عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
كمال الجزولى
نظم اتحاد الكتاب السودانيين أواخر ثمانينات القرن المنصرم ، قبيل حله فى عقابيل انقلاب الثلاثين من يونيو عام 1989م ، أمسية أدبيَّة مشهودة بمقرِّه بالخرطوم تحت عنوان (محاكمة الطيِّب صالح) ، التماساً لمقاربة نقديَّة مباشرة للروائى الكبير المقيم ببريطانيا بمناسبة إحدى عوداته القصيرات للبلاد. وقد وقف أحد النَّقـَدَة يومذاك ناعياً على الطيِّب ما بدا له فى أدبه من (إساءة وتشويه) لما أسماه (طابع الطهر والوداعة فى الريف السودانى) ، وتصويره لبعض الظواهر (الغريبة) على (قيم القرية) فى بلادنا ، أو كما قال!
من أقوى ما رسخ فى ذاكرتى من وقائع تلك الأمسية تعقيب الطيِّب على ذلك الكلام ، بصوته العميق وبساطته المعهودة ، قائلاً: "لا أملك والله سوى أن أعلن عن إحساسى بالاشفاق على أخينا هذا وعلى أمثاله من البسطاء الذين يرسمون لأنفسهم أوهاماً حول القرية والريف ، يصطنعون منها غشاوة يضعونها على عيونهم ، فتحول دون رؤيتهم لحقائق الواقع وصراعاته وتحوُّلاته ، ثم يمضون حياتهم مطمئنين لهذه الأوهام"!
وما أن أنهى الطيِّب كلمته البليغة تلك حتى انفجر الجمهور ، وجُله ، كالطيِّب نفسه ، من أصول قرويَّة ريفيَّة ، يتجاوب معها بالتصفيق الحار والقهقهات الصخَّابة ، أو قل بالضحك الذى هو كالبُكا!
إستدعى هذه الواقعة إلى ذاكرتى حديث والى ولاية شمال دارفور عثمان يوسف كبر فى ندوة عقدها مؤخراً بدبى ، "لبسط الحقائق" حول قضيَّة دارفور أمام "التجمُّع الإعلامىَّ المُمَيَّز" فى هذه المدينة الخليجيَّة ، ومن ثم "تنوير" الجاليات العربية والسودانيَّة على وجه التحديد. فما أن جاء الحديث على سيرة (الاغتصاب) كاتهام يوجَّه عالمياً ، فى الوقت الراهن ، لمليشيا (الجنجويد) سيِّئة السمعة ، حتى انبرى السيِّد الوالى (داحضاً) هذه التهمة الشنعاء بحماس شديد قائلاً: "الذي يتكلم عن الاغتصاب لا يعرف مواطنى دارفور .. سمعنا عن زواج جماعى ولكن لأول مرة أسمع عن اغتصاب جماعى .. لا يمكن أن يحدث هذا في دارفور التي كست الكعبة في يوم من الأيام .. من الذي يرضى بحدوث مثل هذه الحالات أمامه .. أهل دارفور لا يمكن أن يرضوا بهذا أصلاً!" (الرأى العام ، 30/7/04).
طبعاً لا أهل دارفور ، ولا أهل السودان عموماً ، على تنوُّع تكويناتهم الاثنيَّة ، ولا غيرهم من شعوب العالم وقوميَّاته المختلفة ، يمكن أن يرضوا بهذا. وما سمعنا ، مثلاً ، بأن شعوب البلقان أو رواندا أو سيراليون أو العراق ، مِمَّن نكبوا فى حروباتهم بمثل هذه الممارسات ، قد (رضوا) بها ، أو أنها معتادة أصلاً فى ثقافتهم بحيث يمكن لأحداثها أن تمُرَّ فى حياتهم مرور الكرام!
وإذن فهى الحرب ما قد علمتم وذقتم برغم وجود قانون دولىٍّ إنسانىٍّ يرعى حقوق الانسان فى أزمنتها!
