(مساهمة في حفز صندوق لرعاية المبدعين)

   

الاثنين

 

في حوار معه قال المرحوم الرسام موسى قسم السيد كزام، الشهير بجحا: "أنا طبعا أهلي أنصار .. وأنا أنصاري، لكن ما جنس المتمسك لغاية ما أفقد، وبعدين برضو كمان بين الختمية والأنصار في تشادُد .. أرسم صورة السيد علي يقولو لي بترسم صورة السيد علي ليه؟! ترسم لينا نحنا كمان وكده وكده .. يا أخوانا الحكاية دي ما فيها حاجة .. صورة ورسمتها .. إنتو أخدو وديل ياخدو! إنتا أنصاري ولا ختمي؟! أقول ليهم والله لا أنصاري ولا ختمي .. ولا كدي ولا كدي .. أنا بس مع زولي المقابلني وخلاص! وفعلاً لي هسِّي أنا ما علي لا بي دا ولا بي دا .. حاجات كتيرة أنا مارق منها" (مجلة "كتبات سودانية"، ع/12، يونيو 2000م).

 لسبب ما تذكرت كلام جحا هذا، وأنا أهمُّ بأن أبعث إلى الرزنامة بهذه الاستعادة لذكرى نفر من مبدعينا، باغتتني طيوفهم، فجأة، خلال الأيام الماضية، مثلما باغتتني حكاية لي مع كل واحد منهم، وهم غير أولئك الذين شملتهم استضافة سابقة لي في الرزنامة. أما لماذا كلام جحا هذا بالذات، فلا أدري! ربما لرغبتي الملحَّة في التأكيد أولاً على أن ذكراهم الطيبة هي التي فرضت نفسها عليَّ، وربما كان للعقل الباطن دور كبير في ذلك، والله أعلم؛ وثانياً أن هؤلاء المبدعين هم نماذج من حالة عامة، فليسوا وحدهم من يستحقون الاهتمام، خاصة وأن من أمزجتنا الذميمة تحويل إعجابنا بهذا المبدع أو ذاك إلى (ولاء حصري) أشبه ما يكون بـ (الولاء) لهذه (الطائفة) أو تلك، فتجدنا نتباهى بـ (مطربنا) المفضل، و(شاعرنا) المفضل، و(رسامنا) المفضل، كما لو أن أدنى إعجاب بما قد يستحق الإعجاب لدى غيره يعتبر نوعاً من (الشرك) .. والعياذ بالله!

بين تاريخ نشر تلك الرزنامة وهذه نَشِط سلطان الموت وسط المبدعين، فما أبقى لنا إلا رهطاً قليلاً من آباء رموز، نأمل ألا يستسلموا، إلا بعد عمر طويل إن شاء الله، أمام سلطانه وسلطان حياتنا، كي لا تنطوي صفحاتهم معنا سراعاً على حزن مقيم؛ فالموت حق، لكنه هو الموت، يكسر كبرياء الفؤاد، ويلعج صفاء الروح بالكدر!

 

أما بعد، فلتجدنَّني من أشد الناس شكراً لصناجة حروف هذه المساحة، إذ من معانيه الوفيرة نتعلم، ونتماسك، ونتحسس أمكنتنا الشابة في دنيا الاستزاداة والنهل والكتابة، وبمواقف الرزنامة الصادقة الجريئة نقارب حِيَلنا الضعيفة في تضييق العبارة، فعسى يوما تتسع فيه الرؤية، لنلجم شطط عبارتنا بأيدينا، لا بقدْح الآخرين .. آمين.

  

الثلاثاء

 

ـ "لماذا لا تذهب إلى عمك (العملاق) لتحاوره لصفحتك، فلربما يهتم أولو الأمر بحالته"؟!

 

أسرَّ لي بذلك شاعر العيون عبد الله النجيب، وكان يأتي إلى الصحيفة أسبوعياً، يدلف إلى مكتب المنوعات حاملاً مسودة عموده (محطات فنية)، فيؤانسنا، ثم يغادر بعد أن يعبق غرف التحرير بقفشاته الأمدرمانية. رددت عليه بالموافقة، فأضاف، برقته المعهودة، ضرورة التركيز على عرض حال الواقع الصعب الذي يعيشه ذلك الشاعر والمسرحي الرائد، فربما أعدت المروءة المنتحبة مسؤولاً ما فيكلل مسعاي الصحفي بالنجاح!

