عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الإثنين
تضمَّنت حيثيات الحكم في قضية لام اكول ضد ورَّاق والباز رأياً يأخذ على ورَّاق أنه كتب كلمته والبلاد مستهدفة، ولام في الصفوف الأماميَّة. وبسبب هذا الرأي استغلق عليَّتماماً، فهم مدار الحكم: أهو (كرامة) الشاكي بصرف النظر عن موقعه، (أمامياً) كان أم (خلفياً)؟! أم هو الموقع الوزاري (الأمامي) الذي كان يشغله وقت نشر الكلمة؟! أفلو كان ورَّاق نشر كلمته تلك بعد إقصاء لام من موقعه (الأمامي) ذاك، وبعد إعلان الحركة الشعبيَّة رأيها الصريح فيه، وهو من كان يشغل، باسمها، الموقع الذي استخدمت في وصفه، من عجب، لفظ (متقدِّم) المرادف للفظ (أمامي)، وأفصحت، بإبانة تامَّة، عن أن الرَّجل لم يعُد يعبِّر عن سياستها، أكان الحكم سيتغيَّر؟! 
مهما يكن من أمر، فإن شاغلنا الآن هو الحساب (السياسي) الختامي لـ (ربح) لام و(خسارته) في تلك القضيَّة، دون أن نمنع أعيننا، بالطبع، من أن تلمح، ولو خطفاً، قول الرَّجل، في ردِّه على بيان قيادة حركته، إنه (أساء) لشخصه، دون أن يتخذ أيِّ إجراء (جنائي) ضد هذه القيادة، من قبيل ما اتخذ ضد ورَّاق والباز! فهل (الكرامة) أمر يقبل القسمة على اثنين: أحدهما يستوجب الاقتصاص له، سجناً وسداداً لأموال طائلة في حقِّ صحفيين بلا حول ولا طول، بينما الآخر يمكن الإغضاء عنه، ببساطة، والاكتفاء بالردود الساخطة، حين يبلغ الأمر مستوى الرَّجل الثاني، أو ربَّما حين يلوح طيف الرَّجل الأول نفسه؟! ألا يتفق لام معنا في أنه، بهذا، قد حشر نفسه في طاحونة مأزق أخلاقي ضروس؟! ما ضرَّه، إذن، لو كان استخدم حقه، بموجب قانون الصحافة، في الردِّ على كلمة ورَّاق، آنذاك، في ذات الصحيفة، وفي نفس الصفحة، وبذات البنط؟! أم أن (كرامة) من يشغل (المنصب) غير (كرامة) من لا يشغله؟! أم، يا ترى، الاختصام إلى القضاء مع (حملة الأقلام) أقلُّ كلفة من الاختصام إليه مع (حملة البنادق)؟!
الشاهد أن لام برز إلى سطح السياسة عقب انتفاضة 1985م، كمثقف مناضل أوعزت مواقفه للناس، أوان ذاك، ولجمهور المثقفين الديموقراطيين على وجه الخصوص، بأن مرمى ثقافته ونضاله هو تكريس (الوحدة) و(الديموقراطيَّة) و(حقوق الإنسان) في السودان. لذا احتضنوه، وفتحوا له عقولهم وقلوبهم، ودفعوا عنه أذى الاستهداف بالعسف، وواصلوا ذلك حتى بعد هجره سوح النضال المدني، ودخوله (الغابة)، ثقة منهم، بوجه عام، في (مانفيستو) الحركة، وخطابها، وقيادتها.
لكن، مع كرِّ مسبحة السنين، إزداد بُعد الشُّقة بين الأداء العام للرَّجل وما كان توهَّم فيه جمهوره الوحدوي الديموقراطي الأوَّل، حتى فاصل الحركة نفسها، مع رياك مشار عام 1991م، ثمَّ ما لبث أن فاصل الأخير، قبل أن يبرم مع حكومة الإنقاذ، باسم (الحركة الشعبيَّة ـ الفصيل المتحد)، في سبتمبر 1997م، (إتفاقيَّة فشودة) التي حملته إلى الموقع (الأمامي) وزيراً للنقل، متضمِّنة (تقرير المصير)، لا بفهم ديموقراطي يضمن (الحقَّ)، ويبذل الجهد لأجل (الوحدة)، بل بفهم يقرن، ضربة لازب، بين هذا (الحقِّ) وبين (الانفصال)! وذلك هو ما أفصح عنه لام بنفسه لـ (الحياة اللندنيَّة)، وأعادت نشره صحف الخرطوم، أوائل 1998م، حيث أوضح مفهومه لهذا (الحقِّ)، كاشفاً عن السبب الحقيقي لانشقاقه عن قيادة قرنق الوحدويَّة، بقوله إن "الدعوة إلى حقِّ تقرير المصير يحمل لواءها من يرغب في تحقيق الانفصال، فما من حركة وحدويَّة تتحدَّث عن حقِّ تقرير المصير. ونحن .. أوَّل من طالب بحق تقرير المصير بهدف تحقيق انفصال الجنوب. هذه حقيقة نقولها جهاراً، ومن دون أيَّة مواربة"!
