، وخاضعون لأمر قدسيٍّ بمناوءة الحكومة، فما لبثت المحكمة أن قررت أنه «بالنظر إلى البند المتعلق بالوحي الإلهى، يكون من الأوفق أن يُبعد قادة الجَّماعة من أم درمان بأسرع فرصة» (S. g. A/Sudan Intelligence Report No. 67, p. 14, 15). وبالفعل نُكِّل بالشَّيخ علي وجماعته، ونُفوا إلى وادي حلفا. وكما كان الحال إبان التُّركيَّة، شكلت الإدارة الاستعماريَّة لجنة من «علماء السُّودان» أيَّدت الحكم، ودمغت الحركة بـ «الهرطقة»، مِمَّا «ساعد الحكومة على تصوير البنيان القانوني وكأنه بنيان إسلامي!» (تيم نبلوك؛ سابق، ص 170).
كانت تلك بمثابة الخطوة الأولى للإدارة البريطانيَّة باتِّجاه التَّطبيق الفعلي لسياسة السَّير على خطى التُّركيَّة السَّابقة، من جهة تعميق التَّناقض داخل المؤسَّسة الدِّينيَّة، بدعم «الإسلام الرَّسمي» المتمثِّل في «لجنة العلماء» والقضاء الشَّرعي، وربطه بميزات الالتحاق بكشف المرتَّبات الحكوميَّة، لاستخدامه في محاربة «الإسلام الشَّعبي»، وتقليم أظافر «الخلاوي» التي لم يُسمح لخريجيها ولو بمحض العشم في التَّوظيف، لخشية الحكومة من قدرة «الفكي» على تهييج الجَّماهير عن طريق الرُّؤى والبركة (نفسه)، واعتباره مصدر تهديد حقيقي للاستقرار والأمن العام (القدَّال، تاريخ السُّودان الحديث، ص140). وتبعاً لـ «فتوى الهرطقة» أعلن الحاكم العام أن «نفس الجَّزاء سيوقع على أى شخص يعمل على مخالفة الدِّين الإسلامي الحنيف» (S. g. A/Sudan Intelligence Report). وكان اللورد كرومر قد وعد الشُّيوخ والأعيان، عام 1899م، أي في العام التالي لمعركة كرري، والعام السَّابق لحركة ود عبد الكريم، باحترام الدِّين الإسلامي وتطبيق «الشَّريعة الغرَّاء» (أوراق كرومر ـ ضمن جعفر بخيت؛ الإدارة البريطانيَّة والحركة الوطنيَّة في السُّودان 1919 ـ 1939م، ص 19)، مثلما باشر كتشنر إرسال نفس هذه الإشارات المخاتلة، كما في منشوره الذي ادَّعى فيه أنه ما جاء إلا لتخفيف «أوجاع المسلمين، وليشيِّد دولة إسلاميَّة تقوم على العدل والحقِّ، وليشـيِّد الجَّوامـع، ويسـاعد على نشـر الاعتقاد الصَّحيح» (شقير؛ سابق، ص 581 ـ 582).
أصوب تقدير، إذن، لـ «حركات النَّبي عيسى»، مطلع القرن العشرين، هو أنها مثَّلت، مع الانتفاضات القبليَّة، شكلاً متميِّزاً من أشكال المقاومة الأوليَّة الباكرة للاستعمار، والتي يرى أغلب المؤرِّخين، خطأ، أنها لم تقع إلا بعد نهاية الحرب الأولى، مع نشوء حركة الخريجين الحديثة، وتأسيس أنديتهم، وتكوين جمعيَّتي الاتِّحاد السُّوداني واللواء الأبيض.

الأربعاء
باغتني صديقي بالسُّؤال عن السَّبب في ما حسبه «تباعداً» منِّي! قال: «كيف تكون من أواخر المغادرين للسِّجن، ثمَّ من أوائل المتأخِّرين عن الرَّكب»؟!
فكَّرت، برهة، في أكثر ما لا يمكنني «التَّباعد» عنه، حتَّى لو أردتُّ، كخبايا فضِّ الاعتصام، وإنفاذ قصاص الشُّهداء، وتحسين معاش النَّاس، وإعادة جموع المفصولين، وإلغاء القوانين الأمنيَّة، وحلِّ المليشيات الإسلامويَّة، والمحاسبة على الإبادة الجَّماعيَّة، وعلى جرائم الحرب والجَّرائم ضدَّ الانسانيَّة، وفرض سيادة حكم القانون، وتحقيق استقلال القضاء، وتوفير السَّكن، والتَّعليم، والدَّواء، والكساء!