 

ومضى شاعر (من بهاك) و(عيونك كانوا في عيوني) يستفيض في شرح حالة زميله وصديقه ومُساكِنه في الحي، أو (العملاق كما كان يكنيه، والتي لا تسر، وكيف أن الأيام قد جارت عليه، وفاقم من جورها إهمال الدولة وتجاهلها للمبدعين، خصوصاً الرواد.

 

ـ "عند العاشرة صباحاً يأتي إلى كافتيريا الإذاعة، ويطلب قطعة من الخبز وكوبا من الشاي الأحمر؛ ذاك هو إفطاره! يغمس قطعة الخبز في الكوب، وأحياناً يغير خطته فيقضم القطعة ثم يلحقها بجرعة الشاي، علَّ ذلك يلطف شيئاً من جفاف الخبز، كي يستسيغ مضغه فبلعه"!

 

ويميل النجيب برأسه إلى الوراء كمن يصد دمعة كادت تطفر، ويستطرد قائلاً:

 

ـ "صدق أو لا تصدق .. يأتي إلى الإذاعة ويرجع منها، كل مرة، بملابس رثة، و(شبط) مهترئ، وبالمواصلات العامة، وأحيانا يتكرم عليه أهل الخير بتوصيله إلى أقرب محطة، حيث يتجشم عناء انتظار مواصلات الثورة، تحت الشمس المحرقة، كي تقله إلى منزله في الحارة 18"!

 

ـ "خربانة أم بناية قش يا أستاذ"!

 

وهكذا قصدنا (العملاق)، ذات أصيل، بمنزله. إستقبلتنا إبنته (بَسَمات) باللبن (المقنن) المخدوم خصيصاً، في ما يبدو، للعناية بالصحافة الزائرة. تشقق الحوار معه، واستمر إلى ما بعد صلاة العشاء. حدثنا عن كيف مرَّ اليوبيل الذهبي لمشواره الفني، بينما أغلى ما لديه خاتم فضة، وتلفزيون لا تتلون مشاهده، بل وتستعصي على الضبط، بينما تعرض شاشته أعمالاً درامية كتب هو نصوصها، أو مثل فيها! وتتفاقم المرارة في لهاته حين يرنو، عبر نظارته سميكة العدسات، إلى مغنين ممتلئين صحة وعافية وأناقة يتناوبون في أداء أغنياتٍ ما كانت لتكون لولا أنه كتب كلماتها بدم قلبه!

 

ـ "أغنياتي تجاوزت الثلاثمائة، والمغنون يزدادون ثراءً من هذا العطاء، وأنا متروك ههنا لا أملك ما يسدُّ رمقي ورمق أسرتي؛ ناهيك عن المسرحيات التي كتبتها أو شاركت بالتمثيل فيها ويفوق عددها المئة"!

 

ويتحشرج صوته وهو يضيف قائلاً:

 ـ "حين بدأنا المسرح في نهاية الأربعينات كنا نذهب إلى الحلال والفرقان لنشر أفكار أرسطو .. الله يجازيهو! نعتمد في عروضنا على ضوء الرتاين، وخشبتنا أية تلة مرتفعة في القرية! هل تصدق أن قروياً صعد إلينا، مرة، وبيمناه سكين ذات نصل لامع، والشرر يتطاير من عينيه، ولولا لطف الله، وبعض المتفرجين، لغرس تلك السكين في صدر الأستاذ يس عبد القادر، لا لسبب سوى أن يس أجاد تمثيل دور رجل شرير في المسرحية! ياخي جيلكم ده محظوظ خالص، وياريت أولاد المعهد يؤرخوا للحاجات دي .. كجزء من التاريخ الاجتماعي للمسرح في السودان"!

حوى ذلك الحوار الصحفي العديد من المفارقات في حياة (العملاق) الوديع ذي الطبع الهادئ، والكثير من رؤاه حول واقع الإبداع في ظروف أهمل فيها الابداع، وحورب المبدعون.

 

لم يكد يمر سوى أسبوع واحد على نشر الحوار إلا وجاءني النجيب في المكتب يقول لاهثاً:

 

ـ "ياخي والله العظيم إنتا عملت حاجة مش معقولة أبداً"!

