عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

   

الإثنين

 

أسعدني أن مطلبُ (العدالة الانتقاليَّة)، كآليَّة للسلام في دارفور، كما في كلِّ أنحاء الوطن المكلوم، قد كسِبَ، مؤخَّراً، قلم الصديق الكاتب ذائع الصيت مصطفى عبد العزيز البطل الذي دعا، في بابه الأسبوعي المقروء (غرباً باتجاه الشرق)، لاعتماد ".. طريق (الحقيقة والإنصاف والمصالحة) كما استقر أمرها في حقل العلوم السياسية الحديثة مفهوماً نظرياً، وآليات قضائيَّة وتشريعيَّة وتنفيذيَّة، تكفُّ المظالم، وتردُّ الحقوق، وتضمِّد الجراح .. عسى يكون لنا فيه مخرج من الأزمة .. تأسياً بالتجارب الباهرة لبلدان العالم المحترمة التي تحررت من أسر مواض بغيضة". واقترح البطل أن تدشِّن الدولة انطلاقها السلس على هذا الطريق "بالاعتذار .. عن أخطاء الماضي وخطاياه"، ضارباً المثل، في ما يتصل بـ (العدالة الانتقاليَّة)، بتجارب بلدان عانت مِمَّا نعاني، كجنوب أفريقيا والمغرب والأرجنتين وشيلي وغواتيمالا وغيرها، وفي ما يتصل بممارسة (الاعتذار العلني) بتجربتي أمريكا وأستراليا، مذكراً، بالنسبة لأمريكا، بقرار مجلس الشيوخ، خلال الأيام الماضية، بالاعتذار للأمريكيين الأفارقة عن ظلامات الماضي، وتحديداً عن العبوديَّة وقانون جيم كرو الذي رسَّخ التمييز العنصري في البلاد حتى ستينات القرن الماضي؛ ومذكراً أيضاً، بالنسبة لأستراليا، بالبيان الرسمي الذي كان ألقاه رئيس وزرائها، العام الماضي، من داخل البرلمان، معلناً فيه اعتذار الدولة لذريَّة السكان الأصليين الذين يُعرَفون، اصطلاحاً، بـ (الأجيال المسروقة)، ولسكان جزر توروز ستريت الذين انتزعوا بالقوة من عوائلهم ومجتمعاتهم وأراضيهم قبل قرون، وإجمالاً عن كلَّ الأحزان والمآسي التي تسببت فيها الدولة في مراحل تأسيسها. واعتبر الكاتب ".. أن مبدأ (الاعتذار)، مقروناً بمبادئ (الحقيقة والإنصاف)، يجد جذوراً راسخة في عقيدة الإسلام، قبل أن يجد دعامته في ثقافات الشعوب الراشدة في عالم اليوم. فالتوبة النصوح وردُّ المظالم هي من الشرائط الأساسيَّة التي .. جعلها (الإسلام) مناطاً لرجاء عفو الله سبحانه وتعالى" (الأحداث، 24/6/09).

 من محاسن الصدف أن كلمة البطل توافقت، زماناً، مع الزيارة الأخيرة لوفد لجنة الاتحاد الأفريقي، برئاسة ثابومبيكي، إلى البلاد، بحثاً عن مخرج للسودان من أزمته الراهنة. ولقد حرصت اللجنة على الجلوس إلى جميع الأطراف، حكومة ومعارضة وخبراء ومختصين وكتاب وناشطين مدنيين ونازحين في المعسكرات. وليت البطل يبعث بكلمته المرموقة هذه، بأعجل ما تيسَّر، عن طريق مفوضيَّة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا، إلى اللجنة، فهي، في ما قد علمت، معنيَّة بالوقوف على كلِّ الرؤى والمقترحات ووجهات النظر، تمهيداً لإعداد تقريرها النهائي.

همسة أخيرة مخلصة أبثها، بهذه المناسبة، في أذن صديقي العزيز: ليتك، أيضاً، تصرف رغبة النفس الأمَّارة بالسُّوء عن مشاكسة كتاب محترمين أعلم مبلغ تقديرك لهم وتقديرهم لك، كالصديقين العزيزين فتحي الضَّو وعبد الله حمدنالله، ولا أنهاك، بالطبع، عمَّن أراد بك الشرَّ المستطير، وقطعاً ليس هذان من أولئك، فتوفر جُلَّ جهد قلمك المثابر لقضايا الوطن الكبيرة .. "ولا تحفل بأشياء أخرى"، تصحيفاً لبيت التيجاني الشهير في إمحاضه النصيحة النصوح لمصر!