وتؤكد د. سعاد موسى عميدة كليَّة علم النفس بجامعة الأحفاد للبنات أن حدوث حالات الاغتصاب أثناء الحروب "أمر متوقع .. حيث .. تكثر كل الافعال الخارجة عن القانون" (الرأى العام ، 27/7/04). كما يضيف د. موسى آدم عبد الجليل أستاذ علم الاجتماع بجامعة الخرطوم أن ظاهرة الاغتصاب في الحروب موجودة ومعروفة كعنف موجَّه نحو الجماعة "والهدف منها أن المجموعة المعتدية تريد أن توقع أكبر ضرر بالمجموعة الأخرى" (المصدر نفسه).
المشكلة هى أن السيِّد الوالى ذهِل فى غمرة حماسته ، على ما يبدو ، عن أنه بحديثه هذا قد استبق عملياً نتائج التحقيق الذى عهدت به حكومته نفسها إلى لجنة برئاسة رئيس القضاء الأسبق دفع الله الحاج يوسف الذى أكد أن علمهم قد اتصل فعلاً بدعاوى وقوع جرائم اغتصاب فى دارفور ، وأن لجنته (سوف) تحقق فى الأمر (المصدر نفسه).
بل لعل الأخطر من هذا أن السيد الوالى ذهِلَ أيضاً ، من ناحية أخرى ، عن أن خطابه بدا ، لهذا السبب بالذات ، كما لو كان منصرفاً بكليَّاته للدفاع المستميت عن الجناة ، وذلك بالنظر إلى تأكيدات لا يمكن الاستهانة بوزنها ولا يتطرَّق الشك إلى دوافعها السياسيَّة.
لقد سرد السيد الوالى فى حديثه فى (ندوة دبى) المشار إليها مراحل تطوُّر المشكلة حتى انهيار اتفاقية أبَّشى في 16/12/2003 بسبب ما وصفه (بالشروط التعجيزيَّة للمتمردين) ، وما أعقب ذلك من تجدُّد للمواجهات الحربيَّة ، حيث أشار إلى قيام الحكومة باسترداد بعض المناطق التى سبق لمقاتلى دارفور أن انتزعوها ، واعتبروها مناطق محررة ، وأعلنوا أنهم فى طريقهم (لاحتلال) الاقليم بأكمله خلال 51 يوماً ، والتوجُّه ، من ثمَّ ، نحو  الخرطوم. غير أنهم ، لمَّا فشلوا فى تحقيق ذلك ، غيَّروا "الاستايل بتاع اللعب!" على حدِّ تعبيره ، فكانت هذه الادعاءات! بمعنى أن (المتمردين) ، حسب السيد الوالى ، ما لجأوا (لاستايل) إثارة دعاوى الاغتصاب إلا بعد فشلهم فى تنفيذ مخططهم!