لكنَّني حين تذكَّرت سباق العناكب، وصراع المناكب، وقتال المناصب، إلتفتُّ إلى صديقي قائلاً: «هل أتاك حديث النُّور عنقرة؟! أنا أتمثَّل بسيرته؛ كان، عندما يطلبونه إلى مجلس سيِّدي الخليفة، يسأل المُرسال: هل لديكم حرابة؟! لا تطلبوني إلا إذا كانت لديكم حرابة»؟! ثمَّ سرعان ما راح مطرٌ من المرارة يتهاطل من فمي: «لكن كيف، وأنتم ما تنفكُّ تتباطأ خطاكم، وتتأخَّر سروجكم، بينما صليل سيوفكم ما يفتأ يتوارى، أوان الوغى، طيَّ لَهَجِ ألسنتكم: سلميَّة .. سلميَّة»؟!
وما لبثت أن ألفيتني أصيح، فجأة، بكلِّ ما أوتي صدري من قدرة، وما أوتيت حنجرتي من طاقة: «أنا النُّور عنقرة»!

الخميس
الاستتباع subordination إلى «مركزويَّة» فكريَّة في «الحداثة» أمرٌ غير مرغوب فيه. سوى أنه قد يدفع للإسهام، من داخل الثَّقافة الوطنيَّة، في إثراء أحد تيَّارات «الحداثة»، وهو الأمر الإيجابي بحق، فإنجاز «الحداثة» لا يكون بغير الإسهام المبدع في بلورة عناصرها، ودفع حراكاتها.
ومع ولوج السُّودان إلى القرن العشرين، بعد «كرري»، في 2 سبتمبر 1898م، وإنْ بغرض استنزاف الاستعمار للموارد، بدأ تأثير «الحداثة»، عبر مخططات الإدارة البريطانيَّة لخدمة الأهداف الاستعماريَّة، كتأسيس كليَّة غردون، لا لتزويد السُّودانيِّين بالعلوم الغربيَّة، وإنَّما لتخريج العدد المطلوب منهم لأداء مهام متواضعة في أسفل سلم الإدارة، وتخطيط مشروع الجَّزيرة لزراعة القطن الذي تحتاجه صناعة النسيج في لانكشير، وتشييد خزان سنار، ومشاريع النيلين الأبيض والأزرق، ودلتا القاش، وطوكر، وجبال النوبا، والشَّماليَّة، وبناء ميناء بورتسودان، ومدُّ خطوط السِّكة حديد إليها لتيسير نقل المحاصيل، كالقطن، والصَّمغ، والسِّمسم، والذُّرة، وإنشاء الورش في عطبرة لصيانة القطارات، وما إلى ذلك.
وكان طبيعيَّاً أن يمتدَّ أثر ذلك التَّحديث المادِّي ليشمل التَّعليم والثَّقافة أيضاً، حيث اقترن ميلاد فئة الأفنديَّة الخرِّيجين والطلاب الغردونيِّين بنشأة التَّعليـم المتروبولي «الحديث» على أنقاض التَّعليم المهدوي «المتخلف»! كما اقترن ميلاد شريحة «المولانات» بالتَّعليم الدِّيني، في إطار مجلس جامع أم درمان الكبير والمعهد العلمي. وهي الشَّريحة التي تملكها، بتخطيط من الإدارة الاستعماريَّة، شعور الحسد تجاه امتيازات الكليَّة، وبيئتها المرفَّهة، وداخليَّاتها المنعَّمة، وحدائقها الغنَّاء، وطعامها الشَّهي، وملبسها القشيب، وما كان ينتظر طلابها «شريحة الأفنديَّة» من الوظائف الميري، ونعماء المرتَّبات المميَّزة، بعكس التَّقشف الذي فُرض على «شريحة المولانات»!