عاد لام، لأسباب مختلفة، إلى الحركة الأم، قبيل توقيع اتفاقيَّة السلام الشامل 2005م، فتبوَّأ، بعدها، موقعاً (أمامياً) آخر، هو مقعد الخارجيَّة ضمن مقاعد الحركة بموجب الاتفاقيَّة. لكن أداءه ظلَّ محلاً للنقد والشك، خصوصاً من أحزاب المعارضة والصحفيين الديموقراطيين، بينما ظلَّ موقفه أنه معني، كوزير، بسياسة الحكومة، لا بخط الحركة. وكانت تلك هي الفترة التي نشر ورَّاق، أثناءها، كلمته موضوع بلاغ لام. غير أن حركته نفسها أقدمت، لاحقاً، على إعفائه من موقعه (الأمامي)، وإحلال غيره محله، قبل أن تصدر بيانها الذي اعتبرته فيه خارجاً، تماماً، عن خطها، ولا يعبِّر عن سياساتها!    
كلمتنا هذه مشغولة، فحسب، كما سبق ونوَّهنا، بإهداء لام بعض عيوب موقفه السياسي والأخلاقي، لا القانوني، في نزاعه مع ورَّاق والباز. فما من أحدٍ يملك أن يمنع أحداً مِن اللجوء إلى القضاء، سعياً لاسترداد ما يراه حقاً له قد أهدر. وواجب المحكمة المفترض هو تطبيق القانون على ما يتوفر لديها من بيِّنات تزنها بإحسان. لكن، بصرف النظر عن موضع الحق، فليس من الحكمة، أيضاً، أن يندفع هذا الأحد، في كلِّ الأحوال، إلى المحكمة، دون أن يحسب حساب المآلات السالبة التي قد تنتهي إليها صورته، جرَّاء هذه الخطوة، في أذهان الآخرين، خصوصاً إذا كان ناشطاً في العمل العام. وقد كان بإمكان لام، حتى بعد اختياره طريق الخصومة القضائيَّة، أن يكتفي بقرار الإدانة، أو بطلب إلزام خصميه بسداد مبلغ رمزي، كجنيه واحد مثلاً، على سبيل التعويض؛ فالمحكمة لا تضرب الشاكي على يده ليطلب مبلغاً أكبر، وإنما تقضي له في حدود طلباته، وراعي الضأن في الخلاء يدرك أن (الكرامة)، في المبتدأ والمنتهى، لا تقدَّر بثمن، ولذا فإن المغالاة في طلب التعويض قد تحرف الأذهان إلى تصوُّر الشاكي ساعياً لانتهاز الفرصة بالإثراء من أموال خصومه، إن كانت لديهم أموال أصلاً، لا كحال ورَّاق والباز، يقبعان في الحبس، والزملاء والقرَّاء وعامَّة الجمهور يكتتبون، تقطيعاً من الجلد، لجمع نصيب الأوَّل، بينما يضطرُّ الآخر لبيع ما لديه من حواسيب كان يدَّخرها لتسيير مشروعه الصحفي كي يفي بالمطلوب منه! فهل ثمَّة ناصح مخلص أمين للام لم يقل له إن ذلك لن يُكسِبه أيَّ خير؟! أو أنه لن يشوِّه صورته في الأذهان؟! أو أنه، على عكس رغبته، سيزيد من مؤازرة الناس لخصميه، ومن تعاطفهم معهما؟!  
نخشى أن الرَّجل ثقب عينه بإصبعه، رغم كسبه القضيَّة في المحاكم، وسيبقى رهن هذا الخسران، على الدوام، إن لم يراجع نفسه في ما اقترفت يداه في هذا المنازعة، سياسياً وأخلاقياً، وليس قانونياً بطبيعة الحال!
الثلاثاء
مناوي محتار، هذه الأيام، في (فزورة) لا يعرف لها حلاً! فهو يريد أن يشارك في الانتخابات. والقانون يشترط التسجيل لدى مجلس الأحزاب. والتسجيل يشترط التحوُّل إلى حزب. والتحوُّل إلى حزب يشترط تصفية قوَّات مناوي العسكريَّة ودمجها في القوَّات المسلحة. وتصفية القوَّات ودمجها مرهون بتنفيذ المؤتمر الوطني لشروط أبوجا. والمؤتمر الوطني، حسب مناوي، لا يريد أن ينفذ أبوجا. ومجلس الأحزاب يقول لمناوي: ليس هذا شغلي، سأمهلك أسبوعين فقط. ولهذا فمناوي محتار في ما ينبغي عليه أن يفعل كي .. يجنح إلى السلم!
