عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الإثنين

 

إنتقدنا، في رزنامة الأسبوع الماضي، بتاريخ فحوى ما أفادت به مصادر لـ (الأخبار) بتاريخ 24/5/09، حول اعتزام الميرغني إجراء تعديلات على ما أسماه (حصَّة التجمُّع!) في الحكومة، حيث تحدَّينا (تلك المصادر) أن تثبت، بأيِّ منطق تختاره، زعمها المتكرِّر بأن لـ (التجمُّع!) المعرَّف بالألف واللام، (ممثلين!) في الحكومة؛ كما دعونا مفردات التجمُّع الأخرى، خصوصاً الحزب الشيوعي، إلى عدم الاستهانة بهذا الترويج، فتكراره يرسِّخه في الأذهان، وكلفة ذلك مبهظة يوم ينجرد الحساب أمام الناخبين (الأخبار، 1/6/09)

 

لم تكد تنقضي سوى أيام ثلاثة، حتى طالعتنا هذه الصحيفة، مجدَّداً، بخبر لم يتكرَّم أحد بتكذيبه، ومفاده أن "الحسن (نجل الميرغني!) سيجري مباحثات مع والده بشأن التعديلات التي (سيجريها!) في الحكومة .. وأن عبد الرحمن سعيد، نائب رئيس التجمُّع، رفض قرار الميرغني بإجراء تعديلات في (حصَّة التجمع!) .. وأن لجنة أعدت تقريراً عن أداء (وزراء التجمُّع!) استلمه الميرغني مباشرة عقب إعداده .. وقال سعيد إنه في حال (إقرار التجمُّع للتعديلات!) فسيتمُّ ذلك عبر (تنوير!) للقوى السياسيَّة (المشاركة!) في الحكومة، ونفى اتجاه (التجمُّع) لتعديلات قبل انعقاد هيئة قيادته!" (الأخبار، 4/6/09). ولا تعليق!

 

وحده فاروق أبو عيسى، رئيس اللجنة السياسيَّة للتجمُّع، بادر بمهاتفتي، في ذات يوم نشر تلك الرزنامة، مؤازراً سداد ما نبَّهتُ إليه، وما كرَّرت قوله، للمرَّة الألف، من أن التجمُّع لم يصدر، على الإطلاق، قراراً بالمشاركة في الحكومة، ومعزِّزاً، إلى ذلك، صحَّة الواقعة التي كنت أوردتها، في رزنامة سبقت، بتاريخ 26/5/08، بصحيفة (أجراس الحريَّة)، وفحواها أن الميرغني كان قد طلب من فاروق وعبد الرحمن سعيد، رغم أنف قرار التجمَّع المذكور، تولي وزارتين عرضتهما (عليه!) الحكومة، فسارع سعيد إلى القبول، بينما رفض فاروق منبِّهاً إلى أن قرار (التجمُّع) لا يصحُّ تجاوزه!  

 

وبعد، ما زال مروجو (فرية) مشاركة التجمُّع في الحكومة يواصلون استنكافهم عن الردِّ على اتهامنا الجهير لهم بالتدليس السياسي، بينما يُفترض أن يسارعوا لدحضه لو كانت لديهم حُجَّة! لكن الآخرين، أيضاً، ما زالوا يواصلون ذات الاستعصام غير المبرَّر بالصمت المطبق، بينما الذي يُقال باسمهم، صباح مساء، لا يضاهيه سوى الذي يقال باسم المسيح!

  

الثلاثاء

 

توفي النميري، وهذا مقام يجدر فيه عدم الانشغال إلا بالاستغفار وطلب الرحمة. لكن معاونيه يسدُّون حتى هذه النوافج الأخلاقيَّة بإصرارهم على تحويل مأتمه إلى مناسبة للمكابرة والحجاج الغوغائي. قال قائلهم، مثلاً، إن المرحوم عبَّر لهم عن (سعادته!) بمظاهرات شعبان التي اندلعت ضدَّه في أخريات عهده (كذا!)؛ وسبب ذلك أن من بين المتظاهرين تلاميذ مدرسة الجزيرة أبا، معقل طائفة الأنصار، ما يعني أن مايو "حرَّرت الريف من الطاعة العمياء للطائفيَّة!" (الرأي العام، 31/5/09).

 

بمثل هذه (الكركبة)، في المستويين الوقائعي والمنطقي، حكم النميري السودان زهاء عقدين من الزمن! فالنميري لم يتسلط على بلادنا في القرن التاسع عشر حتى يقال لنا إن المظاهرات كانت (تسعده)! وشعبان لم تحدث في أواخر عهده، وإنما عام 1973م! ومظاهراتها لم تنطلق ضدَّ الطائفيَّة، بل ضدَّه هو، فمن فساد الحُجَّة، إذن، الاستدلال بها على "تحرير مايو للريف من الطائفيَّة"! ثمَّ إن مايو لم تقض على الطائفيَّة، بل أدخلتها، عام 1969م، في (ديب فريزر!)، خرجت منه، بكامل لياقتها، عام 1985م! والطائفيَّة، من قبل ومن بعد، جزء من حقائق الحياة في بلادنا، فلن تتغيَّر بالانقلابات العسكريَّة أو تنطعات الأنظمة الشموليَّة، وإنما بتطوُّر المسار الطبيعي للصراع الديموقراطي السلمي.

