روزنامة الأسبوع

الإثنين
في 28 يوليو 2017م أيَّدت محكمة استئناف أمريكيَّة قرار محكمة أدنى درجة بتحميل السُّودان مسؤوليَّة تفجيرين زلزلا، صباح 7 أغسطس 1998م، سفارتي أمريكا فى نيروبي ودار السَّلام، وقضى حكم الاستئناف بتكبيد السُّودان 7,3 مليار دولار، تعويضاً لأسر الضَّحايا الأمريكيين، بعد إسقاط التَّعويضات العقابيَّة، كما خفَّض قضاء أمريكي لاحق مبلغ الـ 7.3 مليار دولار نفسه.
طال الاتِّهام 22 شخصاً، أوَّلهم بن لادن الذي كان يقيم بالسُّودان حتَّى 1996م. ومع أن الحكومة دفعت بأنها أبعدته، تاريخئذٍ، وحاولت تسليمه لواشنطن، إلا أن السَّيف كان قد سبق العزل، ففي 1993م أدرجت الأخيرة اسم السُّودان ضمن قائمة وزارة خارجيَّتها للدُّول الرَّاعية للإرهاب، كما فرضت عليه، منذ 1997م، عقوبات اقتصاديَّة شملت حظر التَّعامل معه تجاريَّاً وماليَّاً. وفي 20 أغسطس 1998م، وبأسلوب «القصاص الإمبريالي»، ردَّت واشنطن على التَّفجيرين بقصف أهداف في السُّودان وأفغانستان، حيث دمَّرت، في السُّودان، مصنع «الشِّفاء» المملوك لصلاح إدريس، والذي كان ينتج 50٪ من احتياجات البلاد للأدوية، بزعم وجود أدلة، مصدرها مبارك الفاضل، على تورُّطه في إنتاج أسلحة كيميائيَّة، غير أن تحقيقاً أثبت، لاحقاً، عدم دقَّة تلك المعلومات. مع ذلك حقَّ لستيوارت نيوبرغر، محامي الضَّحايا، أن يعبِّر عن سعادتهم بقرار الاستئناف المشار إليه.
صدر قرار محكمة أوَّل درجة دون أن يظهر أمامها، خلال السَّنوات الثَّلاث الأولى، محامون للحكومة. وحتَّى من عيَّنتهم عام 2004م، ما لبثت أن توقفت عن سداد أتعابهم، أو مجرَّد الاتِّصال بهم، ومن ثمَّ سُمح لهم بالانسحاب. وهكذا بقيت الحكومة غير ممثَّلة بمحام، حتَّى العام 2015م، حين قرَّر القاضي فشلها فى الظهور، وأنه بصدد إصدار حكمه! عندها، فقط، تحرَّكت الحكومة، وعيَّنت، في تلك السَّاعة الخامسـة والعشـرين، مكتب المحامـاة الأمريكي الشَّهير «وايت وكيس» للتَّرافع عنها! لكن المحكمة رفضت الحُجَّتَين اللتين أسَّس عليهما المحامون، مؤخَّراً جدَّاً، طلبهم بإلغاء الحكم، وفحواهما أن المحكمة أخذت، من ناحية، بـ «أدلة غير مقبولة»، ومن ناحية أخرى بـ «تفسير خاطئ لقانون حصانة السَّيادة الأجنبيَّة». أمَّا عندما حاولوا التَّوكُّؤ على حجَّة أن الحكومة السُّودانيَّة كانت تجهل الاجراءات القضائيَّة الأمريكيَّة (!) كما كانت مشغولة بحروب واضطرابات محليَّة (!) قرَّرت المحكمة: «أن بعضاً من تلك الحروب والاضطرابات كان من صنع الحكومة نفسها؛ ثمَّ بصرف النظر عن اللوم، لا يمكن أن يكون ذلك عذراً مقبولاً لكونها، على مدى 6 سنوات، لم ترسل ممثلاً واحداً للمحكمـة»!
