ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في السُّودان، كما في غيره من البلدان العربيَّة، تنشط فيالق من المنظمات   والمتطوِّعين في حقل الدِّفاع عن حقوق الإنسان. لكنَّ جُلَّ هذا الجَّهد يكاد يطير هباءً، لقيامه، أولاً على مناهج عقيمة، ولافتقاره، ثانياً، إلى المشاركة الجَّماهيريَّة الواسعة، وبالتالي إلى المردود الذي يكافئ ما يُبذل فيه مِن بسالة وتضحية، وما ذلك إلا بسبب الفجوة الفاغرة في صميم بنيته على صعيد "تعليم" هذه الحقوق، وتعمُّل مصادمتها لمفهوم "السَّيادة"، والخضوع فيها لضرب من المركزويَّة الغربيَّة، وكلها أمور تحتاج لمعالجات خاصَّة، في كلِّ الأمداء المستقبليَّة، القريب منها، والمتوسِّط، والبعيد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)
ينسحب هذا الأمر، بطبيعة الحال، على  أغلب بلدان ما كان يُعرف بـ "العالم الثَّالث" التي تكاد لا تقوم لأنظمتها قائمة بغـير الانتهاك المتواصل لحقوق الإنسان من جانب السُّلطات التَّنفيذيَّة، والتَّشريعيَّة، وحتَّى القضائيَّة. فالطابع العالمي لإلزاميَّة هذه الحقوق يصادم أمن النِّظام المقرَّر فوق أيِّ اعتبار للعدل أو الحرِّيَّة. ومن ثمَّ فليس أقدر على التَّصدي لهذا الانتهاك مِن جماهير ضحاياه أنفسهم، في ما لو "أدركوا" هذه الضَّرورة. ولعلَّ هذا ما يفسِّر الأهميَّة التي يكتسيها "تعليم" هذه الحقوق في الكثير من وثائقها، كما وفي المتواتر من مقرَّرات وتوصيات مؤتمراتها وفعاليَّاتها الدَّوليَّة والإقليميَّة.
إذن، فالتَّصدِّي للدِّفاع عن هذه الحقوق، من فوق "علم" وثيق، يعتبر واجباً جماهيريَّاً عامَّاً، بل فرض عين على كلِّ فرد، فـ "حرِّيَّات الناس أثمن من أن يؤتمن عليها الآخرون، وثمن حرِّيَّة كلِّ فرد هو دوام سهره على حراستها" (الباقر العفيف؛ 1999م). ولما كانت "المعرفة" هي الشَّرط الأساسي لاستدامة هذه الحرِّيَّات، فإن "تعلم" الجَّماهير لهذه الحقوق، و"إدراكها" الوثيق لإشكالاتها، يعتبر الضَّمانة الأقوى لانخراطها في حراستها.
على أن غياب "تعليم" حقوق الإنسان لا يعني، بأيَّة حال، عدم الاهتمام بها في الوقت الرَّاهن؛ فحركة هذه الحقوق في بلادنا، على قصورها واقتصارها على المبادرين ومنظماتهم، لم تعدم أثراً تنحته في بنية العمل العام، بل ما زالت تواصل استقطابها لاهتمام مختلف القوى السِّياسيَّة والاجتماعيَّة. لكن هذا الاستقطاب أقرب ما يكون، الآن، إلى الصَّفويَّة منه إلى الجَّماهيرية، لذا فثمَّة احتياج لإدراج هذه الحقوق ضمن برامج "التَّعليم" النِّظامي، في مؤسَّساته التَّقليديَّة، وغير النِّظامي، عبر كورسات المنتديات العامَّة، وعروض السينما المتجوِّلة في مدارس الأحياء الشَّعبيَّة وأنديتها، ووسائط الاتِّصال الجَّماهيريَّة، كالراديو، والتِّلفاز، وغيرها، لتسليح الأجيال الناشئة، وأوسع قطاعات الشَّعب، بـ "المعرفة" الوثيقة على هذا الصعيد. لكن ينبغي عدم إغفال أن النِّظام، بطبيعة الحال، سيجابه مثل هذه المشاريع بمناوئة رسميَّة صارمة، مما يقتضي عدم النظر إليها كمنجز سلس، وإنما كساحة صراع سياسي.