لكن، برغم وحدة «شريحة الأفنديَّة» المظهريَّة، فإن الصِّراع دار بين جيلين منها: جيل قديم سعى لتعويض محدوديَّة معارف الكليَّة القديمة من منابع أخرى، فلم يبلغ أبعد من الشِّعر العربي الكلاسيكي، وجيل جديد لم ير في تلك المعارف سوى أصل البلاء، فجعل هدفه «تغيير برامج الدِّراسة لتتِّجه نحو الثَّقافة العامـَّة، والمعرفة الخالصة التي تربِّي الرُّوح وتزكِّي المشاعر» (المحجوب وحليم؛ موت دنيا، ص 92). غير أن ذلك الطموح «الحداثي» لم يكن ليلامس أيَّ أفق في الثَّقافة الغربيَّة ذاتها. فالمستوى المتدنِّي من التَّعليم البريطاني الذي كان الاستعمار يهدف، آنذاك، إلى تقييد عقول الطلاب به، كالأسلاك الشَّائكة، خصوصاً الجِّيل الأقدم، جاء تابعاً للانتصار العسكري في كرري، حيث «مَن ينتصر خارج الثَّقافة يترجم انتصاره داخلها أيضاً» (فيصل دراج؛ م/الرافد، ع/42). وهكذا كان الجيل الأحدث يرى في المواجهة الحاسمة مع الجيل الأقدم ما يغني عن أيِّ انتصار آخر على «أوكار الرَّجعيَّة» (المحجوب وحليم).
كذلك، وبأثر سطوة الاعتقاد في كون الافتقار للثِّمار اليانعة من معارف الغرب سبباً لهزيمة 1924م، سادت وسط الأفنديَّة الجُّدد، خلال الثَّلاثينات، نزعة الانكباب على تلك المعارف ينقِّبون فيها، من خلال جمعيَّات القراءة Reading Groups، عن أسرار تفوُّق المنتصر. مع ذلك، ومن حيث كان مطلبهم التَّحرُّر من «مركزويَّة المتروبول»، بقوا مشدودين إلى ذات هذه «المركزويَّة»! كذلك فإن «مؤتمر الخرِّيجين» الذي استبطن، في البدء، الاعتماد على قواه الذَّاتيَّة، سرعان ما ارتدَّ إلى النُّفوذ الطائفي، حيث أن غالب رموزه، «بدلاً من أن يصـيروا زعمـاء أقوياء بالأصـالة، كما كانوا يحلمون، أصبحوا وكلاء سياسيِّين للزَّعامات الطائفيَّة» (م. إ. خليل؛ «تجربة السُّودان الدِّيموقراطيَّة»، ضمن «الدِّيموقراطيَّة في السُّودان»، ص 24). وعموماً، لم يكن ممكناً لتعليم الكليَّة القشرى أن يطوِّر لدى الأفندي ملكات نقديَّة، أو يورثه، حسب المستعمرين أنفسهم، سوى «اتجاه عقلي يبلغ، في دركه الأسفل، الحسد، وفى أفضل أحواله الميل إلى السَّفسطة والرُّومانسيَّة»، فأضحى مجـرَّد «موظف صغير ذى مرتب بسيط، في أحضان جماعة بدائيَّة ينطوي قلبه على احتقارها، لكنه ملزم بقيود من الأعراف غير المستنيرة .. ويشعر، فى قرارة نفسه، بأن ثقافته قشور، وآماله أضغاث أحلام، فيستعيض عن ذلك الانسحاق بخلق أسطورة عن ماضيه المجيد، ويرى نفسه بطلاً لنهضة أعظم، ولا يمكنه تصوُّر رفاهية بلاده بمعـزل عن مصـالحه الذَّاتيَّة المباشـرة» (Sir Harold Mc Michael; Anglo – Egyptian Sudan, London 1934, p. 139).
