لَيْسَ فِى كُليَّاتِ القاَنونِ وَحْدِهَا!
مَسَائِلٌ فِى الفَضَاءِ الفِكْرِى لإِدْمَاجِ "حُقُوقِ الانْسَانِ" فى البَرامِجِ الجَّامِعِيَّةْ (3)
بقلم/ كمال الجزولى
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
(1)
(1/1) شدَّدنا ، من خلال الحلقات الماضية ، على أهمية إدماج (حقوق الانسان) فى الدراسات الجامعية ، لما توفره هذه الأخيرة من برامج أكاديمية وبيئة بحثية مطلوبة. ونظرنا ، ضمن هذا الاطار ، فى خبرة الجامعات الأوربية التى أدرجتها ، كمادة منفصلة ، ضمن كليات القانون والعلوم السياسية. كما أشرنا ، بالنسبة للعالم العربى ، إلى جهود اتحاد المحامين العرب والمنظمة العربية لحقوق الانسان وكليات الحقوق فى جامعات الكويت والأردن ومصر وغيرها.
(1/2) أما بالنسبة لجامعة الخرطوم ، كنموذج أعلى للجامعات السودانية ، فقد أشرنا إلى غياب هذا الحقل المعرفى الحديث عن برامج كلياتها ، بما فى ذلك كلية القانون ، علاوة على الانتهاك الصارخ لحقوق الطلاب فيها ، حتى وقت قريب ، ولحقوق الأساتذة والعاملين ، حتى الآن ، فى إقامة تنظيمهاتهم النقابية ، مِمَّا يتناقض ومناهج (الاندياح المستعرض وتسييد الاتجاه) الحديثة. وقلنا إن العمل ظل جارياً فى كلية القانون على تدريس (حقوق الانسان) ضمن المواد التقليدية ، رغم الفرص التى أتيحت لتدريسها باستقلال ، بل ولإنشاء مركز متخصص لها بالكلية ، يشكل رابطاً مع الكليات الأخرى ، كما وبين الجامعة والمجتمع ، فى هذا المجال.
(1/3) ولأغراض هذا المبحث الذى يعنى بطرح بعض أبرز المسائل الفكرية ذات الصلة بإدماج (حقوق الانسان) فى البرامج الجامعية ، ولأجل التحقق من طبيعة العلاقة التى تصِل هذا الحقل بالحقول المعرفية المختلفة ، سعينا لاستجلاء نسق المفاهيم والمصطلحات المستخدمة ، فأضأنا الفارق المائز بين مفهومى (القانون) و(العدل) ، كما أجرينا مقاربة (لحقوق الانسان) فى سياق نشأة وتطور قواعد (القانون الوطنى) ، عموماً ، و(القانون الدولى) بخاصة ، فى محاولة للكشف عن حقيقة الدور الذى تلعبه المصالح والارادات الطبقية فى تحديد الوشائج الباطنية التى تربط بين النظامين الاجتماعى والقانونى فى كل دولة على حدة ، وانعكاساتها فى مستوى العلاقات الدولية والقانون الدولى بالضرورة. ونفذنا ، من ثمَّ ، لرؤية التطور الجارى فى فروع علم القانون التقليدية ، تبعاً للتغيرات الاقتصادية السياسية والعلمية الهائلة فى كل مستويات البنى الوطنية والدولية ، وتشقق هذه العلوم إلى مباحث أدق وأوثق بمنظومة الدراسات فى حقول الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتاريخ والدين والأخلاق والفلسفة وغيرها من العلوم الانسانية التى تشتغل على خلفيَّة المصالح والإرادات المصاغة فى صورة هذه القواعد القانونيَّة. ورتبنا على ذلك استحالة تصوُّر (القانون) بدون (المجتمع) و(الدولة) ، والعكس صحيح ، من جهة ، ومن الجهة الأخرى استحالة تصوُّر (معرفة) هذا (القانون) بمعزل عن (معرفة) القدر اللازم من (العلوم الاجتماعية والانسانية) الأخرى التى يشكل (المجتمع) و(الدولة) محورها ، والعكس صحيح أيضاً.
