(فَصْلٌ مِن سِيرَةِ مَرْجَانْ مُورْغَانْ مَارْغَايْ)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 (1)
لن تكون بعُدت عن الحقيقة كثيراً إنْ أنت قدَّرتَ أنَّ اسم مورغان كان هو أوَّل ما جذبني إلى صداقة فارع الطول ذاك، رياضي القامة، عميق السواد، وسيم التقاطيع، منذ بداية تعارفنا، أواخر العام 1968م، ونحن، بعدُ، زغب في بواكير أيامنا الأولى بكليَّة القانون الدولي والعلاقات الدوليَّة بجامعة كييف. لا ريب، بالطبع، في أن تلك الصداقة تعزَّزت، في ما بعد، على نحو خاص، بفضل شهامته، وقلبه الطيب، وطبعه اللطيف، ونفوره المتأصِّل من الابتذال، وثقافته الفنيَّة والسياسيَّة الرفيعة، وطاقته المدهشة على الكتابة الإبداعيَّة، وذائقته العالية في الغناء والموسيقى، الكلاسيكيَّة بالأخص، وإلى ذلك حماسه المُعدي لثورة الطلاب، ولليسار الجديد، ولحركة الحقوق المدنيَّة الأمريكيَّة في طور مُدرَكها الهويوي الذي كان اجترحه، أوان ذاك، ستوكلي كارمايكل وزوجته مريم ماكيبا، فألهما به نضالات ملايين السود، بالأخص الشباب والطلاب، في شتى أنحاء العالم، تحت شعارات (القوَّة السوداء ـ Black Power)، و(الأسود جميل ـ Black is Beautiful) وغيرها. لكنني أكذب، قطعاً، لو لم أسارع إلى الإقرار بأن ذلك كله مِمَّا تكشَّف، لاحقاً، عبر صداقة كانت توطدت أصلاً؛ أما بدايتها الأولى، لحظة بدايتها الأولى تحديداً، فقد كانت، فحسب، حكراً على إسمه .. إسمه وحده!
وقع ذلك مساء نفس يوم وصولي. إلتقينا، بالمصادفة، على الدرج الصاعد إلى الطابق الخامس، حيث كانت تتجاور، بالمصادفة أيضاً، غرفتانا. كنا عائدَين من عشاء متأخِّر بالمطعم الكائن في الطابق الأرضي من نزلنا الطلابي على شارع كراسنوزدفوزدنيي الضَّاج بالحركة. أبطأ من خطواته شيئاً، ومدَّ يده يصافحني، ونكهة المطعم تتلاشى خلفنا، قائلاً، بابتسامة عذبة، وبصوت عميق أجش كأنه طالع من تجويف فونوغراف:
ـ "هاي .. روبرت ديفيد مورغان من سيراليون .. أصدقائي ينادونني بمورغان"!
قفز إلى ذاكرتي، على الفور، سميُّه، بل شبيهه، حدَّ التطابق، في الطول والوسامة والسواد الناعم والابتسامة الآسرة، أسعد محمود مرجان، والذي كنا نناديه، تحبُّباً، بمورغان، فألفيتني أقول بحماس:
ـ "نعم .. نعم، لقد غنيت يا رجل في حفل وداعي بالحي ليلة البارحة، أو .. لعلها أوَّل البارحة، كما لم تغنِّ من قبل .. حتى مطلع الفجر"!
سألني والحيرة تغلف ابتسامته المرتبكة:
ـ "مَنْ .. أنا"؟!
أفقت من لحظة القطع السيرياليَّة تلك على إحساس خاطف بالحرج، فعدت أصافح اليد الممدودة، قائلاً:
ـ "أوووه .. معذرة! لا عليك .. كمال الجزولي من السودان"!
(2)
كان أسعد مورغان رفيقاً ونديداً بديعاً في مراتع طفولتنا وصبانا بأم درمان، وزميلاً وصديقاًً باهراً خلال مراحلنا الدراسيَّة من الكتاب إلى الثانوي. كان أوَّل دفعتنا. وكان كثير التهذيب، فائق الرِّقة، مشبوب العاطفة، تطفر دمعته لدى أبسط موقف إنساني؛ ومع ذلك كان يعدُّ نفسه للالتحاق بالكليَّة الحربيَّة! وكان الإبن الوحيد لأم مصريَّة من طنطا، هي العمَّة نعيمة التي تشرف على صندوق ادِّخار صغير لنساء الحي، وأب نوباوي من قدامى مُسرَّحي قوَّة دفاع السودان، هو الخال محمود مرجان الذي اتخذ، بعد حياة الجنديَّة، لوري بدفورد يجوب آفاق الغرب، أغلب شهور السنة، حتى يبلغ نواحي أبَّشي وفورتلامي، يجلب إلى سوق أم درمان الأقمشة وفِرَك القرمصيص والعطور الباريسيَّة الأصليَّة، وقد يجلب، أحياناً، التمباك وعسل النحل وبعض المحاصيل. ولقد نعمنا بجيرتهم عُمراً بأكمله، فكانوا لنا أكثر من أهل، بل كانوا نعم الأولياء الحميمين. 
