جُنَيْهُ السُّودانِ الجَّدِيدْ: الدَّوْلَةُ المُوَحَّدَةُ .. عَلَى الوَرَقْ!
بقلم/ كمال الجزولى

السيد سامسون اراب ¡ مسؤول (بنك النيل التجارى) الذى أسَّسته الحركة الشعبيَّة برُمبيك مؤخراً ، أعلن منتصف الشهر الجارى أن جنوب السودان بسبيله لاعتماد عملته الخاصة وهى "جنيه السودان الجديد". وكشف عن اكتمال طباعة "أوراق نقدية من فئتى المئة والمئتين .. كما وأن القطع النقدية من فئة 10 و20 و50 جنيهاً باتت جاهزة". ورأى اراب أن ذلك "يشكل انتصاراً جوهرياً" للجنوب ، كما وصفه المسؤول الآخر بالبنك السيد فيليب يوات بأنه "مؤشر حرية لجنوب السودان" (فرانس برس ، 13/6/04).

***
وعلى حين أشار العقيد د. جون قرنق إلى أن اتفاقاً جرى بين الحكومة والحركة على إقرار عملة خاصة بالجنوب (المصدر) ، فإن المفاوض الحكومى د. أمين حسن عمر نفى ، من جانبه ، نفياً قاطعاً وجود أىِّ اتفاق كهذا ، مؤكداً على أن (بروتوكول قسمة الثروة) بين الطرفين "لم يتضمن إصدار عملة لجنوب السودان". ولذلك فقد اعتبر القرار "خرقاً للبروتوكول" مؤكداً على أن "العملة الجديدة إذا طبعت لن تكون مبرئة للذمة ، ولن تعترف بها الحكومة ولا أية جهة دولية" (الصحافة ، 16/6/04). وفى ذات المنحى ذهب محافظ بنك السودان د. صابر محمد الحسن الذى وصف القرار بأنه "أول خطوة لنقض الاتفاق" ، مؤكداً أن "سلطة اصدار العملات تأخذ قوتها من السلطة القانونية ، وإذا انتفت هذه السلطة كما هو الحال فى الجنوب الآن فلن تكون العملات مبرئة للذمة". وأضاف أن "الحركة تفتقر إلى البنك المركزى وليس لها سلطات نقدية معترف بها .. على النطاقين المحلى والدولى" (أنباء الشرق الأوسط ، 16/6/04). غير أن د. قرنق عاد ، بإزاء ذلك ، ليؤسِّس حجة الحركة على منطق آخر بقوله: "لم نتفق مع الحكومة حتى الآن على عملة واحدة للتداول فى السودان" ، معلناً على هذا الأساس أن "جنيه السودان الجديد سيتم تداوله فى الفترة القليلة المقبلة" (الأيام ، 19/6/04).

***
وقد يتبادر ، بطبيعة الحال ، إلى أذهان ذوى النوايا الحسنة ، للوهلة الأولى ، أن المسألة برمتها لا تعدو كونها محض مغالطة لا جدوى من ورائها طالما أن بالامكان حسمها ببساطة عن طريق الاحتكام إلى نصوص الاتفاق نفسه فى هذا الجانب. ولكن هؤلاء سرعان ما سيصطدمون بأن هذه النصوص لا تسعفهم كثيراً ، وهى التى حسبوها مرجعية صارمة مبرأة من الركاكة وعيوب الصياغة ، لطول ما عكف عليها طرفاها ، ومن ورائهم ميسِّرو مفاوضاتهما ، تدقيقاً ومراجعة!
وربما كان هذا أول أثر ملموس من الآثار السالبة لانغلاق تلك المفاوضات ، وما تمخض عنها من اتفاق ، على (ثنائيَّة) بالغة المحدوديَّة والضيَّق ، فى أمر يَفترض بطبيعته وسع المشاركة وشفافيَّتها ، حيث أن ذلك الوسع وتلك الشفافية هما ، فى الواقع ، الضامن الرئيس والحقيقى لفهم النصوص بما يتسق والحرص على مستقبل السلام المستدام والتحوُّل الديموقراطى والوحدة الطوعيَّة. وإذ نختلف تماماً ، فى هذا السياق ، مع الرأى القائل بأنه لم يعُد ثمة طائل من الحديث عن (ثنائيَّة) الاتفاق ، فلا نفعل ذلك عن مجرَّد رغبتنا فى اجترار كلام ماسخ ومكرور ، وإنما لكون أىِّ إصلاح (قومىٍّ) مأمول لأيَّة أوضاع معوجَّة فى هذا الاتفاق لا بد أن يبدأ من النقد الصارم والمستقيم (لثنائيَّته) التى أفضت إلى هذا الاعوجاج قبل أىِّ شئ آخر، اللهم إلا إذا كان المطلوب هو أن يقبل الناس به كما هو ، ويبصموا عليه ، وينخرطوا فيه بمبدأ "مشطوها بى قملها!" ، إستعارة للمثل الساخر الذى استخدمه مؤخراً السيد الصادق المهدى (الأضواء ، 20/6/04).