الأربعاء
لم أحظ بمطالعة كلمة الشاعر صِدِّيق مجتبى، الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الثقافة والفنون، في ليلة المدائح النبويَّة التي نظمتها مستشاريَّة جمهوريَّة إيران الإسلاميَّة، احتفالاً بالمولد النبوي الشريف، ضمن الأسبوع الثقافي الإيراني بالسودان، حتى لفت نظري إليها ردُّ إدارة العلاقات العامَّة والإعلام بالمجلس على مقالة نشرتها (الصحافة) في 10/3/2009م، وأخذ كاتبها على صِدِّيق ما نسب إليه من قول، في كلمته تلك، بأن ثمَّة "ترسانة نوويَّة في إيران والسودان"!
إنبرت الإدارة المذكورة، كالعادة، تنعي على الكاتب ما وصفته بـ "عدم التزامه بالنصِّ وسياقه .. ومجافاته الحقيقة، وتعدِّيه على المهنيَّة"، مركزة على اصطفائه لهذه العبارة، "بإشاراتها السالبة"، عنواناً لمقالته، مع أن ".. إيران تمتلك تخصيب اليورانيوم وتستخدمه لإنتاج الطاقة النوويَّة للأغراض السلميَّة، والسودان لا يملك ترسانة نوويَّة أو أيَّ استخدام للطاقة النوويَّة"، أو كما قالت (الصحافة، 25/3/09).
الردُّ، في حدِّ ذاته، لم يدهشني، فهو مِمَّا أمسى معلوماً، بالضرورة، من شغل إدارات العلاقات العامَّة، وربَّما وصفها الوظيفي! ما أدهشني، بل حيَّرني حقاً، هو وقوف الأمين العام لـ (رعاية الثقافة والفنون) في منبر احتفال بـ (المولد النبوي)، ضمن فعاليات أسبوع (ثقافي)، لا ليتحدَّث عن روحانيات خاله الشاعر، إمام المجدِّدين، التيجاني يوسف بشير الذي أودى الإهمال، أو كاد، بديوانه الفتح (إشراقة)، أو عن تجارب شعراء الحداثة المستعربين المسلمين السودانيين في باب المدائح النبويَّة، أو حتى عن أثر الخلوة والمسيد في حركة الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة في بلادنا؛ بل ليخوض، بدلاً من ذلك، في حديث (تخصيب اليورانيوم)، و(الترسانات النوويَّة)، و(استخداماتها في الأغراض السلميَّة)!
خبر إيه يا صديقي العزيز؟! ما علاقة هذا، أصلاً، بـ (رعاية) الثقافة والفنون؟! وماذا كنت تراك فاعلاً في ما لو كنت وزيراً لـ (الطاقة)، مثلاً، أو أميناً عامَّاً لـ (المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا)؟!
الخميس
إستوقفتني، صباح أوَّل البارحة 24/3/2009م، ودفعتني لمزيد من التأمُّل، كلمتان سديدتان حول الانتخابات، ساقهما الصديقان فيصل محمد صالح في عموده (أفق بعيد) بصحيفة (الأخبار)، ومجدي الجزولي، في عموده (فينيق) بصحيفة (الميدان). فثلاثة أشهر وبضعة أيام هي، بالفعل، كلُّ ما تبقي من ميقات الانتخابات التي يتوجَّب أن نجريها، حزمة واحدة، وبجميع مستوياتها، ودون أيَّة تجزئة، قبل التاسع من يوليو القادم، إن كنا جادِّين، حقيقة، في الالتزام باتفاقية السلام الشامل والدستور الانتقالي، كي نتفرَّغ لمشاغل أخرى، بلا عدٍّ ولا حدٍّ، في كلا المستويين الوطني والاجتماعي؛ فهل بمستطاعنا ذلك؟!
صحيح أننا لسنا (سنة أولى انتخابات). غير أن ثمَّة خمسة مسائل جديرة بالاعتبار، في هذه الانتخابات بالذات، على النحو الآتي:
المسألة الأولى: أن الحكومة تلكأت، منذ البداية، في الوفاء بالاستحقاقات القبْليَّة لهذه الانتخابات، حسبما حدَّدت الاتفاقيَّة والدستور:
(1) فقانون الانتخابات الذي كان ينبغي إصداره عام 2006م، صدر في يوليو 2007م، متأخِّراً بعام ونصف!
(2) والإحصاء السكاني الذي ينبغي أن يشمل (كلِّ) السودان، وكان ينبغي الفراغ منه في يوليو 2007م، لم يجر، أصلاً، إلا في أبريل ـ مايو 2008م، ولم تعلن، حتى الآن، نتائجه التي ينبغي أن ترفع، أولاً، إلى رئاسة الجمهوريَّة لاعتمادها، دَعْ الكثير من الارهاص بأن هذه النتائج سوف تضحي، فور إعلانها، عظمة نزاع بين مختلف الأطراف! ويتعاظم مشهد الخطورة، في هذا التقصير، حين نعلم، على الأقل، أن تحديد الدوائر الانتخابيَّة، وترسيم حدودها، هما بعض ما يتوقف على هذه النتائج؛ فهل أتاك حديث نزاعات الحدود الدامية التي غلبت الطبَّ والطبَّاب بين الهبانيَّة والفلاتة بجنوب دارفور مثلاً؟! بل هل أتاك حديث ترسيم الحدود الأكبر، والذي لم ينجز، حتى الآن، بين الشمال والجنوب، كأحد الأحاديث الطويلة المملة عن الاخفاق في تطبيق اتفاق السلام الشامل؟!