كانت حُجَّة خرق القانون الدَّولي بالنِّسبة لمبدأ «حصانة السَّيادة»، وليس «الحصانة الدِّبلوماسيَّة» كما ورد، خطأ، في بعض التَّقارير الأخباريَّة، من أهمِّ الحُجج التي استند إليها «وايت وكيس» في طلب إلغاء الحكم. سوى أن تلك المسألة لم تكن لتكفيها مجرَّد «كلمة وغطاؤها»، خاصَّة عند مجابهة الحقيقة الفقهيَّة المتعلقة بما لحق بمبدأ «السَّيادة» من تغيير، وبالأخصِّ حين تتداخل مع حجاج آخر لم يفتر، طوال عام كامل، حول القانون الموسوم بـ «قانون جاستا JASTA ـ العدالة ضدَّ رعاة الإرهاب لسنة 2016م ـ Justice Against Sponsors of Terrorism Act». على أن الحكومة كفت الاتِّهام تلك المشقَّة، بإصرارها، رغم نصح النَّاصحين، على اتِّباع ذات النَّهج الذي ظلّت تستكبر، من خلاله، وتستغشي ثيابها، متوهِّمة أن بإمكانها تحدِّي إجراءات ذات طبيعة «قانونيَّة» بوسائل «سياسيَّة» صرفة، فلا تحصد، في كلِّ مرَّة، غير الخسران المبين على صعيدي «القانون» و«السِّياسة» معاً!
وفي السِّياق كان القضاء الأمريكي قد سبق وأصدر، قبل ذلك، حكماً بسداد السُّودان مبلغ 300 مليون دولار تعويضاً لضحايا المدمِّرة الأمريكيَّة «كول» التي اتُّهم السُّودان بالضُّلوع، عام 2000م، في الهجوم عليها بميناء عدن، فاكتفت الحكومة بمحض التَّعبير «السِّياسي» عن عدم اعترافها، لا بالحكم، ولا باختصاص المحكمة الأمريكيَّة، عالمة بأن ثمَّة أموالاً سودانيَّة محجوزة لدى أمريكا، ويمكن التَّنفيذ عليها! وحتَّى بالاقتصار على حكم «السَّفارتين»، والأخذ بمبلغ الـ 7.3 مليار، فإن على كلِّ سوداني وسودانيَّة تحمُّل250 دولاراً، جزاءً وفاقاً على خراقة نظام البشير في وضع «السِّياسة» موضع «القانون» ـ وهو ذات منهج «تحت جزمتي!» الذي ظلَّ يتعامل به مع المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة ـ دَعْ أن البلاد مثقلة، أصلاً، بدين خارجي كان يناهز، وقتها، مع فوائده، خمسين مليار دولار، ومع ذلك كانت الحكومة، وما زالت، تلهث، مبهورة الأنفاس، خلف أملها «السِّياسي» برفع العقوبات الأمريكيَّة عن كاهلها!

الثُّلاثاء
حسناً فعل مجمع الفقه الإسلامي بفتواه الرَّافضة للتَّطبيع مع إسرائيل. على أن سؤالاً «بريئاً» ينبغي توجيهه للمجمع: لِمَ لزم الصَّمت يوم نادى مبارك الفاضل بـ «التَّطبيع»، وكان يشغل، في النِّظام البائد، منصب رئيس الوزراء؟! ولِمَ لَمْ ينبس ببنت شفة، يوم لوَّح به التُّرابي، وكان الآمر النَّاهي، بل ومهَّد له بأطروحة فكروفقهيَّة شاذَّة دعا فيها المسلمين للكفِّ عن إعلان انتسابهم إلى «محمَّد»، لأن في ذلك استفزازاً للغربيِّين النَّصارى واليهود، وأن يعلنوا، بدلاً من ذلك، انتسابهم إلى «إبراهيم»، فتنتفي حُجَّة العداوة؟!

الأربعاء
بمنأى عن متاهات الفلسفة، فإن أكثر تعريفات «الآيديولوجيا» مباشرة أنها نظام فكري وعاطفي يؤسِّس لرؤية ما، سياسيَّة على وجه الخصوص، يُستهدى بها في تحديد العلاقات، ورسم المواقف من العالم والمجتمع والإنسان. من ثمَّ، ورغم أن البعض درج، مؤخَّراً، على التَّرويج لفكرة مغلوطة، مفادها «موت الآيديولوجيا»، فليس ثمَّة مشروع يمكن اجتراحه في أي حقل، دون تأسيسه، ابتداء، على رؤية «آيديولوجيَّة»، وإلا كان محض فوضى، وخبط عشـواء، بل الأسوأ، للمفارقة، أن هذه «الفوضى» نفسها التي يُراد بها إلغاء «الآيديولوجيا»، ما تنفكُّ تستحيل، هي الأخرى، إلى «آيديولوجيا»!