مهما يكن من أمر، فإن هذا "التَّعليم" المتميِّز يَفترض التَّركيز، ليس فقط على تشكيل الذَّات الحاملة للمعرفة بحقوق الإنسان، وإنما المنفعلة بها أيضاً، وكذلك عدم الاقتصار على المناهج التَّقليديَّةالتي تنتهي، عادة، بامتحانات تحدِّد مستويات التَّحصيل، واستحقاقات شهادات التَّأهيل. لذا تمَّت التَّوصية، في هذا المعنى، بتفادي "المناهج الصَّريحة"، واعتماد "المناهج الخفيَّة"، بحيث يجري إضفاء مفاهيم هذه الحقوق على العمليَّة "التَّعليميَّة" بأسرها، من خلال ما يُعرف بـ "الاندياح المستعرض crosscutting"، و"تسييد الاتِّجاه   mainstreaming".  

(2)
في هذا الإطار يكتسي إدماج حقوق الإنسان ضمن برامج الدِّراسات الجَّامعيَّة والعليا أهميَّة خاصَّة، ليس فقط لما توفِّر هذه المرحلة من معرفة أكاديميَّة متقدِّمة، بل ولما تتيح من بيئة بحثيَّة لترقية هذه المعرفة، من ناحية، ولاجتراح أنجع المناهج للانفتاح بها على المجتمع، من ناحية أخرى، ضماناً لبناء رأى عام منيع ضد أيِّ انتهاك لهذه الحقوق.
تاريخيَّاً كانت الجَّامعات الأوربيَّة سبَّاقة في هذا المضمار، فلم تكتف بإدراج حقوق الإنسان ضمن مقرَّراتها، بل وثَّقت صلاتها مع المجتمع، ممَّا انعكس في استنهاض وعي شعبي عام بهذه الحقوق، مهَّد لإبرام اتفاقيَّات، وإنشاء مؤسَّسات، كـ "اتفاقيَّة روما لحماية حقوق الانسان 1950م"، و"اتفاقيَّة جنيف الرَّابعة 1949م" لحماية المدنيين في زمن الحـرب، كما أفضى لإنشاء "المحكمة الأوربيَّة لحقوق الإنسان" في ستراسبورغ بفرنسا، و"معهد جنيف للقانون الإنساني" تحت إشراف الصَّليب الأحمر الدَّولي، و"المعهد الدَّولي لحقوق الإنسان" التَّابع لكليَّة القانون بجامعة ستراسبورغ، وذلك على سبيل المثال.
أما في العالم العربي فإن الاهتمام الرَّسمي بهذه الحقوق لم يبدأ إلا بعد هزيمة 1967م، حيث عقدت الجامعة العربيَّة مؤتمراً للقانون الدَّولي الإنساني، أعقبته بتخصيص جوائز، عام 1969م، لأفضل الدِّراسات في  حقوق الإنسان. وحده المجتمع المدني العربي، ممثلاً في اتِّحاد المحامين العرب، هو الذي اهتمَّ، منذ بواكير تأسيسه عام 1944م، بهذه الحقوق. لكنه، مع ذلك، لم يلتفت لضرورة "تعليمها" إلا خلال ربع القرن الماضي. لذا فالتَّجارب النَّاضجة في الجَّامعات العربيَّة قليلة، والموجود منها محصور في كليَّات الحقوق، كما في الكويت والأردن.
وأما في السُّودان فقد بدَّد ضعف الإمكانات كلَّ الفرص التي سنحت لجامعة الخرطوم، مثلاً، في هذا الشأن، كفرصة إنشاء وحدة بكليَّة القانون، مطلع ثمانينات القرن المنصرم، لتنشيط أبحاث حقوق الإنسان، وتشكيل حلقة وصل مع بقية الكليَّات (على سليمان؛ 1987م). ولقد كان من شأن هذه الوحدة، حال إنشائها، تشكيل جسر للتَّواصل، أيضاً، مع المجتمع، تأسِّياً بالدَّور التَّنويري للجَّامعات الغربيَّة.
رغم ذلك ما يزال ضروريَّاً جعل الدور التنويري، ليس لجامعاتنا، فحسب، بل ولمختلف مراكز الدِّراسات، ولمختلف الباحثين، ولمؤسَّسات المجتمع المدني كافة في بلادنا، جوهراً لعمليَّة "تعليميَّة" تعمُّ المجتمع كله، فتفجِّر وعياً جماهيريَّاً عريضاً  بحقوق الإنسان، وبالإشكاليَّات المطروحة في أفقها، وبالمداخل الصحيحة لفضِّها.