 

ـ "حاجة شنو يا أستاذ .. إن شالله خير؟

 

ـ "أرح بس لعمك العملاق .. على بالحلال منتظراك مفاجأة تمام"!

 

ظل، طوال الطريق، يقول لي:

 

ـ "ياخي دي بلد ما بتقدر مبدعينا .. ولو كان خورشيد العصامي ده وجد الوفاء الحقيقي فإن تمثالا في حوش الاذاعة أو التلفزيون أو المسرح لا يوازي ما قدمو لهذا البلد الملعون"!

 

إستقبلنا العملاق هاشاً، حيث شكرني على الحوار، وأطلعني على شهادة تقدير من رأس الدولة نفسه! ثم قال غامزاً بابتهاج:

 

ـ "وكمان معاها تلفزيون ملون وظرف فيهو مبلغ محترم .. وده كلو من فضلك يا أستاذ"!

 

ضحك النجيب، وقال لجاره:

 

ـ "أيه رأيك الحوار الجاي يكون مع صاحبك محيي الدين فارس، وإحتمال تجيهو ليلة القدر"!

 

رد العملاق وهو يقهقه:

 

ـ "ياخي ده بعثي وحيجيب خبر الأستاذ مع الناس ديل .. أحسن خليهو يشوف أصحابنا ناس يس عبد القادر، وأبو قبورة، والجد شعبان، وفايزة عمسيب .. وكده"!

 

وبينما استغرق الصديقان في ضحك صاخب، رحت أفكر: هل يحتاج كل مبدع في بلادنا إلى صحفي يكشف حاله للدولة .. كي تنتبه لواجبها حياله؟!

  

الأربعاء

 

على أيام الديمقراطية الثالثة كان المرحوم مصطفى سند يحرر الملف الثقافي بجريدة (الأسبوع). وحدث أن أجريت معه حواراً لصحيفة (الخرطوم). بعد نشر الحوار رجعت إليه حاملا نسخة من العدد، ووجدت معه رجلاً صامتاً ساهماً، فقال لي بأبوية:

 

ـ "سلم على عمك ....."!

 

وذكر اسمه، فأسقط في يدي، إذ ألفيتني بإزاء شاعر ضخم باذخ الصيت! حييته، فرد تحيتي باقتضاب، ثم سرعان ما عاد إلى صمته وسهومه! بدت لي في ملامحه بعض صرامة جعلتني أتردد في طلب حوار صحفي معه، فقلت لسند:

 

ـ "يا ريت يا استاذ تعمل لينا تزكية"! 

 

غير أن ضيفه رفض الفكرة تماماً، بل أغلق جميع أبواب (التحانيس)! ومرت الأيام. وإذا بنا نلتقي ثانية بعد انقلاب الثلاثين من يونيو، فأعدت عرض فكرة الحوار عليه، وكنت، آنذاك، أتعاون مع مكتب صحيفة (الشرق الأوسط) بالخرطوم، فوافق هذه المرة، وتحدث لي حديثاً ثراً عن تجربته الشعرية. وبعد نشر الحوار تصادقنا، فتوالت المواد الصحفية التي تكرم عليَّ بها، حتى بلغت أكثر من أربعة حوارات نشرت بصحف (الرياضية السعودية) و(الخرطوم) و(ظلال).

 

دأبت على زيارته بالمنزل الذي كان يستأجره بالثورة. كان يكثر السؤال عن صديقه الناقد الراحل سامي سالم، عليه رحمة الله. لبيت دعوته لي، ذات مرة، إلى زيارة ثقافية لمدينة ربك برفقة صديقه وصهره المرحوم مصطفى سند، والمرحوم المذيع أحمد سليمان ضو البيت، حيث أقيمت ليلة ثقافية كبرى أمها جمهور كبير في مقدمتهم محافظها موسى المك كور. وحين أعتلى المنصة قرأ قصيدته (فيتو)، وكانت أجواؤها متأثرة بحرب الخليج الأولى. لكنه سرعان ما انفعل أثناء القراءة، فقذف بالمايكرفون صائحاً:

 

ـ "ده ديكتاتور وكمان صناعة أميركية .. ومافيش داعي يتصنت على قصايدي يا مصطفى"!

