عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

   

الإثنين

 

لأن "الحيَّ"، حتماً، "يلاقي"، كما في بعض الحكمة الشعبيَّة، ها هو دربي يلتقي، مجدَّداً، بدرب (الأخبار) في ميلادها الثالث، على يد صديقي محمد لطيف هذه المرَّة، بعد أكثر من أربعين سنة منذ افترقنا، وافترقت هي عن قرَّائها، بعد ميلاد ثان قصير لم يدُم، في الحقيقة، إلا بُرهة، أو بعض برهة، في أخريات ستينات القرن المنصرم، على يد صاحبها أستاذنا وصديقنا رحمي سليمان، عليه رحمة الله ورضوانه.

 

كنا ما نزال صبية حين وقع ميلادها الأول عام 1957م، في أعقاب الاستقلال. على أن ما تحدَّر إلينا من الذاكرة التوثيقيَّة لمسيرة التطوُّر المهني للصحافة السودانيَّة ظلَّ يحفظ سيرة (الأخبار) بكونها نهضت، أوان ذاك، كمدرسة صحفيَّة متميِّزة، على أكتاف ثلاثة من دهاقنة الصحفيين: رحمي نفسه، بالإضافة لإدريس حسن وشريف طمبل؛ لكنها استندت، بالمقابل، إلى أقلام ثلة مختارة من الكتاب المتعاونين البارعين، كصالح محمود اسماعيل (باب أصداء)، ومنير صالح (صفحة الأدب)، وعبد الحميد صالح (باب طبيب الأخبار)، وأسماء أخرى شديدة اللمعان، كالمجذوب وكرف والنور ابراهيم ومحمد محمد علي ومحجوب عمر باشري وصلاح احمد ابراهيم وعلي المك وأحمد باشري ومحمد عبد الحي والزين عباس عمارة وأبو آمنة حامد وغيرهم؛ وكان خطاط الصحيفة هو الحروفي الأشهر عثمان وقيع الله. وقد أكسب ذلك التنوُّع (الأخبار) صدقيَّة مهنيَّة يسعدني أن أرى محمد لطيف منتبهاً، الآن، لقيمتها، وساعياً، حثيثاً، لإعادة إنتاجها في هذا الميلاد الثالث.

 

في المستوى الشخصي عُرف رحمي دائماً كإنسان ودود يألف ويؤلف. كان، في زمانه، ظريفاً، لطيفاً، مرحاً، خفيف الظلِّ، وابن نكتة بامتياز. وكان، إلى ذلك، محباً للغناء، بل وجرَّب التأليف فيه، وإنْ بإقلال؛ كما قامت له صداقات مع بعض الفنانين كحسن عطيَّة ومحجوب عثمان. وكان، أيضاً، عاشقاً لكرة القدم، تولى سكرتاريَّة نادي (الفجر)، أحد أندية الدرجة الأولى بالخرطوم، وقتها، ومن لعيبته الكبار عصمت لاظ وعوض تكتك الذي لعب، في ما بعد، للاسماعيلي المصري.

 

أما في المستوى المهني فقد كان رحمي صحفياً شاملاً يكتب الخبر والتحليل والشعر والقصة والمقالة الاجتماعيَّة. وكان له خط جميل يستطيع صِّفيفو المطابع تمييزه، بسهولة، على أيام (حروف الرصاص)! وقد قامت له علائق وثيقة بمعظم السياسيين، الاتحاديين منهم بالأخص، وأشهرها الصداقة التي ربطت، وثيقاً، بينه وبين يحي الفضلي، علاوة على طيب علاقاته في الوسط الصحفي. وعندما أوقف نظام عبود صحيفة (الأيام) تفاوض بشير محمد سعيد مع رحمي، بمبادرة من منصور احمد الشيخ، لإبرام شراكة تصدر (الأخبار)، بموجبها، من (دار الأيام)، لكن ذلك المشروع لم يقدَّر له أن يرى النور. ولم يحُل حرص رحمي على صدقيَّة التنوِّع دون أن تلتزم صحيفته، بوجه عام، خطاً وطنياً انعكس على خطها التحريري، حيث اتخذت موقفاً مناهضاً للتيار المحافظ في السياسة السودانيَّة، ولحكومة عبد الله خليل بالأخص، ومعارضاً للمعونة الأمريكيَّة، ولبرنامج الرئيس أيزنهاور (النقطة الرابعة)، ومشايعاً لجناح محمد نور الدين في الحزب الوطني الاتحادي، ومتعاطفاً مع الخط الناصري، أوان ازدهاره، في النطاق العربي، كما شاكست نظام الفريق ابراهيم عبود (نوفمبر 1958 ـ أكتوبر 1964م).