كان مورغان، رغم شغفه بالاطلاع، ورغم صداقتنا وتلازمنا الوثيقين في الحيِّ والمدرسة، ينأى بنفسه، على عكسي تماماً، من النشاط السياسي، وبالأخصِّ في المنظمات اليساريَّة السريَّة والعلنيَّة! لكنه، في ما عدا ذلك، كان نجماً في الكشافة، وجمعيَّة الرحلات، وجمعيَّة الموسيقى، والجمعيَّتين الأدبيَّتين العربيَّة والانجليزيَّة، وفرق المدرسة الرياضيَّة الأولى. وكان يبزنا في كلِّ شئ، كلِّ شئ .. من الأناقة إلى الثقافة، ومن السباحة إلى كرة القدم، ومن تنس الطاولة إلى سباق الدرَّاجات، مع براعة في الشطرنج، والدومينو، وألعاب الكتشينة أجمعها، والعزف والغناء على الجيتار الكلاسيكي، مثلما كان ساحراً في اجتذاب قلوب الحسان .. في الحيِّ كما في ثانويَّة البنات المجاورة لثانويَّتنا، نراهنَّ يتنافسن على كسب ودِّه بهداياهنَّ من طواقي المنسج، أو مناديل الحرير المشغولة الأطراف بالترتر الملوَّن، المثقوبة القلوب تقطر دماً، في أركانها، بسهام كيوبيد! لكن حياءه الفطريَّ كان يكاد يفقع مرارتنا غيظاً حين نراه يحول بينه وبين مجاراتهنَّ، فنروح نمصمص شفاهنا حسرة، ونتهامس على طريقة الأفلام المصريَّة: يدي الحلق للي مالوش ودان! 
كان بيتهم قائماً وسط بيوت الحي كما الربوة وسط السهل المنبسط، بطوبه الحراري، وبلاطه الأبيض والأسود، وفيرانداته الرحبة ذوات العُمَد، وسقفه القرميدي داكن الحُمرة، وشيش أبوابه ونوافذه غامق الخضرة، وأشجار النيم الكثيفة تحفُّ بأسواره العالية، وتقوم إلى جانبي بوَّابته الحديديَّة التي يتوسَّطها وجه أسد لأغراض طرقها. وكان يقوم على خدمتهم بإخلاص، مذ وعينا على الدنيا، بل منذ ما قبل ولادة مورغان بُعيد نهاية الحرب الثانية، الخال آدم اب اضان، وقد سُمِّي هكذا لبَرَص قديم في أذنه اليمنى. 
كنا نعجب كيف يجمع مورغان بين التفوِّق في الرياضيات، واللغات، وجغرافيا سيحون وجيحون والهلال الخصيب، وتاريخ حروب بسمارك ونابليون وهنري الخامس، وحفظ أسماء سائر أمراء وأرشيدوغات أوربا القديمة، وبين حفظ أغاني مشاهير مغنيي الجاز والبلوز، وتتبُّع سِيَرهم، من آرمسترونق إلى ري تشارلس، ومن أريثا فرانكلين إلى ستيف وندر، ومن توم جونز إلى جيمس براون، ومن أوتس ريدنق إلى أولاد جاكسون الخمسة مطالع سطوعهم، كما كان شغوفاً بنجوم هوليوود، يعرف آخر أخبارهم، ويروي لنا، في الأمسيات، وبشغف عجيب، قصص أفلامهم التي كان يحفظها عن ظهر قلب، من ريتا هيوارث إلى بيتر اتول إلى أنتوني كوين إلى صوفيا لورين إلى سبنسر تريسي إلى إليزابيث تيلور إلى مارلون براندو إلى رتشارد بيرتون، تغطي صورهم التي كان يأتي بها من بعض معارفه بالسينما الوطنيَّة جدران غرفته النظيفة، المرتبة دائماً، والمعطرة بصندل العمَّة نعيمة في كلِّ الأوقات، والثريَّة بمقتنياته من الكتب والمجلات والأسطوانات ومختلف الأجهزة والآلات الموسيقيَّة.
(3)
بقينا نتراسل قرابة السنتين بعد مغادرتي السودان. وقد أسفت حين أخبرني بأنه فشل في الالتحاق بالكليَّة الحربيَّة بلا سبب واضح! كما أسفت حين علمت، أيضاً، من رسائله باقتضاب، ومن رسائل الأصدقاء تفصيلاً، أنه تورَّط في زواج باكر عجول أحيط بثرثرة هامسة، بلا يقين؛ ثمَّ سرعان ما آل إلى فشل ذريع، فانهار بطلاق عجول، هو الآخر، في ذات الشهر، دون أن يُعرف السبب! الحقيقة الوحيدة التي باح لي بها في شأن كلِّ تلك الأحداث الجسام هي أنها أورثته إحبطاً مديداً، وعزوفاً عن مواصلة الدراسة بالسودان، فصار يقضي جُلَّ نهاراته إما في معاونة والده في تجارته، أو في السعي ما بين السفارة البريطانية والبريتش كاونصل، أملاً في الحصول على منحة لدراسة علم النفس بجامعة لندن. بعدها أخذت رسائله تخفت، تدريجياً، حتى تتلاشت، أو قل انقطعت نهائياً.
في وقت لاحق أنبأني الأهل والأصدقاء بنبأ عجيب حزنت له طويلاً، وإن فسَّر سبب انقطاعه عن مراسلتي. فقد توفيت العمَّة نعيمة فجأة، ذات مساء، إثر أزمة قلبيَّة مباغتة. وبينما كانوا يجهِّزون جنازتها، انخرط الخال محمود، المريض بالضغط أصلاً، والذي لم يستطع تحمُّل صدمة رحيلها، في نحيب مرير، والرِّجال من حوله يحثونه على الاستغفار وطلب المغفرة لها. سوى أنه ما لبث، وسط نهنهاته، أن شهق شهقتين مفزعتين أسلم بعدهما الروح منكفئاً على فراش موتها! 
هكذا خرجت جنازتاهما معاً، إلى حيث ووريا الثرى، على ضوء الفوانيس الكابي، في قبرين متجاورين بمدافن حمد النيل!