(3) والقوانين المقيِّدة للحريات، والتي تجمع قوى المعارضة زائداً الحركة الشعبيَّة على استحالة إجراء الانتخابات في ظلها، كونها تتعارض مع الاتفاقيَّة والدستور، وتعيق، من ثمَّ، عمليَّة (التحوُّل الديموقراطي) برمتها، وكان ينبغي مراجعتها، تعديلاً أو إلغاءً، قبل أكثر من أربع سنوات، ما تزال سارية على حالها، بل وتمدُّ لسانها لكلِّ من يريد إصلاحها في (يوم الوقفة) هذا!
وذاك كله محض غيض من فيض!  
المسألة الثانية: أن نسبة الناخبين الذين سيمارسون التصويت لأوَّل مرَّة ستفوق، بما لا يُقاس، نسبة ذوي الخبرات السابقة. وإجراءات التصويت نفسها ستختلف عن تلك البسيطة التي خبرنا في ديموقراطيات نصف القرن المنصرم. فأقصى تعقيد واجهنا، في تلك التجارب، لم يتجاوز تصويت خرِّيج الثانوي، في الانتخابات الوطنيَّة الأولى (1954م)، ثمَّ خريج الجامعة في الانتخابات الأولى بعد ثورة أكتوبر (1964م)، وكذلك انتخابات 1986م، ببطاقتين انتخابيَّتين؛ واحدة للدوائر الجغرافيَّة والأخرى لدوائر الخريجين، مقابل بطاقة انتخابيَّة واحدة في الدوائر الجغرافيَّة لغير الخريج؛ إضافة، بالطبع، إلى (الكليات الانتخابيَّة electoral colleges) بالنسبة للرُّحَّل، وتوسيع دوائر الريف قياساً إلى دوائر الحضر، وما إلى ذلك مِمَّا وقع التراجع عنه تدريجياً، للأسف، من حصافة التدابير التي كان اجترحها، باكراً، طيِّب الذكر سكومارسن، الخبير الهندي، الباكستاني لاحقاً، من باب التمييز الإيجابي لصالح توطين وتعميق ممارسة الديموقراطيَّة، إجرائيَّاً، في بلادنا، قياساً إلى مسطرة وست منستر.
لكن، في الانتخابات القادمة، فإن (ناخب الشمال) سيجابه تعقيدات التصويت بثماني بطاقات انتخابيَّة: لرئيس الجمهوريَّة، وللوالي، ولنائب الدائرة في المجلس الاتحادي، ولقائمة التمثيل النسبي في هذا المجلس، ولنائب الدائرة في المجلس الولائي، ولقائمة التمثيل النسبي في هذا المجلس، ولقائمة المرأة في المجلس الاتحادي، ولقائمة المرأة في المجلس الولائي. أما (ناخب الجنوب) فسيجابه، فوق هذه البطاقات الثماني، تعقيدات التصويت بأربع بطاقات إضافية: لرئيس حكومة الجنوب، ولنائب الدائرة في مجلس الإقليم، ولقائمة التمثيل النسبي في هذا المجلس، ولقائمة المرأة في هذا المجلس أيضاً، والمجموع 12 بطاقة إنتخابيَّة! فتتأمَّل: لئن كانت هذه الممارسة تستوجب من الوقت لتدريب (ناخب الشمال) ما قد يفوق الفترة المتبقية حتى يوليو القادم، فكم من الوقت تستوجب لتدريب (ناخب الجنوب)؟!
المسألة الثالثة: أن (التدريب) نفسه يشكل، في حدِّ ذاته، عظمة نزاع أخرى بين الأحزاب التى لا تعتبره ضمن مهام مفوَّضيَّة الانتخابات، وبين المفوَّضيَّة التي تحلف برأس أبيها ألا تتركه لغيرها، "فوضعت استراتيجيَّة شاملة" لعملها، ضمَّنتها "برنامج بناء القدرات .. عبر آلياتها"، ليشمل "كلَّ قطاعات المجتمع والأحزاب السياسيَّة والمرشحين" (الأخبار، 25/3/09). 