 

رغم ذلك تعرَّضت (الأخبار)، في عقابيل ثورة أكتوبر، للإيقاف، بقرار من حكومة جبهة الهيئات، ضمن خمس صحف هي، بالإضافة إليها، (الصحافة) و(التلغراف) و(الناس) و(الصباح الجديد)! وربَّما كان ذلك بسبب تلقي كلٍّ منها مبلغ 600 جنيهاً كدعم من محمد عامر بشير فوراوي، وكيل وزارة الاستعلامات والعمل، أيام حكومة عبود، أو ربَّما، بالنسبة لـ (الأخبار) تحديداً، بسبب ملابسات دخول رجل الأعمال جابر أبو العز مساهماً فيها، وكانت حكومة أكتوبر تأخذ عليه تعاونه مع النظام السابق! وقد جاءت مساهمة جابر، التي وُثقت معاملتها بمكتب محمد احمد محجوب المحامي، بوساطة من شقيقه كمال، المحاضر وقتها، بجامعة الخرطوم، مِمَّا يسَّر لـ (الأخبار) أن تتزوَّد بماكينة زنكوغراف وعربة بولمان وبعض التحديثات الأخرى.  

 

ولأن إيقاف أيَّة صحيفة لفترة طويلة يخلق، في العادة، صعوبات جمَّة، ماليَّة بالأساس، أمام معاودة صدورها، حتى بعد رفع القيد عنها، فقد تعذر على رحمي استئناف إصدار (الأخبار) معظم سنوات الديموقراطيَّة الثانية. غير أن سمسرة في صفقة بيع سينما العرضة بأم درمان، عام 1968م، درَّت عليه 10.000 جنيه كانت، بمقاييس ذلك الزمان، ثروة كفيلة بتأمين حياته، في ما لو أراد أو سمع نصائح أصدقائه واستثمر المبلغ في شراء قطع أراضي أو أيِّ مشروع تجاري مضمون! لكن رحمي ضرب بتلك النصائح أجمعها عرض الحائط، إذ أن كلَّ ما كان يشغل تفكيره هو حلمه الوحيد بإعادة إصدار (الأخبار)، "فالغاوي ينقط بطاقيته" .. ولعلَّ هذا هو الدرس الوحيد غير المشمول ببرامج كليات الصحافة والإعلام، ولا يُتصوَّر أن يرد سؤال عنه ضمن امتحانات القيد الصحفي! 

 

كنت، وقتها، في نهايات فترة تدريبي بـ (السودان الجديد)، تحت رئاسة تحرير فضل بشير، عندما نقل إليَّ صديقي صدِّيق محيسي رغبة رحمي في الانتقال للعمل معه، وكان مستغرقاً، كأمِّ العروس تماماً، في إعداد عدَّة الميلاد الثاني لـ (الأخبار)، فوافقت. وفي أوَّل اجتماع، وكان قد عيَّن معي، أيضاً، الصديق فاروق حامد، اقترحت، في سبيل استعادة علاقة الصحيفة بقرائها، بعد طول انقطاع، أن نعمل على وصل علاقاتها بكوكبة كتابها المقروئين، وأن نمهِّد لذلك بحفل عشاء علاقاتٍ عامَّةٍ فاخر بفندق (الأمباسدور) الذي كان افتتحه كيشو، للتوِّ، بشارع الحريَّة، وكانت إعلاناته ما تنفكُّ تترى، في صحف تلك الأيام، بأن (الشيف) المشرف على مطعمه هو الطبَّاخ السابق للملك فاروق شخصياً، والمشهور ببراعته في إعداد (بيض الأوز في أحشاء الكراكي)!

 

تحمَّس رحمي وفاروق للفكرة، في الحال، وأوكلا إليَّ تنفيذها، دون أن يكون أيٌّ منا قد سمع، من قبل، بطبَّاخ الملك فاروق، أو رأى في حياته، دَعْ أن يكون قد تذوَّق، (بيض الأوز)، سواء في (أحشاء الكراكي) أو بغيرها!