بعد أشهر من تلك الواقعة حملت إليَّ رسائل السودان ما فاقم من زعزعة طمأنينتي لهذه الحياة! لقد دخل مورغان في حالة من الذهول، فتكثف شعر رأسه، وانسدلت لحيته، وطالت أظافره، واتسخت، وصار يُرى هائماً على وجهه في طرقات المدينة وأسواقها، حافياً، رثاً، متسخ البدن، زريَّ الهيئة، تتدلى سبحة لالوب هائلة من عنقه إلى أسفل بطنه، يطارد الخيول والحمير والكلاب الضَّالة بطعام يتوهَّمه في يديه، بينما يطارده صبية الأحياء البعيدة، يحصبونه بالحجارة، والضحكات الساخرة، والأهازيج الجماعيَّة البذيئة!
(4) 
زلزلت تلك الأحداث أعماقي بعنف. ثم جاءت إعدامات يوليو 1971م، ضغثاً على إبالة، لتقضي على ما تبقى من معنوياتي في غربتي الشاهقة تلك، خصوصاً وقد انقطعت مراسلات  الأهل والأصدقاء، بمن فيهم، بطبيعة الحال، أسعد مورغان! لكن علاقة الصداقة التي ترسخت، مع كرِّ مسبحة الأيام، بيني وبين روبرت مورغان، أعانتني على محنتي شيئاً، وأزاحت عن كاهلي غير القليل من عبئها الباذخ.
كنا نذهب إلى الكليَّة معاً، ونعود منها معاً، ونتناول وجباتنا معاً، وننجز واجباتنا الدراسيَّة معاً، ونتسكع في عطلات نهاية الأسبوع بجادَّة كريشاتيك معاً، ونغشى المسارح والمعارض والسينمات والمكتبات والمنتديات الأدبيَّة والفنيَّة معاً، مثلما كنا نقضي عطلتي الشتاء والصيف أيضاً معاً، إما بالسفر إلى هلسنكي أو برلين أو براغ أو لندن، أو في الراحة ببعض مصايف البحر الأسود، أو في العمل بمزارع العنب في بعض الريف الأكراني. باختصار لم نكن نفترق إلا ساعات النوم، أو حين تكون في البرنامج امرأة! لم يحدث، طوال تلك السنوات، وعلى العكس من سائر الطلاب الأفارقة بالذات، أن عرفت له صديقة، أو سمح بأن تتجاوز علاقته، حتى مع أيٍّ من اللائي يشاركننا السكن في النزل، حدود زمالة الدراسة! كنَّ، من جانبهنَّ، يصفنه بأنه مختلف، ويُحِلنَ الأمر إلى تهذيبه وحيائه الشديدين! أما هو فكان يلخِّص كلَّ من حاولت الاقتراب منه بعبارته الأثيرة: "ليست فنجان شاييَّ المفضَّل"!
قلت له، مرَّة، عندما طفح الكيل:
ـ "يبدو أن أوراق شايك هذه مزروعة في زحل"!
فردَّ ضاحكاً:
ـ "أبداً .. كلُّ ما هنالك أن سيِّدة روحي لم تولد بعد"!
عددت عبارته تلك نوع غرور ونزق شاعري، ولم أناقشه، فذاك مزاجه الشخصي، وهو حُرٌّ فيه.
في ما عدا ذلك كان زورق صداقتنا يمخر بأشرعة ملؤها صفاء لا يعكر من سلاسته سوى شئ واحد .. نوبات البكاء التي ليس نادراً ما كانت تباغت مورغان، في أيِّ مكان، وبدون أيَّة مقدِّمات، حتى يورم أنفه، وتنتفخ أوداجه، وتحمرَّ عيناه! في البداية كنت ألح عليه، إلحاحاً شديداً، لمعرفة السبب، وكان هو يصرُّ على التزام تكتم عنيد ليس نادراً ما كان يوقفنا على حواف مهاوي الخصام! لكنني، بعد أن لاحظت أن تلك النوبات كانت تريحه شيئاً، وأن تكرار إلحاحي أضحى يهدِّد صداقتنا بجديَّة، وطنت نفسي على تقبُّل الأمر على علاته، والتعايش معه بعاديَّة غير عاديَّة!
كان يصرُّ على أن أترجم له تجاربي في الشعر من العربيَّة إلى الانجليزيَّة أو الروسيَّة.  وكان يعجب بها رغم إحساسي، أنا نفسي، برداءة الترجمة! وكنت الوحيد الذي يسمح له بالاطلاع على تجاربه في السَّرد بإنجليزيَّته الناصعة. كان ينسخ قصصه الطويلة والقصيرة بخط جميل، وعناوين ملوَّنات، في دفتر بُنِّي الغلاف. وكانت قصصاً ممتعة، أبطالها محتشدون بالحياة حتى لتكاد تلمسهم بيدك؛ لكنه كان، لسبب ما، يدفعهم أجمعين إلى مصائر في غاية الغرابة، وإن لم يكن يحيد، في ذلك، عن سياقات الضرورة الفنيَّة قيد أنملة!
سألته، ذات مساء، ونحن في غرفته، بعد أن أنهينا الإعداد لسمنار الغد، وجلسنا نحتسي القهوة بالحليب قبالة المدفأة، بينما الصقيع يقرقع على النافذة، وكتبه واسطواناته تنتثر حولنا في فوضى بديعة:
ـ "مورغان .. لماذا لم تفكر في النشر .. ثمَّة دوريات كثيرة تهتمُّ بأدب الشباب"؟!
صمت برهة، ثمَّ أجابني، بأخفض درجات صوته الأوبرالي، وهو مكبٌّ على جهاز راديو ضخم، يبحث فيه عن بعض المحطات:
ـ "الخوف يا صديقي .. الخوف من الحرج الاجتماعي البدوي الأفريقي! فمعظم أبطال هذه القصص أحياء يرزقون في فريتاون، ومنهم أصدقاء وأقارب لي"!