مع ذلك فإن حمدوك، رئيس الوزراء الانتقالي الذي نكنُّ له كلَّ توقير، اختار، للأسف، وهو يخاطب المؤتمر الاقتصادي، مطلع سبتمبر الجَّاري، أن ينحاز لـ «آيديولوجيا موت الأيديولوجيا»، على خلفيَّة الخلاف الذي لم يعد خافياً بين حكومته وحاضنتها السِّياسيَّة، قائلاً إنه وجَّه الدَّعوة إلى أحد أصدقائه فـي البنك الدَّولـي، مِمَّن تولوا مسؤوليَّة التَّنمية فـي ڤيتنام، كي يحضر، و«يخبر!» اللجنة الاقتصادية للحريَّة والتَّغييـر بأن العالم قد تجاوز «الآيديولوجيَّات»، فيجدر ألا يتمترسوا وراء «رؤية أيديولوجيَّة»!
أكثر التَّعليقات سداداً، وقد اطلعت عليه دون أن أستوثق، للأسف، من كاتبه، هو الذي فنَّد قول حمدوك، بموضوعيَّة وتهذيب، مشيراً إلى ما يعني أنه مجرَّد تعبير عن «آيديولوجيَّة مضادَّة»! فبعد أن رحَّب بصديقه، وبرؤيته الفكريَّة، اقترح، بالمقابل، دعوة ميشيل تشوسودوفسكي، «الخبير» السَّابق بالبنك الدَّولي لأكثر من عشرين سنة، ليقدِّم رؤيته التي ضمَّنها كتابه «عولمة الفقر»، حول دور البنك في إفقار الشُّعوب، فهل، تراها، رؤية غير «آيديولوجيَّة»؟! مثلما اقترح دعوة جون بيركنز، «الخبير» السَّابق، أيضاً، بصندوق النَّقد الدَّولي، ليقدم رؤيته حول دور آليَّات الصُّندوق في «الاغتيال الاقتصادي للأمم»، ضمن كتابه بذات العنوان، فهل تراها، هي الأخرى، رؤية غير «آيديولوجيَّة»؟!

الخميس
فاقد للحساسيَّة، بالمرَّة، مَن اختار، مِن منظِّمي حفل توقيع السَّلام بجوبا، أنشودة «أنا سوداني» كنغم مصاحب للمناسبة، فأجبر الفور، والزَّغاوة، والمساليت، والفولاني، والنُّوبا، والفونج، دَعْ الدِّينكا، والنوير، والشُّلك، وغيرهم من المضيفين على أن يردِّدوا «دَوْحَةُ العُرْبِ كُلُّهَا كَرَمٌ/ وإِلَى العُرْبِ تُنْسَبُ الفِطَنُ»! فهلا استبنَّا، الآن، من أين يؤتى السَّلام؟!