حسناً! فإذا افترضنا ، من جهة ، إمكانيَّة إهمال كلِّ التقارير التى ليس من المعتاد أن تجمع على معلومة ما بلا سبب مفهوم ، والتى ما تنفكُّ تتردَّد من جهة كبريات القنوات الفضائية والاذاعات والصحف والمنظمات المدنيَّة العالميَّة ، ومن أشهرها منظمة العفو الدوليَّة ، واعتبرناها كلها (أجنبيَّة معادية) ، اتساقاً مع خطاب الحكومة الرسمى ؛ وافترضنا ، من الجهة الأخرى ، سداد صرف النظر عن شهادة شخصيات سياسيَّة كالسيد الصادق المهدى والسيدة رباح الصادق وغيرهما مِمَّن زاروا مواقع الأحداث والتقوا بالضحايا وتحققوا من المعلومات وعادوا وصرَّحوا وكتبوا ، وعدَدناهم أجمعهم (حزبيين مغرضين) ، وفق ذات الخطاب ؛ فهل يمكننا الاستهانة أيضاً باللهجة الحذرة التى اتبعها الفريق ابراهيم الرشيد ، مدير الاكاديميَّة العسكريَّة السابق ، فى وصفه لهذا السلوك بأنه "تصرف موجود ينتج من إفرازات الصراع وقد يحدث بصفة عامة فى الحروب في المفهوم الدولى"؟! أو التغاضى عن قول المحامى الطيِّب هارون ، الموالى للنظام والناشط فى تنظيمات (حقوق الانسان) الحكوميَّة ، بأن مثل هذه الجرائم غير مستبعدة فى حالات الحروب ، حيث "تزهق الأرواح ، وبالتالى فإن حدوث أيَّة جرائم أخرى غير مستبعد"؟! بل هل يمكننا الاشاحة ، على سبيل المثال لا الحصر ، عن إفادة كاتب مرموق كعبد الله آدم خاطر ، المثقف الدارفورىِّ المستقل والمعروف بموقفه الوطنىِّ المتوازن من المشكلة عموماً ، والذى أكد أنه زار المعسكرات ووقف بنفسه على حقيقة وقوع حالات اغتصاب لعدد من النساء (المصدر نفسه)؟!
يقيننا أن (اللاعب) الأساسى الذى يحتاج ، أكثر من غيره ، لتغيير (استايل لعبه) هو النظام نفسه الذى يتوجب عليه ، إن توفرت لديه إرادة سياسيَّة حقيقيَّة للخروج بنفسه وبالوطن وبالشعب من المأزق الراهن ، أن يتخلى أولاً عن (استايل) المكابرة والمغالطة والاستغراق فى طمأنة النفس بأوهام التفكير الرغائبى وبرقِهِ الخلب ، وأن يقدِّم من التنازلات ما يكفى ، بأعجل ما يمكن ، لتوحيد الجبهة الداخليَّة ، ولانتزاع عناصر المبادأة من (اللاعبين الأجانب) وتبيئتها مناخاً وطنياً ملائماً لمعالجتها بمشاركة كلِّ القوى السياسيَّة والمنظمات المدنيَّة الفاعلة فى مفاصل المجتمع الأساسيَّة ، الأمر الذى لا يمكن أن يتحقق بمحض مواكب الحزب الحاكم المصنوعة ، وشعاراته البرَّاقة التى تنحو إلى حبس القضيَّة فى مجرَّد (التدخل الخارجى) ، وبدون اعترافه المستقيم بأن (استايل) الشموليَّة البغيض الذى ظل ينتهجه طوال السنوات الخمس عشرة الماضية هو المسئول الأكبر ، فى الحساب الختامى ، عن كلِّ هذا الحريق الوطنى المتفاقم ، والذى لا تمثل ظاهرة الاغتصاب غير عَرَض من أعراضه ، فيلزمه ، من ثمَّ ، تغييره (باستايل) إشاعة الحريات العامة وإطلاق الحقوق الأساسيَّة للمواطنين.
تلك هى العناوين الكبيرة (لخيار) المخرج الوحيد المطلوب ، والذى بحت أصوات الوطنيين من المناداة به ، لولا أن النظام ، بغير (الجبر) الخارجى ، لا يبصر ، على ما يبدو للأسف ، إلا ظلاله ، ولا ينصت ، فى ما هو واضح ، إلا لهواجسه! سوى أنه ليس ثمة مناص ، مع ذلك ، من أن يواصل الوطنيون الحفر فى الصخر بالأظافر خدمة للقضيَّتين معاً وفى وقت واحد: القضيَّة الاجتماعيَّة بالحل السياسى الشامل ، والقضيَّة الوطنيَّة بتجنيب البلاد مخاطر التدخل ، الغزو ، الاحتلال .. فالعراق ليس نموذجاً فى زحل أو المريخ ، والخير ، من قبل ومن بعد ، فى ما اختار الله!