 

لقد آن للمايويين، بعد أن دالت دولتهم، وبات قائدهم في رحاب ربَّه، أن يحترموا عقول الناس، فينكبُّوا على (باطل) منطقهم يصلحونه بمنطق (الحق)؛ وصدق الإمام الشافعي حين قال لتلاميذه: "إذا قلت لكم ما لا تقبله عقولكم، فلا تقبلوه، فإن العقل مضطر لقبول (الحقِّ) وحده"!

  

الأربعاء

 

رغم أن الحكومة ما تنفكُّ تبذل الإغراءات للمستثمرين العرب بتمليكهم ملايين الأفدنة من أراضي الأهالي، بسعر التراب، فإن السعوديَّة والكويت والامارات وقطر وليبيا تتجه، الآن، للاستثمار الزراعي في أكرانيا وكازاخستان وباكستان وفيتنام وكمبوديا وتايلاند، وبلدان أخرى في أفريقيا وأمريكا الجنوبيَّة!

 

لكن، كلُّ هذا كوم، وما فعلته مصر الشقيقة، الأسبوع الماضي، كوم آخر؛ إذ أعلنت، برغم اتفاقيَّة (الحريَّات الأربع) مع السودان، اعتزامها توقيع اتفاق مع يوغندا لزراعة القمح .. هنااااااك (قناة الجزيرة، 4/6/09).

  

الخميس

 

أمريكا دولة إمبرياليَّة .. نعم! ولديها مصالح وأطماع تسعى لخدمتها في مختلف بلدان العالم الاسلامي .. نعم! وعلى حين راح المسلمون يتحلقون، نهار 4/6/09، حول أجهزة الراديو والتلفزيون، يستمعون، مشدوهين، لخطاب رئيسها يوجِّهه إليهم من على منصَّة القاعة الكبرى بجامعة القاهرة، كانت صواريخها تواصل القصف في ثلاثة بلدان إسلاميَّة: أفغانستان وباكستان والعراق. نعم .. كلُّ هذا صحيح. لكنه، للأسف، لا يمثل سوى بعض، وليس كلَّ المشهد المأساوي في هذه المنطقة الرازحة، بسوادها الأعظم، تحت نير الأنظمة (الوطنيَّة!) الاستبداديَّة!

 

للصورة الكليَّة، إذن، أجزاء أخرى لا بُد من استكمالها. فثمَّة، أيضاً، مشهد القمع المستشري من أقصى هذه البلدان إلى أقصاها؛ مشهد الطواغيت الجبابرة العتاة، "الأسود!" على الشعوب، "النعام" لدى الحروب، وعسكرهم الأشدَّاء المدرَّبين على التنكيل، لا يعصون ما يؤمرون، وزنازينهم المكتظة بـ (الخونة) و(العملاء) مِن معارضي هذه الأنظمة، أو حتى مَن تحدِّثهم أنفسهم بمعارضتها!

 

جزء آخر مهم من الصورة هو ما كانت أجهزة الإعلام المحليَّة والعالميَّة تنقله، ساعة بث الخطاب نفسه، من مشهد الانقسام الحاد في الساحة الفلسطينية، ومواجهات (الإخوة الأعداء) الموغلة في الدمويَّة، والتي بلغت حدَّ توجيه كتائب القسَّام منسوبيها لمعاملة خصومها الفتحاويين في الضفة الغربيَّة كقوات احتلال! وإلى ذلك، أيضاً، الاعتداء الوحشي الذي شنته، ذلك اليوم، أجهزة الأمن اليمنيَّة، كنموذج مصغَّر للحالة في المنطقة، على مدنيين عُزَّل سيَّروا مظاهرة سلميَّة تطالب بإطلاق سراح معتقلين سياسيين!