 

مهما يكن من أمر، فقد قام الحفل بنجاح مبهر، وحضره عدد كبير من الكتاب والمتعاونين باركوا معاودة الصدور ووعدوا بالكتابة. لكن فاتورة كيشو التي بعث بها في اليوم التالي أصابت ثلاثتنا، وأوَّلنا رحمي، بـ (هاء السكت) كما في مجاز بشرى الفاضل، إذ قضمت، بعكس تقديراتنا، لقمة كبيرة من رأس المال المرصود! ويوم دعاني محمد لطيف، في أواخر يونيو الماضي، إلى حفل عشاء بيتي، حسبته، أوَّل الأمر، بمناسبة إعادة إصدار الصحيفة، وذلك بمنزله بضاحية كافوري، وتحت الإشراف المباشر لزوجته أختنا الأستاذة نجاة الزين، استعدت ذكرى تلك الفاتورة، فضحكت ملياً، وقلت لنفسي والله إن محمداً لأحكم من رحمي، و .. بلا (أحشاء كراكي) بلا لمَّة! غير أنه ما لبث أن كذب تقديراتي حين دعاني، مرَّة أخرى، بعد شهرين من ذلك، إلى حفل عشاء فاخر باذخ، وجامع مانع، بهيلتون بالخرطوم، على شرف الصدور الفعلي لـ (الأخبار) في ميلادها الثالث، فانتابني إحساس هائل بالإشفاق عليه من .. فاتورة كيشو! 

 

إمتصَّ رحمي، على أيَّة حال، تلك الصدمة الأولى، ومضى يقود (كتيبتنا) الصغيرة بتفاؤل باسل، حتى تحقق الميلاد الثاني للصحيفة الأنيقة. ورغم أن غربال الذاكرة لم يعُد يسعف الآن كثيراً في استحضار جُلِّ محتويات المادَّة الصحفيَّة التي اشتغلنا عليها وقت ذاك، إلا أنني ما زلت أذكر الحوار الذي أجريته، في العدد الأوَّل، مع حسن الترابي، الأمين العام لجبهة الميثاق الإسلامي، والحوار الآخر الذي أجراه فاروق حامد، في العدد الثاني، مع عبد الخالق محجوب، السكرتير العام للحزب الشيوعي، فقد شكل الحواران، بحق، ملمحاً عامَّاً لما كنا استبطنا، قصدياً، من نيَّة الدفع بالصحيفة على سكتها القديمة ذاتها .. صدقيَّة التنوُّع.

 

لكننا، للأسف، لم نستطع أن نصدِر، في ذلك الميلاد الثاني، غير ذينك العددين، فقد نضبت، بعدهما، الموارد، وانفض السامر، وعادت (الأخبار) للتوقف، وعدنا نتنقل، صحفيين حفاة جائلين، ما بين صحيفة هنا ووكالة أنباء هناك، إلى أن غادرت، في نهاية العام، للدراسة في الاتحاد السوفيتي. ثمَّ ما لبث أن وقع انقلاب مايو 1969م، ليقضي على الديموقراطيَّة الثانية، وليؤمِّم الصحف، وليستتبعها لحزب السلطة (الاتحاد الاشتراكي).

 

في (هجير) الأوضاع الجديدة لم يجد رحمي مناصاً من الالتحاق بصحيفة (الأيام) المؤمَّمة، نائباً لرئيس تحريرها. قابلته، بعد عودتي عام 1973م، فافتقدت فيه حماسه القديم للمهنة، والذي لطالما كان بريقه يشعُّ في عينيه، ونبرته تصلُّ في كلماته. ووجدته دائم (الهمس) بالشكوى لطوب الأرض، حتى لتكاد عيناه تدمعان، مِمَّا كان يعاني من اهانات، وسوء معاملة، وعدم تقدير! ولم تكد تنقضي غير بضعة أشهر، بعد ذلك، حتى غادر رحمي موقعه في صحيفة (الاتحاد الاشتراكي)، غير نادم ولا آسف!

 

الصحافة خليَّة النحل العاشق الشغوف الشيِّق. والاندغام فيها لا يكون عبر محض (شهادة القيد)، بل عبر (قيمة العشق) هذه في المقام الأوَّل. غير أن هذه (قيمة) من نار! والقابض عليها، في المناخات الخانقة، كالقابض على الجمر تماماً. ومن ثمَّ يقع التمايز الحق، حيث لا تهب (الشهادة) كرامة لخانع لقاء (ملاليم) يُلقى بها إليه من حالق آخر كلِّ شهر؛ بينما يبقى العاشق الحقيقي يقاوم الإذلال والابتذال وسوء المآل،  فإما انتصر لعشقه أو صُرع دونه، بصرف النظر عن كون (جنة الصحافة)، في منطق الطفيليَّة القامعة، هي لراكبي الدرَّاجات، لا للمشاة .. بتصحيف طفيف لأبيات مايكوفسكي الشهيرة في رثاء يسينين!

