لَيْسَ فِى كُليَّاتِ القاَنونِ وَحْدِهَا!
مَسَائِلٌ فِى الفَضَاءِ الفِكْرِى لإِدْمَاجِ "حُقُوقِ الانْسَانِ" فى البَرامِجِ الجَّامِعِيَّةْ (1)
بقلم/ كمال الجزولى

 (1)
(1/1) تكتسى قضية تعليم حقوق الانسان أهمية خاصة فى العالم بأسره ، وبصورة استثنائية فى بلداننا الفقيرة ، بأنظمتها المتخلفة التى لا تكاد تقوم قائمة لها بغير الانتهاك المتواصل لهذه الحقوق ، سواءً فى صورته الماديَّة أم التشريعية. فعلى الرغم من الطابع العالمى للالتزام بهذه الحقوق ، إلا أنه غالباً ما يصطدم بمصالح السلطات الداخلية فى الدولة ، والتى تضع أمنها فوق أى اعتبار آخر للعدل أو الحرية. لذلك ".. فإن إلزامية حقوق الانسان يجب أن تستند إلى إصـرار أصحاب المصلحة .. على التمسَّـك بها والاصـرار على احترامها وكفالة تطبيقها" (محمد ن. فرحات ، 1987م). وربما كانت هذه بالتحديد هى نقطة البداية الأكثر ملائمة لأيَّة مقاربة لحقوق الانسان عموماً ، باعتبارها ساحة صراع سياسى بالأساس ، ومن ثمَّ ، لأىِّ تقدير مخصوص لتعليم هذه الحقوق التى تشكل المعرفة بها ، علاوة على كونها هى نفسها جزءاً لا يتجزأ منها ، الضمانة الأكبر لحراستها ، حيث أن "حريات الناس أثمن من أن يؤتمن عليها الآخرون، وثمن حرية كل فرد هو دوام سهره على حراستها" (الباقر العفيف، 1998م).
(1/2) ولعل هذا ما يفسر الأهمية الفائقة التى يكتسيها تكريس (الوعى) بهذه الحقوق فى متون وثائقها الدولية نفسها. فالمادة/26 من (الاعلان العالمى لحقوق الانسان لسنة 1948م) تشدِّد على أن التعليم عموماً يجب أن يوجه نحو التطوير الشامل للشخصية الانسانية ، ونحو حقوق الانسان وحرياته الأساسية ، وإن كانت لا تنص صراحة على إدخال حقوق الانسان كمنهج قائم بذاته ضمن المناهج الدراسية. غير أن الوثيقة الختامية الصادرة عن (مؤتمر فيينا العالمى لتدريس حقوق الانسان لسنة 1978م) تنصُّ على أنه لا يكفى أن يتأسس التعليم على احترام حقوق الانسان فحسب ، بل ينبغى تدريس هذه الحقوق كمقرر مستقل ، وكمادة مشمولة بالمواد المناسبة لتدريسها كالفلسفة والعلوم السياسية والقانون والعقائد الدينية. من ناحية أخرى ظلت منابر ومحافل دولية رفيعة تبدى حرصها على تضمين هذا الأمر فى توصياتها. فقد طالب (مؤتمر اليونسكو الدولى لحقوق الانسان لسنة 1968م) ، على سبيل المثال ، بإعادة بحث موضوع تربية الشباب على حقوق الانسان وحرياته ، ودعا المنظمة الدولية لنشر برامج تهدف إلى بث الوعى لدى التلاميذ ، منذ دخولهم المدارس ، بهذه الحقوق والحريات ، ونشر مبادئ الاعلان العالمى فى كل مراحل التعليم.   
(1/3) وفى السودان ما تزال دوائر هذا الاهتمام المتعاظم تنداح ، يوماً عن يوم ، لتشمل أوسع القطاعات الشعبية ، والمزيد من الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدنى والكتاب والفنانين والصحفيين والمعلمين والمثقفين من مختلف التخصصات والمهن والمدارس الفكرية والانتماءات السياسية. وعلاوة على الجهود التى يبذلها ناشطون متطوعون فى نشر الوعى بهذه الحقوق خارج المساقات النظامية ، من خلال المحاضرات والندوات العامة ودورات التدريب الخاصة وما ينتزعونه من فرص شحيحة عبر أجهزة الاعلام وغيرها ، أصبحت ترتفع الآن أكثر فأكثر المطالبة بإدراج هذه الحقوق ضمن مناهج التربية والتعليم فى جميع المراحل. وما من شك فى أن (مؤتمر تعليم حقوق الإنسان فى السودان) الذى نظمته جامعة الاحفاد للبنات مع مركز الخرطوم لحقوق الإنسان وتنمية البيئة ، بين 15 ـ 18 ديسمبر 2003م ، قد أعطى دفعة قوية لهذه المطالبة ، الأمر الذى يستوجب الحرص على متابعة تنفيذ مقرَّراته وتوصياته.