 

فإذا أضفنا هذا وغيره إلى القتال الضاري في المنطقة، عموماً، والذي تتجه بنادق المسلمين فيه، لا إلى صدور غزاة يريدون إخراجهم من ديارهم، بل إلى صدور بعضهم البعض، من وادي سوات إلى قلقيلية، ومن وزيرستان إلى دارفور، ومن بغداد إلى مقديشو؛ ووضعنا كلَّ ذلك على خلفيَّة ما تعاني المنطقة من تنازع الأنظمة ومكايداتها، وتفكك جبهاتها الداخليَّة بسبب عمق الهُوَّة التي تفصلها عن شعوبها، وعذابات هذه الشعوب المغلوبة على أمرها، المتروكة تصارع وحدها في قيعان الفقر، والانهيار الاقتصادي، والتجريف الاجتماعي، والتردِّي الصحِّي والتعليمي، وجحد الحريات العامَّة، والحقوق الأساسيَّة؛ فإننا نكون قد استكملنا، شيئاً، تركيب الصورة الحقيقيَّة، وحصدنا، إلى حدٍّ ما، المشهد الكلي الذي لا تكفُّ آلة الدعاية المستتبعة للنخب الحاكمة عن تبعيضه، قصداً، واختزاله، صباح مساء، في محض "التدخل الأجنبي"، فلكأن هذا التدخل غير المرغوب فيه هو "سبب"، وليس "نتيجة" لهذا المشهد المزري الذي ينبغي ألا يغيب، في كليَّاته، عند تقييم الخطاب، عن الأذهان، والذي يخلو من أيَّة نقطة مضيئة، اللهم إلا الاستقرار النسبي، حتى الآن، في تركيا، والانتخابات الرئاسيَّة المتحضِّرة في لبنان، وإطلاق سراح المعتقلين في موريتانيا، بعد اتفاق الحكومة والمعارضة على تأجيل الانتخابات، وتكوين حكومة قوميَّة ترتب لاستعادة الشرعيَّة الدستوريَّة عقب فترة انتقاليَّة محدَّدة.

 

ساذج، إذن، مَن يتوهَّم أن أوباما جاء ليقف في قلب هذا المشهد، دون إلمام بطبيعة جزئياته التي لا يُتصوَّر أن يُعجِزَ أجهزتَه المتخصِّصة تركيبُها. وساذج أكثر مَن يعتقد أن الرَّجل تكبَّد مشاق السفر إلى هنا ليخاطب الأنظمة التي تدرك أجهزته هذه أن ثمَّة أساليب أخرى لإحداث (التفاهمات!) معها، بما فيها حتى تلك التي (تقول!) في (العلن!) ما (تفعل!) معكوسه في (الخفاء!)، وتبدي (على!) المناضد (رفضها!) لما (تقبله!) من (تحتها!). كلُّ ما في الأمر أن إدارة أوباما تنحو الآن لاتباع استراتيجيَّة جديدة تتيح رعاية المصالح الأمريكيَّة في المنطقة، وفي نفس الوقت مواصلة ذات الحرب القديمة ضدَّ من (يستسهلون!) إثارة المصاعب في وجه هذه المصالح، من أوَّل بن لادن، وقاعدته، وطالبانه، إلى آخر متشدِّدي حركة الاسلام السياسي. لكنها تولي، في هذه الاستراتيجيَّة الجديدة، اهتماماً أكثر، لا بأمر الأنظمة التي أتقنت الإدارات السابقة تطويعها، إنْ بـ (العصا) أو بـ (الجزرة)، وإنما بأمر الشعوب التي قرَّ في وعيها الجمعي أن كلَّ مشاكلها نابعة من رأس أمريكا، فما تنفكُّ تزداد احتقاناً بالكراهيَّة لها، واستعداداً لمؤازرة التيارات التي درجت على استمالتها (مجَّاناً!) ضدها، وطاقة على تعبئة الشوارع، كلما نزلت نازلة أو حزب أمر، بالمظاهرات المعادية لها، والمواكب اللاعنة لسنسفيل جدودها، وفي مستوى أخطر بتفجير مقار سفاراتها ومراكز علاقاتها وتعاملاتها الأخرى، من نيروبي إلى دار السلام، بل وداخل مدنها الكبرى نفسها؛ وما يوم حليمة بسِر!

 

بعبارة أخرى، فإن رؤية إدارة أوباما الواضحة لسياسات الإدارات السابقة، وبالأخص إدارة بوش الإبن، إزاء هذه المنطقة، هي أنها أفرطت في الاعتماد على الأنظمة، فخسرت الشارع. وطالما أنها لم تعُد تخشى، لا من الأنظمة ولا عليها، فقد آن الأوان لاستمالة هذا الشارع، وجدانياً، في المديين القريب والمتوسِّط على الأقل، مقابل الاستمالة الوجدانيَّة التي أحرزتها، حتى الآن، تيارات التشدُّد، في ذات المستوى التبسيطي، وبذات الآليَّة الميسَّرة: توقير الإسلام وتبجيل الخطاب القرآني! هذي بتلك .. والبادئ أظلم!