 

الرَّحمة والمغفرة لأستاذنا رحمي. والتمنيات، أطيبها، لأصدقائي في (أجراس الحريَّة)، صحفيين وفنيين، بقيادة مرتضى الغالي والحاج ورَّاق، فقد ظلوا يحملون (الرزنامة) في حدقات العيون، طوال عام كامل، ويمكنون لها من أن تبلغ، بأبهى الحُلل، إلى قرَّاء أعزاء ما انفكوا يتواصلون معها، عبر شتى وسائل الاتصال، فلأجلهم وحدهم ساغت الحُمَّى وطاب السَّهر! والشكر أجزله للصديقين محمد لطيف ومحمد عبد السيد، ولأهل (الأخبار) كافة، فقد أخجلوني بإحسان الوفادة، وعذوبة الاستقبال، وحرارة الترحاب، سائلاً المولى عزَّ وجلَّ أن يجعلني ذا فائدة لهم في ما يبذلون من جهد يزداد صدقيَّة كلما أثرى تنوُّعاً.

  

الثلاثاء

 

(حذفتها الرَّقابة من النسخة الورقيَّة لصحيفة "الأخبار" ـ العدد رقم/238 بتاريخ 1/6/2009م):

 

في رزنامة سابقة أخذنا على مني أركو أنه لم يُبد اهتماماً بمماطلة المؤتمر الوطني في تنفيذ (اتفاق أبوجا) إلا بعد أن بدأت الحكومة مفاوضاتها مع حركة العدل والمساواة، في إطار (المبادرة القطريَّة)؛ فانطلق، مغاضباً، إلى قوَّاته بأقاصي الغرب، يشترط لعودته تعهُّد الحكومة بتنفيذ ذلك الاتفاق وفق (جداول) محدَّدة بمواقيت معلومة، مِمَّا عددناه عصاة في عجلة (المبادرة القطريَّة) التي ما أفضى إليها سوى رفض بقيَّة الحركات لـ (اتفاق أبوجا)! وبالفعل لم يعُد الرَّجل إلا بعد أن أبرم معه نائب رئيس الجمهوريَّة (مصفوفة الفاشر)، فلكأن التزامات الحكومة تضحى مضمونة النفاذ بمجرَّد إبرام (المصفوفات)! وتساءلنا، في السياق، ومِن باب أن العاقل مَن اتعظ بغيره، عن مصير (المصفوفة) الأخرى، التي كانت أبرمت، قبل عام كامل من ذلك، كحلٍّ للأزمة التي نشبت، وقتها، حول تنفيذ (اتفاقيَّة نيفاشا)، بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبيَّة (أجراس الحريَّة، 12/1/09).

 

والآن، ها نحن نعود، مجدَّداً، ليس للتذكير، فحسب، بما سبق أن قلنا في ذلك الشأن، أو بإعلان اللجنة المشتركة بين المؤتمر الوطني وحركة مناوي، مطلع الشهر الماضي، فشلها في تنفيذ (الجداول) في مواقيتها، واضطرارها، من ثمَّ، لـ (إعادة) جدولة (مصفوفة الفاشر)، بعد كلِّ تلك الشهور الضائعة (الأخبار، 2/5/09)؛ وإنما للتشديد، أيضاً، على أن البنود التي أعيدت الجدولة لأجلها، كإدماج (أبوجا) في الدستور الانتقالي، وتعيين الدارفوريين (تقرأ: منسوبي حركة مني) في المناصب الدستوريَّة، والخدمة المدنية، لا يمكن تنفيذها، عملياً، إلا بعد الإعلان عن موت (المبادرة القطريَّة)، نهائياً، وعن توصُّل الحكومة مع حركة مناوي إلى معادلة تتجاوز بها الفصائل الأخرى، وتستغني عنها تماماً، فتصرف النظر، بالتالي، عن التفاوض معها، دون أن يؤدي ذلك إلى صبِّ المزيد من الزيت في حريق الإقليم، ومفاقمة تأزيم أوضاعه!

  

الأربعاء

 قبل أيام انتحر روه مو هيون، الرئيس السابق لكوريا الجنوبيَّة، الجمهوريَّة الديموقراطيَّة التعدُّديَّة في شرق آسيا، بأن ألقى بنفسه من قمَّة جبل قرب منزله، وذلك على خلفيَّة التحقيق في فضيحة فساد اتهم فيها، هو وزوجته، باستلام رشوى لا تزيد عن 6 مليون دولار فقط لا غير!