(1/4) وما يزال هذا العصف الفكرىُّ المرموق brain storming يراكم ، عبر العديد من الندوات والسمنارات وورش العمل واللقاءات المختلفة ، أفكاراً وتوصيات كثيرة فى هذا الاتجاه. من ذلك ، على سبيل المثال ، التحذير من اقتصار هذا النوع المتميِّز من التعليم على برامج محددة ، بمناهج محددة ، وساعات دراسة محددة ، بهدف إبلاغ معرفة فنية محددة ، تنتهى ، كما فى التقليد المتبع ، بامتحانات تحدِّدُ مستويات التحصيل لأغراض الانتقال للفصول العليا ونيل شهادات التأهيل ، بل أن يقوم ، وبالأخص فى مرحلتى التعليم العام والتعليم قبل الأساسى ، على مفاهيم التربية وصياغة الشخصية والتكوين الثقافى والأخلاقى ، بحيث يستهدف ، ليس فقط تشكيل الذات الحاملة لهذه المعرفة ، وإنما المنفعلة بها أيضاً. وما تزال العديد من المقترحات تقدم لتفادى (المناهج الصريحة) واعتماد (المناهج الخفيَّة) ، وإضفاء مفاهيم هذه الحقوق على العملية التعليمية من خلال أساليب (الاندياح المستعرض crosscutting) أو (تسييد الاتجاه mainstreaming) وما إلى ذلك.
(1/5) ورغم العناية المبررة التى ينبغى إيلاؤها لتعليم حقوق الانسان فى هاتين المرحلتين ، إلا أن إدماج هذا الحقل المعرفى الحديث ضمن برامج المرحلة الجامعية والدراسات العليا يحتل مكاناً بارزاً ، ليس فقط لما توفر هذه البرامج من معرفة أكاديمية متقدمة ، بل ولما تتيح من بيئة بحثية مطلوبة بإلحاح ، بمشاركة الأساتذة والطلاب ، وبالأخص طلاب الدراسات فوق الجامعية من خلال برامج الدبلومات والماجستير والدكتوراه ، وذلك لترقية هذه المعرفة ، وتطوير سبل ووسائل ومناهج التنوير بها ، وغرسها عميقاً فى الوعى والسلوك الاجتماعيين ، بما يسهم بفاعلية فى بناء رأى عام منيع ضد أى انتهاك محتمل لهذه الحقوق.

(2)
(2/1) كانت الجامعات الأوربية سباقة فى هذا المضمار ، حيث أدرجت تدريس حقوق الانسان كمادة ضمن كليات القانون والعلوم السياسية على مستوى الشهادة الجامعية الأولى under graduate ، مِمَّا كان له أبلغ الأثر فى توقيع اتفاقية روما لحماية حقوق الانسان لسنة 1950م ، والتى أوصت بإنشاء محكمة أوربية لحقوق الانسان تأسست بالفعل ، فى ما بعد ، فى مدينة ستراسبورغ الفرنسية ، وكذلك اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949م لحماية المدنيين فى زمن الحرب ، والتى تعتبر أحد المكونات الأساسية للقانون الدولى الانسانى ، وقد نصت على وجوب نشر المبادئ والاحكام الواردة فيها ، وتعميم تعليمها فى جميع المدارس العسكرية والمدنية التابعة للدول الاطراف (وهبة الزحيلى ، 1978م). كما أنشئت عدة معاهد أوربية متخصصة فى مجال تدريس القانون الانسانى وحقوق الانسان ، أهمها: معهد جنيف للقانون الانسانى الخاص بالنزاعات المسلحة تحت الرقابة المباشرة للجنة الدولية للصليب الأحمر ، والمعهد الدولى لحقوق الانسان التابع لكلية القانون بجامعة ستراسبورغ الفرنسية (المصدر) ، بالاضافة إلى كليَّات القانون الدولى فى العديد من الجامعات الغربيَّة.