(3)
نضئ، هنا، باقتضاب، نموذجين لهذه الإشكاليَّات التي يتطلب فضُّها  عمليَّة "تعليميَّة" تُكسِب "الوعي" بحقوق الإنسان طابعاً شعبيَّاً عامَّاً:
النموذج الأوَّل: المجابهة المتعمَّلة بين مفهومي "السَّيادة الوطنيَّة" و"حقوق الإنسان". فممارسة الدَّولة لوظائف خارجيَّة أفضت، منذ القرن السَّابع عشر،  إلى نشأة وتطوُّر القانون الدَّولي المعاصر الذي يستمدُّ محدِّداته من تطوُّر ظاهرة الدَّولة نفسها، وطبيعة الاقتصاد السِّياسي لعلاقاتها الخارجيَّة. أهمُّ تلك المحدِّدات كرَّستها معاهدة وستفاليا لسنة 1648م في "السَّيادة" التَّقليديَّة للدَّولة القوميَّة على إقليمها، بما فيه رعاياها. وبالنظر لكون الدَّولة تمثِّل منظمة العنف المشروع الوحيدة، فإن المعاهدة أرست القاعدة القانونيةَّ التي تحتكر الدَّولة، بموجبها، تنظيم فيالق مسلحة تفرض بها، داخليَّاً، النظام والطاعة على رعاياها، وخارجيَّاً حماية وحدة واستقلال إقليمها.
هكذا، وباستثناء تدابير الفصل السَّابع من ميثاق الأمم المتَّحدة، استقرَّ القانون الدَّولي، لقرون طوال، على الحظر التَّقليدي للتَّدخُّل في شئون الدُّول، أو استخدام القوَّة، أو التَّهديد باستخدامها، في العلاقات الدَّوليَّة.  
لكن تطوُّر العلاقات السِّياسيَّة الدَّاخليَّة، خلال القرن الماضي، إلى آفاق أكثر ديموقراطيَّة وأنسنة، انعكس، أيضاً، في تطوُّر العلاقات الدَّوليَّة والقانون الدَّولي باتِّجاه رعاية مصالح الأفراد والشُّعوب، لا الاقتصار على مصالح الدُّول وحدها، والاهتمام أكثر بالقانون الدَّولي الإنساني، وحقوق الإنسان، والحكم الرَّاشد، ومحاربة الفساد، وإشاعة الدِّيموقراطيَّة، والشَّفافيَّة .. الخ. فكان أن انسحبت تلك التحوُّلات الكبرى إلى مفهوم "السَّيادة" التَّقليدي، لتجعل القواعد التي تقتضى التَّدخُّل الدَّولي تتقدم، وتجعل علاقة الدَّولة بمواطنيها تكفُّ عن أن تكون شأناً داخليَّاً محضاً في ذات اللحظة التي تسبِّب لهم فيها كوارث خطيرة، كالجَّرائم ضدَّ الإنسانيَّة، مثلاً، كونها صارت في موضع الاهتمام الدَّولي الذي تشبَّع بعالميَّة حقوق الإنسان. لقد رتب التطوُّر واجبات ملزمة للدَّولة تجاه مواطنيها، فإن لم تفِ بها تدخَّل المجتمع الدَّولي لإنفاذها. تلك هي الدَّلالة الجَّديدة لمفهوم "السَّيادة"، والتي عبَّر عنها السِّكرتير العام الأسبق للأمم المتَّحدة، بقوله إن زمان "السَّيادة" المطلقة قد ولى، وعلى الدُّول إيجاد توازن مطلوب بين ضرورات الحكم الرَّاشد ومتطلبات عالم يُعزِّز الاعتماد المتبادل، فالمجتمع الدَّولي أوكل إلى الدَّولة مهمَّة حماية الأفراد، فإذا فشلت في هذه المهمَّة تولاها بنفسه.
مع ذلك ينبغي ألا تكون ثمَّة أوهام حول أن الاختلال الحالي في ميزان القوَّة الدَّولي قد يتيح استخـدام هذه الدَّلالة الجَّديدة ذريعة للهيمنة؛ لكنَّ مقاومة تلك النزعة لا تكون بإهدار الحماية الدَّوليَّة لحقوق الإنسان، وإنما بالنِّضال من أجل تغيير ميزان القوَّة.