 

وتراهن هذه الاستراتيجيَّة الجديدة على أنه، حالَ نجاح هذه الاستمالة، ومحو الغبن من صدور المسلمين، والمرارات من حلوقهم، فإن البساط سينسحب، تلقائياً، من تحت أقدام المتشدِّدين الذين سيكتشف الشارع بنفسه أنهم لا يملكون له، عدا الشعارت والديباجات الدينيَّة، برنامجاً لتغيير واقعه المزري، أو خطة لانتشاله من وهدة ما يعاني من آلام عريضة، فتبوخ في دواخله، تدريجياً، هذه الشعارات والديباجات، ولا يعود يصدِّق ما يُقال له من أن أمريكا تترصده بحرب صليبيَّة، بينما هو يرى ويسمع رئيسها نفسه يستشهد "بآيات القرآن"! ويحيِّي بتحيَّة المسلمين "السلام عليكم!"، ويتعهَّد بحماية حقِّ نسائهم، داخل أمريكا نفسها، في "أن يتحجبن"! ويصف الأزهر بأنه "حامل مشعل التنوير"! ويرى أن "لدى الإسلام تاريخاً من التسامح يدعو للفخر"! وأن "روح الإسلام هذه هي التي نحتاجها اليوم"! ورغم حديثه عن الديموقراطيَّة وحقوق الإنسان والعدالة والشفافيَّة وسيادة حكم القانون، فإنه يعلن، على الملأ، أنه "ليس من حق أمريكا أن تفرض ثقافتها على المسلمين"! ويصرِّح بأنه سينهض (بواجبه!) في "محاربة الصور السالبة عن الاسلام" في الغرب! وفي "تخصيص المزيد من الفرص للشباب المسلم، كتلك التي جاءت بوالدي حسين أوباما إلى أمريكا"! فضلاً عن مطالبته بإنهاء الانقسام السُّنِّي الشِّيعي، و"احترام التنوُّع الديني"، وإن قصَرَ ذلك، حصرياً، على "موارنة لبنان وأقباط مصر"!

 

لم يكن من الممكن، بطبيعة الحال، أن يغفل الرئيس الأمريكي القضيَّة المركزيَّة لدى العرب والمسلمين: قضيَّة فلسطين، فقد شكلت محوراً أساسياً في خطابه. لكنه، في هذا الإطار، حرص، الحرص كله، وبكلمات تكاد تكون محسوبة حرفاً حرفاً، على معادلة تخدم الاستراتيجيَّة الجديدة، دون أن يحيد، قيد أنملة عن إحدى أقدم وأهمِّ الثوابت في السياسة الأمريكيَّة: "حقِّ إسرائيل في الوجود"! وكان الأمر سيكون أكثر صعوبة وتعقيداً لو تصوَّرنا، نظرياً، رئيس أمريكا يلقي مثل هذا الخطاب، من مثل هذا الموقع، خلال مرحلة ما قبل كامب ديفيد، وأوسلو، و(خارطة الطريق)، وغيرها من وقائع (عمليَّة السلام) وتداعياتها الدراماتيكيَّة! لكن أوباما استطاع، بكاريزميَّته وقدراته الشخصيَّة غير المنكورة، على صُعدان اللغة والمنطق والخطابة كافة، مستعيناً بمجمل تلك الحادثات التي أسلست هضم هذه الأفكار الصمَّاء، أن يجعل الكلمة تنزلق بيسر إلى الآذان في القاعة المكتظة بزهاء الألفين وخمسمائة شخصيَّة، وفيهم طلاب مصر الذين لطالما خاضوا معارك مشهودة لنصرة فلسطين، ومن ثمَّ، عبر التلفزة والبث الإذاعي والتقارير الصحفيَّة، الورقيَّة والاسفيريَّة، إلى المليارات من المسلمين وغيرهم في شتى قارات العالم، مؤكداً على أن "علاقة أمريكا القويَّة بإسرائيل غير قابلة للانكسار"!   

 

بدا ذلك التأكيد كما لو كان رخصة حرص أوباما، ابتداءً، على استيفائها، حين نفذ، من تحتها مباشرة، إلى التشديد على أنه، "وكما لا يمكن إنكار حقِّ إسرائيل في الوجود، لا يمكن، أيضاً، إنكار حق فلسطين في الوجود"! ثمَّ مضى إلى استنكار "معاناة الفلسطينيين غير المقبولة"! وإلى شجب "إقامة المستوطنات التي لا تعتبرها أمريكا شرعيَّة"! وإلى ضرورة "تحمُّل الحكومة الإسرائيليَّة لمسئوليَّتها عن ضمان أمن الفلسطينيين"! وإلى تزكية (حلِّ الدولتين) باعتباره "مجدياً للإسرائيليين، وللفلسطينيين، ولأمريكا، وللعالم"! وإلى أهميَّة اعتبار القدس "عاصمة لأهل الديانات الثلاث: اليهوديَّة والمسيحيَّة والإسلام"! وبين هذا وذاك لم يصف الرئيس الأمريكي (حماس)، خلافاً لنهج سلفه بوش الإبن، بأنها "منظمة إرهابيَّة"، بل ولم يستخدم مصطلح (الإرهاب)، أصلاً، وإنما حرص على اختيار كلماته بعناية، حيث وصفها بأنها "جزء من الوجود الفلسطيني كحركة مقاومة لديها داعمون، لكنها تستخدم (العنف!)، وهذا غير مقبول"! وطالبها، من ثمَّ، "بالاعتراف بحق إسرائيل في الوجود"! وفي سياق مرتبط جدَّد تعهُّده بالانسحاب من العراق عام 2012م، ومن أفغانستان "إذا استقرَّت الأوضاع فيها ولم يعُد المتطرِّفون يهدِّدون أمن أمريكا"! كما ألمح إلى "حقِّ إيران في استخدام الطاقة النوويَّة للأغراض السلميَّة تحت المراقبة الدوليَّة"، مع التشديد على ضرورة امتناعها عن "التسلح النووي"!