ـ "دعك من هذه الترهات! من قال لك إن أبطال تشينوا أشيبي، مثلاً، جميعهم من نسج خياله"؟!
أطلق ضحكة مجلجلة، وقال، وسط قهقهاته، دون أن يحوِّل عينيه عن جهاز الراديو:
ـ "أين أنا، يا صاحبي، وأين أشيبي"!
وقبل أن أقول شيئاً مضى يسترسل، وأصابعه ما تزال مشغولة بتحريك مفتاح الموجات:
ـ "عارف .. حين كنت صبياً كان لدينا في البيت جهاز كهذا؛ وعندما أطلقت الكلبة لايكا إلى السماء السابعة، ثرثر الجيران بأن الروس سيدهنون القمر، تلك الليلة، باللون الأحمر! كنت الإبن الوحيد لأبي وأمي، وكانا، ساعتها، خارج البيت، فلم أجد من أهرع إليه، لاهثاً، بالخبر، ليساعدني في تسلق السطح لرؤية المشهد البديع، سوى جدَّتي المتسلطة، القابعة في موقعها الأثير خلف ماكينة الحياكة! لكنها زجرتني قائلة، وهي تغلق عيناً، من وراء نظاراتها الطبيَّة، وتدقق النظر بالأخرى، كمن يحاول إدخال الجمل في سم الخياط: دع الكلام الفارغ والتفت لدروسك! ثمَّ ما لبثت، كعادتها حين تعلن عن امتعاضها، أن عوجت فمها، ومطت شفتيها، وكزَّت على أسنانها، وبصقت، وراحت تبرطم: عجيبة .. لم يبق غير أن تصدِّق كلَّ كفر يلغو به هذا الراديو اللعين"؟!  
إنتبهت، لأوَّل مرَّة، إلى حقيقة أنه الابن الوحيد لوالديه! ثمَّ علمت منه أن أباه ضابط متقاعد بالجيش السيراليوني، ويعمل، منذ حين، إدارياً بإحدى الشركات التجاريَّة، وأن أمَّه معاونة في جمعيَّة نسائيَّة لنشر الوعي بمضار تناول الحوامل لطين (وسو). أما حكايته مع جدَّته فقد بدت لي، للوهلة الأولى، خارج السياق، ومع ذلك أضحكتني. لكنه كان، في تلك اللحظة، قد استكمل ضبط الموجة على دقات بق بن، وولج، كعادته، في ما كان يسمِّيه (طقس البي بي سي) في مثل ذلك الوقت من المساء، فلم نعد لمواصلة الحديث.
(5)
مع إعجابي بكلِّ قصصه، إلا أن واحدة منها ظلت تشغلني على نحو خاص، ربَّما لأنها لم تكتمل حتى أنهينا دراستنا بالكليَّة. فلسبب ما لم يضع لها نهاية طوال تلك السنوات. كان بطلها، برنس مارغاي، شاباً سيراليونياً يشعُّ وسامة تقرب من الجمال، ويرتع، إلى ذلك، في ثروة طائلة آلت إليه، منذ صباه الباكر، باعتباره الوارث الوحيد لوالده الجنرال السابق في قوَّة حرس السواحل، خلال سنوات ما بعد الاستقلال، والذي كان قد شرع في تكديسها حتى قبل خروج الانجليز، على حدِّ همس الزوايا في فريتاون، وذلك بفضل قابليَّته الفطريَّة للفساد، وبعض خياناته الوطنيَّة هنا وهناك، وعلاقاته المشبوهة مع الادارة الاستعماريَّة ومهرِّبي الماس. وكان يبرِّر خبطاته تلك بالتواطؤ مع نفسه، في كلِّ مرَّة، موسوساً لها بأنه إن لم يفعل، فثمَّة كثيرون غيره جاهزون، على أيَّة حال، ليفعلوا في أيِّ وقت!
لكن مارغاي، برغم وسامته وثروته الظاهرتين، كان يحتشد، في الباطن، بتعاسة فارهة، ويضرب على نفسه عزلة بلا ضفاف! كان، في الحقيقة، غريب الأطوار، يسكن عازباً في قلعة ضخمة، عالية الأسوار، كثيفة الأشجار، صمَّاء البوَّابات، مع طبَّاخة عجوز، وسائق أهتم، وبستاني ريفي، ولا يكاد يندُّ من عالمه الخفي ذاك سوى صوت بعيد لموسيقى غريبة! ولم يكن يُرى، حين يُرى، إلا واضعاً على عينيه نظارة سوداء، وملفوفاً، صيفاً وشتاءً، في ملابس صوفيَّة ثقيلة، وفارداً فوق رأسه، خريفاً وربيعاً، نهاراً وليلاً، شمسيَّة هائلة، داكنة اللون! وكان خلواً تماماً من الأصدقاء، وبالأخصِّ من الصديقات! وكان يبدو، عموماً، كمن يرزح تحت وطأة سرٍّ يحرص، كالغراب، على ألا ينكشف ولو ملمح خيط واهٍ من قماشة غموضه السميكة لكائن من كان!
ولأن ذلك كله مِمَّا يستثير، في العادة، شهيَّة الأحاجي في تلك المدينة الأطلسيَّة، فقد أشرعت نوافذها على رياح شائعات تتلبَّس، كما في دارج الأسمار الأفريقيَّة، سمت العلم ببواطن الأمور؛ فمن قائل إن للأمر صلة بعلاقة غريبة بين أمِّه وأبيه! ومن زاعم أن مارغاي ليس غير الجنرال نفسه بُعث من موته على تلك الهيئة، كونه ينحدر من سلالة عُرفت بمثل تلك الأمور! ومن حالِفٍ بأن الجنرال كان، في الحقيقة، عقيماً، وأن مارغاي ذاك ليس، أصلاً، سوى صناعة غير مكتملة لسحرة مأجورين .. وهكذا!