النموذج الثاني: الخلط والتخليط المتأتِّيين من تخصيص "السِّياق الغربي" وحده بنشأة وتطوُّر "المفهوم القانوني الدَّولي" لحقوق الإنسان، وجحد مساهمات مختلف الأمم في صياغة "المفهوم الثَّقافي التَّاريخي" لتينك النَّشأة والتطوُّر، سواءً باستلهامات عقيديَّة، أو بمحض الفطرة السَّليمة. لقد كان ممكناً الاتفاق مع ما ذهب إليه البعض حول "نسبيَّة حقوق الإنسان" في مختلف الثَّقافات (محمد يوسف علوان؛ 1989م)، أو حتَّى حول "نسبة المفهوم إلى الغرب" (حيدر إبراهيم علي؛ 2003م)، لولا عدم تفريق كليهما بين المفهومين "الثَّقافي التَّاريخي" و"القانوني الدَّولي". فحقوق الإنسان، من زاوية المفهوم الأوَّل، متجذِّرة في كلِّ بنية ثقافيَّة، على تفاوت إسهام هذه البنيات في بلورة المفهوم الأخير؛ لكن التفاوت لا يلغي الإسهام نفسه، بل، على العكس، يؤكده.
عدم التقيُّد بهذه الضَّوابط المفاهيميَّة والمصطلحيَّة قد يتسبَّب في سوء التَّفاهم، حين تلتبس الحدود الدَّلالية لمصطلح "حقوق الإنسان"، ممَّا قد يوحى، مثلاً، بتوقيف نشأة وتطوُّر القانون الدَّولي لحقوق الإنسان على الغرب وحده، لدرجة إسقاط كل ما أسهمت به ثقافات الأمم الأخرى في رفد "القانون الدَّولي" بعناصره الإنسانية، خصوصاً وأن الاتِّجاهات الحديثة في نظريَّة الثَّقافة لا توقف الاعتراف بإسهام أمَّة ما في رفد الثقافة العالميَّة على حجم هذه الأمة، كبُرت أو صغُرت، أو مقدار إسهامها، كثُر أو قلَّ. فقد ثبت أن كلَّ بنية ثقافيَّة تختزن قدراً قابلاً للتطوُّر من القيم الإنسانيَّة الفطريَّة التي تعلي من شأن العدل والحرِّيَّة والكرامة والمساواة وغيرها، أي ذات القيم التي تشكل مضمون حقوق الإنسان. وإذا وجدت عناصر مصادمة لهذه القيم في بعض البنيات الثَّقافيَّة، فإنها لا توجد في حالة سكون عدمي، بل في حـالة صـراع جدلي مع النزعـات الإنسانيَّة الفطـريَّة. وقد وصــف بعض الباحثين هذه القيم بـ "الجـوهـــر الذي دارت حــوله فكــرة حقــوق الإنســان" (أحمـــد عـبد الله؛ 1996م)، ووصفها آخرون بأنها "ليست سوى الطبعة العصريَّة لمطالب بعضها قديم قدم الإنسانيَّة نفسها" (منصف المرزوقي؛ 1996م)، أما نصر حامد  أبو زيد  فقد اعتبر أن "في  دعوى الأصل (الغربي) الخالص لمفاهيم حقوق الإنسان جهلاً فاضحاً بالتاريخ، وسلباً لفائض القيمة الثَّقافي والحضاري والفكري الذي ساهمت به كلُّ الثَّقافات والحضارات الإنسانيَّة في تيَّار الثَّقافة التي تسمَّى (غربيَّة) الآن" (نصر حامد  أبو زيد؛ 2000م). فـ "الغربنة"، من هذه الزَّاوية، ليست سوى نزعة مرضيَّة تجاه "مركزويَّة" الغرب في كلِّ ما يتَّصل بقضايا التطوُّر.