(1/4) وانتقلنا ، بعد ذلك ، لتتبع التطور الهائل فى (القانون الدولى) ، وبخاصة منذ القرن السابع عشر حين كان كلاسيكيوه ، كالفقيه جروتياس وغيره ، يحصرون أشخاصه فى الدول ذات السيادة SOVEREIGNTY ، ومجاله فى العلاقات (بين) هذه الدول التى لم تكن ، بحكم طبيعة أنظمتها ، لتهتم بالشؤون (الداخلية) لبعضها البعض. ولذا فقد اقتصرت قواعد القانون الدولى القديم على حَلحَلة مسائل السيادة على الأقاليم ، وتنظيم الحرب ، والحصانات الدبلوماسية .. الخ. غير أن الأحداث الثورية العظمى ، ومحطاتها الأكثر بروزاً خلال القرنين الماضيين ، فرضت مراجعة الأسس التى انبنت عليها ، وتأثيراتها المحتومة على علاقات القانون الدولى ، كالثورة الأمريكية ، والثورة الفرنسية ، والثورة الروسية ، ثم التحوَّلات الديموقراطية العميقة التى رتبتها أجواء ما بعد الحرب الثانية ، وظهور المعسكر الاشتراكى ، وانهيار النظام الاستعمارى القديم ، وتكوين الامم المتحدة ، وتنامى مطالبة الشعوب حديثة الاستقلال بأنصبتها من ثروات العالم ، وارتباط العلاقات الدولية عموماً بالعمليات الدستورية والسياسية الداخلية ، وانفتاحها على قضايا السلام ودرء الحروب وتقرير المصير ورفاهية الشعوب وحقوق الأفراد والتنمية المستدامة وحماية البيئة وغيرها. وقلنا إن ذلك هو السياق العام الذى نشأ وتطور ضمنه المفهوم المعاصر (لحقوق الانسان) ، وفق الصياغة الجماعية الدولية للقواعد والمعايير وأنظمة الجزاءات فى القانون الدولى الحديث ، الأمر الذى أمكن معه إصدار جملة من الوثائق القانونية الدولية الجديدة ، وعلى رأسها (الاعلان العالمى لحقوق الانسان) فى 10/12/1948م. وفى ما يلى نواصل:

(2)
(2/1) يلزمنا هنا خط تشديد تحت ما قد يوحى به السرد من تخصيص للسياق الغربى وحده بنشأة وتطور (المفهوم القانونى الدولى الحديث) ، لا (المفهوم الثقافى التاريخى العام) ، إستدراكاً على أىِّ احتمال لإيحاء غير مرغوب فيه بغربة متوهَّمة لهذا الأخير عن البنيات الثقافية لدى الشعوب الأخرى ، بما فى ذلك التكوينات القوميَّة فى السودان ، صرف النظر عن موقعها فى سلم التطوُّر ، من جهة ، أو بأىِّ استعلاء فجِّ ، من الجهة الأخرى ، على ما أسهم به الفكر الانسانى من إنشاء وتطوير لعناصر هذا المفهوم ، سواءً باستلهامات عقيديَّة أو بمحض الفطرة السليمة.