بعد خمسة أعوام من الدراسة الشَّاقة تخرَّجنا. وجاء موعد مغادرة مورغان إلى بلده سابقاً لموعد مغادرتي أنا بأيام ثلاثة، فأقمنا له، في ليلته الأخيرة، حفل وداع مشهود غنى فيه وعزف كما لم يغنِّ أو يعزف من قبل. فجر اليوم التالي رافقته إلى المطار، ولمَّا آن أوان عناقنا الأخير، فتح حقيبة يده، والدموع تترقرق في مآقيه، وأخرج الدفتر بُنِّي الغلاف يدسَّه في حقيبة يدي، قائلاً:
ـ "لم أعُد أحتاجه. أعلم مدى شغفك به. ستجد فيه مفاجأة بانتظارك .. الفصل الأخير من مارغاي! كتبته ليلة البارحة بعد أن انفضَّ السامر؛ فقد عزَّ علي، إكراماً لك، أن أتركه بلا نهاية! وستجد أيضاً عنواني البريدي في فريتاون، فتذكر، عندما تكتب لي أوَّل رسالة أن تضمِّنها عنوانك في الخرطوم، وأعدك بسرعة الرد. سلام"!
............................
............................
شغلت خلال الأيام الثلاثة التالية بإنهاء إجراءات سفري، وودَّعني الأصدقاء والزملاء بحفل آخر افتقدت فيه مورغان بشدَّة، حتى أن الدمع طفر من عينيَّ حين خطر لي أنني لن أراه ثانية.
في مساء اليوم التالث توجَّهت إلى المطار. وما أن أقلعت طائرة الإيروفلوت حتى أخرجت الدفتر بُنِّيَّ الغلاف، وفتحته على الفصل الأخير من مارغاي، فألفيته، كما توقعت، مصاغاً بشكل مدهش، وإن كان لا يشفي غليلاً، برغم مآل مارغاي الفاجع، حيث انتهى، ذات خريف مدرار، قتيلاً، مفصول الرأس، تحت دغل صغير من أشجار كثيفة، ملتفة الأغصان، في ركن قصيٍّ من حديقة قلعته الواسعة!
لم تكتشف الجثة الغارقة في الوحل إلا بعد عدة أيام انتفخت، خلالها، وتعفنت، وفاحت رائحتها، وحلقت جوارح المحيط فوقها! وإن هي إلا ساعة، أو بعض ساعة، حتى سرى الخبر في نواحي المدينة سريان النار في الهشيم. فهرعت إلى القلعة فيالق الشرطة بمصوِّريها المتخصِّصين، وكلابها المدرَّبة، وفرق من خبراء البصمات، والأطباء الشرعيين، ومحققي النائب العام، وقدامى أصدقاء الجنرال. ذرعوا المكان وما حوله طولاً وعرضاً، ووجَّهوا بضعة أسئلة مبدئيَّة للطباخة العجوز، وللسائق الأهتم، وللبستاني الريفي، قبل أن يقتادوهم، مخفورين، بعد أن وضعوا الجثة والرأس على نقالة غطوها بمفرش أبيض، وأودعوها جوف إسعاف استطاع بالكاد، رغم دويِّ بوقه، أن يشقَّ طريقه صوب مشرحة المستشفى العسكريِّ وسط الجموع التي تقاطرت من كلِّ فجٍّ لترابض أمام القلعة، تحت المطر الهطال، بعد أن منعوها من الدخول.
من ذلك اليوم، وعلى مدى أشهر طوال، لم يعد لفريتاون من موضوع لأسمارها غير سيرة مقتل مارغاي. الكل ينسج ما يعنُّ له من تفاصيل، ثم ما يلبث أن يكون هو نفسه أوَّل من يصدِّقها، فينطلق يرويها من بيت إلى بيت، ومن شارع إلى شارع، ومن بار إلى بار! هكذا أطلقت المدينة أعنة الأخيلة الخصيبة تنافس بعضها في اختراع التصوُّرات الطازجة، غير المسبوقة، لما يمكن أن يسبر غور السِّر المكنون في حياة مارغاي وموته! كان يكفي أن يبدأ أحدهم بعبارة "هل سمعتم آخر الأخبار؟!" حتى يصبح قبلة الحاضرين، ليبدأ الحكي الذي لا أوَّل له ولا آخر!
مع ذلك، وكالعادة، باخت، في النهاية، سائر الحكايات، وكسدت جميع الروايات، وفتر الحماس الشعبي للحادثة، وراح يذوي إلى حدَّ التلاشي، فكلُّ ما يمكن أن يُقال قد قيل، وكلُّ ما يمكن أن يُتصوَّر قد لاكته الألسن؛ وحيث لم يسفر التحقيق المبدئي المطوَّل عن شئ، دُفن البلاغ في الأضابير الرسميَّة ضد مجهول، وأطلق سراح المرأة والرَّجلين، فخرجوا يدوخون الدوخات السبع في مكاتب العمل ومحاكمه للحصول على فوائد ما بعد خدمتهم الطويلة من الحكومة التي استولت على ثروة القتيل الذي لم تثبت له قرابات على كثرة المدَّعين!
............................
............................
وضعت الدفتر في جيب ظهر المقعد الأمامي، واستغرقتني، بفعل إرهاق الأيام الماضية، غفوة طويلة تخللتها بعض المرائي المشوَّشة لحفل عرس بحي الضباط بأم درمان يغني فيه روبرت مورغان، ويعزف خلفه أسعد مرجان، ويقود حلبة رقصه برنس مارغاي!