  

الثلاثاء

 

ضمن كلمته في الاحتفال بتحديث نيابات قطاع أم درمان عدَّ الأستاذ عبد الباسط سبدرات، وزير العدل النائب العام، (تقليص) درجات الاستئناف داخل الديوان من بين (الاصلاحات) التي قنَّنتها وزارته مؤخراً (تقرير خالد فتحي ـ الأحداث، 15/6/09).

 

واضح أن السيِّد الوزير إنما يعني بـ (الإصلاح)، هنا، (اللائحة) الداخليَّة التي (قلصت)، إلى ما دون مرحلة (وكيل الديوان)، المراحل الاستئنافيَّة التي أباح (قانون الاجراءات الجنائيَّة لسنة 1991م) للمتهم (حقَّ) طرقها تباعاً، على مدارج هرم الوزارة، حتى يصل بها إلى هذه المرحلة التي جرى (تقليصها)، أي مرحلة (وكيل الديوان)!

 

ويبدو أن سيادته يرى أن ذلك يندرج ضمن (سلطته) في إصدار (لائحة تنظيم عمل وكالات النيابة الجنائية) التي لا جدال في كون (القانون) المذكور يمثل، بوجه عام، مرجعيَّتها. غير أننا نأسف إذ نضطر للإختلاف مع الأخ سبدرات حول (المدى) الذي يجوز أن تبلغه ممارسته لـ (سلطته) هذه، وذلك على النحو الآتي:

 

(1) المشرِّع منح المتهم، بنصِّ المادة/21/2 من (القانون) المذكور، حق استئناف قرار (وكيل النيابة) بتوجيه (التهمة) إليه.

 

(2) مصطلح (وكيل النيابة) لا يعني، فقط، (الوكلاء) في أدنى درجات السلم الوظيفي بالديوان، وإنما يشمل، أيضاً، وبنصِّ المادة/17/2، "كلاً من وكيل الديوان، والمدَّعِي العام، ورئيس النيابة العامَّة بالولاية، بحكم مناصبهم".

 

(3) المشرِّع منح الوزير، بنص المادة/18/2، (سلطة) إصدار (لائحة) لـ (تنظيم عمل) هذه النيابات. لكنَّ هذه (السلطة) محدودة، فحسب، بـ (تنظيم) الهيكلة، والدرجات، والتراتبيَّة الهرميَّة، وما إلى ذلك.

 

(4) ومن ثمَّ لا يجوز لـ (سلطة) الوزير أن تتعدَّى هذا الحدَّ، إلى ما يمكن تفسيره أو تأويله كقيد أو تعديل على (الحقِّ القانوني) الممنوح للمتهم بموجب المادة/21/2، وإلا اعتبر ذلك مصادرة من الوزير، بمحض (لائحة)، لإرادة المشرِّع نفسه الذي نصَّ على هذا (الحقِّ) بموجب (قانون)!

 

(5) لكن (لائحة) الوزير فعلت ذلك، للأسف، إذ ألزمت المتهم بالوقوف باستئنافه، ضدَّ قرار توجيه التهمة إليه، عند حدِّ (المدَّعِي العام) فقط، وحرمته من حقه (القانوني) في الوصول إلى (وكيل الديوان)!

 

(6) مع ذلك اعتبر السيِّد الوزير عمله هذا بمثابة (إصلاح) يجدر (الاحتفال) به .. وهنا وجه الاختلاف!

  

الأربعاء

 

مرحَى .. مرحَى! فثمَّة من عمل الحكومة، في ما نقلت صحف الأسبوع الماضي التي عكفتُ على مراجعتها مساء اليوم، ما يستحقُّ الإشادة! لقد أبادت إدارة الجمارك بمطار الخرطوم مفكرات تحتوي على خريطة للسودان حُذف منها مثلث حلايب (والبلاد معروفات حدودا!)، حذوك النعل بالنعل مع مأكولات تالفة، وأوراق تستخدم في تزوير العملة، وأدوية غير مسجلة بإدارة الصيدلة والسموم، وأقمشة وأجهزة كهربائيَّة ومعدَّات طبيَّة غير مطابقة للمواصفات، وأشياء أخرى "ضارَّة!" (أجراس الحريَّة، 17/6/09).