من جهة أخرى قد يقع سوء التَّفاهم، أيضاً، حين يجرى التَّركيز على  "المفهوم الثَّقافي التَّاريخي" بعد شحنه بأوسع الدَّلالات التي قد تشمل حتى  النُّصوص الشَّكليَّة التي ربما تلتف، أصلاً، على حقوق الإنسان بـ "المفهوم القانوني الدَّولي"، ممَّا قد يدرج قواعد المنظومات القانونيَّة والأخلاقيَّة للكثير من حضارات العالم القديم، كالرُّومانيَّة والإغريقيَّة، باعتبارها شاملة، أيضاً، لحقوق الإنسان. مثل هذا الاستخدام قد يثير مشكلة تتعلق، من جهة، بطبيعة تلك القوانين التي تنتفى "الإنسانيَّة" عن كثير من جوانبها، بسبب انتمائها إلى درجة معيَّنة في سلم التطوُّر التَّاريخي، كما تتعلق، من جهة أخرى، بالتَّعريف الملتبس لمفهوم "الإنسان" نفسه؛ حيث لا يعني "الإنسان كامل الأهليَّة"، مثلاً، لدى قدماء الإغريق، سوى "الفرد الإغريقي الذَّكر الحر"، أما ما عداه فـ "لا شـخـص non-person"، ويقع، من ثمَّ، خارج حماية القانون (الباقر العفيف؛ 2000م).

(4)
لذا يتوجَّب، رفعاً للالتباس، ضبط المصطلح بحسب السِّياق الذي يرد فيه، فيقتصر، في الخطاب الحقوقي والسِّياسي، على دلالة "المفهوم القانوني الدَّولي" المشمول بالمواثيق الدَّولية، كـ "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948م"، و"العهد الدَّولي الخاص بالحقوق المدنيَّة والسِّياسيَّة لسنة 1966م"، و"البروتوكول الاختياري الملحق به"، و"العهد الدَّولي الخاص بالحقوق الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة لسنة 1966م"، و"الميثاق الدَّولي للقضاء على جميع صور التَّفرقة العنصريَّة لسنة 1965م"، إضافة إلى المواثيق الإقليميَّة كـ "الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشُّعوب لسنة 1981م". أما من جهة تدامج هذه الحقوق، على نحو أو آخر، في نسيج كلِّ الثَّقافات، ممَّا أنفت الإشارة إليه، فينبغي ضبط المصطلح بدلالة "المفهوم الثَّقافي التَّاريخي"، دون إغفال أثر الصِّراع الاجتماعي، بطبيعة الحال، على الموقف، مثلاً، من المرأة أو الهوامش الإثنيَّة.
في ضوء هذا النظر يصبح سائغاً القول بأنه لا بد للعرب والمسلمين من "تأصيل" حقوق الإنسان في تراث الإسلام وثقافة الأمَّة، لتصبح ".. شرعة مقترحة من رجال ونساء، من بلدان وأديان وألوان مختلفة، في لحظة تاريخيَّة معيَّنة .. ولحسن الحظ ليست لها صفة القداسة، ولذا فهي، بالضَّرورة، في حالة تطوُّر، و .. مشروع غير منجز" (هيثم منَّاع ـ ضمن نصر حامد أبو زيد؛ 2000م). على أنه ينبغي عدم الانحراف بالقضيَّة إلى مجابهة دينيَّة، فالأمر، في جوهره، لا يعدو ".. البحث عن وسائل لاستثمار العناصر الثَّقافيَّة والفكريَّة التي تساعد على تقبُّل قيم حقوق الإنسان في مستوى الوعي والتطبيق" (نصر حامد أبو زيد؛ 2000م).
إن أيَّ فهم بخلاف ذلك سيفضى، لا محالة، إما إلى "الغربنة"، حين يحجب "المفهوم القانوني الدَّولي" أثر "المفهوم الثَّقافي التَّاريخي"، فينطلق المفهوم الأوَّل، من ثمَّ، ينسب نفسه إلى محطات في تطوُّر الفكر "الغربي" وحده، كوثيقة (الماغناكارتا) الإنجليزيَّة لسنة 1215م، وفلسفة جان جاك روسو وجون لوك، ومباديء الثَّورة الفرنسيَّة لسنة 1789م، والدُّستور الأمريكي في القرن الثامن عشر، وفكر كارل ماركس فى القرن التَّاسع عشر، وإعلان الحرِّيَّات الأربع للرَّئيس روزفلت سنة 1941م ، أو سيفضي إلى "الشُّوفينية"، والاستقالة من العصر، والانزواء في كهوف التَّاريخ، حين يقصر نسب "المفهوم الثَّقافي التَّاريخي" على أبى العلاء المعرِّي، أو محي الدِّين بن عربي، أو صعصعة بن ناجى بن عقل، أو غيرهم من قدامى المفكرين والفقهاء العرب المسلمين دون غيرهم (منصف المرزوقي؛ حقوق الإنسان ـ الرؤية الجديدة، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 1996م).