(6)
إستيقظت، بغتة، على أنوار الطائرة تخفت، وحركة الأقدام تنشط في الممرَّات، وصوت المضيفة تعلن أن الطائرة على وشك الهبوط، وتطلب من الجميع التزام مقاعدهم وربط الأحزمة. دعكت عينيَّ، ثمَّ مضيت أحدِّق من النافذة، فبدت لي الخرطوم بدويَّة حسناء تستحم تحت رذاذ صباح خريفي غائم.
في الصالة استقبلني بعض أهلي وأصدقائي، وفي مقدِّمتهم أبي، عليه رحمة الله، بملابسه الرسميَّة، فقد كان ما يزال، وقتها، ضابطاً بالسلاح الطبي. إنخرطنا أجمعين في عناق طويل أسلنا خلاله دمعاً غزيراً على أكتاف وصدور بعضنا البعض. أحسست بأن ما ذرفت عيناي كان بعضه للفرح وبعضه للشجن، بينما خيِّل إليَّ أن كلَّ ما ذرفت أعينهم كان لفرحة التلاقي بعد طول غياب. غير أن الصاعقة القاصمة ما لبثت أن هوت على أمِّ رأسي حين اقتربنا من موقف سيارات الجمع في باحة المطار!
إنتحى بي أبي جانباً ليقول لي بصوت متحشرج:
ـ "شوف يا كمال يا ابني.. إنت طبعاً عارف انو الموت حق علينا كلنا، والخبر العايز أبلغك بيهو ده أنا حزين ليهو جداً، ومع كده أنا حبيت إنك تعرفو من هنا عشان ما تتفاجأ لما نصل الحلة، لأنو الدنيا هناك مقلوبة، و .."!
صحت جزعاً:
ـ "أمي يا بوي"؟!
قال وهو يزدرد ريقه، ويتحاشى أن تلتقي أعيننا:
ـ "لا، أمك الله يديها طول العُمُر .. لكين صاحبك .. صاحبك أسعد .. إتلقى فجر الليلة مكتول، للأسف، تحت النيمة الكبيرة في بيتهم .. مضبوح من الأضان للأضان .. وراسو مفصول من باقي جسمو .. جبنا البوليس والإسعاف .. نقلناه عندنا في مشرحة المستشفى العسكري، ودلوقت خليناهم بيكمِّلوا في الإجراءات وجينا نقابلك ونرجع ندفن"!
أحسست برأسي يدور، وبحلقي يجفُّ، وبلساني يتخشَّب، وبالرؤية ترتجُّ في عيوني، وبالرعدة تسري في فرائصي، وبالعرق يتفصَّد من ظهري، وبالأرض تميد من تحتي، وبساقيَّ لا تقويان على حملي!
............................
............................
دفناه، ثمَّ قفلنا راجعين ننصب سرادقاً أمام بيتهم، ونقيم مأتماً من ثلاث ليال نعزي فيه بعضنا البعض، ونذرف الدَّمع السخين مرَّتين: مرَّة على شبابه الغضِّ، وذكائه الوقاد، وحيويَّته الدَّفاقة، وكلَّ ما ظللنا نتوهَّم أن مستقبلاً وضيئاً يبشِّر به، ومرَّة على مضيِّه المأساوي هكذا، بلا ولد، ولا أسرة، ولا مجرَّد أقارب بعيدين! حتى آدم اب اضان الذي كان أوَّل من عثر عليه، حين نهض لصلاة الصبح، غارقاً في الوحل تحت النيمة الكبيرة، مقطوع الرأس، مضرَّجاً بدمائه، فأطلق أوَّل صيحة ذعر في تاريخ حيِّنا الآمن، وركض بأرجل الرُّعب يستغيث من باب لباب، هذا الوفي المخلص الأمين الذي خدم هذا البيت قرابة ربع القرن، والذي حمل مورغان طفلاً في المهد، واجتهد في لمِّه من الطرقات شاباً ذاهلاً في أخريات أيامه، آدم اب اضان هذا كان هو أوَّل متهم في نظر الشرطة التي طعنته عميقاً في قلب فجيعته الانسانيَّة النبيلة حين انتزعته بلا رأفة من وسط ذلك الحزن العام، وقيَّدته بالسلاسل الغلاظ، لتقذف به، دون رأفة، على ظهر لوريها الشائخ، حتف أنف صرخات الاحتجاج التي أطلقها الجيران رجالاً ونساءً وأطفالاً، ليصبح الفقد فقدين!
............................
............................
قبيل صلاة مغرب اليوم الثالث كفكفنا سرادق مورغان من الشارع، ليستقرَّ، مرَّة وللأبد، في أعماق القلوب. مع ذلك أفقنا على أن الحيَّ أبقى من الميِّت، فانقلبنا نولي اهتمامنا لآدم اب اضان، نزوره في حراسة القسم الجنوبي بانتظام، نحمل له المأكل والمشرب والملبس وأدوية السكري الذي أصابه في كهولته. وتولى قضيَّته، تطوُّعاً، أحد أشهر محاميي المدينة الأشداء، فخاض، لأشهر طوال، معركة قانونيَّة شرسة تكللت بنصر مؤزَّر يوم انتزع القرار النهائي بإخلاء سبيله لعدم كفاية الأدلة! فأقله من القسم بعربته الخاصَّة، ليطوف به أزقة الحيِّ، وسط الزغاريد والهتاف الدَّاوي: يحيا العدل!