 

برافو ، إذن، إدارة الجمارك! فمواصفات (السيادة الوطنيَّة) ينبغي، بالفعل، ألا تقلَّ (جودة) عن مواصفات (الأقمشة) و(الأدوية) و(المأكولات) و(الأجهزة الكهربائيَّة)! وما قامت به هذه الإدارة هو (أضعف الإيمان) الذي لا يمكن لعاقل أن يطالبها بـ (أكثر) منه؛ (الأكثر) منه هذا يُنتظر أن تقوم به (جهات) أخرى! لكن يتبقى أن تكمل هذه الإدارة جميلها، فتطمئننا على أنها لم تكتف بـ (الإبادة)، فحسب، وإنما اتخذت، أيضاً، الإجراءات القانونيَّة ضدَّ هؤلاء الأراذل من المهرِّبين، وربَّما غاسلي الأموال، الذين، ما أن يجدوا الفرصة سانحة، حتى يغرقوا شوارع المدينة بكلِّ (هَتَش) يمكن، أو لا يمكن، تصوُّره، بما في ذلك .. (الخرائط المضروبة)!

    

الخميس

 

هيَّأ لنا اتحاد الكتاب السودانيين أن نلتقي بقاعة الشارقة، مساء اليوم، لفيفاً من الروائيين والنقاد والكتاب والدبلوماسيين، في حضرة صديقنا جمال محمد ابراهيم، السفير الرسمي والشعبي، والشاعر والروائي والكاتب السياسي والعضو النشط بالاتحاد، بمناسبة تدشين الطبعتين الأوليين من عمليه الأخيرين: (دفاتر كمبالا) و(الدبلوماسيَّة الكولونياليَّة)، الصادرتين معاً عن دار نلسن بالسويد وبيروت 2009م.

 

بين الدبلوماسيَّة والكتابة الأدبيَّة، في السودان كما في غيره، وشيجة مشهودة قد يعزوها البعض لإفلات الدبلوماسيِّة، مثل بعض الحرف الأخرى، من ضيق أفق التخصُّص الدقيق، مِمَّا يرتب لموسوعيَّة المعرفة، وقد يعزوها بعض آخر إلى كثرة الأسفار في بلاد الله، مِمَّا يورث وسع الرؤية، وطلاقة الخيال، وقد يحيلها آخرون إلى متانة النسب بين كليهما بجامع الاشتغال على وثاقة الفكر، وبهاء الحُجَّة، ورصانة الخطاب، ودقة العبارة، ونمنمة اللفظ، وما إلى ذلك.

 

أيَّا ما كان الأمر فإن صديقنا جمال تقفى أثر أستاذه، الذي هو سميُّه، وأستاذنا أجمعين، المفكر الكبير، والأديب الفذ، وأوَّل رئيس لاتحاد الكتاب في ميلاده الأوَّل، السفير، ووزير الدولة الأسبق بالخارجيَّة، طيِّب الذكر جمال محمد احمد؛ منضافاً إلى الكوكبة الذهبيَّة مِمَّن أجادوا الحرفتين معاً، وفيهم، على سبيل المثال، يوسف التني، ومحمد عثمان يسن، والمحجوب، وزروق، وعلي أبو سن، وصلاح احمد محمد صالح، ومنصور خالد، وفرانسيس دينق، وصلاح احمد ابراهيم، والحردلو، ومحمد المكي، وعمر عبد الماجد، وعلي حمد، وعبد الهادي صديق، وكامل الطيِّب، وقائمة تطول، كما النيل، من مبدعين كثر، عذبي الموارد، شائقي المناخات، اتفقت أم اختلفت مع اتجاهاتهم الفكريَّة، أو مذاهبهم الجماليَّة.

 

أمتعتني، من قبل، مجموعة جمال الشعريَّة (إمرأة البحر أنتِ)، وكذلك روايته (نقطة التلاشي)، لكنني، للأسف، لم أكن، حين دعاني هو والاتحاد، لحضور حفل تدشين العملين الأخيرين، قد اطلعت على أيٍّ منهما، بل ولم أرهما، وإن كنت سمعت عنهما، إلا عندما أهداني جمال نسختين منهما، في ذات الأمسية، فحرصت أن أخصِّص زمناً ماهلاً لمطالعتهما، سيَّما وقد استحلب ريق شهيَّتي التعارُض النقدي الخلاب الذي أقامه، في مداخل (دفاتر كمبالا)، الناقدان المجتهدان عز الدين ميرغني ونادر السماني.

