مَرْجِعِيَّةُ الاتِّفَاقِ .. الوَرْطَةْ!
بقلم/ كمال الجزولى

لم تتراجع الحكومة حتى الآن عن طلبها للانتربول العربى بتوقيف وتسليم العميد (م) عبد العزيز خالد ، أحد أبرز رموز التجمُّع الوطنى الديموقراطى ، وعضو هيئة قيادته طوال السنوات الماضية ، مِمَّا تسبَّب فى اعتقاله بمطار أبو ظبى عند وصوله إليه قبل شهر ، حيث ما يزال رهين السجن بانتظار صدور القرار النهائى بشأنه من الأجهزة العدليَّة هناك. مع ذلك داسَ التجمُّع على كرامته السياسيَّة ، فلم يشترط ، كما يُتوقع عادة فى مثل هذه الظروف ، إلغاء الحكومة لتلك الاجراءات أولاً ، وقبل أىِّ كلام عن جولة المفاوضات الحاليَّة ، الأمر الذى يُخشى معه أن تنفتح شهيَّتها لممارسة المزيد من الضغوط كما هى العادة أيضاً فى مثل هذه الحالات!
الشاهد أن الجولة قد ابتدأت ، بالفعل ، مساء الخميس 21/10/2004م ، تحت عنوان (الحل السياسى الشامل) ، وذلك بالعاصمة المصريَّة التى سبق أن شهدت جولة تمهيديَّة بين الطرفين خلال الفترة من 24 إلى 30/8/2004م. ولئن كان قادة التجمُّع قد وصفوا ، فى الندوة التى عقدوها بالقاهرة أوائل سبتمبر المنصرم ، تلك الجولة السابقة التى اقتصرت على محض مسائل إجرائيَّة واستمرت قرابة الاسبوع بأنها "كانت شاقة" (الزمان ، 9/9/04) ، فمن الراجح عقلاً ، إذن ، أن تتسِم هذه الجولة الجديدة بطابع (المشقات) المُضاعَفة بما لا يقارن ، كما ويُنتظر ، منطقاً ، أن تحتاج ، ربما كالزراعة تماماً ، إلى عمر نوح ، وصبر أيوب ، ومال قارون ، خاصة وهى جولة التفاصيل التى تملأ الألغام عرصاتها ، وتكمن الشياطين فى ثنياتها ، وتحتوشها احتمالات الخيبة والتوفيق جنباً إلى جنب ، وعلى قدم المساواة ، ومن كلِّ حدب وصوب. لذا فليس من قبيل التشاؤم المجانىِّ أن نتوقع لمداها الزمنىِّ أن يُحسب  بالشهور ، إن لم يكن بالسنوات ، وأن تعترضها الكثير من العوارض المحتملة ، والعقبات المنظورة ، والانقطاعات المُتصوَّرة ، بل ومن غير المستبعد أبداً ، فى عصر (صناعة المفاوضات) هذا ، أن تتخللها أيضاً بعض الانتقالات السياحيَّة إلى الاسكندريَّة أو مرسى مطروح أو شرم الشيخ ، اللهم إلا إذا عِيْلَ صبر وسيطها بأسرع مِمَّا جرى لوسيط (الإيقاد) من مشاكوس إلى كارن إلى نيفاشا ، أو إذا تضعضع موقف أحد طرفيها ، لسبب أو لآخر ، فتداعى ، بغتة ، كمثل كاتدرائيَّة تتقوَّض!
يدخل التجمُّع هذه الجولة الجديدة محتقباً ، بلا شك ، أطناناً من العزم ، وأضابير مُزنَّرة من المقرَّرات والمواثيق ، وما يملأ مجلدات بأكملها من روايات الفلاح والاخفاق ، علاوة على خمسة عشر سنة من الثبات المشهود لأغلب رموزه ، والتضحيات غير المنكورة لمعظم قياداته العليا والوسيطة. مع ذلك ، ومهما يكن من شئ ، وباستثناء بعض أعضائه من مفاوضى الحركة الشعبيَّة ، فإنه يدخل مستنداً ، فحسب ، إلى هذه الخصائص والمعينات غير الكافية ، على أهميَّتها الكبيرة ، لما يحتاجه هذا الضرب المتميِّز من الكفاح ، ومفتقراً ، بالأساس ، إلى الخبرة الواسعة فيه ، مقابل فيلق من المفاوضين الحكوميين الخارجين لتوِّهم من (الإيقاد) ، مدجَّجين برصيد طازج من الخبرة فى هذا المجال ، مثلما يدخل مفتقراً أيضاً إلى القدر المطلوب من التعاطف العالمى والاهتمام الاعلامى ، مقارنة بما وجدته الحركة الشعبيَّة على محور نيفاشا وما تجده حركتا دارفور على محور أبوجا!