الجُّمعة
مرَّت، في 23 سبتمبر المنصرم، الذكرى 93 لميلاد عبد الخـالق محجـوب عام 1927م. وكنت كتبت، مطلع العام الجَّاري، ما أرى، الآن، لأسباب معلومة، ضرورة التَّذكير به، حول رؤية الشَّهيد الرَّاديكاليَّة لدولة الكيان الصهيوني، وقد تبنَّاها حزبه منذ مؤتمره الرَّابع ـ أكتوبر 1967م، وتقوم «عمليَّاً» على كون الوجود الإسرائيلي محض «حصان طروادة» للخطر الحقيقي على آمال العرب، وسلاح الاستعمار الحديث لإجهاض أحلامهم، فقد استُخدم عام 1948م لوقف المدِّ التَّحرُّري عقب الحرب الثَّانية؛ وعام 1956م لضرب مصر بعد تأميم القنال، وعام 1967م لإعاقة أيِّ مستقبل للتَّغيير الاجتماعي. أمَّا «علميَّاً» فإنها تقوم على نفي أيِّ أساس موضوعي يبرِّر هذا الكيان كوطن «قومي» لليهود. فهم، أصلاً، لم يكونوا «قوميَّة»، بل محض قبيلة بدويَّة صغيرة وضعتها عوامل محليَّة، كالزِّراعة، في مواجهة القبائل الأخرى، كما وليس في تاريخهم، لاحقاً، أنهم صاروا «قوميَّة». وعموماً لم تنشأ مشكلتهم في فلسطين، بل في أوربَّا الرَّأسماليَّة، مع نشأة الدَّعوة اليهوديَّة التي تزاوج بين التَّطرُّف الدِّيني والمصالح الاقتصاديَّة للبرجوازيَّة اليهوديَّة المكوَّنة من أرباب المال، والصِّناعة، والرِّبا، قبل أن تنبثق الصَّهيونيَّة كردِّ فعل للحركة المعادية للسَّاميَّة مطلع القرن العشرين. وبما أن «القوميَّة» تقتضي توفُّر السِّمات الاجتماعيَّة المتمثِّلة في مشترَكات الأرض، والتَّاريخ، واللغة، والثَّقافة، والاقتصاد، والسايكولوجيا الجَّمعيَّة، وأن النَّزعة «الرَّجعيَّة» وراء تكوين إسرائيل لم تنشأ بهذه الدَّوافع «القوميَّة»، إنَّما على أسـس رأسماليَّة بحتة، فإسرائيل، إذن، لا تُعتبر «وطناً قوميَّاً»، بل «شـركة تجاريَّة»، حيث أن «قوميَّة» اليهود الوهميَّة، حسب ماركس، هي «قوميَّة» التَّاجر، والمرابي، ورجل الأعمال!
وتنفي هذه الرُّؤية، رغم أساسها الشِّيوعي، حتَّى تصوُّر حدوث ثورة اشتراكيَّة في إسرائيل! وتقطع بأن مثل هذا التَّصوُّر ينافي علم الثَّورة، ومحض وَهْم لا يأخذ في الاعتبار العوامل والظروف الاستثنائيَّة المار ذكرها، والتي أفضت لقيام إسرائيل، حالة كونها كياناً مفتقراً إلى السِّمات الأساسيَّة لـ «الدَّولة الوطنيَّة»، ولو بشروط مؤتمر وستفاليا لسنة 1648م. فهي كيان مصطنع، على أساس الاغتصاب المسلح للأرض، ولذا لا تعترف، حتَّى لنفسها، بحدود معيَّنة، بل تبني سياستها على المطامع التَّوسُّعيَّة في المنطقة، وعلى شعار «ليس لليهود أرض محدَّدة»! ومن ثمَّ فإن اتِّساع الغزو، مع اتِّساع الهجرة، يجعل من «دولة» إسرائيل مجرَّد أداة قهر استعماري عنصري لسكان لا تربط بينهم، كما تقدَّم، أيَّة روابط «قوميَّة»!
من ثمَّ خلصت هذه الرُّؤية الرَّاديكاليَّة إلى الرَّفض القاطع للاعتراف بفكرة «دولة» إسرائيل، كما وبالقرارات الأمميَّة التي ساعدت على إنشائها، بما فيها «قرار التقسيم» نفسه عام 1947م، داعية الحركة الثَّوريَّة العربيَّة والعالميَّة إلى إعادة النظر في ذلك القرار، بما يجلي الكثير مِمَّا أسمته «الضَّباب الفكري» الذي أحاط بهذه القضيَّة، لينفسح المجال أمام مطلب الشُّعوب العربيَّة الأساسي بإزالة هذا الوجود الشَّاذ، وتحقيق حلم الدَّولة العربيَّة الدِّيموقراطيَّة على أرض فلسطين، بحيث يجد مواطنوها الأصليُّون، عرباً وأقليَّة يهوديَّة، حقوقهم الكاملة، فتُصفَّى آثار الاضطهاد الصَّهيوني الاستعماري، وفي مقدِّمتها مشكلة الهجرة اليهوديَّة، ومطلب عودة اللاجئين العرب.