 

لذا، عندما فاجأني صديقي ود المكي، مدير الجلسة، طالباً مشاركتي، اعتذرت عن التطرُّق لأيٍّ من العملين، ريثما أتوفر عليهما، مفضلاً التركيز على الاحتفاء بعودة جمال النهائيَّة للديار! فلقد قعدت له قوانين الخدمة كلَّ مرصد، حتى إذا بلغ السِّتين، بالدِّقة والدقيقة، كونه من مواليد 1949م، قالت له الخارجيَّة: "باي باي!"، غير آبهة، كما قال ود المكي، بأن (ستين اليوم) غير (ستين الأمس)، وأن جمالاً ما يزال في كامل لياقته، حتف أنف القوانين، حاله حال كلِّ مَن استثمرت فيهم الدولة، غذاء علم راسخ، وسقيا خبرات بلا ضفاف، لكنها ما لبثت أن أحالتهم، طائعة مختارة، إلى المعاش، في ذات اللحظة التي تكاملت لديهم، فيها، أشراط الحرفة ودربتها، وتهيَّأوا لطرح أكثر ثمرهم نضجاً، وأحلاه مذاقاً، لتضحي، من عجب، هي الخاسر الأوحد، ولله الأمر من قبل ومن بعد!

 

أكرِّر، هنا، ذات قولي الذي قلته، في الجلسة، صادقاً: "في ستين داهية"! وأعني به ما لم أعثر على سواه مكافئاً عاميَّاً لقول المتنبي الفصيح: "إذا تَرَحَّلتَ عَنْ قوْم وقدْ قدِرُوا ألا تفارقهُمْ فالرَّاحِلونَ هُمُو"!

 

مرحباً بجمال متفرِّغاً للكتابة الإبداعيَّة، وللعمل في اتحاد الكتاب الذي يحقُّ له أن يزجي آيات الشكر للدولة، إذ أهدته، بأكثر مِمَّا كان يحلم، أميناً لعلاقاته الخارجيَّة .. كامل الدَّسَم!

     

الجمعة

 

بالخميس 18/6/09 إنهارت، من ارتفاع 80 متراً، إحدى مئذنتي مسجد الشيخ محمد الخير، شيخ الطريقة القادريَّة العركيَّة  بأم درمان ـ أبو سعد مربع (4)، علي ثلاثة أجزاء؛ جزء فوق سور مقابر قريبة، وجزء فوق مباني المسجد نفسه، وجزء فوق مخبز مجاور به ثمانية عمال، فاضت روحا اثنين منهم، بينما أصيب الآخرون بجروح متفاوتة الخطورة.

 

إلى هنا والأمر لا يعدو كونه حادث انهيار (بناية)، تستوي في ذلك المئذنة والجسر والعمارة السكنيَّة، مِمَّا يستوجب فتح تحقيق فوري لأغراض التكييف القانوني لطبيعة المسئوليَّة عنه، وما إنْ كانت تشتمل على عنصر جنائي، أم أنها محض مسئوليَّة مدنيَّة. ولأن ذلك من عمل النيابة، فقد جرت العادة، في مثل هذه الحالات، على أن تتولى تحريك الإجراءات الجنائيَّة، أولاً، فإمَّا أن تفضي إلى بيِّنة مبدئيَّة prima facie تبرِّر المضيَّ قدماً بهذا الطريق، أو تؤدِّي إلى حصر الأمر، برمته، وبشكل قانوني مقنع، في الإطار المدني وحده.

 

غير أن ما حدث فعلياً هو أنه، وبدلاً من أن تتولى النيابة المختصَّة مهامها المنصوص عليها في قانون الاجراءات الجنائيَّة، فإن (اجتماعاً!) قد انعقد، بمشاركتها (لاحظ: مشاركتها!)، فضلاً عن معتمد محليَّة أم درمان، وإدارة الدفاع المدني بولاية الخرطوم، وإدارة المباني بوزارة الشئون الهندسية بولاية الخرطوم، حسب تصريح اللواء عبد الله عمر، مدير الدفاع المدني بالولاية، لوكالة (سونا)، مضيفاً أن الفاتح عز الدين، معتمد أم درمان، قد التزم بإزالة المئذنتين كلتيهما، بعد أن "ثبت وجود أخطاء فنيَّة أدَّت إلى سقوط إحداهما"!