(2/2) أما فى العالم العربى فإن الاهتمام الرسمى بدراسات حقوق الانسان لم يبدأ بشكل ملحوظ إلا فى عقابيل هزيمة عام 1967م ، حيث عقدت جامعة الدول العربية مؤتمراً للقانون الدولى الانسانى ، أعقبته بتخصيص جوائز عام 1969م لأفضل الدراسات فى مجال حقوق الانسان (المصدر). غير أن الاهتمام الحقيقى بهذه القضية نبع من داخل المجتمع المدنى العربى ، حيث ركز اتحاد المحامين العرب اهتمامه ، منذ السنوات الأولى لتأسيسه فى أغسطس عام 1944م ، على قضايا حقوق الانسان باعتبار أن تعزيزها والدفاع عنها سيسهم بشكل أساسى فى مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التى تحيط بالشعوب العربية. ومع ذلك فإن الاتحاد لم يدشن البداية الحقيقية لاهتمامه بقضية تدريس حقوق الانسان إلا بلقاء الخبراء الذى انعقد ضمن أعمال مؤتمره العام الخامس عشر (سوسة ـ تونس ، نوفمبر 1984م). ثم تلت ذلك أعمال المائدة المستديرة ضمن برنامج ندوة أوضاع حقوق الانسان فى العالم العربى التى نظمها الاتحاد بالتعاون مع المنظمة العربية لحقوق الانسان (القاهرة ، مايو 1985م). وأجرى الاتحاد اتصالاته بعدها مع عمداء كليات الحقوق فى مصر للنظر فى مسألة تدريس حقوق الانسان فى الجامعات المصرية ، مما انعكس خلال اجتماعات القطاع القانونى بالمجلس الأعلى للجامعات المصرية عام 1986م. وفى العام التالى ، وضمن أعمال مؤتمر الاتحاد السادس عشر (الكويت ، أبريل 1987م) ، نظم مركز الاتحاد للبحوث والدراسات القانونية بالتعاون مع كلية الحقوق بجامعة الكويت ندوة بعنوان: تدريس حقوق الانسان وتطوير العلوم القانونية بالجامعات العربية (فاروق أبوعيسى ، 1987م). ومع ذلك كله ، لا توجد ، فى الوقت الراهن ، تجارب يؤبَّه لها فى مجال تدريس حقوق الانسان فى الجامعات العربية إلا فى كليَّتى الحقوق بجامعة الكويت والجامعة الأردنية.
(2/3) وأما فى السودان ، وتحديداً فى أعرق جامعاته ـ جامعة الخرطوم ، والتى نتخذها نموذجاً معيارياً لأغراض هذه الورقة ، فإن مادة (حقوق الانسان) ظلت تشكل غياباً تاريخياً عن برامج كلياتها المختلفة ، دع عنك أن سِجل هذه المؤسَّسة ظلَّ يشهد انتهاكاً صارخاً لحقوق طلابها ، طوال السنوات الماضية وحتى وقت قريب ، فى إقامة اتحادهم ، ولحقوق أساتذتها ومستخدميها ، حتى الآن ، فى إقامة تنظيمهاتهم النقابيَّة ، مِمَّا يتناقض ومناهج الاندياح المستعرض وتسييد الاتجاه التى سلفت الاشارة إليها ، والتى تلعب (القدوة) فيه دوراً حاسماً. ومن نافلة القول أن الأمر نفسه ينطبق على مؤسَّسات التعليم العالى الأخرى فى البلاد ، وإن بشكل متفاوت فى ما يتصل باتحادات الطلاب. الشاهد أن العمل ظل جارياً ، حتى فى كلية القانون بجامعة الخرطوم ، على تدريس (حقوق الانسان) ، لا كمادة متكاملة منفصلة ، وإنما ضمن المواد التقليدية الأخرى كقانون العقوبات وقانون الاجراءات الجنائية والقانون الدستورى والقانون الدولى. ولم يبدأ التفكير فى تدريسها كمادة متكاملة منفصلة إلا مع بداية ثمانينات القرن المنصرم (على سليمان ، 1987م). وللدقة فإن فرصة نادرة كانت قد سنحت فى مطلع سبعينات ذلك القرن للتغيير وخلق برامج جديدة