إعترف الرجل باستلام زوجته للمبلغ، غير أنه حلف (بالتقطعو) أنه لم يكن يعلم! المهم أنه اعترف واعتذر .. كمان! لكن، لمَّا لم يقبل شعبه (المفتري) اعتذاره، ألقى بنفسه من شاهق، فدقَّ عنقه، ولقي حتفه (وكالات، 23/5/09).

 

قبل ذلك بزهاء شهر ونصف، أصدر راتو جوزيفا أيلويلو، رئيس دويلة فيجي، أرخبيل الجزر القائمة في المحيط الهادي، والمحكومة بنظام شمولي، فرماناً ألغى، بموجبه، البرلمان، وعزل القضاة، وحرم البلاد من أيَّ انتخابات خلال الخمس سنوات القادمة، وذلك على خلفيَّة حكم كانت أصدرته محكمة الاستئناف، في اليوم السابق مباشرة، بعدم شرعيَّة النظام!

 

جوزيفا أيلولو يأتمر بتعليمات الجنرال فوريك باينيماراما الذي كان قد نصَّبه رئيساً إثر انقلاب قام به عام 2006م. وطالما أن شعب فيجي واقف يتفرَّج، صامتاً، ساكناً، مكتوف الأيدي إلى عنقه، فإن نوعيَّة أيلويلو وباينيماراما لا تنتحر، ولا، حتى، تحدِّثها نفسها بالانتحار! و .. حقاً كما تكونون يولى عليكم!

  

الخميس

 

من دراسة أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعيَّة والجنائيَّة بالقاهرة، أورد صديقي فيصل محمد صالح، في عموده (أفق بعيد)، بهذه الصحيفة، أن 63% من المصريين، من بينهم 11% من المثقفين والرياضيين والفنانين والسياسيين، يؤمنون بـ 274 خرافة تسيطر على عقولهم ووجدانهم، كالاعتقاد في تقمُّص الأرواح، وفي تحكم الجِّن في تصرفات البشر، وأن المقصَّ المفتوح جالب للنكد، ووضع المقصِّ تحت وسادة النائم يطرد الكوابيس، وتعليق حذاء طفل على جدران البيت يجلب السَّعادة، وضرب الكلاب والقطط ليلاً جالب للعفاريت، والحذاء القديم الملقى في الشارع يقي من الجنِّ الأحمر والأزرق، ورشَّ الماء وراء الجنازة يحول دون موت أحد، ونباح الكلب أمام البيت إشارة إلى قرب موت شخص، وما إلى ذلك (الأخبار، 10/4/09).

 

لو رصدنا مثل هذه الخرافات في بلادنا لكانت النسبة أكبر، بالنظر إلى عِظم منظومة تنوُّعنا الثقافي، الإسلامي والمسيحي والأرواحي وغيره. وما من شعب، على وجه الأرض، إلا وتخالط ثقافته مثل هذه الضروب من الخرافات، بالغاً ما بلغ ارتقاؤه على مدارج التطوُّر المادي والاقتصادي والعلمي، مِمَّا يشير بأكثر من إصبع إلى صحَّة القول بأن مؤسَّسات البنية الفوقية للمجتمع أبطأ في التغيُّر من مؤسَّساته التحتيَّة، وأن الناس في هذه الدنيا ما يزالون أسرى حاجتهم البدائيَّة البكرة للسِّحر، ولما لا حصر له من التصوُّرات والأخيلة الميتافيزيقيَّة تعينهم على التماسك شيئاً إزاء نزق الطبيعة وتفلتاتها، الأمر الذي تنهل الآداب والفنون من نبعه بكثافة.

 

عمود فيصل ذكرني بما كنا لمسنا حتى لدى السوفييت، خلال معايشتنا لهم على أيام الطلب. فالخارج من بيته سرعان ما يلغي مشواره، نهائياً، ويقفل عائداً إذا اعترض طريقه قط أسود! والفتاة البكر لا تجلس إلى المائدة قبالة أيٍّ من أركانها، فذلك يعدم فرصتها في الزواج! ووداع المسافر يتمِّ على مرحلتين: ففي الأولى يتبعونه، إلى الباب، بأحرِّ العبارات والعناق والدموع، ثم يعود الجميع، المسافر والمودِّعون، ليجلسوا، هنيهة، في صمت مطبق، قبل أن ينهض المسافر، في المرحلة الثانية، ليحمل حقيبته ويخرج، والمودعون خلفه، و .. أيضاً في صمت مطبق!