مع كلِّ تلك الجَّوانب السَّالبة في تعليم الكليَّة، فإن مناخها العام أصبح شاغل شريحة الأفنديَّة، طلاباً وخرِّيجين، تتغشاهم بشأنها «غاشية اللقاح الرُّوحي من نوافذ الفكر الأوربِّي»، على حدِّ تعبير يوسف بدري، حيث «جميع المواد باللغة الإنجليزيَّة، وغالبيَّة المعلمين إنجليز، فطابت حياتنا، ونعمت أجسادنا، لباساً نتنافس فى زينته، وطعاماً نتفاخر بصنعته، نجلس للأكل على مقاعد وطاولات، ونسكن في غرف أرضها بلاط، ولم نره من قبل، وسهرنا تحت ضوء الكهرباء، واغتسلنا من ماء يخرج من الحائط، وعهدنا بالضوء من فانوس الجَّاز، والماء يُستخرج من أعماق الأرض، لبسنا الشُّورت والفنلة للعب، فللعب زيٌّ، وللدَّرس زيٌّ، وحتَّى للنَّوم لبس مغاير، وكان كلُّ ما نلبس في الماضي العرَّاقي والسُّروال، حفاة الرَّأس والقدمين، إلا عندما نكبر. ويتبدَّل الحال أيضاً في اللعب، (فلم يعد) شليل، وحرَّت، وعيتنوبة (بل أصبح)، فى عهد اللقاح مستورداً ـ الرُّوندوز وكرة القدم والموانع وحتى التنس عشقه الكثير منَّا عندما أصبحوا أفنديَّة (يلعبون) التنس والبولو مع المفتِّشين والمديرين والبريطانيِّين. فأصبح الأفندي مرتبطاً بالانجليزي صباحاً في المكتب، وبعد الظهر في الملاعب، يتحدَّثون بالانجليزي، وكثيراً ما يقدِّم الانجليزي كتاباً لزميل المكتب السُّوداني، وهكذا كان اللقاح ذا اتِّجاهٍ واحد للشَّاب الأفندي الذي اكتنفته رياح التَّغيير حاملة لقاحات استقرت في نمط حياته، وأعماق فكره، فترى مأمور المركز، والباشكاتب، والطبيب، ورئيس الحسابات، متنكلزين، مقتفين أثر الانجليزي، أو آخذيه قدوة» (يوسف بدري؛ قدر جيل، ص 77 ـ 78).
أما المولانات، مثل «القاضى الشَّرعى وناظر المدرسة، فقد كنت تراهم متستِّرين، أو محتشمين، أو متنكِّرين عندما يجتمع الكلُّ فى المساء، بناديهم، وتبدأ قصص التَّندُّر وعبارات السُّخرية، وقد تصل إلى التَّراشق» (ع ع إبراهيم؛ ورقة "فِي التَّاريخ الثَّقافي المعاصر: داحسُ المعهديِّين والغردونيِّين وغبراؤهم)، فقد استغرقتهم الغبينة السَّاحقة الماحقة بإزاء دونيَّة «المعهد» في قوام السِّياسة التَّعليميَّة الاستعماريَّة، وحرمان خرِّيجيه من تفيُّؤ «ظلال» الكليَّة، وسحر مبانيها، ثم الانتقال الحتمي إلى «الميرى» ونعيمه المضمون، بما يخفف شيئاً من إحساس الرُّعب إزاء مخايل الانحدار إلى قاع الفقر الذى يرزح تحته الملايين كمصير محتوم، وقتها، للغالبيَّة. فما لبثوا أن انشغلوا بإفراغ مراراتهم على «الآخرين» مِمَّن أسموهم «أولاد مستر يودل»، ناظر الكليَّة الذي أشاعوا عنه شبهة الميول المثليَّة، أو «غرس يودل» كما أطلق عليهم حسين منصور «شاعر المعهديِّين الحسود الذى لم يقتصر على تصويرهم كطائفة مخنثة، بخدودهم اللدنة، وأذرعهم البضَّة، وشفاههم الرَّقيقة، بل وأقذع، فوصف الكليَّة ذاتها بأنها موئل الفسوق والشُّذوذ، يشطأ طلابها غرس يودل، ويتبرعمون، يرويهم ماء الرِّجال وشوربة العدس»؛ وبالنَّتيجة، انتهت «شريحة المولانات» إلى التَّمترس الكامل خلف «هويَّة» صاغوها من «مرارة الحرمان» الذى ما لبث أن انقلب لديهم إلى كراهة «الحداثة» التي توهَّموها فى صورة الكليَّة، فغلفوها بكل تلك «الاسترابة» الغليظة في الغردونيين (نفسه؛ والطريف أن الشِّعر الحديث لم يقع لذائقة بعض «فحول» الشُّعراء والنُّقاد المنتمين إلى «شريحة المولانات»، كفرَّاج الطيِّب، مثلاً، إلا من باب التَّخنُّث والميوعة)!