لدراسة حقوق الانسان بهذه الكيفيَّة عندما بدأ يسود اتجاه عام فى الجامعة آنذاك لتعديل برامج كلياتها بغرض استيعاب (نظام الساعات المعتمدة) أسوة بالجامعات فى أمريكا والكويت. على أنه لم يقدر لكلية القانون أن تنفذ البرنامج الذى كانت وضعته لذلك الغرض بسبب النقص فى هيئة التدريس نتيجة الهجرة المستمرة للأساتذة (المصدر). ولكن الفرصة لاحت مرة أخرى لتنفيذه من خلال التوسع فى مجال الدراسات العليا بالكلية ، حين تم للمرة الأولى عام 83/84 قبول دفعة صغيرة من القضاة المبعوثين للتحضير لدرجة الماجستير فى القوانين (LL.M) ، فتم إدراج مادة (حقوق الانسان والحريات الأساسية) ضمن برنامج السنة الأولى بالنسبة لتلك الدفعة ، مع التركيز على المادة السودانية فى محاولة لتأصيلها وسبر غورها ، أملاً فى تجميع كل ما يتعلق بها فى السودان من قوانين وممارسات وقضايا مدونة وغير مدونة بغرض تأسيس (مركز) خاص بدراسات حقوق الانسان بالكلية (المصدر). وكان التفكير فى أمر هذا (المركز) قد بدأ صيف 1980م ، إستجابة لتوصية المؤتمر الذى كان قد انعقد وقتها بمركز دراسات حقوق الانسان بجامعة أنقرا بدعوة من اليونسكو. وكان محور التوصية أن يسعى المؤتمرون لإقامة مراكز لحقوق الانسان فى بلدانهم. على أنه لم يكتب لتلك التوصية أن يُشرع فى تطبيقها عملياً ، كما أشرنا ، إلا فى العام الدراسى 83/84 ، حين خطت الكلية خطوات جادة بمخاطبة إدارة الجامعة وإعداد مشروع النظام الأساسى (للمركز) بهدف خلق وحدة مستقلة فى إطار الكلية ، تعمل على تنشيط الدراسات وتشجيع وترقية البحث العلمى فى تخصصات حقوق الانسان (المصدر). وكان المأمول أن يشكل (المركز) حلقة وصل بين كلية القانون والكليات الأخرى حول موضوع حقوق الانسان ، وكذلك بين الجامعة والمجتمع فى هذا المجال. على أن إدارة الجامعة رأت ، وقتها ، أن يكون المشروع جزءاً من (مركز) آخر سعت لإقامته (لدراسات السلام) ، سوى أن هذا الأخير لم ينجح للأسف (المصدر). وهكذا فإن برامج كلية القانون بجامعة الخرطوم لا تزال ، حتى الوقت الراهن ، خالية ، وفى كل الصفوف من الأول حتى الرابع ، من مواد حقوق الانسان ، ما عدا الأسلوب القديم فى ملامستها من خلال المواد التقليدية كما سلفت الاشارة.  
(2/4) مع ذلك ، ولأنه لا مناص من التغيير والتطور. ولأن هذا التغيير والتطور ليس قضية شكلية ، بمعنى أنه لا يتم لمجرد الملل من الأساليب القديمة ، أو محض الرغبة فى التجريب ، فإنه يتوجب التفكير ملياً فى سؤالين أساسيين متصلين: هل ثمة احتياج موضوعى لإدراج (حقوق الانسان) ضمن برامج الدراسة فى المرحلة الجامعية وفوق الجامعية؟ وإذا كان ذلك كذلك ، فهل ثمة مسوِّغ للربط فى هذا البرنامج بين حقل المعارف القانونية وحقول المعرفة فى مختلف العلوم الاجتماعية والانسانية الأخرى؟! الاجابة على هذين السؤالين تحتاج قطعاً لعقل جمعى يعمل على تجميع عناصرها من مختلف التخصصات والمدارس. على أننا سنحاول هنا تقديم مساهمة متواضعة ، بمنهج يقوم على إضاءة بعض المداخل ، فحسب ، صوب ما نعتقد أنه يشكل الفضاء الفكرى للاجابة المطلوبة.
                                          (نواصل)