 

ما أن غادر أوباما المنصَّة حتى انفجرت ردود فعل شديدة التباين داخل كتلة المسلمين أنفسهم؛ وهذا وحده يكفل لأوباما أن يزهو بنجاح خطابه الذي لم يستغرق زمنه أكثر من خمسين دقيقة! وقد تراوحت غالبيَّة المواقف بين الأحكام التقليديَّة، كبيان علماء المسلمين الذي (ندَّد) بالزيارة، أصلاً، وطالب أوباما "بالعودة من حيث أتى"! وفتوى هيئة علماء فلسطين بالخارج التي "تحرِّم التطبيع"! وبين الإطلاقات الصمديَّة، كقول علي خامنئي، مرشد الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة، في تعليقه الأوَّل، إن "أمريكا مكروهة في الشرق الأوسط"! وبين التفاؤل المجَّاني، كقول الرئاسة الفلسطينيَّة إن "الخطاب بداية لسياسة جديدة، ورسالة واضحة للإسرائيليين"! وإلى ذلك وصف الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي للخطاب بأنه "يدشن عهداً جديداً في العلاقات مع العالم الإسلامي"! 

 

فإذا استبعدنا جدوى هذه المواقف في تحليل الخطاب، يتبقى قول واصفي أوباما بأنه بدا "كلاعب سيرك يحاول المشي على أكثر من حبل"! لكن، على حين لم يخطئ هؤلاء تماماً، فإنهم لم يصيبوا تماماً أيضاً!

 

لم يخطئوا تماماً، من ناحية أولى، إن كان مؤدَّى هذا الحكم هو التعبير عن إحباط مَن كانوا ينتظرون خطة تفصيليَّة صارمة، وإجراءات عمليَّة واضحة، لتغيير السياسة الأمريكيَّة تجاه العالم الإسلامي، الأمر الذي افتقدوه في الخطاب، فاعتبروه محض (أقوال)! لكنهم لم ينتبهوا إلى أن هذه (الأقوال) نفسها مقصودة، في ذاتها، كآليَّة (عمليَّة) لتحقيق أهداف الاستراتيجيَّة الجديدة؛ وأن الخطاب نفسه يمثل، مع النقطة في آخر سطوره، ضربة البداية في التنفيذ (العملي!) لهذه الاستراتيجيَّة التي لا تذهب، بالضرورة، في اتجاه (مقاصدهم!) هم، وإنما، بالأساس، في اتجاه (المقاصد!) التي ترومها إدارة أوباما! من هؤلاء مرشد الجمهوريَّة الإسلاميَّة الذي انتقد الخطاب، في تعليقه الثاني، قائلاً: "التغيير ليس بالأقوال، وإنما بالأفعال"! وإسماعيل هنيَّة، رئيس حكومة حماس، الذي تحفظ عليه بقوله: "ننتظر مرحلة ما بعد الخطاب"! و(حماس) نفسها التي انتقدت الخطاب، في تعليقها الثاني، بكونه "يفتقر إلى السياسة العمليَّة"! وكذلك مفتي مصر الذي استدرك على وصفه للخطاب بأنه "بداية جديدة"، قائلاً: "ولكننا ننتظر الأفعال"!

 

ولم يصيبوا تماماً، من ناحية أخرى، إن كان مؤدَّى الحكم هو أن الخطاب جاء محض "دغدغة للعواطف!"، على حدِّ وصف (حماس) له، في تعليقها الأوَّل، رغم ترحيبها، في نفس التعليق، "بلهجة أوباما الهادئة"! ذلك أن "دغدغة العواطف" هي، بالفعل، "مشيٌ على أكثر من حبل"، بحكم طبيعة الخطاب وظروفه، ومن حيث انطلاقه، كما سبق أن قلنا، بهدف الاستمالة الوجدانيَّة البحتة للشارع المسلم نحو أمريكا، بذات الآليَّة التي ظلَّ يستخدمها التيار الاسلامي المتشدِّد في تجييش العداء ضدَّها. على أن ذلك لا يُفقد هذه (الدغدغة!) خاصِّيَّتها كهدف (عملي!) مباشر للخطاب!