 

لكن كلَّ هذا كوم، وما سمعته بأذني من ليونيد بريجنيف شخصياً، عام 1970م، كوم آخر! جلست أمام التلفزيون أتابع خطابه في الجلسة الافتتاحيَّة للمؤتمر الرابع والعشرين للحزب الشيوعي السوفيتي. وفي إحدى الفقرات سدَّد نقداً عنيفاً لمديري المصانع الذين يتردَّدون في إدخال ثمار العلم والتكنولوجيا الحديثة ضمن عمليات الإنتاج، ونعتهم بأقذع العبارات المعتادة في لغة الخطاب الاقتصادي السياسي السوفيتي آنذاك. لكنه، فجأة، أطلق عبارة ذات وقع خاص، قال بالحرف الواحد: "إنهم يفرُّون من منجزات الثورة العلميَّة التكنولوجيَّة .. فرار الشيطان من البخور"!  

  

الجمعة

 

مصدر لم يُكشف عنه، بناءً، في الغالب، على رغبته، حسب التقاليد الصحفيَّة المرعيَّة، وإن كان (غرضه!) مِمَّا لا يفوت على فطنة القارئ، توقع ".. أن يُجري (التجمُّع الوطني الديموقراطي!)، برئاسة مولانا محمد عثمان الميرغني، تعديلات في بعض المناصب الوزاريَّة من (حصَّة التجمُّع!) التي حصل عليها بموجب اتفاقيَّة القاهرة الموقعة بينه والحكومة في 2005م"، بحيث "يتولى وزير ديوان الحكم الاتحادي، الفريق عبد الرحمن سعيد، منصب مستشار رئيس الجمهوريَّة، على أن يخلفه عضو المكتب السياسي للحزب الاتحادي حاتم السر، ويغادر وزير التربية والتعليم العام حامد محمد ابراهيم الوزارة، ويخلفه محمد طاهر جيلاني". وأضاف المصدر أن الميرغني "عقد اجتماعاً مطوَّلاً مع (المكتب التنفيذي!) أجرى خلاله (تقييماً كاملاً!) للأداء .. (في) 3 مستويات: (الممتاز والجيِّد والضعيف!) .. وأنه "أشار إلى أن (حصَّة التجمُّع!) جاءت عبر (صيغة سياسيَّة!)، وأن (اختيار!) الأشخاص جاء (فنياً!)، وأن هناك (من اهتمَّ) بالجانبين الفني والسياسي معاً"، وأن منصب المستشار ظلَّ فارغاً .. نتيجة (الجدل الكثير!) الذي لازم المنصب، وأنه (كان ينوي!) مطالبة الحكومة بترفيع المنصب إلى مساعد للرئيس" (أقواس التشديد وعلامات التعجُّب من عندنا ـ الأخبار، 24/5/09).

 

من المصادفات العجيبة أن الذكرى الأربعين لانقلاب 25 مايو 1969م حلت غداة هذا التصريح مباشرة! ولأن الذكرى تنفع المؤمنين، فقد شهد الحزب الشيوعي، في خواتيم ستينات القرن المنصرم ومطالع سبعيناته، انقساماً شديد الحِدَّة والعمق، على كلا المستويين الرأسي والأفقي، بإزاء التكتيك الانقلابي عموماً، من الناحية النظريَّة، وبإزاء انقلاب مايو تحديداً، من الناحية العمليَّة، حتى لقد أشكل على عامَّة الناس، بل وعلى الكثير من الخاصَّة، التحقق مِمَّا إذا كان الحزب مشاركاً أم غير مشارك في الحكومة الانقلابيَّة خلال الفترة 1969م ـ 1971م! وبالحقِّ، ورغم أن الخطاب الرسمي للحزب (جناح عبد الخالق) ظلَّ يتخذ موقفاً مغايراً، فإنه ما كان ميسوراً للغالبيَّة، مع ذلك، أن تميِّز بين سلطة الانقلابيين، من جهة، وبين الحزب الذي كان الناس يرون، بالعين المجرَّدة، رموزاً تاريخيَّة نافذة فيه تشيع أنه يقف وراء الحكومة الجديدة، بل وتتبوَّأ من تلك الحكومة أرفع مناصبها، في مجلس الوزراء، وأجهزة الأمن، ومكاتب الخدمة المدنيَّة، وإدارات الشركات المؤمَّمة، وما إلى ذلك!