غير أن الأخطر من ذلك كلِّه هو أن التجمُّع ، ما لم يجترح أفكاراً مُفكراً فيها جيداًthinkable    thohght بمصطلح نعوم تشومسكى ، وما لم يتمكن من تحشيد الجماهير حول مشروع جاذب بحق ، فإنه سيخوض جولة من اللت والعجن ، بينما ملايين الناس فى السودان لم يتبقَّ لديهم ، للأسف ، الكثير من فائض الطاقة على ترقب (مُطاولات) ساسَ يسوسُ! فعلى الرغم من الأهمية الاستثنائيَّة لقضايا مثل الحريًّات والتحوُّل الديموقراطى وتوسيع قاعدة المشاركة فى الحكم .. الخ ، وعلى الرغم من أنها بالفعل قضايا مصيريَّة ، إلا أنها تظل بلا مضمون حقيقى بالنسبة لهذه الملايين إن لم تقترن بمردود مادىٍّ ملموس ومباشر على حياتها ومعيشتها.
لقد تصرَّمت سنوات طوال منذ أن بلغت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر فى بلادنا 96% ، وفق بيانات الأمم المتحدة ومراكز البحوث المحليَّة. أما دولة النخبة الاسلامويَّة التى رفعت طاقات الرأسماليَّة الطفيليَّة إلى أقصى احتمالاتها ، فإنها ما تنفكُّ تلهث ، صباح مساء ، خلف وصفات البنك الدولى وروشتات صندوق النقد الدولى وتعليمات منظمة التجارة العالميَّة وسائر أشراط مؤسَّسات العولمة الرأسماليَّة التى تجبرها على التخلى ، يوماً بعد يوم ، عن دور الرعاية ، وعلى التخلص تماماً من ممتلكات القطاع العام ، وعلى إدارة الظهر نهائياً لوظائفها الاقتصاديَّة ، فأضحت تغلُّ يدها ، أكثر فأكثر ، عن معايش الناس اليوميَّة ، بما فى ذلك قطاع الخدمات من صحة وتعليم وغيره. وبالنتيجة التى أقرَّ النظام نفسه بها قبل ست سنوات ، ناهيك عن تفاقم الظاهرة بما لا يحتاج إلى أكثر من العين المجرَّدة تحت الظروف الراهنة ، فإن 83% من سكان الريف فقراء غذائياً ، أى تقل دخولهم عن خط الفقر الغذائى ، و45% منهم فى فقر مدقع ، مما يتسق ".. تماماً مع دعاوى التنمية غير المتوازنة وتهميش الريف" (التقرير الاستراتيجى السودانى 1998م ، مركز الدراسات الاستراتيجية ، الخرطوم ـ السودان ، ص 359 ، 361). أما سكان الحضر ، وحسب البيانات الرسمية نفسها المرصودة خلال الثلث الأول فقط من عمر النظام ، فإن "حوالى 81% (منهم) لا يستطيعون الحصول على غذاء كاف ، أى لا تمكنهم دخولهم من ذلك" ، وبإضافة الاحتياجات الأساسية الأخرى فإن ".. نسبة فقراء الحضر قد ارتفعت إلى 87%" (المصدر ، ص 358). وبحسب تلك البيانات الرسميَّة ذاتها فإن ".. فجوة الفقر .. قد تكون حوالى 70% أى أن إنفاق الفقراء يفى  فقط بحوالى 30% من تكلفة غذائهم" (المصدر ، ص 360). ومع كون ".. الفقر ما زال يتخفى تحت قناع قيم التكافل والتراحم السائدة فى المجتمع السودانى (إلا أن) الخوف الآن أن هذا القناع بدأ يتمزق ، لأن مقدرة من يدعمون الفقراء .. بدأت تضعف بفعل الأحوال الاقتصادية الصعبة .. هذه القيم بدأت فى التلاشى جراء التضخم وقلة الدخل" (المصدر). ولا تسَلْ عن تفاصيل الاحتياجات الأساسيَّة ، إذ تكفى الاشارة ، حسب احصاءات وزارة الصحة الاتحادية ومنظمة الصحة العالمية ، إلى أن الملاريا وحدها تفتك بمئات الآلاف كلَّ عام ، ومعدل وفيات الامهات أثناء فترة الحمل والولادة بلغ حوالى 7000 حالة سنوياً. وأما عن أوضاع التعليم فحدِّث ولا حرج! وها قد أتى على الوجدان العام حين من الدهر انصدم فيه ، ذات صباح أغبر خلال الأيام الماضية ، بنبأ انتحار طفل تهشمت دواخله تماماً عندما طرد من مدرسته الابتدائيَّة لعجزه عن سداد الرسوم الدراسيَّة المفروضة!