 

أما إغفال أوباما لدارفور فلا نجدنا متفقين مع تقديرات د. مصطفى اسماعيل، مستشار الرئيس السوداني، التي ذهبت إلى أن سببه هو رغبة الرئيس الأمريكي في "أن يمنح الحوار بين البلدين فرصة دون تشويش" (الأخبار، 5/6/09). فدارفور، بالنسبة لاستراتيجيَّة أوباما، تقع، إلى حين إشعار آخر، في منطقة وسطى بين (اللين!) و(الشِّدَّة!)؛ وليس أدل على ذلك من وصفه لما يجري في الإقليم بـ (الإبادة الجماعيَّة!)، مع تأكيده على أن إدارته تعمل على إحياء عمليَّة السلام، وذلك خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع المستشارة إنجيلا ميركل، لدى زيارته لألمانيا مباشرة عقب زيارته للقاهرة، رغم أن اسماعيل حاول أن يرمى، في تصريحه، بـ (عظمة) كبيرة للإدارة الأمريكيَّة، قائلاً إن السودان، في حالة ما إذا حدث التغيير في علاقات البلدين، "سيخدم بشكل كبير توجُّه الإدارة الأمريكيَّة الجديدة في العالم الإسلامي" (المصدر). 

 

بين هذا كله، وذاك كله، يظلُّ حكم "المشي على الحبال"، في تقديري، هو الأقرب إلى ملامسة شئ من الموضوعيَّة في معظم ما وقفت عليه من أحكام في هذا الشأن!

  

الجمعة

 في رسالته إلى مؤتمر (ختان الإناث في الشريعة الإسلاميَّة) بأديس أبابا، منتصف أبريل الماضي، إستند الشيخ القرضاوي إلى دراسات خبراء متخصِّصين، لا يتبعون أهواءهم أو أهواء غيرهم، أثبتت أن ختان الإناث، أو خفضهنَّ، بالطريقة التي يجري بها الآن بغير مسوِّغ يوجبه، يضرُّ بهنَّ جسدياً ونفسياً، ويؤثر سلباً على مستقبل حياتهنَّ الزوجيَّة. ومن ثمَّ أفتي بأنه أمر غير مأذون به، بل محظور شرعاً، وداخل في تغيير خلق الله، فيجب إيقافه، سدَّاً للذريعة، ومنعاً للضرر والضرار. وأضاف أن العلماء السابقين لم يعطهم عصرهم من المعلومات والاحصاءات ما وفرها هذا العصر. وقطع قائلاً: "لو أن مَن قبلنا ظهر لهم ما ظهر لنا لغيَّروا رأيهم، فقد كانوا يدورون مع الحقِّ حيثما دار"  (الأخبار، 20/5/09).

أحكمت هذه الفتوى، نهائياً، في ما يبدو، حُجَّة المناهضين للختان، في مواجهة فتوى مجمع الفقه الإسلامي السوداني، الصادرة عام 2004م، والآمرة به شرعاً، فاتبعها مجلس الوزراء باستبعاده نصِّ المادة/13 من (مشروع قانون حماية الطفل لسنة 2009م)، والتي كانت، إلى ما قبل فتوى المجمع، تحظر ختان الإناث.

 

جمعيَّة اختصاصيي النساء والتوليد استندت، في بيانها الصادر بتاريخ 4/6/09، إلى هذه الفتوى، وقبلها إلى الحديث الشريف "استوصوا بالنساء خيراً"، وإلى فتاوى الإمام ابن حزم الظاهري، في صفحة 458 من الجزء 10 من كتابه (المُحلى)، لتؤكد موقفها من هذه الممارسة، قائلة إنها ظلت تتابع، بقلق شديد، محاولات إضفاء الطابع الطبي والديني على عمليات تشويه الأجهزة التناسليَّة، وتعتبرها اعتداءً على كرامة النساء.

 

والآن، وقد توفر ما يكفي وزيادة من الدلائل الطبيَّة والشرعيَّة لسداد حظر هذه الممارسة البغيضة، فإننا نرى أن الحكمة تقتضي أن يتوافق البرلمان، لدى مناقشته لمشروع القانون، على استعادة محمودة لنصِّ المادة/13 التي جرى استبعادها بفتوى المجمع الضعيفة. خطوة كهذه من شأنها إعادة الاتساق إلى وثائق الدولة في هذا المجال، وفي مقدِّمتها (الدستور الانتقالي لسنة 2005م)، وتحديداً المادة/32 منه، والتي تنصُّ على التزام الدولة بالقضاء على العادات والتقاليد الضَّارَّة بصحَّة وسلامة المرأة؛ و(السياسات القوميَّة لتمكين المرأة) الصادرة في 8/3/07 عن وزارة الرعاية الاجتماعيَّة، والمعتمدة من رئيس الجمهوريَّة، والمتضمِّنة لالتزام الدولة بالقضاء على ختان الإناث؛ و(تقرير السودان) المقدَّم، في 2007م، إلى الأمين العام للأمم المتحدة، بشأن قرارها رقم/51/2 حول الممارسات التقليديَّة الضَّارَّة بالطفلة، ضمن السياسات والبرامج والآليات الوطنيَّة للقضاء على ختان الإناث؛ و(الاستراتيجيَّة القوميَّة للقضاء على ختان الإناث)، المشمولة، في فبراير 2008م، بالسياسات القوميَّة المعتمدة من المجلس القومي للتخطيط الاستراتيجي.