السَّبت
رغم الأهميَّة الاستثنائيَّة لما جرى في جوبا، في الثَّالث من أكتوبر الجَّاري، والضَّرورة القصوى للتَّرتيبات الأمنيَّة، والتَّعزيزات التي لا غنى عنها لوقف الحرب، إلا أن ثمَّة تحفُّظات على الحدث، للأسف، مِمَّا كان ينبغي الانتباه لتداركه، وذلك من جانبين:
فمن الجانب الأول هناك خلل بنيوي في إجراء التَّفاوض بين طرفين هما في الأصل طرف واحد، إذ تنتمي حكومة الانتقال في «المركز» إلى الثَّورة، كما تنتمي إليها حركات «الهامش» أيضاً، لذا يُخشى أن يفضي المنهج الذي اتُبع في التَّفاوض إلى تكريس وضع الطرفين، كخصمين متجابهين، ليس في جوبا، فحسب، بل في مستوى مجمل علاقاتهما المستقبليَّة! كما أن التَّفاوض نفسه كان ينبغي أن يجري داخل البلاد، لولا خراقة التَّصرفات المقصودة، والتي بعثت، في رأيي، برسائل سالبة، كاعتقال الرفيق ياسر عرمان، نائب رئيس الحركة الشَّعبيَّة (جناح عقار)، وترحيله، مصفداً بالأغلال، إلى الخارج!
أما من الجَّانب الآخر فيكاد لا يُلحظ فارق جوهري بين سلام جوبا وما سبقته من محاولات فاشلة في أبوجا، والدَّوحة، بل وربَّما حتَّى بضاحية نيفاشا الكينيَّة، وذلك من حيث عزلة أصحاب المصلحة الحقيقيَّة، في معسكرات النزوح واللجوء، عن المشاركة المباشرة في صناعة السَّلام، بما في ذلك ترتيب عودتهم من المهاجر القسريَّة إلى المواطن الأصليَّة؛ وكذلك من حيث عزلة القوى السِّياسيَّة الوطنيَّة والاجتماعيَّة عنها، والتَّركيز على ثنائيَّة التَّفاوض؛ بل ومن حيث عدم التحاق أهم حركتين محاربتين، بقيادة عبد الواحد النُّور وعبد العزيز الحلو، بهذه العمليَّة، حتى الآن، ولا يعلم غير الله، في حال التحاقهما، ما سوف يصبح عليه مصير الاتِّفاقات التي ربَّما تكون قد أبرمت، قبل ذلك، مع تنظيمات المسارات الأخرى؛ ومن حيث المحاصصات غير المنكورة بين ثنيَّات التَّفاوض، حيث يُفرغ الكثير من نخب الهامش تطلعاتهم إلى قسمة السُّلطة والثَّروة، الأمر الذي أقرَّ به، على نحو أو آخر، وعبر وسائل الإعلام، جمعة كندة، مستشار رئيس الوزراء للسَّلام، بل وتجلى في إبداء هذه النُّخب غالب حرصها على تحقيق مكاسب المشاركة في السُّلطة، بأكثر من اجتراح المعالجات لقضايا التَّفاوض؛ وكذلك من حيث عدم بذل جهدٍ موازٍ في استعادة الأموال والممتلكات العامَّة المنهوبة من النِّظام البائد؛ ومن حيث استباق الحكومة للمؤتمر الاقتصادي برفع الدَّعم، متجاهلة مقترحات اللجنة الاقتصاديَّة لقيادة الثَّورة، وحاضنتها السِّياسيَّة «قحت» ومن حيث عدم سنِّ التَّشريعات التي تراعي معايش النَّاس، كتنظيم الأسواق، والرَّقابة على السِّلع، مثلاً، ومن حيث عدم التَّخطيط للتَّنمية المتوازنة، وعدم الاجتهاد في فكِّ الارتباط القيادي بين الطفيليَّة وبين أقسام الرَّأسماليَّة الأخرى؛ ومن حيث عدم العمل لبسط الحريَّات، وحقوق الكادحين الماديَّة والمعنويَّة، ومن حيث عدم الشروع في استعادة أراضي الوطن السَّليبة في مثلث حلايب والفشقة؛ ومن حيث عدم الاتِّجاه لاستعادة أراضي مختلف المجموعات الإثنيَّة، خصوصاً «الحواكير» في دارفور؛ ومن حيث إقحام