 

الشاهد أن البلبلة التي حدثت، أوان ذاك، في الأذهان، وصعَّبت، وربَّما لا تزال تصعِّب، التفريق بين مايو الأولى والشيوعيين، لم تكن من فراغ، أو بلا أسباب موضوعيَّة وذاتيَّة متداخلة؛ غير أن الحزب، على العموم، ومهما يكن من أمر، قد تحمَّل تبعاتها كاملة، وسدَّد فواتيرها على دائر المليم، وبأبهظ الأثمان!

 لكن، لئن كان ذلك كله مفهوماً في سياقه التاريخي، فمن غير المفهوم، بتاتاً، البلبلة الحادثة الآن إزاء موقف الحزب ممَّا يُسمَّى بـ (حكومة الوحدة الوطنيَّة): أمشارك هو فيها أم لا؟! فإذا كانت الإجابة بنعم، فإن سؤالاً آخر في غاية البساطة ما يلبث أن ينطرح على الفور: من هم وزراؤه؟! من هم ممثلوه في مختلف مستويات الحكم الاتحادي أو الولائي؟! أما إذا كانت الإجابة بلا، فمن أين، إذن، جاءت هذه الفرية أصلاً؟! من الذي تولى وما زال يتولى كبرها؟! وما هي مصلحته في ذلك؟! وكيف للحزب الملدوغ، في السابق، من ذات الجُّحر، أن يبقى ملتزماً الصمت تجاهها، متحمِّلاً تبعات أدائها، بمثل هذه الأريحيَّة المجَّانيَّة، بينما البلاد مقدمة، خلال أقلِّ من عام واحد، على انتخابات رئاسيَّة ونيابيَّة ومحليَّة تنحسم فيها، ولو افتراضاً، مآلات السلطة السياسيَّة، وخلال أقلِّ من عامين على استفتاء ومشورة شعبيَّة يتقرَّر بموجبهما مصير وحدة البلاد ذاتها؟!  

تلك بعض أسئلة تثور، ولا بُدَّ، ليس في أذهان العامَّة وحدهم، بل وفي أذهان الكثير من الخاصَّة أيضاً، كلما ارتفع القول بأن (التجمُّع!) مشارك في (الحكومة!)؛ وذلك على خلفيَّة إسهام الحزب، بنشاط ملموس، في تكوين هذا (التجمُّع) المُعرَّف بالألف واللام، منذ ابتداء أمره، وبقائه جزءاً لا يتجزَّأ منه، طوال السنوات الماضية. ومن ثمَّ فإن المنطق البسيط الذي تتأسَّس عليه هذه الأسئلة هو أن القول بمشاركة (التجمُّع) في (الحكومة) إنما يعني القول، أيضاً، بمشاركة (الحزب) فيها ضربة لازب! فإذا كان ذلك كذلك، فإن (الحزب) يتحمَّل، بالقطع، ذات التبعة التي يتحملها كلُّ المشاركين الآخرين مع (المؤتمر الوطني)، على قدم المساواة، إلا مَن كان لديه تفسير مغاير، مقنع للجماهير، يؤسِّس به لخطابه الانتخابي! 

 

سوى أن الثابت الوحيد، في كلِّ الأحوال، والذي نقبل تصويبنا فيه إن كنا مخطئين، هو أن (التجمُّع)، شاملاً الحزب، ليس مشاركاً في (الحكومة) بأيَّة كيفيَّة، بل ولم يتخذ، على الإطلاق، أيَّ قرار بالمشاركة فيها! فالمعلوم من أسس عمل (التجمُّع) أن قراراته تتخذ بـ (الإجماع). وهذا (الإجماع) لم ينعقد بين مفرداته، في أيِّ وقت عقب (اتفاقيَّة القاهرة) المشار إليها في التصريح أعلاه، إلا على تمثيله، فقط، في (البرلمان الاتحادي الانتقالي) و(البرلمانات الولائيَّة الانتقاليَّة)، أي في (الأجهزة التشريعيَّة والرقابيَّة)، برغم ضآلة النسبة من المقاعد التي خصصتها له اتفاقية السلام الشامل والدستور الانتقالي! أما في ما عدا هذه (المشاركة البرلمانية)، وسواء كانت مجدية في نظر البعض، أم غير مجدية في نظر آخرين، فقد وقع (الخلاف) داخل (التجمُّع)، حول قضيَّة المشاركة في (الحكومة الاتحاديَّة) و(الحكومات الولائيَّة)، أي في (الأجهزة التنفيذيَّة). ولمَّا لم يتم التوصُّل إلى (إجماع) في هذا الشأن، فقد (اتفق) على ترك الخيار لكلٍّ طرف، حزباً كان أم تنظيماً أم شخصيَّة وطنيَّة، كي يقرِّر، منفرداً، لا باسم (التجمُّع)، موقفه الخاص من مشاركته هو، لا التجمُّع، في (الحكومة/الجهاز التنفيذي).