***
الشاهد أن (بروتوكول قسمة الثروة) عالج مسألة (العملة) وما يتصل بها من نظم ومنشآت وسياسات مصرفيَّة ضمن جملة فقرات ، من بينها (الفقرة/14/1) التى تقضى ، طبقا (لبروتوكول ماشاكوس فى 20/7/2002م) ، بإنشاء نظامين مصرفيين خلال الفترة الانتقالية، أحدهما إسلامى في الشمال والآخر (عادى!) فى الجنوب ، مِمَّا استلزم الاتفاق ، فى (الفقرة/14/2) ، على قيام منشآت مصرفية بالجنوب ، وتأسيس (بنك جنوب السودان) خلال الفترة قبل الانتقالية كفرع لبنك السودان المركزى الذى تعاد هيكلته وجوباً ليعكس هذه الثنائية بموجب (الفقرة/14/3) ، وليكون مسئولاً بموجب (الفقرة/14/9) عن إصدار "عملة جديدة بأسرع ما يمكن" ، وخلال نفس الفترة ، على أن يعكس تصميمها "التنوع الثقافي للسودان" ، وأن "تكون العملات المتداولة في جنوب السودان معترفا بها إلى حين إصدار العملة الجديدة بناء على مصادقة الطرفين". فهل فى هذه النصوص ، وبهذه الصياغة ، ما يسند حجة أىٍّ من الطرفين؟!
الاجابة قد تكون (بنعم) ، من جهة ، و(بلا) من الجهة الأخرى! فمن جهة الحركة ليس ثمة ما يحول دون تفسيرها على نحو يبيح لها أن تختار بين الاستمرار فى (التعامل) بالعملات التى كانت (متداولة) فى وقت إبرام البروتوكول ، أو الدفع بأى عملات أخرى (للتداول) بعد إبرامه، طالما أن النص لم يحدِّد هذه العملات (المتداولة) حصرياً ، أو يقيِّد (تداولها) زمنياً خلال الفترة السابقة على "مصادقة الطرفين على عملة جديدة"! أما من جهة الحكومة فثمة وجاهة أيضاً فى تأويل النص على احتمال أن مقصده من عبارة (العملات المتداولة) هو (العملات المتداولة فى تاريخ إبرام البروتوكول) ، فبأىُّ الحُجَّتين نأخذ؟!