 

ولا تسل عن دلالة كلمة (ثبت!) هنا؛ خاصة إذا علمت أن (الإثبات) عمل قانوني لا تتمخَّض عنه (الاجتماعات الإداريَّة)! ويشمل التحقق من ورود أو استبعاد مختلف الاحتمالات، سواء كانت ذات صلة بالطائرة، أم بالرياح، أم بالتصاميم، بما في ذلك ارتفاع المئذنة قياساً إلى عمق القاعدة، أم بالتنفيذ، بما في ذلك فحص خصائص التربة، ونوعيَّة المواد، وصلاحيتها، وكميِّاتها، ونِسبها، من حديد وأسمنت ورمل وماء وخلافه، الأمر الذي يستوجب إجراء التحليلات المختبريَّة، وسماع الخبراء والمختصين، وربَّما الزيارات الميدانيَّة، وما إلي ذلك مِمَّا هو معتاد في عمل القضاة والمحامين ووكلاء النيابات والشرطة.

 

ولأن الإجراءات (الإداريَّة!) التي خلصت إلى (إزالة) المئذنتين، فحسب، تاركة المسئوليَّة (القانونيَّة) عن انهيار إحداهما في منطقة الغموض، هي، بكلِّ المعايير، إجراءات معيبة، فقد أبقت الباب موارباً لـ (الخصم!) كي يصير (حكماً!)؛ إذ خطب الشيخ محمد الخير نفسه في صلاة الجمعة، غداة الحادث المأساوي، معلناً أنه هو الذي بادر بطلب إزالة المئذنة الأخرى المكتملة بطول 60 متراً "حفاظاً على أرواح المسلمين"! ثمَّ ما كاد ينقضي يومان، حتى نشرت (الطريقة) بياناً بعنوان (هذا بيان للناس!) ـ وتلك، بالطبع، ديباجة (دينية!) لا تخفى مراميها ـ لم تكتف فيه بالحلول محلَّ النيابة، وتجاوُز ما خلص إليه الاجتماع المذكور من أن "أخطاء فنيَّة" هي التي أدت إلى الانهيار، نافية وقوع أيَّ "خلل هندسي"، أو "تصدُّع في البنيان"، بل سعت، أيضاً، لحرف الأنظار عن مسئوليَّتها هي، بمحاولة تحميلها لطائرة أنتنوف (مجهولة الهويَّة!ّ) قالت إنها "حلقت بعلو منخفض"، مِمَّا تسبَّب في الحادث! وأن "شهود عيان أدلوا بشهادتهم (أين ولمن؟!) بأنهم شاهدوا الطائرة تحلق ثلاث مرات بعلو منخفض"! وأن أحد الشهود قال (أين ولمن أيضاً؟!) إن "الطائرة كادت تهبط في المسيد"! وإمعاناً في مثل هذا (التأثير!) الصريح الباكر على (سير العدالة!)، مضى البيان يؤكد على أن "الخسائر ليست بحجم الحدث، لوقوعه عند الثامنة صباحاً، حيث كان المسجد خالياً من المريدين"! فلكأن استشهاد مواطنَين اثنين، وإصابة ستة، أقلُّ، في شرعة كاتب البيان، من (خسارة فادحة)!

 

ولأن في إبراء ذمَّة المهندسين الذين شيَّدوا المئذنة إبراء، بالتبعيَّة، لذمَّة مسئولي الطريقة أنفسهم، فإن البيان يصف هؤلاء المهندسين بأنهم "من ذوي الخبرة والكفاءة، وليسوا حديثي عهد ببناء المآذن"! علماً بأن المهندس المسئول نفسه لم يكن، وقتها، قد أدلى بأقواله أمام أيَّة جهة رسميَّة، لوجوده بدولة الإمارات!

 

أخيراً، وبعد أن أشبع البيان رأس البيِّنة (فلقاً)، عاد (يداويه) باستفسار "ذوي الاختصاص"، عموماً، عمَّا إذا كان تحليق الأنتنوف مِمَّا يُحتمل أن يسبِّب انهيار مئذنة، وكأنه، ابتداءً، ترك لـ "ذوي الاختصاص" هؤلاء ما يقولون!

 

والآن، أفلا يمثل هذا البيان (مرافعة ختاميَّة!) أراد بها أهل الطريقة، مع أكيد توقيرنا لهم، مشايخ ومريدين، استباق (إجراءات قانونيَّة) لم تتأسَّس بعد؟! أفلو كانت البناية التي انهارت، فأودت بأرواح، وأصابت بجراح، هي عمارة سكنيَّة مملوكة لشخص عادي، وليست مئذنة مسجد تابع لطريقة صوفيَّة، أفكان يُسمح لذلك المالك بإلقاء مثل تلك الخطبة، أو إصدار مثل هذا البيان، أم أن الإجراءات القانونيَّة كانت ستتخذ مجراها بإشراف النيابة المختصَّة حتى مرحلة المحاكمة، حيث يُحظر على الكافة، بمن فيهم الشخص نفسه، التعليق بما يؤثر على العدالة؟! ما الفرق بين المسئوليَّة عن أرواح أزهقت إثر انهيار عمارة سكنيَّة، وبين المسئوليَّة عن أرواح أزهقت إثر انهيار مئذنة؟!