 

هكذا، وعلى حين التحق (التجمُّع) كله بـ (البرلمان الاتحادي) و(البرلمانات الولائيَّة)، اختار (بعض) أطرافه، كالحزب الاتحادي الديموقراطي، الالتحاق، علاوة على ذلكً، بـ (الحكومة الاتحاديَّة) و(الحكومات الولائيَّة)، بينما اختار (البعض الآخر)، كالحزب الشيوعي، النأي بنفسه عنها، مِمَّا اقتضى، وما زال يقتضي، أن يتحمَّل كلُّ طرف تبعات خياره، وأن يعذر الآخرين في ما اختاروا، إلا في ما تفرضه، بطبيعة الحال، ضرورات الصراع السياسي المبدئي .. الانتخابي بالأخص!

 

رغم وضوح ذلك الاتفاق، فإن بعض قادة الحزب الاتحادي الديموقراطي، كالأستاذين علي السيِّد وفتحي شيلا (سابقاً)، على سبيل المثال، درجوا، للأسف، ولسبب ما، على استخدام عبارة (ممثلي التجمُّع!) في وصف مَن التحقوا، مِنهم أو مِن سواهم، بالوزارة، الأمر الذي عددناه، في رزنامات سابقات، ضرباً من التدليس السياسي المفضوح، وطالبناهم بدحض حُجَّتنا إن استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وذكرناهم بأن الدقة والأمانة تقتضيان أن يُنسب الوزراء والولاة الملتحقون بـ (الحكومة) للأحزاب أو التنظيمات التي يمثلونها، أو لصفاتهم الشخصيَّة، اللهمَّ إلا إذا أضحى الحزب الاتحادي الديموقراطي يُدار باسم (التجمُّع)، وهذا، بالطبع، لا يكون .. لا يكون بالمرَّة!

 

ولعلَّ مِن أبسط حقوق مَن خاضوا في مياه (التجمُّع) الساخنة، خصوصاً خلال (سنوات الرصاص)، بالمصطلح المغاربي، ولم يجفلوا فرَقاً مِن أن يغمسوا أياديهم فيها حتى الأكتاف، بحكم انتمائهم المُعلن لمفرداته الأخرى، وفي مقدِّمتها الحزب الشيوعي، أن ينبِّهوا هذه الكيانات إلى ضرورة عدم الاستهانة بمثل هذا الترويج، وإلى أهميَّة التصدِّي الحاسم لدحضه في أوساط الجماهير، حيث أن من شأن كثرة تكراره أن ترسِّخه، مع الأيام، في الأذهان، كحقيقة ينبغي ألا تنتطح فيها، غداً، عنزان، فكلفة ذلك جدُّ مبهظة على المديين المتوسِّط والبعيد! اللهم قد بلغنا .. ألا فاشهد!

  

السبت

 

عندما كان فاروق حسني، وزير الثقافة المصري، راغباً في الاستمرار في منصبه، وصف الثقافة اليهوديَّة، أمام مجلس الشعب، بالعدوانيَّة والعنصريَّة والغموض!

 

وعندما رشَّح نفسه، الآن، لمنصب المدير العام لليونسكو، نشر مقالاً بصحيفة (لوموند) الفرنسيَّة (لعق) فيه كلامه السابق كله، واعتذر عنه قائلاً إنه لا يتسق مع (الثوابت) التي يؤمن بها!

 

رحم الله الثقافة العربيَّة، فإن له، سبحانه وتعالى، في (ثوابت) بعض وزرائها شئون!

  

الأحد

 

أورد ابن الأثير، في (الكامل)، أن عبد الملك بن مروان قال، يوماً، لسعيد بن المسيب:

 

ـ "يا أبا محمد، صرت أعمل الخير فلا أسَرُّ به، وأعمل الشرَّ فلا أساء به"!

 

فقال له سعيد:

 ـ "الآن تكامل فيك موت القلب"!