(2/2) لقد كان من الممكن لنا أن نتفق ، مثلاً ، مع فكرة "نسبيَّة حقوق الانسان" بين مختلف الحضارات والثقافات (محمد يوسف علوان ، 1989م) ، أو فكرة "نسبة مفهوم حقوق الإنسان إلى الغرب" (حيدر ابراهيم على ، 2003م) ، لولا عدم اعتمادهما التفريق بين المفهومين: (الثقافى التاريخى العام) و(القانونى الدولى الحديث) لهذه الحقوق ، مما يفتح باباً لسوء التفاهم حول موضوعتهما. ذلك أننا إذا عمدنا إلى النظر فى (حقوق الانسان) من زاوية (المفهوم الثقافى التاريخى العام) ، فإننا نجدها مغروسة ، على نحو ما ، فى كل بنية ثقافية ، ويقع خطأ القول بخلاف ذلك. غير أن الصحيح أيضاً أنها تتسم ، فى ذات الوقت ، بطابع نسبى ، بمعنى أنها ليست مطلقة ، لا زماناً ولا مكاناً ، حيث قد يختلف مضمونها من مجتمع لآخر ، بل وقد يختلف فى المجتمع نفسه من مرحلة تاريخية لأخرى. ومن ثمَّ يصحُّ الحكم ، فعلاً ، بأنه لا يجوز تقديم نموذج حقوق الانسان بهذا (المفهوم الثقافى التاريخى) فى حضارة معينة على أنه نموذجها فى العالم أجمع كما يقرِّر د. علوان (1989م). أما إذا نظرنا إليها من زاوية أخرى فإننا نجد أن التفاوت فى درجة تطور (المفهوم الثقافى التاريخى) أنتج ، بحق ، تفاوتاً ملحوظاً فى إسهام أمم عن أمم بشأن بلورة (المفهوم القانونى الدولى الحديث) فى ساحة العلاقات الدولية.
(2/3) إن عدم التقيد الصارم بهذه الحدود المفاهيميَّة والمصطلحية قد يتسبب فى الكثير من سوء التفاهم ، حيث تمسى الدلالات الحقيقية (لحقوق الانسان) شديدة الالتباس بالفعل ، من الناحيتين اللغوية والاصطلاحية ، فى الكثير من أنماط استخداماتها الدارجة فى الصحافة وأجهزة الاعلام والخطابات السياسية المختلفة ، بل حتى فى لغة التخاطب اليومى. فالاستخدام المطلق على هذا النحو قد يوحى بأحد أمور ثلاثة مغرقة فى الخطأ:
أ/ فربما يعنى ، من جهة ، إهداراً تاماً لحقيقة نشأة هذه الحقوق ، بالفعل ، وفق (المفهوم القانونى الدولى الحديث) ، ضمن السياق المفاهيمى الخاص بالتطور التاريخى الملموس للفكر الحقوقى والسياسى فى أوربا والغرب بوجه عام ، وتحديداً منذ شيوع فلسفة (الحقوق الطبيعية) فى كثير من المذاهب ، بدلالة الحقوق (السرمدية) النابعة من الطبيعة البشرية ذاتها ، كمقابل (لحق الدولة). ويرجع استخدام هذا المفهوم إلى العصور الأوربية القديمة لدى السوفسطائيين وأفلاطون وأرسطو وغيرهم ، على أنه اتسَمَ بالكثير من التباين بين النظريات المختلفة. فمثلاً، وعلى حين صوَّر لاهوتيو العصر الوسيط (توما الاكوينى وغيره) التفاوت الطوائفى والتراتبية الاقطاعية كأمور (طبيعية) لا تتناقض مع التشريعات الالهية ، فإن أيديولوجيى البرجوازية الصاعدة ، كاسبينوزا وهوبز ومونتسكيه وروسو وغيرهم ، اعتبروا الحرية والمساواة أمام القانون والملكية وما إليها (حقوقاً طبيعية) لا تنتزع ، ووصموا النظم الاقطاعية لامتيازات النبالة والاستبداد الملكى بأنها مناقضة لطبيعة الانسان. ثم ما لبث الفكر البرجوازى الذى انتقل فى مرحلة لاحقة إلى مواقع السلطة أن انقلب على يد بنتام وكونت وغيرهما ليصبَّ جام نقده على فلسفة (الحقوق الطبيعية) التى لم يعد يحتاجها أصلاً. لكن الأيديولوجيات البرجوازية عادت مجدَّداً ، على أيام الحرب الباردة ، لاستخدام مذهب (الحقوق الطبيعية) للهجوم على الأنظمة الاشتراكية القائمة على النموذج الستالينى ، والتى كانت ، قبل انهيارها فجر تسعينات القرن المنصرم ، بل وكأحد العوامل الرئيسة لهذا الانهيار ، تعانى الفشل بالفعل فى تحقيق أى إنجاز داخلىٍّ ملهِم على هذا الصعيد ، رغم الدور التاريخى غير المنكور