  

السبت

 من طرائف الزهو السوفيتي، في زمانه، بالثورة الكوبيَّة، عبارة (الشيوعيَّة على شواطئ أمريكا) صكتها الذهنيَّة الشعبيَّة، باللغة الروسيَّة، لتنطق هكذا: (Communism U Beregu Americi)، بحيث يشكل حاصل جمع الأحرف الأولى، من كلماتها الأربع، إسم (كوبا)!

إستعادت الجزيرة الثوريَّة، أواسط الأسبوع الماضي، عضويتها المجمَّدة في منظمة الدول الأمريكيَّة، بفعل حصار الولايات المتحدة، طوال 47 عاماً! وبالطبع لم يكن من الممكن لحدث ضخم كهذا أن يقع، لولا عمليات التثوير المستمرَّة، على مدى نصف القرن، في بنية الحراك الاجتماعي في أمريكا اللاتينيَّة، وانعكاس ذلك، مؤخَّراً، في ظاهرة حصد التيارات المناضلة، في العديد من بلدانها، نتائج الانتخابات الديموقراطيَّة، واعتلائها، من ثمَّ، سدة الحكم فيها، الأمر الذي يعود الفضل فيه، ضمن عوامل أخرى كثيرة، لانتصار الثورة الكوبيَّة في الأول من يناير 1959م، ثمَّ قدرتها الأسطوريَّة على الصمود حتى الآن "على شواطئ أمريكا"!    

 

وكنت أوردت، في رزنامة 29/12/08، قراءة لجانب في غاية الطرافة من كرَّاسة غابرييل غارسيا ماركيز الناحلة (كوبا في زمن الحصار)، أستأذنكم لأستعيدها، بتصرُّف، في هذه المناسبة، حيث خط يراع الروائي العالمي هوامش عالية القيمة حول إحدى أهمِّ فترات الثورة في تلك القارَّة، بالتركيز، خصوصاً، على كوبا وفنزويلا.

 

زمن الكرَّاسة يشمل أجواء هافانا المضطربة إبان الانتصار الذي سرعان ما أعقبه حصار خانق لبلد كان يستورد من أمريكا نحو 30.000 سلعة، من فرش الأسنان إلى خدمات فنادق البللور ذوات الطوابق العشرين، فواجهه بصمود أسطوري تحت شعار كاسترو: (الوطن أو الموت!)، والذي ما لبث أن أصبح الراية العليا في كوبا الجديدة.

 

عايش ماركيز تلك الأوضاع بحكم عمله، وقتها، كمراسل لوكالة برنسا لاتينا في هافانا، واختزلها في محادثتين قصيرتين، أولاهما بينه وبين عامل مطعم جاءه ماركيز، ذات ليلة، يطلب ما يسدُّ جوعته، فلم يجد سوى فنجان قهوة وخبز بلا زبد، فتساءل عمَّا جرى للطعام، ليفاجئه العامل بقوله:

 

ـ "لا شئ .. سوى أن هذه البلاد قد ذهبت مع الشيطان"!

 

أما الأخرى فبين عاملة هاتف في نيويورك وبين رصيفتها في هافانا، حيث عبَّرت الأولى عن خوف الأمريكيين من عواقب التوتر بين أمريكا والاتحاد السوفيتي بسبب كوبا، فردَّت العاملة الكوبيَّة بمرح:

 

ـ "أما نحن هنا فمطمئنون، لأن القنبلة الذريَّة لا تسبِّب آلاماً في نهاية المطاف"!

 

سمع ماركيز بكاسترو، لأوَّل مرَّة، عام 1955م، أيام إقامته، مع لاتينيين وجزائريين، في شارع يغصُّ بالفنادق الرخيصة بباريس، يقتاتون الجبن الزنخ والقرنبيط المسلوق، انتظاراً لتذكرة عودة! وكان الشاعر نيكولاس غيين يعيش منفيَّاً، دون رجاء، في فندق سان ميشيل الكبير. ولم يكن أبلغ في التعبير، وقتها، عن حالة القارَّة بأسرها من الصورة التذكاريَّة لمؤتمر رؤساء الدول الأمريكيَّة الذي عقد ببنما في العام السابق، حيث كانت ملامحهم أجمعين غارقة في جلبة من البزَّات والميداليَّات العسكريَّة. وذات صباح فتح نيكولاس نافذته وصاح:

 

ـ "سقط الرَّجل"!