بعد زهاء الأسبوعين تبيَّنت أن خسارتي الشخصيَّة، فضلاً عن فقد أسعد مورغان، كانت كبيرة بحق. فقد أضعت، وسط كرنفال النواح الذي أقمناه بالمطار، يومذاك، بعض حقائبي ومتعلقاتي. لكنني لم أحزن عليها، بعد أن تأكدت من وجود الشهادات وألبوم الصور التذكاريَّة، قدر حزني على دفتر روبرت مورغان بغلافه البُنِّي، بما فيه عنوانه البريدي؛ فقد نسيته في جيب ظهر مقعد الطائرة! وكم كنت أتحرَّق للكتابة إليه، وسؤاله، بالأخص، عن سرِّ كلِّ تلك الموافقات (الصُّدفيَّة) التي نبَّهتني إليها، بقوَّة أشدِّ من أيِّ شئ آخر، وأكثر من أيِّ وقت مضى، فاجعة مقتل أسعد مورغان بأم درمان، بعد أقل من نصف أسبوع على اختياره هو، روبرت مورغان، بكييف، لفاجعة مقتل برنس مارغاي بفريتاون .. حدَّ التطابق!
طرقنا أبواب الإيروفلوت، وإدارة المطار، ورئاسة الطيران المدني، لكن بلا جدوى، إذ كانوا يرفعون أكتافهم، حيثما يمَّمنا وجوهنا، ويقولون إننا تأخرنا كثيراً في التبليغ.
(7)
كانت قد مضت على تلك الأحداث قرابة الخمسة عشر عاماً حين تلقيت، كأمين عامٍّ لاتحاد الكتاب، دعوة للمشاركة في ندوة بفندق ماريوت بالقاهرة، بمناسبة إعادة إحياء رابطة كتاب آسيا وأفريقيا.
وصلت القاهرة صباح اليوم السابق على الندوة، وتوجَّهت إلى الفندق. وعند الظهر تناولت غداءً خفيفاً، ثمَّ قصدت مكتب السكرتاريَّة بالطابق الأرضي لأطلع على قائمة المشاركين. رحَّبت بي الموظفة في لطف، وسلمتني إضبارة أنيقة بأوراق الندوة، وفيها القائمة المطلوبة. شكرتها وصعدت إلى غرفتي بالطابق الخامس لأراجعها على راحتي.
كانت القائمة مرتبة بالأبجديَّة الإنجليزيَّة. وبعد أن تأكدت من ورود بعض الأسماء، كدت أغلق الإضبارة. لكنني قفزت، فجأة، كالملدوغ، وكدت أطير فرحاً، حين لمحت، في اللحظة الأخيرة، تحت الحرف (إس)، دولة سيراليون، واسم المشارك الثالث منها .. ديفيد روبرت مورغان ـ شاعر! 
قدَّرت أنهم ربَّما خلطوا في مجاله الإبداعي. لم أنتظر المصعد، بل أسرعت أركض على الدرج هبوطاً، مرَّة أخرى، إلى مكتب السكرتاريَّة، لكنني وجدته، هذه المرَّة، مغلقاً، فركضت إلى الاستقبال الذي حاول الاتصال هاتفياً بغرفته رقم 512 في نفس طابقي الخامس، بل إلى الجوار من غرفتي رقم 511، لكن بلا طائل، إذ لم يكن مورغان بالغرفة. فعدت أركض بين قاعة الطعام، والمقهى، والمقصف، والمصرف، وحوض السباحة، ومحلات الملبوسات، والنظارات، والساعات، والجواهر، والأناتيك، والصيدليَّة، ولعب الأطفال، أتفحَّص الوجوه الأفريقيَّة، الواقف منها والعابر، حتى اجتزت بوَّابة الزجاج الدائريَّة إلى الشارع، أطوف بدكاكين الجوار، وأكشاك السجاير، وأعدو على تلتوارات الشوارع، ومماشي الحدائق، لكن بلا جدوى.
أخيراً، عدت إلى الفندق، وطلبت من موظف الاستقبال أن يبعث بمن يترك له مذكرة تحت بابه، ثمَّ صعدت إلى غرفتي أحاول الاتصال به هاتفياً، كلَّ دقيقتين، عساه يكون قد عاد. وعندما لا أجده أترك له، المرَّة تلو المرَّة، رسالة صوتيَّة ليتصل بي عندما يعود من أيِّ جحيم يكون قد ذهب إليه. لكنه لم يعُد حتى انتصف الليل، وبلغ بي الارهاق مبلغاً أسلمني إلى نوم مشوَّش متقطع بلا عشاء.    
نهضت في الصباح الباكر، وليس في ذهني سوى مورغان، فقفزت إلى التلفون. رنَّ الجرس ثلاثاً. فجأة رُفعت السماعة من الطرف الآخر، فانخلع قلبي، لكنها أعيدت إلى موضعها في التو! عاودت الاتصال سريعاً. رُفعت السماعة. لكن، في اللحظة التي بدأت أصرخ فيها: "ألو .. ألو، يا مورغان، لا تغلق الخط، هذا أنا كمال"، كانت السماعة قد أعيدت إلى موضعها في برود! عاودت الاتصال في لمح البصر، للمرَّة الثالثة، غير أن أعصابي احترقت تماماً عندما وجدت السمَّاعة معلقة! إنحشرت في بنطالي بسرعة البرق. فتحت باب غرفتي، ومرقت كالسهم صوب باب غرفته المجاورة. طرقته بعنف، ثمَّ بعنف أكثر، ثمَّ بعنف أشد. لم يثنني عن ذلك انفتاح جلِّ أبواب الطابق، وخروج الناس منها، منزعجين، بملابس النوم! خواجات وخليجيون وآسيويون يحدِّقون فيَّ بعشرات العيون الرجاليَّة والنسائيَّة المستهجنة! لكن ذلك ما زادني إلا عناداً، فلم أتوقف، قط، عن رفع وتيرة الطرق، وتصعيد عنفه، حتى دميت كفي، وكاد الباب ينخلع، بل زدت عليه أن بدأت أصرخ بأعلى صوتي:
ـ "مورغاااان .. إفتح الباب، مورغاااان أرجوك أنا كماااال، مور .."!    