 واستمر يقرأ بصوته الجهوري، فصفق له الجمهور طويلاً، بينما سند يضحك، في ركن قصي، مستمتعا بما سدر فيه صديقه وصهره!

جمعتني به، أيضاً، في تلك الفترة، رحلتان ثقافيتان، إلى مدينة عطبرة، بدعوة من (رابطة العنادل). الأولى كان يرأسها الاستاذ صديق مجتبى، وكانت تضم الأساتذة مصطفى سند، وبشرى الفاضل، وخليل عبد الله الحاج، وعلى يسن، وإسحق أحمد فضل الله، وصلاح فرج الله، وعمر الخضر، والريح عبد القادر، ومهدي محمد سعيد، والزبير سعيد، وآخرين. وفي نهاية ندوة ساخنة دلفنا إلى جوف الحافلة المخصصة لنا، لتقلنا إلى الدامر، حيث مقر سكننا. لا أذكر الآن كيف بدأ التراشق بالكلمات بين الشاعر الراحل وبين رئيس البعثة، لكننا انتبهنا، فجأة، إلى صوتيهما يعلوان، وشاعرنا يشن هجوماً ضارياً، بألفاظ جارحة، على رئيس البعثة! وما لبث أن خبط على جدار الحافلة، بقوة، آمرا السائق بالتوقف! ثم ترجل حاملا حقيبته (الدبلوماسية) الصغيرة التي لا تفارقه أبداً، واستدار نحو سند صائحاً:

 

ـ "أنا يا مصطفى راح أمشي أبيت مع صديقي حسن خليفة العطبراوي"!

   

وكنا نعلم بعمق الصداقة التي ربطت بينه وبين العطبراوي، رحمة الله عليه، منذ أن كتب له نشيده الرائع (لن أحيد)!

 

توتر طقس الوفد! لكن مصطفى كان له رأي آخر! فقد ظل يضحك من أعماقه لتلك (الدراما) التي يبدو أنه خبرها جيدا لدى صديقه منذ عودته من مصر! ولهذا كان سند متيقناً من أن (فارسنا) سيهدأ، على أية حال، في نهاية المطاف! وبالفعل، لما عجز المرافقون عن إثنائه عما اعتزم، نهض سند من مقعده ونزل إليه، حيث وقف يحادثه، طويلاً، في ذلك الظلام الدامس، حتى طيب خاطره، وعاد به للحافلة! وفي الصباح قام بمصالحته مع المجتبى، وكأن شيئاً لم يكن!

 وفي الرحلة الثانية، بقي القطار جامداً على قضبانه بمحطة السكة الحديد بالخرطوم، زهاء الخمس ساعات، والباعوض ينهش الأجساد، رغم أن الصافرة كانت قد انطلقت، والمسافرون انسربوا سراعاً إلى قمراتهم! فجأة إنسل شاعرنا، بادي القلق، من (القمرة) التي أرادها لوحده، وسأل:

ـ "فين مصطفى"؟!

 

فأشرنا إلى قمرة أخرى. لكن صوته سرعان ما علا، حتى خرج الناس من قمراتهم منزعجين:

 

ـ "يا مصطفى أنا سامع أصوات أخشاب بتتكسر في القطر ومش عارف أروح فين .. دي ياخي زي أصوات الجن"!

 

هدَّأنا من قلقه المعروف، ثم ما لبث القطار أن تحرك، فنام كطفل مرهق حتى إيقظته جلبة محطة عطبرة.

 في اليوم التالي تعثرت رجله اليمنى، فأصيب بجرح، ونزف دمه بلا توقف، فكان لا بد من نقله إلى الخرطوم بالطائرة. وبعد عودتنا وجدنا، للأسف، أن الطبيب قد اضطر لبتر رجله خوفا من مضاعفات السكري. لكن الجرح استشرى داخل الساق حتى اضطر الطبيب إلى بترها من فوق الركبة. ولسوء الحظ لم يمض سوى وقت قصير حتى اضطر، مجدداً، لإجراء نفس البتر في الساق الأخرى، فعلق شاعرنا قائلاً:

ـ "وبعدين .. سبتوا إيه للمقابر"؟!