إن الفقر يُدمِّر قدرة الفقراء على الصبر ، ويسحق بوصلة انتباهتهم للشأن العام ، ويمحق ، بالتالى ، وعلى المديين المتوسط والبعيد ، إمكانيَّة التمييز بين الفعل السياسى الصالح والآخر الضار فى مستوى الوعى الاجتماعى السائد. ولعل هذا بالتحديد هو ما يدفعنا ، ونحن بين يدى هذه الجولة من المفاوضات ، للتنبيه إلى أحد أكثر موضوعاتها التى تجابه التجمُّع خطورة وحسماً: القضيَّة الاقتصاديَّة.
لقد نصَّ الاتفاق المبرم فى ختام الجولة الاجرائيَّة السابقة فى 30/8/2004م على أن تكون مرجعية التفاوض فى الجولة الراهنة هى (اتفاق جدة الإطارى) و(برتوكولات نيفاشا) ، كما نصَّ ضمن (الفقرة/8) منه على أن يشمل جدول الأعمال (السياسة الاقتصاديَّة) ، وهنا بالتحديد تكمن الورطة! فلو كان التجمُّع محتفظاً ما يزال بأىِّ هامش يستطيع المناورة من خلاله حول هذه القضيَّة لانفتحت ، إذن ، خياراته بشأنها ، ولهانت المسألة. غير أنه ، وعلى حين لم يتطرَّق (بروتوكول اقتسام الثروة) فى نيفاشا إلى هذه القضيَّة إلا بأعمِّ العبارات ، وأكثرها غموضاً ، كالنص ضمن (الفقرة/1/4) منه على أن "تقسيم وتخصيص الثروة .. يضمنان ترقية نوعية الحياة وكرامة وظروف المعيشة لكل المواطنين"، وضمن (الفقرة/1/7) على أن "جنوب السودان والمناطق التي تحتاج إلى التعمير وإعادة التعمير سترفع إلى نفس متوسط الخدمات الاجتماعية الاقتصادية والخدمات العامة في الولايات الشمالية" ، فلكأن هذه الخدمات البائسة معيار يُقاس عليه! وكذلك ضمن (الفقرة/5/1/1) على الموازنة ".. بين حاجات التنمية القوميَّة وإعادة إعمار جنوب السودان" ، وغيرها من النصوص المغرقة فى مثل هذا الضرب من الابهام ، فإن الحكومة استطاعت ، من خلال (اتفاق جـدة الاطارى ـ 4/12/2003م) الذى يشكل المرجعيَّة الثانية للتفاوض ، أن تنتزع من التجمُّع ، للأسف ، إقراراً عزيزاً وجهيراً بتخليه التام عن قضايا الجماهير الاقتصاديَّة والمعيشيَّة (!) وذلك بالنصِّ ضمن (البند/ب/خامساً) منه على تأكيد اتفاق التجمُّع مع الحكومة على "المضي قدماً فى سياسات الانفتاح ورفع يد الدولة ومؤسَّساتها عن الأنشطة الاقتصاديَّة والإنتاجيَّة والخدميَّة بما يصل بالاقتصاد الوطنى الى اقتصاد السوق الحر"!