الجُّمعة
لا يكفُّ إسلامويو بلادنا، هذه الأيَّام، عن التَّباكي على الدِّيموقراطيَّة، بسندٍ معتادٍ من حركة الإخوان المسلمين العالميَّة، فلكأنَّهم ليسوا هم الذين انقضُّوا على النِّظام الدِّيموقراطي بانقلاب 1989م، وأقاموا محله واحداً من أبشع النُّظم الشُّموليَّة، حتَّى لقد كاد يصبح نظاماً لحكم الفرد المطلق! وبمناسبة الدَّعم الذي اعتادوا على تلقِّيه من منظمات تدَّعي العالميَّة، ولا تستحي من المتاجرة بالإسلام، نسوق الخبر التَّالي عن «الدِّيموقراطيَّة الإسلامويَة»! فقُبيل الانتخابات الرِّئاسيَّة التُّركيَّة في يونيو 2018م، أراد القرضاوي، رئيس ما يسمَّى بـ «الاتِّحاد العالمي للعلماء المسلمين»، أن يدعم المرشَّح، وقتها، أردوغان، فلم يجد غير أن يبشِّر، من ناحية، باسطمبول «مقرَّاً للخلافة الإسلاميَّة»، ويرفع، من ناحية أخرى، شعار أن «الله وجبريل والملائكة يؤيِّدون أردوغان»!

السَّبت
يبدو أن قطعة الأرض التي أقامت عليها الإدارة الاستعماريَّة البريطانيَّة حديقة الحيوانات بالخرطوم، محكوم عليها بأن تظلَّ عظمة نزاع طوال عمرها. فملكيَّتها كانت عظمة نزاع، أيضاً، قبل ما يربو على نصف قرن من تدمير النِّظام البائد للحديقة، وتسليم القطعة للقذَّافي ليقيم عليها «فندق كورينثيا»! ذلك أنها كانت مملوكة، أصلاً، لإبراهيم بك خليل، مؤسِّس الكنيسة القبطيَّة في السُّودان، وكبير رؤسائها. غير أن حكومة كتشنر التي استولت، آنذاك، على كلِّ المساحات الكائنة في شارع البحر، وضعت يدها، ضمن ذلك، على قطعة إبراهيم بك. ومن ثمَّ، عرضت عليه مبلغ 900 جنيهاً على سبيل التَّعويض، غير أنه لم يقبل، مبدئيَّاً، بالتَّنازل عن القطعه. وبما أنه لم يكن متصوَّراً، منطقيَّاً، أن يتواصل النِّزاع بين إبراهيم بك وكتشنر، فقد استسلم المسكين، في ما يبدو، وفوَّض أمره لله، وهو الذي أوقف حياته على خدمة الكنيسة! أمَّا اليوم، وقد اختلف الوضع، فهل، تراها، ستمتثل الحكومة الانتقاليَّة لتصرُّف النِّظام البائد في «ملكيَّة» القطعة بعد أن صارت «عامَّة»، وتتركها للحكومة الليبيَّة؟!

الأحد
أورد جعفر بدري أن عمَّه خليل فرح هو الوحيد، بين الشُّعراء المعاصرين، من ذكر أم درمان بلفظ «وَشَل» في قوله: «أَلْيَنْ مِنْ حَرِيرْ سُورْيَا وقَطِيْفَة جرايدو/ هُوْ اليُومْ فِي (وَشَلْ) مَاخْدَ النَّفَلْ بِخَرَايْدُو/ ساعْتِي الافْتَتْنْ بِيْهُوْ وجَزَمْتَ عَقَايْدُو/ بِي شَارْعَ الخَلِيْفَة مدَرِّجَنُو نَدَايْدُو»! و«وَشَلْ» اسم كان الرُّواة والمؤرِّخون العرب القدماء يطلقونه على المدينة أو المكان الذي يتحدَّر فيه ماء. وفي معنى الماء قال الفرزدق: «إنَّ الذين غَدُوا بِلُبِّكَ غَادَرُوا/ (وَشَلاً) بِعيْنِكَ لا يَزَالُ مَعِينَا/ غَيَّضْنَ مِنْ عَبَرَاتِهِنَّ وَقُلْنَ لِي/ مَاذَا لَقِيْتَ مِنْ الهَوَى وَلَقِيْنَا»! كما قال العبَّادي: «طِرِيتْ بَرْقَ الفِويْطْرَ الشَّالْ/ وسَالْ دَمْعِي الْبِكُبْ (وشَّال)/ فَقَدْ عَقْلِي ومَنَامِي انْشَالْ/ لِبِسْ مِنْ نَارِي عِمَّةْ وشَالْ»!

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.