الذى لعبته ، على مستوى العلاقات الدولية والقانون الدولى الحديث ، فى تطوير (حقوق الانسان) ، وإكسابها طابعها الاقتصادى والاجتماعى والثقافى العميق. فإلى النظام الاشتراكى العالمى يعود الفضل ، تاريخياً ، فى إدراج المفاهيم الخاصة بهذه المنظومة من الحقوق ، مما نتج عنه صدور (العهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) فى 16/12/1996م ، والذى يعتبر ، مقروءاً مع (العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية) الصادر فى نفس التاريخ بالبروتوكول الاختيارى الملحق به ، بمثابة التطوير المنطقى (للاعلان العالمى لحقوق الانسان) الصادر فى 10/12/1948م. ومعلوم أن هذه الوثائق الثلاث تشكل فى مجموعها ما يصطلح عليه (بالشرعة الدولية لحقوق الانسان) ، دون أن يعنى ذلك أنها المصدر الوحيد لهذه الحقوق ، حيث أن هناك الآن ما يربو على 600 وثيقة تتضمن صياغات مخصوصة لحقوق متنوعة (محمد السيد سعيد ، 1997م).
ب/ أما من الجهة الأخرى فقد ينطوى مثل هذا الاستخدام لمفهوم (حقوق الانسان) على نوع من المغالاة فى نسبته للغرب لدرجة إسقاط المشترك الأعظم لجهته فى الخبرة الإنسانية الأشمل ، من حيث الإسهام الفعلى لمختلف الثقافات فى إثراء (المفهوم الثقافى التاريخى العام) لهذه الحقوق. هذا المشترك الأعظم هو الذى يجعل المفهوم قابلاً للاندياح فى نسيج كل ثقافة إنسانية ، بصرف النظر عن موقعها فى سلم التطور. وغنى عن الاشارة هنا أن الاتجاهات الحديثة فى معالجة نظرية (الثقافة) نفسها تنحو للابتعاد عن الأحكام المطلقة فيما يتعلق بتقدم أو تخلف أيَّة ثقافة ، أو المساحة الجغرافية أو السكانية التى تغطيها. فالتميُّز والاسهام فى رفد الثقافة العالمية لا يحتملان الإخضاع لمعايير القلة والكثرة والنسب المئوية. وقد اثبتت العديد من الدراسات فى حقل انثروبولوجيا وسوسيولوجيا الثقافة أنه ما من جماعة بشرية ، قلت أو كثرت ، إلا وتختزن فى بنيتها الثقافية الأساسية ، بصورة أو بأخرى ، قدراً من منظومة القيم التى تعلى ، على نحو ما ، من شأن العدل والحرية والكرامة والمساواة .. الخ. وما من شك فى أن أيَّة دراسة متقدمة للثقافات السودانيَّة ، مثلاً ، سوف تكشف ، يقيناً ، عن اشتمالها ، يصورة أو بأخرى ، على عناصر أساسيَّة من هذه المنظومة الأخلاقيَّة. وهى ذات المنظومة التى تشكل موئل ومناط (حقوق الإنسان) ، وتحتقب سائر المعانى والقيم الأخرى التى يشملها المفهوم بالصورة التى أنتهى إليها فى علم اجتماع العلاقات الدولية الحديثة ، واستقر بها فى معايير علم القانون الدولى المعاصر. وإذا وُجدَت ، كما يحدث فى غير النادر من الأحيان ، عناصر مصادمة لهذه القيم فى بعض هذه الأبنية الثقافية ، فإنها لا توجد فى حالة سكونية ، وإنما فى حالة صراع مع تأثيرات النزعة الإنسانية الفطرية التى ظلت ملازمة لتطور الاجتماع البشرى منذ المجتمعات البدائية ، والتى برهنت اتجاهات التطور التاريخى العام أن لواء النصر يبقى معقوداً بها فى نهاية المطاف. فهذه القيم الفطرية تمثل فى حقيقتها "الجوهر الذى دارت حوله فكرة حقوق الإنسان" (أحمد عبد الله ، 1996م). كما وأن هذه الحقوق فى جوهرها "ليست سوى الطبعة العصرية لمطالب بعضها قديم قِـدَم الإنسانية نفسها" (منصف المرزوقى ، 1996م). وعموماً لم يعد ثمة شك حول "أن فى دعوى الأصل (الغربى) الخالص لمفاهيم حقوق الانسان جهلاً فاضحاً بالتاريخ ، وسلباً لفائض القيمة الثقافى والحضارى والفكرى الذى ساهمت به كل الثقافات والحضارات الانسانية فى تيار الثقافة التى تسمى (غربية) الآن" (نصر ح. أبوزيد ، 2000م).