***
هكذا نجدنا بإزاء نص مفتوح على كلِّ الاحتمالات ، وكفى بذلك مطعناً فى الصياغة bad drafting ، ولات ساعة مندم! وحتى لو أخذنا بالقاعدة الذهبيَّة golden rule التى ترجِّح كفة (المعانى) على كفة (المبانى) فى التفسير والتأويل ، فإننا لن نجد ما نستند إليه فى هذه المرحلة ، بالنظر إلى ظروف البروتوكولات نفسها وعلاقات طرفيها وطبيعتها الخاصة المعقدة ، سوى (النوايا) ، على أن هذه بدورها مسدَّدة ، للأسف ، كرءوس الشياطين ، فى كلِّ الاتجاهات!
خذ عندك ، مثلاً ، فرحة السيِّدين سامسون اراب وفيليب يوات ، من ناحية ، وحماستهما الكبرى "لحريَّة الجنوب!" و"انتصاره الجوهرى!"! واقرن ذلك بتسمية (العملة) نفسها (بجنيه السودان الجديد!) ، ثم أقرنه ، إن شئت ، بقول اراب "سنحذو حذو الصين ، حيث يتم التداول بدولار هونغ كونغ والدولار التايوانى إلى جانب اليوان" ، فى قياس خاطئ على استثناء لا يُقاس عليه ، ثم إن لك أن تتعجَّب: أيُنصَبُ كلُّ هذا (المهرجان) لمجرَّد عملة (موقوتة) بالفترة قبل الانتقاليَّة التى لا تزيد عن أشهر قلائل ، أم لشئ آخر؟!
كما ولا تثريب عليك إن أنت قرأت ذلك فى ضوء إفادة الخبير الاقتصادي الاميركى كوان تشوان دين مبا الذي يقوم بمهمة ما في المنطقة ، والذى لاحظ إجمالاً أن "جميع التدابير قد اتخذت تحسباً لاستقلال جنوب السودان"! مشيراً إلى أن هذه المنطقة التي أطلقت عليها الحركة اسم "السودان الجديد" بات لها جيشها وعلمها وعملتها ونظامها الضرائبى ولوحات تسجيل السيارت الخاصة بها ، فيما أبقيت الشؤون الخارجية وحدها بين يدى الحكومة المركزية ، وواصفاً كل ذلك بأنه إنما يمضى إلى ما وراء النظام الفدرالى ، حيث لا توجد الدولة الموحدة إلا .. على الورق! (فرانس برس ، 14/6/04).
وخذ أيضاً ، من الناحية الأخرى ، مسارعة السيدين أمين حسن عمر وصابر محمد الحسن إلى لغة الجفاء ، وتعجُّلهما إصدار الأحكام عند أوهى بارقة ، لكأنهما كانا يتصيَّدانها! فقرار الحركة لدى أولهما "خرق للبروتوكول" ، وعند الآخر "أول خطوة لنقض الاتفاق" ، وذلك قبل تقليب الأمر على وجوهه كلها ، أو استنفاد ما (يُفترض) أن يكون قد انفتح بين حكومتهما وبين الطرف الآخر من سبل التفاهم المشترك ، "فالقضية سياسية في المقام الأول ، ومكان حسمها هو مائدة المفاوضات ، وما زالت الفرصة متاحة لاجلاء غموضها في الجولة القادمة .. على المستوى السياسى" ، كما فى قول حكيم للأستاذ محجوب محمد صالح (الأيام ، 17/6/04).
ولك أيضاً ، بالمقابل ، أن تقرأ تصريحات السيدين أمين وصابر ، تعبيراً عن تيار بأكمله ما انفكَّ يسعى وسط النخبة الاسلامويَّة الحاكمة لإدخال العصا فى عجلة السلام. ففى أحدث إفصاحات السيد أمين: "لا يُفترض التعامل مع اتفاق السلام كوثيقة تأمين للاستقرار السياسى!" (الأضواء ، 20/6/04) ، وهو بهذا إنما يستلف فكرة السيد عبد الرحيم حمدى القائل: "السلام لا يعني الاستقرار بل يعني وقوف الحرب" (الرأى العام ، 15/6/04). وفى إفصاح باكر للسيد صابر يقول: "يجب ألا نضحى بالاستقرار الاقتصادى فى سبيل تنفيذ الاتفاق!" (أ ش أ ، 24/2/04). ولئن كان د. عبد الوهاب عثمان ، وزير الماليَّة السابق وأحد أبرز أركان الدعوة لفصل الجنوب ، قد عام عَوْمَ هؤلاء السادة ، فإننا نحمد له ، على الأقل ، صدقه مع نفسه ومع الآخرين فى قوله الصريح الفاجع ، دون أدنى محاولة لمواراة غرضه الحقيقى خلف قناع الحرص على الاستقرار: "إن وجود فرع للبنك المركزى فى الجنوب يعمل بالنظام التقليدى سيؤدى لمنافسة غير عادلة ويجعل العملاء يتحولون للمصارف فى الجنوب!" (المصدر).

***
النزاع حول (العملة) يوفر الآن خبرة عمليَّة فى الاحتباس الذى ينتظر قضيَّة (السلام والوحدة) إن استمرَّ تقرير مصيرها (ثنائياً) ، والاختناق الذى يتهدَّدها بالانتكاس المأساوى ، بل وبالانهيار الشامل ، فى ما إذا تركت لتنمو خارج الحاضنة الوطنيَّة الديموقراطيَّة! فلينظر ، إذن ، الوطنيون الديموقراطيون ماذا هم فاعلون!