 

كان مبدعاً مختلفاً في حياته وشعره. وكان مؤمناً بأيدلوجيا القومية العربية، وعالما بدقائق لغة الضاد وجمالياتها. وكان دائم القلق، ولعل ذلك بعض ما صاغ شاعريته الفذة. ظلمه النقاد كثيراً، ولم يولوا دواوينه الإهتمام المستحق. لكن فوزه بجائزة مؤسسة السلطان عويس الثقافية بدبي ردت له بعض وفاء عجزت بلادنا عنه، اللهم إلا المنزل الذي اشتراه له إبن منطقته المرحوم اللواء الزبير محمد صالح .. وما يستحقه يفوق ذلك بكثير!

  

الخميس

 

ثلاثية مصطفى سند ومحيي الدين فارس وعبدالله النجيب مكتنزة بالكثير من الذكريات. وكان سند واسطة عقد تلك الثلاثية، فهو صهر النجيب وفارس، علاوة على ما ربط بينهم من صداقة عميقة. ولعل صاحب (الكمنجات الضائعة) لعب، من خلف الكواليس، دورا كبيرا في النجاحات العملية والأدبية للشاعرين الكبيرين.

 

كان سند إنسانا شفيفا ومهذبا. لم أر شاعراً خجولاً مثله. كان قليل الإفصاح، وإذا تحدث فهو يضيف الكثير من المعارف. وبالإضافة إلى خرائده الفصيحة كتب، أيضاً، الأغنية العامية. وغني له محمد ميرغني (عشان خاطرنا)، كما غنى له صلاح مصطفى (غالي الحروف)، فضلاً عن أغان كثيرة يرددها مغنون مختلفون من كلماته. لكنه تنكر علناً، ذات يوم، لكل أغنياته العذبة تلك. وربما ذهب، في ذلك، مذهب فضل الله محمد الذي كتب أجمل أغنيات محمد الأمين، ومع ذلك آثر ألا ترتبط باسمه، وفيها خالدات مثل (الجريدة) و(زاد الشجون) وأخريات!

 

سألت سند، في حوار صحفي، عن سبب تنكره لأغنياته الجميلة، فقال:

 ـ "كانت تجربة محدودة جداً، ولم تثمر الكثير، وخشيت، كشاعر فصيح، أن أنسب إلى شعر الغناء فقط، وقد كاد ذلك يحدث فعلاً، وأنا أحب شعري الفصيح، وأجتهد كثيراً في أن أقدم عبره إضافات للقصيدة العربية الجديدة، وهو شعر ظهر في الدواوين العديدة التي أصدرتها، وما كان ذلك ليحدث لو أنه كان باللغة العامية رغم حيويتها وخطورتها في الإنتشار والتأثير المباشر الجاد. ثم إنني لا أرفض إطلاقاً أن يغني من يريد أياً من شعري الفصيح. ومجموعاتي الشعرية مليئة بقصائد العاطفة .. وبالغنائيات والوطنيات. لكنها مكتوبة بالفصحى عبر تناول فني معين. وبعد، أنا رجل أبو بنات أيضاً .. وأستحي كثيراً أن يشار إلى أغنياتي المكتوبة للغناء بمستوى مباشر وخاص وببعض العبارات العاطفية الشبابية"!

(بحره القديم) شكل قفزة في شعر الحداثة السوداني. وكان احتفاء الشاعر صلاح احمد ابراهيم بذلك الديوان، وتقديمه له، بمثابة القبول الكبير داخل الحقل الثقافي عموما، وحقل اليسار خصوصاً! وكان سند، إلى ذلك، صحفياً محترفاً. ولما عاد من الخليج واصل في كتابة المقال الثقافي الذي كان يدافع به عن رؤاه الحادة تجاه جيل ما بعد الحداثة!

 

سند هو إبن بوستة أمدرمان التي خرَّجت أبدع شعراء الغناء .. محمد يوسف موسى وعبد الله النجيب وإبراهيم الرشيد، بالإضافة إلى المغني صلاح مصطفى، والصحفي احمد البلال الطيب، والكثيرين من رموز العمل العام.

 

ذهب سند. ولكن بقي أثره كشاعر مجيد رفد شعر الحداثة في السودان بعطاء وافر من الدواوين العظيمة والشعر الجزل.