لكن، وعلى حين ابتعثت المفوَّضيَّة وفدها إلى جوبا للتفاكر مع رئيس حكومة الإقليم، والأحزاب، ومنظمات المجتمع المدني، حول ترتيبات الانتخابات، وتشكيل لجنتها العليا، ولجانها في ولايات الجنوب العشر، فضلاً عن التدريب (المصدر)، فإنها لم تجر، حتى الآن، مثل هذا التفاكر في الشمال، على الأقل مع أحزاب المعارضة، رغم أن الأخيرة بادرت بتدبُّر أمر (التدريب)، ووضعت برنامجها له، كما وأن بعض المنظمات ألقت بثقلها، عملياً، باتجاهه، استشعاراً لأهميَّته الحاسمة، كفرقة (الهيلاهوب) التي أجرت تجربة رائدة في مدينة الخرطوم بحري، و(جماعة الفلم السوداني) التي أنجزت شريطاً طافت به عربة للسينما المتجوِّلة بعض الأرياف. وما يزال هذا المجهود، سواء من جهة الأحزاب أم المنظمات المدنيَّة، في أمسِّ الحاجة للدعم والتمويل.
المسألة الرابعة: أن الالتزام بإجراء العمليَّة الانتخابيَّة في (كلِّ) السودان، سيصطدم، واقعياً، بالمهام الوطنيَّة غير المنجزة في بقاع يقطنها ملايين الناخبين، وعلى رأسها، كمثال، إخماد الحريق الذي ما يزال مندلعاً في دارفور، بل ويزداد أواره اشتعالاً يوماً عن يوم، مِمَّا ستكشف نتائج التعداد، يقيناً، عن القدر من الإعاقة التي سبَّبها لها، دَعْ ما نبَّهت إليه القوى السياسيَّة، بما فيها الحركة الشعبيَّة، من صعوبة إجراء الانتخابات في ظروف الخريف، بل دَعْ استحالة تنفيذ شرط التسجيل في محلِّ الإقامة قبل ثلاثة أشهر، على الأقل، من موعد الانتخابات!
المسألة الخامسة: أن أيَّ حديث عن أيِّ (تحوُّل ديموقراطي) جاد لا بُدَّ أن يبدأ من (المجالس المحليَّة)، و(اللجان الشعبيَّة) في الأحياء السكنيَّة، وما إلى ذلك؛ أي من الكيانات التي تؤسِّس لبنية (الديموقراطيَّة) التحتيَّة ذاتها، وقاعدتها الحقيقيَّة. وفي هذا الإطار تجابهنا المفارقات المحيطة بانتخابات (المجالس المحليَّة) و(اللجان الشعبيَّة). فعلى حين ينصُّ (قانون الحكم المحلي لسنة 2007م) على أن تجري انتخابات (المجالس المحليَّة) وفقاً لـ (قانون انتخابات المجالس الولائيَّة)، فإن (قانون انتخابات المجالس الولائيَّة) نفسه لم يصدر حتى الآن، علماً بأن (المجالس المحليَّة) هي التي تحدِّد عدد (اللجان الشعبيَّة) في الأحياء السكنيَّة، وحدودها الجغرافيَّة. مع ذلك أعلن، مؤخَّراً، عن انتخابات (اللجان الشعبيَّة)، ما يعني أن العمليَّة، برمتها، سوف تخضع لقوانين ما قبل اتفاقيَّة السلام الشامل والدستور الانتقالي!
...........................
...........................
إذن، وبصرف النظر عن أيَّة سانحة قد تلوح لأهل المؤتمر الوطني، فتغويهم بإجراء الانتخابات في هذا الظرف بالذات، فإن ثلاثة أشهر وبضعة أيام لن تكفي، مهما هُم (تنبَّروا)، للوفاء بشروط هذه الانتخابات، واستحقاقاتها القبْليَّة، والالتزام، من ثمَّ، بإجرائها في موعدها المحدَّد وفق الاتفاقيَّة والدستور، اللهمَّ إلا إذا أرادوا كلفتتها! وفي الوقت ذاته لن يكون عملاً مستجيباً، بأيِّ قدر، للاتفاقيَّة أو الدستور، محاولة إجراء هذه الانتخابات جزئياً، من حيث النوع أو الجغرافيا، الأمر الذي يشي به التصريح المقلق الذي أدلى به أحمد ابراهيم الطاهر، رئيس المجلس الوطني، عقب زيارته لمفوَّضيَّة الانتخابات في 23/3/09، بقوله إنه ناقش معهم ".. كيفيَّة التعامل مع (المعطيات الموجودة) في الساحة لإجراء الانتخابات وتحديد موعدها!" (الرأي العام، 24/3/09)، وهو ما رفضته مسبقاً، وبصرامة، كلُّ القوى السياسيَّة .. فما العمل؟! 
الجمعة
أخطر ألعاب القمار (الروليت الروسي)، لا يمارسه إلا مخبول أو يائس، فليس من عجب أن انتشر، أكثر ما انتشر، بين الجنود الأمريكيين في فيتنام، أو العائدين منها باهتزازات نفسيَّة ونظرات سوداويَّة، وما أكثرهم. هل تذكرون فيلم روبرت دي نيرو (صائد الغزلان) مثلاً؟!