ج/ وأما من الجهة الثالثة ، وحتى حين يُستخدَم المصطلح ، بدلالة (المفهوم الثقافى التاريخى العام) ، فغالباً ما يتمُّ شحنه جزافاً بأوسع المعانى التى قد تشمل (أىَّ) نصوص لتنظيم حقوق الأفراد ، مما قد يدرج هنا ، مثلاً ، النصوص الشكليَّة حول الحريات والحقوق فى المنظومات الدستورية للنخب الطبقية السائدة اقتصادياً وسياسياً ، والتى ربما تهدف أصلاً للالتفاف على (حقوق الانسان) فى (المصطلح القانونى الدولى الحديث) عن طريق تقييدها بشتى صنوف الحِيَل التشريعية ، أو مما قد يدرج ، بشكل أوضح ، القواعد المشمولة بالمنظومات القانونية والأخلاقية للطبقات التى سادت اقتصادياً وسياسياً فى حضارات العالم القديم ، كالرومانية والاغريقية ، باعتبارها تتضمَّن أيضاً (حقوق الانسان). مثل هذا الاستخدام قد يثير مشكلة تتعلق ، من جهة ، بطبيعة القوانين نفسها التى تنتفى عنها (الانسانية) فى الكثير من جوانبها ، كقوانين حمورابى التى يضرب بها المثل فى الظلم والتعسف ، دون إسقاط للمقتضى التاريخى، كما تتعلق ، من الجهة الأخرى ، بالتعريف الضيق لكلمة (إنسان). (فالانسان) كامل الأهلية ، مثلاً ، فى الحضارة التى سادت لدى قدماء الاغريق ، يعنى فقط الفرد الاغريقى الذكر الحر ، وما عدا ذلك يُعتبر (لا شخص non-person) ، ويقع بالتالى خارج حماية القانون (الباقر العفيف ، 2000م).
(2/4) على هذا ، ورفعاً للالتباس عن مفهوم (حقوق الانسان) ، فينبغى ضبطه بحسب السياق الذى يرد فيه. فيقتصر فى لغة الفكر الحقوقى والسياسى المعاصر على دلالة (المفهوم القانونى الدولى الحديث) لهذه الحقوق وفق النصوص والمعايير المشمولة بالمواثيق الدولية الصادرة فى إطار عمل الأمم المتحدة ، وبالأساس (الاعلان العالمى لحقوق الانسان لسنة 1948م ، والعهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966م مع البروتوكول الاختيارى الملحق به ، والحقوق الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لسنة 1966م ، وقد دخلا حيِّز التنفيذ اعتباراً من العام 1976م) ، بالاضافة لعدد وافر من الوثائق المخصوصة بحقوق محددة ومتنوعة ، (كالميثاق الدولى للقضاء على جميع صـور التفرقـة العنصرية لسنة 1965م) ، و(الميثاق الأفريقى لحقوق الانسان والشعوب لسنة 1981م) ، وقد دخل حيِّز التنفيذ أواخر عام 1986م .. الخ. ومع ذلك ، ولأن وحدة النزعة أو الفطرة الانسانية تفترض اندياح القبول بهذا المفهوم (لحقوق الانسان) لدى جميع الأمم ، على تعدُّدها ، وتدامج معاييره فى نسيج كل الثقافات ، على تنوُّعها ، دون إغفال لحقيقة أن هذا القبول لا يقع ضربة لازب فى ظروف الانقسام الطبقى ، وإنما يدور حوله ، وبفعل هذا الانقسام نفسه ، صراع اجتماعى شديد الضراوة ، كما يتبدى فى الموقف من حقوق المرأة ومن حقوق الأقليات الاثنيَّة على سبيل المثال ، فينبغى ضبط مصطلح (حقوق الانسان) فى هذا السياق بدلالة (المفهوم الثقافى التاريخى العام).