لحظتها، فقط، إنفتح الباب، وأطلَّ صديقي القديم بذاته وصفاته، محمرَّ العيون، مقطب الجبين، مورَّم الأنف، منتفخ الأوداج! لم تتغيَّر ملامحه إلا من بعض شيب على الفودين، وقليل من التجاعيد على الجبين، ونظارة طبيَّة يحاول تثبيتها على عينيه بأصابع مرتبكة!
وقفنا قبالة بعضنا البعض لا تفصل بيننا سوى بضعة سنتمترات. لكنه، لدهشتي، لم يرحِّب بي، لم يأخذني بالأحضان، لم يدعني للدخول، بل حتى لم تتهلل أساريره، أو يفترَّ ثغره ولو عن طيف ابتسامة! لم تكن وقفتنا تلك، في ساعتنا تلك، وقفة صديقين حميمين افترقا لأكثر من خمسة عشر سنة، إنما وقفة غريمين متحفزين للاشتباك في عراك يأخذ كلٌّ منهما فيه ثأراً ما من الآخر! وفاقم من دراماتيكيَّة المشهد أن من وقفوا أمام أبوابهم بدافع الاستهجان، واصلوا وقوفهم بدافع الفضول! وأن من كاد بابه يتحطم قبل لحظات، يكتفي، الآن، بالتحفز الصامت، أمام من كاد يحطمه! وأن الطابق كله استحال إلى ما يشبه متحف مدام توسو!
أخيراً، وبعد مضي زمن خلته دهراً، قرَّر صديقي القديم، في ما يبدو، أن يغيِّر من أسلوبه، فقد انطرحت أساريره، فجأة، وراح يخاطبني بهدوء، وبأدب جم، وبذات صوته العميق الأجش الخارج من تجويف فونوغراف:
ـ "نعم سيِّدي .. كيف أستطيع مساعدتك"؟!
صار الأمر غامضاً، لكنني تمالكت نفسي، وهتفت كمن يوقظ، من على البعد، نائماً:
ـ "مورغان .. روبرت ديفيد مورغان"!
هزَّ رأسه مستفسراً، فازداد الأمر غموضاً، فصحت بالروسيَّة:
ـ "قد يكون شكلي تغيَّر شيئاً .. لكن لا أظنُّ إلى الحدِّ الذي لا تستطيع معه التعرُّف على صديقك القديم كمال من السودان"!
رفع كتفيه، وقال ببرود، وهو يضع كلتا يديه في جيبي قميص بيجامته:
ـ "معذرة .. أنا لا أفهم  لغتك، فأرجو أن تكلمني بالانجليزيَّة"!
لم يكن ثمَّة مناص من أن أتمالك أعصابي، فأخذت نفساً عميقاً، وقلت له وأنا أتصنع الهدوء: 
ـ "ألست أنت روبرت ديفيد مورغان .. القاص من سيراليون"؟!
ـ "نعم أنا روبرت ديفيد مورغان، ومن سيراليون، لكنني لست قاصَّاً .. أنا شاعر"!
ـ "ألم يكن أبوك ضابطاً بالجيش والتحق، بعد التقاعد، إدارياً بشركة تجاريَّة في فريتاون"؟!
ـ "حتى وفاته .. نعم"!
ـ "أليست أمُّك معاونة في جمعيَّة نسائيَّة لنشر الوعي بمضار تناول الحوامل لطين وسو"؟!
أجاب، وهو يجعِّد جبينه، ويضيِّق ما بين حاجبيه، كمن يستغرب، فعلاً، معرفتي بكلٍّ تلك التفاصيل:
ـ "قبل وفاتها بفترة .. نعم"!
ـ "وإذن، ألا تذكر أنك كنت تؤلف قصصاً بديعة، تنسخها بخط جميل، وعناوين ملوَّنات، في دفتر بُنيَّ الغلاف"؟!
ـ "سيِّدي .. قلت لك أنا شاعر ولم أكتب قصَّة في حياتي"!
ـ "ألا تذكر مارغاي، والقلعة، والطباخة العجوز، والسائق الأهتم، والبستاني الريفي"؟!
بدأ يرنو إليَّ كالمتشكك في قواي العقليَّة:
ـ "عفواً، سيِّدي، لكنني، في الحقيقة، لا أفهم عمَّ تتحدَّث"!  
ـ "حسناً .. ألا تذكرني؟! لقد تصادقنا طوال دراستنا للقانون الدولي بجامعة كييف"؟!
ـ "كان ذلك سيشرفني حقاً، يا سيدي، لكن يؤسفني أن أقول إنك مخطئ تماماً، فأنا لم أزر هذه الكييف في حياتي، ولم أدرس لا القانون الدولي ولا القانون أصلاً. أنا إختصاصي في علم النفس، وقد درسته بجامعة لندن"!
............................
............................
أحسست برأسي يدور، وبحلقي يجفُّ، وبلساني يتخشَّب، وبالرؤية ترتجُّ في عيوني، وبالرعدة تسري في فرائصي، وبالعرق يتفصَّد من ظهري، وبالأرض تميد من تحتي، وبساقيَّ لا تقويان على حملي!
............................
............................
المفاجأة الأضخم كانت بانتظاري لدى عودتي من القاهرة! فقد هُرعت، فور وصولي، إلى الألبوم الذي يضمُّ بين سوليفانه مجموعة صورنا التذكاريَّة بكييف. لكنني، لدهشتي، وعلى قدر ما بحثت ودققت النظر، لم أقع، هذه المرَّة، للغرابة، ولو على مجرَّد شبيه بصديقي مورغان .. روبرت ديفيد مورغان .. القاص من سيراليون! 

(إنتهت)