  

الجمعة

 

كثيرون لا يعرفون أنه مارس كرة القدم في أبيِّض السبعينات. وكان، أيضاً، مغنيا في صباه بمدينة الصبا تلك. وإلى ذلك كان يجيد السرد، والترجمة، وكتابة المقالة الصحفية، وإجراء الحوارات. وللراحل دين على عنقي لم أردًّه له بما هو أقيم، ولا حتى بقدره. فقد ساعدني كثيرا في تجويد الصياغة الصحفية. وكقاص سخَّر مبدعنا الراحل موهبته الكبيرة في التضامن مع المهمشين، وبالأخص (ستات العرقي) اللاتي كان، بصرف النظر عن الحكم الديني والأخلاقي على مهنتهن، شديد العطف على ظروفهن وأوضاعهن الإجتماعية، كما باح لي في تجلٍّ من تجليات ليله!

 

قال الاستاذ عيسى الحلو عن نصوصه إنها "عبارة عن أناس يصارعون العواصف والرعود والبروق. يصارعون، في المستوي المجازي، أقدارهم، تماماً كما كان هو نفسه يصارع أقداره .. أناس بسطاء، نازحون من الريف إلى العاصمة .. وفنانون من العاصمة ذاتها .. ولكنهم يعيشون على الهامش"!

 

قبل وفاته بأيام أرسل لصديقه د. حيدر إبراهيم يقول: "هذا الطيف اللعين (الجسد) استمرأ خيانتي بروعة فذة! هاهو القلب يعلو وجيبه .. ولي مقابلة مع أحد الاطباء (وهم، في ما أسميهم، المحجامين الجدد والحلاقين والكجرة والسحرة) .. ساقابله وسأستميت كيلا أموت هذا القرن أو الذي يليه"!

 

لكن مطلع الألفية دثر القاص النبيل، فنعاه أستاذنا ميرغني حسن علي قائلاً: "بحكم بساطته الفطرية، وتواضعه، وحيائه، لم يكن يجيد لعبة الظهور كنجم يشار إليه بالبنان، أو يصل إلى كاميرا التلفزيون. ولهذا ظل زهاء مغموراً، بعيداً عن الأضواء، يعاني ما يعاني من شظف المعاش، وشح ما يقيم الأود. آخر مرة رأيته فيها كان ضارباً على قدميه في أحد شوارع الخرطوم، وابنته اليافعة قابضة على ذراعه كغريق يتشبث بقشة، وكالعادة تبادلت معه أطرافاً من الحديث، ثم افترقنا كل إلى حال سبيله"!

 

ويشهد الروائي الحسن البكري بأن زاهي: "كان كاتبا فريداً. قابلته أول مرة في حضرة الراحل المقيم مصطفى سيد احمد. وفي الدوحة التي تغرق في النيون، اكتشفت أن زهاء كان يكتب على ضوء شمعة فقط"!

 

كان قاصا مجدداً لماحاً، نشرت له دار جامعة الخرطوم مجموعته (ليلى والجياد)، ومركز الدراسات السودانية مجموعته الأخرى (وجه جالا يتجلى)، وكتاباً آخر بعنوان (كتاب المراثي والشجن). منذ أن تعرفت عليه ظللنا نلتقي كل يوم تقريباً. وعندما يعضنا الجوع نذهب إلى (عنابة) الأستاذ ابراهيم العوام، فيطعمنا دون أن يتذمر من فقرنا المقيم! وقد خلده العوام، بعد رحيله، بمنتدى أسبوعي يحتفي بالوجوه الجديدة، والقضايا الثقافية والفنية الحية.

 

حين وصلت القاهرة وجدت وصاياه قد سبقتني. ولم تقصِّر الأستاذة سلمى الشيخ سلامة في رثائه بكتابتها الجميلة: "هو زهاء الطاهر، الله، حين رأيته أول مرة كان ذلك منذ أعوام سحيقة. كان ممتلئا بالحياة وينادى الجميع ليعبوا من كأس الحياة التى كان يعبها برفاهية متجلية فى كتاباته. الله يا زهاء. تركت لى الحزن ومضيت"!

 

لا أدري ماذا قدم إتحاد الكتاب لفتاتيه (جالا وإلزامايا) ولزوجته الصابرة. ولو كانت تكلفة (ملتقى الإعلاميين) الأخير قد ذهبت لأسر المبدعين لكان ذلك .. أجدى وأبقى!