 

تتبقى مسألة ما برحت تثير طنين الاستغراب لديَّ مِن بناء مئذنة بارتفاع 60 أو 80 متراً، في بلد يعيش 96% من أهله تحت خط الفقر، وفي منطقة شعبيَّة مسطحة جُلِّ بيوتها من طابق أو طابقين، فلا يزيد ارتفاعها عن 4 إلى 6 أمتار على أكثر تقدير! مثل هذا، لعمري، هو من سنخ البذخ الذي استقبحه، في زمانه، الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز، خامس الخلفاء الراشدين؛ فقد نقل عنه صفوان بن صالح أنه، لما تولى الخلافة، ووجد أن الوليد بن عبد الملك أنفق حصيلة سبع سنوات من جباية الأراضي في الشام لبناء مسجد دمشق الجامع، استكثر ذلك البذخ، قائلاً: "رأيت أموالا انفقت في غير حقها، وإني لمستدرك ما استدركت منها، فرادُّه إلى بيت المال: أعمد إلى الفسيفساء والرِّخام، فأقلعه وأطيِّنه، وأنزع تلك السلاسل وأجعل مكانها حبالاً، وأنزع تلك البطائن، وأبيع جميع ذلك"!

  

السبت

 

إطلعت اليوم على حديث نيكولا ساركوزي الذي نشرته وكالة AFP، حول تنظيم استفتاء على حكم ذاتي في جزر المارتنيك، المستعمرة التابعة لدائرة ما وراء البحار الفرنسيَّة، مستبعداً فكرة استقلالها، طالما ظلَّ رئيساً للجمهوريَّة، أو كما قال!

 أشعل هذا الحديث في خاطري، فجأة، كما عود ثقاب، ذكرى فرانز فانون، المفكر الاجتماعي، والمناضل السياسي، والطبيب النفسانيّ الذي وُلد هناك، في 20/7/1925م، وأسهم في إلهام جيلنا بالوعي الثوري، خلال سنوات التكوين الذهني والوجداني الباكرة، وحفزنا، عقلاً وعاطفة، للتفاعل مع حركة التحرُّر الوطني المجيدة، أوان كانت في عزِّ التهابها وفورانها، وكان لأصداء ملاحمها الباسلات هدير، من حولنا، وإرزام.  

حمل فانون، كسائر أهل موطنه، الجنسيَّة الفرنسيَّة، وحارب التمييز العنصري، وقاوم النازيَّة خلال الحرب الثانية، ونقل إلى الجزائر، بناء على رغبته، في 22/10/1953م، للعمل، على أيام الاستعمار الفرنسي، طبيباً عسكريَّاً بمستشفى بليدا ـ جوانفيل للأمراض النفسيَّة. لكن، ولأن مواقف المثقف تتحدَّد، لا بالطبقة التي ينحدر منها، وإنما بالفكر الاجتماعي قبل كلِّ شئ، فسرعان ما تأثر فانون بالثورة الجزائريَّة، واستشعر واجباً يحتم عليه، لا مساندتها بطلاقة الفكر، فحسب، بل وبالانخراط "العضلي" في صفوفها، إقتناعاً منه بأن المقموع لا سبيل له لمقاوَمة قامعه إلا بذات أدواته .. العنف؛ فاستقال من وظيفته، عقب إضراب يوليو 1956م الشهير، لينضمَّ، رغم كونه مواطناً فرنسياً، إلى جبهة التحرير الجزائريَّة، حيث عمل رئيساً لتحرير صحيفتها (المجاهد)، أوان كانت تصدر من تونس؛ ثمَّ أصبح، عام 1960م، سفيراً لحكومتها المؤقتة في أكرا بغانا. لكنه ما لبث أن أصيب بسرطان الدَّم (لوكيميا)، وتوفي في 6/12/1961م، بإحدى مستشفيات واشنطن، ولمَّا يكن قد تجاوز السادسة والثلاثين من العمر، وقبره ظاهر يُزار، حتى الآن، بمقبرة مقاتلي الحريَّة الجزائريين. 