***
المراجع:
(1)  الباقر العفيف؛ "نحو منهج لتدريس حقوق الانسان فى السودان"، ورقة ضمن: محمد الأمين التوم (ت)؛ مداولات مؤتمر واقع ومستقبل التعليم العالي في السودان 1 ـ 5 أغسطس، (أوراق مختارة)، رابطة الأكاديميين السودانيين، القاهرة 1999م.
(2)  الباقر العفيف؛ "وثائق حقوق الإنسان الإسلامية في السياق التاريخي والاجتماعي" ـ تعقيب ضمن: غانم جواد؛ الحق قديم، مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، 2000م.
(3) محمد سامى عبد الحميد؛ أصول القانون الدولى العام، ج 2، ط 6، الدار الجامعية، الاسكندرية 1984م.
(4) Wolfgang Friedmann; The Changing Structure of International Law, Stevens & Sons, Limited, London, 1964
(5) محمد كمال عبد العزيز؛ الوجيز فى نظرية القانون، مكتبة وهبة بالقاهرة، بدون تاريخ.
(6) ف. إ. ليسوفسكى؛ القانون الدولى (بالروسية)، دار فيشايا شكولا، موسكو 1970م.
(7) فاروق أبو عيسى؛ "لماذا يهتم المحامون العرب بقضية حقوق الانسان ونشر الوعى بها"، (مقدمة في: تدريس حقوق الانسان وتطوير التعليم القانونى بالجامعات العربية، ط 1، مركز اتحاد المحامين العرب للبحوث والدراسات القانونية، القاهرة 1987م.
(8) محمد نور فرحات؛ "تصدير" لتدريس حقوق الانسان ..، مصدر سابق.
(9) مفيد شهاب؛ "تدريس حقوق الانسان فى الجامعات العربية"، ورقة ضمن: تدريس حقوق الانسان ..، مصدر سابق.   
(10) وهبة مصطفى الزحيلى؛ "تدريس حقوق الانسان فى كليات الحقوق بالجامعات العربية"، ورقة ضمن: تدريس حقوق الانسان ..، مصدر سابق.   
(11) علي سليمان؛ "تدريس حقوق الانسان بكلية القانون بجامعة الخرطوم"، ورقة ضمن: تدريس حقوق الإنسان ..، مصدر سابق.  
(12) محمود صفوت عثمان؛ "بعض الملاحظات حول تدريس حقوق الانسان وتطوير التعليم فى كليات الحقوق العربية"، ورقة ضمن: تدريس حقوق الانسان ..، مصدر سابق.   
(13) محمد يوسف علوان؛ "تدريس حقوق الإنسان فى الجامعات العربية: الواقع والطموح"، ضمن: محمد شريف بسـيوني وآخرون (إعداد)؛ حقوق الإنسان، م/4 مناهج التدريس وأساليبه فى العالم العربى، 1989م.
(14) حيدر ابراهيم على؛ "التعليم الدينى أو تديين التعليم وحقوق الإنسان"، ورقة أمام "مؤتمر تعليم حقوق الإنسان فى السودان" الذى نظمته جامعة الاحفاد للبنات مع مركز الخرطوم لحقوق الإنسان وتنمية البيئة، فندق قراند هوليدى فيلا بالخرطوم، 15 ـ 18 ديسمبر 2003م.
(15) أحمد عبد الله؛ حقوق الانسان ـ حق المشاركة .. وواجب الحوار، مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، 1996م.
(16) منصف المرزوقي؛ حقوق الإنسان ـ الرؤية الجديدة، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 1996م.
(17) نصر حامد  أبو زيد؛ "حقوق الإنسان بين العالمية والنسبية الثقافية ـ البحث .. في الإسلام"، تعقيب ضمن "غانم جواد؛ الحق قديم ـ وثائق حقوق الإنسان في الثقافة الإسلامية"، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 2000م.

***
Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]