قواعد اللعبة تقتضي أن يقوم شخص بوضع رصاصة واحدة، أمام الجمهور، في مسدَّس ذي مخزن دائري بعدة مسارات للرصاص، ويدير المخزن براحة كفه حتى لا يعود ثمَّة من يعرف، ولا هو نفسه، موضع الرصاصة، ثم يعطي المسدَّس للمقامر الذي يضع الفوهة على صدغه، ويضغط على الزناد! فإذا لم تكن الرصاصة في مسار الفوهة كتبت له حياة أخرى، وخسر المراهنون على مصرعه! أما إذا كانت في المسار .. فباي باي!
الغريب أنه، شخصياً، لا يقامر على مال، وإنما على حياته! أما الأغرب فهو أنه يكرِّر اللعبة مرَّات ومرَّات!
السبت
(حُذفت هذه المادة، بأمر الرقابة، من النشر، اليوم، على صفحة "الرزنامة" الأسبوعيَّة في النسخة الورقيَّة من صحيفة "أجراس الحريَّة"، العدد/318 بتاريخ 30/3/2009م):
...........................
...........................
تكفلت تقارير صحفيَّة خارجيَّة بالكشف، لأوَّل مرة، عن غارة جويَّة، نسبتها إلى مقاتلات أمريكيَّة، وقعت، نهاية يناير الماضي، على منطقة صحراويَّة شمال غربي بورتسودان، قرب جبل الشعنون، مستهدفة قافلة من 17 شاحنة قيل إنها كانت تقلُّ 39 شخصاً، ومحمَّلة بأسلحة أريد تهريبها إلى غزة، عبر الحدود السودانيَّة المصريَّة، ومن ثمَّ، عبر الأنفاق على الحدود المصريَّة الفلسطينيَّة؛ وأن المقاتلات الأمريكيَّة المشار إليها موجودة في بعض دول المنطقة، وبالأخص في القاعدة الأمريكيَّة بجيبوتي (كاب ليمونير) المكلفة بالتركيز على سبع دول تعتبرها القيادة العسكريَّة الأمريكيَّة محطات للعناصر الارهابيَّة، وهي اليمن والصومال وكينيا والسودان وأثيوبيا وأريتريا وجيبوتي. لكنَّ المصادر ترجِّح انطلاق الغارة من إريتريا أو جيبوتي (أجراس الحريَّة، 25/3/09 نقلاً عن الشروق الجديد المصريَّة ووكالات أخرى، 24/3/09).
القيادة العسكريَّة الأمريكيَّة في أفريقيا (آفريكوم) سارعت إلى نفي علاقتها بالغارة (قناة الجزيرة، 25/3/09). غير أن يهود أولمرت، رئيس الوزراء الإسرائيلي المنصرف، لم ينف أو يؤكد علاقة إسرائيل بها (المصدر)، حيث اكتفى بالقول، خلال كلمته أمام مؤتمر في أكاديميَّة هرتسيليا: "إننا نعمل في أي مكان يمكننا فيه ضرب قواعد الإرهاب، ونوجِّه ضربات في أماكن قريبة وبعيدة تؤدِّي إلى تقوية وزيادة الرَّدع .. إن هذا ينطبق على هجمات تمَّ شنُّها في الشمال والجنوب .. ولا جدوى من الدخول في تفاصيلها، فبإمكان كلِّ واحد أن ينشِّط مخيلته، ومن ينبغي أن يعرف فإنه يعرف!" (الرأي العام ـ نقلاً عن وسائل إعلام إسرائيليَّة، 27/3/09).
وحول إمكانيَّة توجيه أصابع الاتهام إلى الطيران الحربي الإسرائيلي بشن هتين الغارتين على بُعد 1.400 كيلومتر عن إسرائيل، حسبما كشفت عن ذلك شبكة (سي. بي. إس) التلفزيونيَّة الأمريكيَّة، قال الخبير العسكري المصري اللواء طلعت مسلم لموقع (إسلام أونلاين) إنه إتهام قابل للتحقق، كون طياري سلاح الجو الإسرائيلي مدربين على مثل هذه العمليات البعيدة، كما وأن طائراته الحديثة (إف 15 وإف 16) ملحقة بها خزانات وقود إضافيَّة تمكنها من التزوُّد بالوقود جواً. ويرجِّح اللواء مسلم أن تكون هذه الطائرات قد أقلعت من قاعدة حتسريم في بئر سبع، مروراً بعرض البحر الأحمر، كمنطقة دوليَّة يسمح للطائرات الإسرائيليَّة بالتحليق فوقها، وصولاً إلى الأراضي السودانيَّة، حيث لا تكنولوجيات عسكريَّة لرصدها أو للاشتباك معها. واعتبر اللواء مسلم أنه في حال التوصل ليقين بقيام إسرائيل بهذا العدوان، فإن ذلك سيُعدُّ سابقة خطيرة تهدد كلَّ البلدان العربيَّة، حتى غير المرتبطة بحدود مع الدولة العبريَّة (الرأي العام، 27/3/09).