 

كرَّس فانون حياته القصيرة، أكثر ما كرَّسها، للنضال العضوي المنظم في الجبهتين الفكريَّة والسياسيَّة. ومن أشهر مؤلفاته كتابه الخالد (المعذبون في الأرض) الذي قدَّم له جان بول سارتر، وصدرت الطبعة الأولى من ترجمته العربيَّة عن دار الآداب ببيروت عام 1961م، وكتابه الآخر (بشرات سوداء، أقنعة بيض)، الصادر قبل ذلك بتسع سنوات، عام 1952م، وقد أحدثا دويُّ الصخرة الضخمة تلقى من حالق على بحر الثورة اللجب في المنطقتين العربيَّة والأفريقيَّة.

 

مع ذلك فإن خطاب استقالته إلى وزير الصحَّة العامَّة والإسكان الفرنسي، عشيَّة انضمامه إلى جبهة التحرير، يظلُّ، في رأيي، تاج شغله الذهني، ودُرَّة نتاجاته الفكريَّة، بل آية في مواقف الانتلجنسيا الثوريَّة التي تتخلق حرِّيَّتها من تطابق (الذاتي)، لديها، مع (الموضوعي)، فتنحسم صرامة اختياراتها، دونما أدنى زيغ في البصر، أو ارتجاج في البصيرة! ويسعدني أن أنتخب، هنا، بتصرُّف أرجو ألا يكون مخلاً، أهمَّ فقرات ذلك الخطاب، لأهديها إلى كلِّ مَن يتوهَّم أن (خدمة الدولة) هي منتهى رجاء (الأفندي)، بما يبرِّر استمراره في أداء أدوار قد لا تنسجم وقناعاته، بل قد تكون غاية في الوضاعة، بزعم أنه إنما يؤدي واجبه الوظيفي، فحسب!

 

لقد ركل هذا المارتنيكي الماجد وظيفة يسيل لها اللعاب، يوم أدرك أنها تصادم مبادئه الثوريَّة، وكتب لوزيره يقول: 

 

* [ .. رغم أن الظروف الموضوعيَّة لممارسة الطب النفسي في هذا البلد تشكل، في حدِّ ذاتها، تحدياً للعقل السليم، إلا أنني تبيَّنت، أيضاً، أن عليَّ بذل المزيد من الجهد للحدِّ من فساد نظام تتعارض مبادئه العقائديَّة المعلنة، يومياً، مع الأبعاد الإنسانيَّة الحقيقيَّة .. فما مصير الحماسة والقلق إذا كان الواقع اليومي منسوجاً بكامله من الأكاذيب والنذالة واحتقار الآخر! بل ما مصير النوايا ذاتها إذا كان تجسيدها مستحيلاً بفعل انعدام المشاعر، وعجز الفكر، وكراهيَّة الناس للنظام]؟!

 

* [ .. الجنون هو أحد السبل المتاحة لفقدان الحريَّة .. ومن هذا التقاطع أرعبني الحرمان الذي يعانيه الناس في هذا البلد. ولئن كان العلاج النفسي تقنية طبية تحول دون اغتراب الإنسان عن محيطه، فإن المحروم في بلده يعيش حالة من ضياع الشخصيَّة المطلق. ذلكم هو الحال هنا، حيث يجري سحق منظم لإنسانيَّة الإنسان. وعلى حين نواصل تبريرنا العبثيَّ لعملنا بأننا إنما نؤسِّس، بأيِّ ثمن، لبعض القيم الفاضلة؛ يظلُّ المبدأ الوحيد الذي نتبعه، في الحقيقة، هو غياب العدالة، وعدم المساواة، والقتل الجماعي للناس]!

 

* [ .. المكابرة قد تمسي، أحياناً، مُثابَرة مرَضيَّة، فتنغلق كلُّ نوافذ الأمل على المستقبل. وما ذلك إلا لكوننا نتشبث بمواقف غير منطقيَّة، بل ومنقطعة، بانتظام، عن الواقع. إن الأحداث الدامية الجارية في هذا البلد ليست محض فضيحة، فحسب، لمن يراقبها، لكونها ليست ناجمة عن عارض أو عطل طارئ في النظام، وإنما تشكل النتيجة المنطقيَّة لمحاولة غسل دماغ جماعي محكوم عليها بالفشل! فليس من الضروري أن يكون المرء عالماً نفسانياً ليتبيَّن، وراء طيبة إنسان هذا البلد الواضحة، وبساطته الشديدة، وتواضعه الجَّم، حاجته الأساسيَّة إلى الشعور بالكرامة].