  

السبت

 

حاول أن يغني ولكن لجنة النصوص لم تجز صوته آنذاك. فقرر ألا يبتعد عن حقل الغناء والموسيقى. وهكذا عكف على آلة الكمان يجوِّد استخراج (توناتها) البديعة، كما صديقه عبد الله عربي، حتى استقطبت ألحانه الأولى ذائقة المستمعين، فانفتحت أمامه أبواب الصيت على مصاريعها. ولكن زيدان إبراهيم هو أكثر المغنين الذين جعلوا حاسته اللحنية مواكبة بعد رحيل ثنائي النغم. ويقف لحنا (معذرة) و(أكون فرحان) كدلالة باذخة على رقته ومعرفته بنفسيات جيله والأجيال الأخرى.

 

بالإضافة إلى العندليب الأسمر، كان صانعاً، أيضاً، لنجومية حنان بلوبلو. وربما كان لتعاونه السابق مع منى الخير أكبر الفضل في نجاحه مع هذا الصوت الغنائي النسائي الذي اكتسب جماهيرية كاسحة إبان الثمانينات. وبرغم أن بعض النقاد قد هاجموا تلحينه لبعض أغنياتها، إلا أنهم، مثل الكثيرين غيرهم، لم يكونوا على إلمام بالظروف التي كان يعيش فيها ذلك الموسيقار الكبير، فقادته إلى الإقتراب من نجمة الثمانيات التي كان (عدادها) اليومي يستحلب لعاب ملحنين وعازفين، بل وبعض أقلام صحفية كرست شهرتها، وجعلتها تقول، يوماً، لوردي، ذات نفسه، أمام بوابة اتحاد الفنانين بأمدرمان:

 

ـ "وأنا برضو .. دي أول مرة أشوفك"!

 

ليت الفنان زيدان يبتدر الدعوة لتكريم أحمد زاهر، فقد كان أباه الروحي بحق. وليت واحدة من منظمات المرأة ترد له بعض فضله في عون المغنيات الخالدات، كالراحلة منى الخير، على شقِّ طريقهن، بمثل تلك الجسارة، في زمن كان فيه حتى غناء الرجال ضرباً من .. الصياعة والصعلكة!

  

الأحد

 

كان شديد التمرد، وقارئا نهما يجسد بيت المتنبي الشهير "أعز مكان في الدنا سرج سابح/ وخير جليس في الزمان كتاب"! ما كنت لتبصره إلا متأبطاً جيتاره الأثير ومخلاة فيها كتاب. أنشأ، مع صديقه صديق البلوم، فرقة (زيبرا)، وقدما أعمالاً تجريبية في مهرجان الفرق والجماعات الموسيقية في النصف الأول من التسعينات. لكنه رحل، للأسف، قبل أن يستكمل مشروعه الموسيقي.

 كان من أساطين (التنويت) رغم أنه لم يتأهل أكاديمياً. شغف بالكلاسيكيات الغربية، تذوقاً وعزفاً، لكنه كان دائم التنظير للحفاظ على الطابع (الخماسي) السوداني؛ فلا (سودانويته) كانت محض إنكفاء على الموروث، ولا (حداثته) كانت باباً لاستلاب إحساسه ببيئته الثقافية.

كان يدفع إلينا، للنشر، بمقالات جميلة الخط، أنيقة العبارة، عميقة التحليل الموسيقي. وكانت مصحوبة دائماً بجداول علمية يصعب تنفيذها على الصحيفة الورقية في زمن التصميم بـ (المقص) و(السلوتيب)!

 

كان، رحمه الله، جم التواضع. لا يُرى، قبل بدء المنتديات الثقافية التي كان يرتادها بانتظام، أو بعدها، إلا محاطاً بأصدقاء كثر، أغلبهم من العباسية حيث ترعرع، بينما ابتسامته العذبة وضحكته المجلجلة تؤسسان المكان والزمان!

 لا زلت أفتقد صديقي أحمد تاور الذي ودع الحياة باكراً. ليته الآن يقرأني، ويُسمعني معالجاته المتفردة لأعمال زنقار وكرومة. وليت أخاه الفنان محمود ينبش أرشيفه، ليعيد نشر مقالاته الرائعة تلك في كتاب .. فمَن غير (الأهل) يفعل ذلك؟!