وفي السياق ذاته زعم المحلل العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت، ألكس فيشمان، أن بين الأسلحة التي كانت في الشاحنات صواريخ يصل مداها إلى 70 كيلومتراً، وقادرة على ضرب تل أبيب. كما رجَّح راديو إسرائيل أن يكون الهجوم تمَّ بموجب مذكرة التفاهم التى وقعت بين إسرائيل والولايات المتحدة مع نهاية حرب غزة الأخيرة، والتي يتعاون الطرفان، بموجبها، على تتبع ومنع دخول السلاح إلى قطاع غزة (المصدر).
مع ذلك، ورغم مرور شهرين على الغارة حسب المصادر، فإن غيوماً كثيفة من التكتم والضبابيَّة ما تنفكُّ تحيط بالموقف السوداني الرسمي من الحدث، إما لأن الحكومة "ما زالت .. تجمع تفاصيله، وتدرس كيفيَّة التعامل معه" (الشروق الجديد المصريَّة، 24/3/09)، أو لعوامل ذاتيَّة كتلك التي وسمت موقفها إزاء العدوان على مصنع الشفاء بالخرطوم بحري خريف 1998م.
صحيفة (أجراس الحريَّة) نسبت أوَّل ردِّ فعل عسكري سوداني إلى عبد السميع حاج حمد، مدير مكتب المتحدِّث باسم الجيش، قائلة إنه كذب الواقعة، أصلاً، وجزم بـ "عدم حدوث أيَّة غارة داخل الحدود السودانيَّة"، و"نفى .. صحَّة التقارير، واعتبرها من قبيل الحرب النفسيَّة، مستغرباً التكتم عليها قبلاً، وتاريخ نشرها الآن، مِمَّا يشي بأنها رسالة سياسيَّة" (أجراس الحريَّة، 25/3/09)، لكن الصحيفة (اضطرَّت) للاعتذار، بعد يومين، بأن المصدر "لم ينفِ أو يؤكد" ما تناقلته الوكالات العالميَّة في هذا الشأن، أي أنه لم يقل شيئاً قط (أجراس الحريَّة، 27/3/09)، دون أن تضيف ما ينقع غلة الصادي لمعرفة الكيفيَّة التي نشرت بها، قطعاً من الرأس، كلاماً مفصَّلاً حول (استغراب التكتم) و(الحرب النفسيَّة) و(الرسالة السياسيَّة) .. الخ!
أوَّل ردِّ فعل سياسي من الحكومة اتسم، على صدوره متأخِّراً، في عقابيل نشر التقارير المذكورة، بالتناقض المركب. ذلك أنه، وعلى حين كان دينق ألور، وزير الخارجيَّة، يردُّ على أسئلة الصحفيين، في المؤتمر الصحفي المشترك مع أحمد أبو الغيط، وزير الخارجيَّة المصري، في أعقاب زيارة رئيس الجمهوريَّة للقاهرة، نافياً أن يكون لدى وزارته أيُّ علم بالغارة (قناة الجزيرة، 25/3/09)، كان مبروك مبارك سليم، وزير الدولة بوزارة النقل، يتصدَّى، للغرابة، لتقديم إفادات مسهبة لنفس القناة، بوقائع مختلفة تماماً، وبأرقام تفوق ما أوردت التقارير أضعافاً مضاعفة، مِمَّا لا يُعقل ألا تكون وزارة الخارجيَّة على علم به، حيث كشف عن أن الغارة دمَّرت، تماماً، القافلة التي كانت تقلُّ أثيوبيين وسودانيين وأريتريين وصوماليين، وأنها خلفت 800 جثة متفحِّمة، من بينها 200 لسودانيين جُلهم من قبيلة الرشايدة، نافياً أن القافلة كانت تنقل أسلحة إلى قطاع غزة، ومؤكداً على أنها كانت تمارس الاتجار بالبشر، وأن كلَّ السلاح الذي كان بحوزتها هو رشاشات كلاشنكوف تستخدم، عادة، للحماية (المصدر).
وفي ما يتصل بانتساب معظم القتلى السودانيين إلى قبيلة الرشايدة، لم أستسغ التفسير الذي ساقه البروفيسير حسن مكي، الأستاذ الجامعي، والخبير في شئون القرن الأفريقي، وأحد أهمِّ مفكري حركة الإسلام السياسي في البلاد، لتصدِّي مبروك سليم، بالذات، وهو مجرَّد وزير دولة بالنقل، للتحدث للعالم حول الغارة، دون بقيَّة الرسميين من ذوي الصلة الأقرب بالحدث، فقد عزا مكي السبب إلى كون مبروك سليم نفسه من قبيلة الرشايدة، فهُم أبناء جلدته، وهو، بالتالي، الأقرب إليهم داخل الحكومة (قناة الجزيرة، 26/3/09).  