 

وهاج الشارع، فوراً، بالظنون. فقد حسب الأرجنتينيون (الرَّجل) خوان بيرون، وحسبه الباراغويون ألفريدو سترويسنير، وحسبه البيرويون إمانويل أودريا، وحسبه الكولومبيون غوستافو بينيلا، وحسبه النيكاراغويون أناستازيو سوموزا، وحسبه الفنزويليون ماركوس خيمينث، وحسبه الغواتيماليون كاستيو أرماس، وحسبه الدومينيكانيون رافائيل تروخيو، وحسبه الكوبيون فولخينسيو باتيستا. ولم ينتقص من مبرِّرات تلك الظنون، على أيَّة حال، كون الذي سقط، في الواقع، هو خوان بيرون!

 

لاحقاً، وأثناء تعليقات المنفيين والمهاجرين على الحدث، رسم نيكولاس صورة محزنة لكوبا، ختمها بقوله:

 

ـ "الأمل الوحيد الذي ألمحه .. شاب يتحرَّك بنشاط في المكسيك، إسمه .. فيدل كاسترو"!

 

بعد ثلاث سنوات، وماركيز في كراكاس، شقَّ اسم كاسترو طريقه بقوَّة إلى القارَّة بأسرها. مع ذلك كانت الفكرة السائدة هي أن الثورة الاشتراكيَّة بدأت مسيرتها، ليس في كوبا، بل في فنزويلا، حيث نجحت انتفاضة شعبيَّة، مطلع العام السابق، في تقويض جهاز قمع ماركوس خيمينث كله خلال أربع وعشرين ساعة فقط!

 

ربَّما لهذا حرص ماركيز على إجراء مضاهاة عميقة المغزى بين أسلوبي التخلص من اثنين من أكبر طواغيت أمريكا اللاتينيَّة وقتها: خيمينث في فنزويلا وباتيستا في كوبا. ففي الحالة الفنزويليَّة أصدر تحالف الأحزاب، بمساندة قطاع من الجيش، نداءً للأهالي بأن يجري، في الثانية عشرة من ظهر يوم 23 يناير 1958م، عصيان مدني بالتوقف عن العمل، والخروج إلى الشوارع، وإطلاق أبواق السيَّارات، لإسقاط الدكتاتوريَّة! ومع أن النداء بدا ساذجاً، للوهلة الأولى، فإن شوارع كركاس اكتظت، في الموعد المحدَّد، بحركة مرور هائلة، وضجيج أبواق خرافي، وحشود عمال وطلبة وكادحين تدفقوا من البيوت، والمصانع، والمكاتب، والمعاهد، وأكواخ الصفيح على التلال القريبة، ليواجهوا نظام خيمينث بمحض الهتاف والحجارة والمولوتوف! وما كادت تنقضي سوى بضع ساعات حتى كان النظام المرعب يتقوَّض إلى آخر مدماك، بينما الجنرال يبعث بأسرته، على ظهر دبَّابة، إلى إحدى السفارات، ويهرول إلى مطار كارلوتا القريب من قصر ميرافلوريس الرئاسي، تطارده أرتال من عربات التاكسي، ليلهوج عمليَّة هروب عجول إلى سانتو دومينغو على متن طائرة نسي معاونوه أن يجهِّزوا لها سلماً، فاضطروا لرفعه إليها بحبل، كطفل ضخم، مفزوع، يضع نظارة إطارها من قواقع السلاحف، ناسياً، أسفل الطائرة، حقيبة يدويَّة من الجلد الأسود كان حشر فيها، كيفما اتفق، عشرة مليون دولار، عدَّاً نقداً .. كمصروف جيب!

 

أما في الحالة الكوبيَّة فقد تفجَّرت، تحت قيادة كاسترو وجيفارا، بعد قرابة العامين من ذلك، انتفاضة سييرا مايسترا الفلاحيَّة، لتصفي من جزيرة السكر والتبغ الفاخر، ولتهزم، منذ ذلك الحين، قوَّات مسلحة كانت تمارس مهام جيش احتلال، ولتجبر باتيستا على إدارة ظهره لريفيين مستلبين كان جنَّدهم وقذف بهم إلى الشوارع، فرقاً تنتعل الأحذية الحديثة، وتفوح منها رائحة النمور، وتجوس دوريَّاتها بين ناطحات السحاب؛ لقد تركهم لمصيرهم، يواجهون الثوَّار من سانتياغو إلى هافانا، غير عالمين، بل غير مستطيعين حتى أن يصدِّقوا، أنه كان يلهوج، هو الآخر، في تلك اللحظة الفاصلة، عمليَّة هروب عجول بطائرة عسكريَّة، إلى .. سانتو دومينغو أيضاً!  

  

الأحد

 

قيل للحجَّاج بن أرطأة:

 

ـ "مالك لا تحضر صلاة الجمعة"؟!

 

فقال:

 

ـ "أخشى أن يزاحمني البقالون"!

  ***