مسائل، كالتَّعويضات مثلاً، في قضايا التَّفاوض على السَّلام، بمنأى عن شروط تطبيقات العدالة الانتقاليَّة، علماً بأنها جزء لا يتجزَّأ من السَّلام؛ ومن حيث عدم تحديد المسؤوليَّة، بعد، عن مصائر الشُّهداء، والجَّرحى، والمفقودين، في كلِّ وقائع العنف، بالأخصِّ ما جرى في مذبحة ساحة الاعتصام فجر الثَّالث من يونيو 2019م؛ وأيضاً من حيث عدم المحاسبة على فساد رموز النِّظام البائد، وعدم حسم تسليم البشير وشركائه للمحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة؛ ومن حيث عدم تكوين المجلس التَّشريعي؛ بل ومن حيث عدم إنشاء مفوضيَّة السَّلام نفسها، منذ البداية، وإحالة الأمر، بدلاً من ذلك، لما يسمَّى بالمجلس الأعلى للسَّلام، تحت مجلس السَّيادة، دون مجلس الوزراء، وهو ترتيب لا يُعرف مصدره، ولا موقع له في الوثيقة الدُّستوريَّة! ومن حيث أن بعض المدد المنصوص عليها تتجاوز مدَّة حكومة الانتقال نفسها، لتشمل حكومات ما بعد الانتقال (!) كذلك، ومع أكيد احترامنا لأعضاء الوفد الذي فاوض باسم الحكومة الانتقاليَّة، إلا أن كيفية تكوينه أو تشكيله غير معروفة، ولا الأسس أو القواعد التي حكمت اختيارهم، ولا حدود صلاحياتهم، ولا مدى تفويضهم، ضف إلى ذلك، خصوصاً من جهة مفاوضي الجَّبهة الثَّوريَّة، مشاركة شخصيَّات لا تمثِّل الكيانات التي تدَّعي التَّعبير عنها (!)
تلك وغيرها بعض مسائل كانت تنبغي مراعاتها، بين يدي التَّفاوض على صناعة السَّلام، كونها تشكِّل ضرورات وثيقة الصِّلة به، ومداخل لا غنى عنها له.

الأحد
رحم الله الناظر ولد الناظر إبراهيم منعم منصور، فذاكرته لم تصدأ أو يصيبها البلى. وفي مذكِّراته التي هي سِفرٌ باتع أهداني نسخة منه قبيل وفاته صدَّرها بتوقيع لطيف، أورد دقائق من حياته وحيوات آخرين ربَّما يعود بعضها إلى زهاء نصف قرن، وفي بعض صفحاتها روى الواقعة التَّالية من أيَّام عضويَّته في بعض حكومات نميري:
في اجتماع لمجلس الوزراء سأل النِّميري، قبيل نهايته، إن كان لدى أحدنا موضوع آخر. فقال بابكر عوض الله: إن الشَّخص العام ملك عام، وحياته الشَّخصيَّة ملك للمجتمع، وإنه صُدم حين علم أن اثنين من أعضاء المجلس كانا يسهران في «كباريه»، وأن أحدهما اشتبك مع مواطن .. هنا قاطعه زين العابدين عبد القادر، وكان الرَّقيب العام على الأموال المؤمَّمة والمصادرة، مخاطباً نميري: يا ريِّس، الإتنين ديل أنا وابو القاسم محمَّد إبراهيم، مشينا نسهر في سانت جيمس، فقابلني أحد أبناء من صودرت ممتلكاتهم، وبادرني ببونية قويَّة، تفتكر أهرب وللا أبادله بونية ببونية؟! تدخل النَّاس، وفضُّوا الاشتباك، وتصالحنا! ثم التفت إلى بابكر عوض الله قائلاً: تفتكر يا مولانا واحد زيِّي عمره 28 سنة وضع رأسه في كفَّه وعمل ثورة، يقضي باقي حياته راهب، إذا عطش ما يبل ريقه، وإذا زهج ما يسهر، وإذا ضُرب على خدِّه الأيمن يدير لمن لكمه خدَّه الأيسر، بينما صار غيره وزيراً يتكلم عن أن الشَّخص العام ملك عام .. في تلك اللحظة ضرب النِّميري المنضدة بكفِّه آمراً: تُرفع الجَّلسة!

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.