عموماً ظلَّ مبروك سليم يمثل، على مدى يومين، المصدر الأوحد للموقف السوداني الرسمي، رغم أن مسئولاً آخر نقض معلوماته وأرقامه، لاحقاً، حيث أفاد بأن عدد الشاحنات 41، دمِّرت منها 25، ونجت 17، وأن عدد القتلى 64 (الرأي العام، 27/3/09). الشاهد أن باب التصريحات ما لبث أن انفتح على مصراعيه، إذ سرعان ما عادت وزارة الخارجيَّة إلى القول، بلسان متحدِّثها علي الصادق، بأن "الأجهزة الأمنيَّة تحقق في الحادثة" (الأحداث، 27/3/09). كما أكد العميد محمد عثمان الأغبش، الناطق باسم الجيش، أن الحكومة "كانت على علم بالضربات .. وشرعت في اتخاذ الإجراءات الضروريَّة .. والاتصال بالمصريين وبكلِّ الأطراف عبر وزارة الخارجيَّة"، لكنه لم ينفِ أو يؤكد الاتصال بالإدارة الأمريكيَّة (الرأي العام، 27/3/09). أما حول تأخير الإعلان عن الغارة لشهرين كاملين فقد اكتفى بالقول: "الحكومة .. هي التي تقرِّر الوقت المناسب لذلك" (المصدر). وذكر مسئول حكومي خامس أن عدداً من الجرحى وصلوا إلى بورتسودان وأبلغوا الشرطة (المصدر). وصرَّح مستشار والي البحر الأحمر بأن فريقاً أمنياً من شرطة الولاية زار موقع الحادث ميدانياً، فور وقوعه، ورفع تقريراً لجهات الاختصاص (الصحافة، 27/3/09). وقال مصدر حكومي سابع إن 10 جثث نقلت إلى الخرطوم، وتمَّ تشريحها، والتعرُّف على السلاح الذي قصفت به، كما عُثر في موقع الحادث على بقايا صواريخ وقنابل ومتفجِّرات نقلت إلى الخرطوم، وأخضعت للفحص (الرأي العام 27/3/09). وكشف مسئول ثامن عن اعتقال عدد من العصابات التي تمارس التهريب في الولاية، وأن التحقيق جار معها (الأخبار، 27/3/09). ثمَّ عاد مبروك سليم ليضيف إلى تصريحاته الأولى أن بين القتلى 13 مصرياً (المصدر)، وأن الحادثة عبارة عن غارتين، لا غارة واحدة، شنَّتهما ثلاث طائرات من الأسطول الأمريكي الثالث في البحر الأحمر، (الأحداث، 27/3/09).
………………………
………………………
وبعد، بصرف النظر عمَّا قد ينتابنا من حيرة بإزاء حدث ضخم كهذا يظلُّ خافياً على الإعلام، لشهرين كاملين، في عالم تعجُّ سماواته بالأقمار الصناعيَّة، وتقرِّب بين أطرافه  أرتال من الإذاعات، والقنوات الفضائيَّة، والصحف الورقيَّة، والمواقع الاليكترونيَّة، حتى لقد راج وصفه بأنه (قرية صغيرة)، فإن الحقيقة الأساسيَّة، في كلِّ ما نسمع، الآن، ونقرأ، هي أن عدواناً أجنبياً صارخاً، من اسرائيل أو من غيرها، وقع على وطننا العزيز؛ وأن أرواحاً غالية، سودانيَّة أو قرنأفريقيَّة، راحت ضحيَّته؛ وذلك في مفصل تاريخي يحتاج فيه شعبنا، كما لم يحتج في أيِّ وقت مضى، إلى تكاتف أبنائه وبناته كافة، من كلِّ الملل والنحل؛ وأن الحكومة، للأسف، أخطأت خطأ فادحاً لمَّا آثرت ألا تكاشفه، من الوهلة الأولى، بحقيقة ما جرى، ولو فعلت لكانت أدَّت واجبها في تهيئته، بشفافية، وهو الممتَحن في الملمَّات، لمواجهة هذا الخطر الساحق الماحق، بدلاً من تركه فريسة للشائعات وللمصادر الخارجيَّة! 
الأحد
كان الإمام المهدي، عليه السلام، يلقب الفقهاء الذين يحتالون بالدين للدنيا ليجمعوها بـ (علماء السوء)! أحد هؤلاء أجَّر لرجل داراً خربة يملكها بعد أن أوهمه بأنها صالحة للسكنى. لكن ما أن حلَّ الخريف حتى بدأ سقف الدار يقرقع. وعندما جاء صاحبنا، أوَّل الشهر، يطلب الأجرة، قال له الرجل:
ـ "أصلح السقف فإنه يقرقع".
فقال له (فقيه السوء):
ـ "لا تخف، فإنه يسبح لله تعالى"!
فما كان من الرجل إلا أن صاح قائلاً:
ـ "هو ذا ما نخشاه يا مولانا .. أن تدركه رقة من كثرة التسبيح فيخرُّ ساجداً على رءوسنا"!