لا رغبة لنا فى العودة لاجترار ما سبق أن أوردنا من رأى حول هذا (الاتفاق/الورطة) فى حينه ، ولكننا لا نملك ، بمناسبة المفاوضات الجديدة ، إلا أن نعيد التذكير بشكوكنا القديمة. فمن غير المفهوم إطلاقاً أن يوافق التجمُّع بشيوعييه واشتراكييه ويسارييه ونقابييه ومهمَّشيه على هذا النصِّ الذى يعلن أن (اقتصاد السوق الحر) يشكل نهاية التاريخ الاجتماعى ، والنقطة فى آخر سطر التطور ، بل ويعلن ، ضمناً ، إستقالة هذه القوى والتنظيمات الوطنيَّة الديموقراطيَّة من ساحات الصراع فى بلادنا ، طالما أنها تقر بشطب أفق العدالة الاجتماعية ذاتها من أى مشروع وطنىٍّ للنهضة! فماذا ، بربِّكم ، ستكسب الجماهير لو خرج التجمُّع (منتصراً) فى كلِّ قضايا التفاوض الأخرى من ديموقراطيَّة وحريَّات وخلافه ، على أهميتها ، ولكنه (مهزوم) فى قضيَّة الجماهير الاقتصاديَّة والمعيشيَّة؟! وأيَّة مشاركة للتجمُّع فى الحكم سوف تسعد هذه الجماهير طالما أنها تعلم مسبقاً أنه (مُقيَّد) فى هذه المشاركة بالموافقة على الاستمرار فى "سياسات الانفتاح ورفع يد الدولة ومؤسَّساتها عن الأنشطة الاقتصاديَّة والإنتاجيَّة والخدميَّة بما يصل بالاقتصاد الوطنى الى اقتصاد السوق الحر!" ، أى سياسات إفقار الملايين وتهميشها؟!
ولعل أكثر ما يبعث على الاستغراب ، بعد هذا كله ، بل أكثر ما يثير القلق ، النقد الذى وجهته (هيئة قيادة التجمُّع) فى اجتماعها بأسمرا فى 20/7/2004م (لاتفاقيَّة نيفاشا حول قسمة الثروة) بأنها "تتجاهل ضرورة التخطيط الاقتصادى الاجتماعى ودور الدولة والقطاع العام فى إحداث تنمية شاملة ومتوازنة في كل أقاليم البلاد" ، وأنها  "تنطلق من البرنامج الاقتصادي الحكومي .. لتركز ضمنيا على اقتصاد السوق ودور القطاع الخاص والعلاقة مع مؤسَّسات التمويل الدوليَّة" ، وأن "مثل هذا النهج لن يساعد في تنمية الجنوب والمناطق المهمشـة الاخرى ، وانما سيعمل علي توسيع وتعميق أوضاع التهميش في كافة الاقاليم لمصلحة مراكزها الحضريَّة وفئاتها الطفيليَّة والبيروقراطيَّة"!
كما يبعث على الاستغراب ويثير القلق أيضاً النقد الذى وجهته (سكرتاريَّة تجمُّع الداخل) لهذه الاتفاقيَّة ، بقولها ، ضمن الرسالة التى بعثت بها فى 26/6/2004م إلى رئيس التجمُّع فى القاهرة: إن الاتفاقيَّة "لم تتطرق الي وضعية القطاعين العام والخاص والمؤسسات التي تم تخصيصها أو التي قيد التخصيص بالرغم من أهمية ذلك"!
حسناً! لن نتساءل ، مع ذلك ، عن الكيفيَّة التى اعتمد بها التجمُّع هذا الاتفاق! ولا عن الكيفيَّة التى استطاعت بها كلا (هيئة القيادة) فى أسمرا و(سكرتاريَّة الداخل) رؤية هذا جميعه فى (اتفاقيَّة نيفاشا) ، بينما لم تستطيعا مجرَّد لمح شئ منه فى (اتفاق جدة)! ولكننا نفضل التركيز على حث التجمُّع على الاستمساك ، من خلال هذه المفاوضات ، بهذا الموقف النقدى الصارم الذى اتخذته الوثيقتان من اقتصاد السوق ، وسياسات الخصخصة الحكوميَّة ، بالانحياز لمصالح الفقراء والكادحين والمُهمَّشين ، ورفض التأمين على مكاسب حلف الطفيليَّة والبيروقراطيَّة غير المقدَّس ، فلمثل هذا وحده تنفتح آذان الملايين وعقولهم وقلوبهم ، حتى لو أدى الأمر إلى اختيار الامتناع عن المشاركة فى (الحكومة القوميَّة) خلال الفترة الانتقاليَّة ، مع الوقوف فى صفِّ المُعارضة إلى حين الاحتكام لصناديق الاقتراع ، طالما أن (التواثق) على إدارة الظهر لقضايا (العدالة الاجتماعيَّة) هو الشرط اللازم لمثل هذه المشاركة!