 * [ .. لا خير في بنية اجتماعيَّة لا تنطوي على مؤسسات تقلق على مصير الإنسان. والمجتمعٌ الذي يُلجئ أعضاءه إلى حلول يائسة، هو مجتمع غير قابل للاستمرار؛ ويتحتم على المواطن الصالح أن يجاهر بذلك، ولا يجوز أن تطغى على هذا الواجب أيُّة أخلاق مهنيَّة، ولا أيُّ تضامن طبقي، ولا أيَّة رغبة في حل المصاعب الداخليَّة بالتسامح إزاء أيِّ خداع وطني، عوضاً عن المطالبة بحرِّيَّة الفكر].

* [.. إن معاقبة المشاركين في إضراب 5/7/1956م إجراءٌ مخالف للمنطق بالكامل. فبدلاً من إرهابهم وعائلاتهم، كان لا بُدَّ من تقدير موقفهم الطبيعي هذا، بالنظر إلى المناخ السائد. وبما أن امتناعهم عن العمل يعكس تيَّاراً جمعياً، وقناعة لا تراجع عنها، فإن أيَّ عقاب يوقع عليهم هو، بالقطع، تصرُّف اعتباطي لا تأثير له وغير ضروري. إنني لم ألمس ذرَّة خوف لدى هؤلاء المضربين، بل الغالب، بالأحرى، هو قرارهم الحاسم بضرورة إحياء عصر جديد من السلام والكرامة]!

 

* [ .. إن العامل المديني ملزم، ليس، فقط، بأن يشارك في التظاهرات الاجتماعيَّة، وإنما بأن يعي، قبل ذلك، ضرورة العمل لتحسين نوعيَّة الحياة في هذا المجتمع. ولقد قرَّ لدى هؤلاء العاملين، الآن، أن الصمت لم يعُد ممكناً، بل كذباً صريحاً؛ فحتى الإغواء بالحلول الفرديَّة لا يمكن أن يتوافق مع الإهدار المتواصل لأبسط القيم].

 

* [.. لقد ظلَّ ضميري مؤرَّقاً، طوال الأشهر الماضية، بمشادَّات لا ترحم، خلاصتها الرغبة في عدم اليأس من الإنسان، ومن نفسي في المقام الأوَّل، فقرَّرت ألا أتحمل بعد اليوم، بأيِّ ثمن، مسؤولية ما يجري، وبحُجَّة خيدع مفادها أن هذا أفضل ما يمكنني إنجازه؛ ولهذه الأسباب مجتمعة أرجو قبول استقالتي]!

  

الأحد

 

صديقي زين العابدين محمد زين العابدين، أستاذ الزراعة السابق بجامعة الخرطوم، والعضو المؤسِّس باتحاد الكتاب السودانيين، والخبير، حالياً، بالأمم المتحدة، ضمَّني، مشكوراً، إلى مجموعة أصدقاء هيَّأ لها، على الإنترنت، قائمة اتصال بديعة تتبادل، من خلالها، الآراء والأخبار والمعلومات النافعة. من بين هؤلاء لفتت نظري، بانتقاءاتها المتميِّزة، الأستاذة رباب بلدو، خبيرة برنامج مساواة النوع والحوكمة الديموقراطيَّة بالمنظمة الدوليَّة. ومِمَّا أوردت، مؤخراً، الأقصوصة الذكيَّة التالية:

 

[كانت "الأحاسيس" جميعها تعيش على جزيرة في عرض البحر. وذات يوم هبَّت عاصفة عنيفة تهدَّدت الجزيرة بالغرق، فاضطربت كل "الأحاسيس" هلعاً، إلا "الحُب" .. إنشغل وحده بصنع قارب للنجاة!

 

ظلت "الأحاسيس" ترقب عمل (الحُبِّ) بفارغ الصبر. وما أن انتهى، حتى سارعت كلها للصعود معه إلى متن القارب، باستثناء "إحساس" واحد فقط!

 نزل "الحبُّ" ليرى من ذاك، فوجد أنه .. "العناد"! فطفق يراجعه، عله يثنيه عن عزمه على التخلف عنهم، لكنه ما ازداد إلا استعصاماً برفضه! وبينما أخذت المياه ترتفع رويداً رويداً، تعالى صياح الجميع جزعاً على "الحبِّ" كي يترك "العناد" ويصعد معهم إلى القارب .. لكن بلا جدوى!

في النهاية نجت جميع "الأحاسيس"، إلا "الحب" .. وحده مات مع "العناد" في الجزيرة الغارقة]!

  ***