(2/5) فى ضوء هذا النظر يصبح سائغاً فهم ما توصل إليه د. علوان (1989م) من أنه لا بد للعرب والمسلمين من تأصيل هذه )الحقوق( فى التراث الاسلامى والثقافة القومية للأمَّة. فحقوق الانسان ".. شرعة مقترحة من رجال ونساء من بلدان وأديان وألوان مختلفة فى لحظة تاريخية معينة .. ولحسن الحظ ليست لها صفة القداسة ، ولذا فهى بالضرورة فى حالة تطور، و .. مشروع غير منجز" (هيثم مناع ـ ضمن نصر ح. أبو زيد ، 2000م). على أنه يتوجب الحذر جيداً من عدم الانحراف بالقضية إلى مجابهة دينية ، فالأمر لا يعدو كونه سعياً مشروعاً ومطلوباً بإلحاح ".. للبحث عن سبل ووسائل استثمار كل العناصر الثقافية والفكرية التى تساعد على تقبل قيم حقوق الانسان على مستوى الوعى والتطبيق" (نصر ح. أبو زيد ، 2000م).
(2/6) إن أىُّ فهم بخلاف ذلك من شأنه أن يفضى إما إلى (الغربنة) ، من جهة ، فى معنى الانسحاق التام تحت أوهام (المركزوية الغربية) ، وإما إلى (الشوفينية) أو (العنصرية) ، من جهة أخرى ، بدلالة التعصُّب المقيت للذات القومية أو الدينية أو الثقافية ، وإما إلى (الاستقالة) من حركة العصر ، من جهة ثالثة ، والانزواء فى كهوف التاريخ. ولا فرق فى هذا بين مَن يُغلب دلالات (المفهوم القانونى الدولى الحديث) لتتوارى خلفها دلالات (المفهوم الثقافى التاريخى العام) ، فينسب (حقوق الانسان) ، من ثمَّ ، إلى محطات رئيسة فى تطور الفكر الغربى وحده ، كوثيقة (الماجناكارتا) الإنجليزية لسنة 1215م ، وفلسفة روسو ولوك ، ومبادىء الثورة الفرنسية لسنة 1789م ، والدستور الأمريكى فى القرن الثامن عشر ، وفكر كارل ماركس فى القرن التاسـع عشر ، وإعلان الحريات الأربع للرئيس روزفلت سنة 1941م ، وبين من يفعل العكس تماماً فيحصر نسب المفهوم فى أبى العلاء المعرى أو محى الدين بن عربى أو صعصعة بن ناجى بن عقل أو غيرهم من قدامى المفكرين والفقهاء العرب المسلمين دون غيرهم (المرزوقى ، 1996م). ونضيف ، بالأحرى ، من يسعى لإنكار نسب (حقوق الانسان) فى (المفهوم الثقافى التاريخى العام) بثقافة شعبه ، أو نفيها عن بنيته الفكرية أو الدينية (راجع: كمال الجزولى ، 2003م).
                                             (نواصل)