Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 

ثَوابِتُ الدِّينِ أَم مُتَحَرِّكاتُ التَّدَيُّن؟!

(مَا أَمَرتُكُم بِشَئ مِن دِينِكُم فَخُذوه ، أمَّا مَا كانَ مِن أَمْرِ دُنياكُم فأَنْتُم أَدْرَى بِهِ)

                                                     رواه مسلم وابن ماجه وابن حنبل

 

                                            (1)

شغلتني سفرة طارئة إلى كمبالا، في بعض شأن الهمّ المدني الأفريقي، من الوفاء بموعد الرزنامة الأسبوعي بالإثنين الماضي، فلزمني أن أعتذر، ابتداءً، لأصدقائها الأعزاء، وأن أشكرهم على صدق حدبهم عليها، وحرارة سؤالهم عنها.

ثمَّ إن نفس الظرف قد حال، أيضاً، دون متابعتي لتداعيات الحادثة الأبرز في ذلك الأسبوع، وأعني فتوى تكفير الحزب الشيوعي (السوداني)، الصادرة في 20/8/2009م، عن (الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة) التابعة لـ (المجمع الإسلامي) بالجريف غرب، وإمامه محمد عبد الكريم، وذلك بمناسبة افتتاح دار الحزب هناك، حيث اقتحمتها، بغتة، مجموعة من شباب الرابطة المتحمّسين يرومون توزيع بيان الفتوى أثناء حفل الافتتاح، ويحسبون أنهم، بذلك، إنما يحسنون صنعاً للإسلام، وربَّما للوطن أيضاً، وما تبع ذلك من بوادر صدام مع شباب الشيوعيين كان محتوماً أن يفضي، بكل الحسابات، إلى كارثة حقيقيَّة، لولا أن عناية الله سبحانه وتعالى، وحنكة العقلاء، قد تداركتاه! 

ولأنه كان حريَّاً بتلك الحادثة الخطيرة أن تشكل مركز القلب من مفاكرة تلك الرزنامة الغائبة، فقد اعتزمت، فور عودتي، أن أوليها اهتماماً خاصَّاً. ورغم أن أكثر من مدخل قد لاح، وشتى زوايا التناول قد تبدَّت، إلا أن كمَّاً مقدَّراً من رسائل أصدقاء الرزنامة ما برح يستحثني، عبر الهاتف والبريد الإلكتروني، لإعادة طرح موضوعة (عتود الدولة)، يقولون إنه طال الأمد عليها، وانطوت سنوات طوال مذ نشرت، لأوَّل وآخر مرَّة، في الصحافة الورقيَّة، بحلقات متباعدة صعَّبت متابعتها، علاوة على كونها غير متوفرة، بنصّها الكامل، في أيّ موقع على الشبكة العالميَّة، وبالحقّ لم تكن علاقتي أنا نفسي بالشبكة قد توطدت أوان ذاك، ممَّا جعل المادَّة غير ميسورة بالمرَّة.

نبَّهني تساوُق هذا الحثّ من مصادر مختلفة، فضلاً عن وجاهة تبريره، إلى أننا قد نقرأ، بالفعل، نصَّاً معيَّناً، ثمَّ ننساه، ثمَّ ما يلبث أن يعيده إلى ذاكرتنا وقوع حدث ما، فنعود نلتمس قراءته مجدَّداً؛ فإن توفرت مصادره، فاق مستوى مقروءيَّته، هذه المرَّة، مستوى المقروءيَّة السابقة بما لا يقارن. ولعلَّ هذا، بالتحديد، هو ما حفزني للاستجابة.

أما لجهة التنفيذ، فقد استلزم الأمر، بعد التشاور مع السيّد رئيس التحرير، وبالنظر إلى حجم المادَّة وأهميَّة الحدث، أن يتصل نشر هذه الرزنامة، على خلاف العادة، اليوم والأيام التالية تباعاً، عسى ما تبقى من الشهر الفضيل يهيّئ لها عامل مقروءيَّة إضافي. 

 

(2)

وبعد، حدَّثني قاضٍ خرطوميٌّ جليل، قال: على أيام عملي الباكر بإحدى محاكم الأرياف النائية عُرض أمامي نزاع بين راعيين على ملكيَّة (عتود) ٭. لكن ما أن وضع المدَّعى كفه على (مصحف المحكمة)، ويسمونه (الاريقط)، شارعاً فى أداء اليمين المعتادة، حتى قفز المدَّعى عليه كالملدوغ يقاطعه، طالباً أن تكون اليمين على (مصحف آخر) تعهَّد بجلبه من (الحِلة)! قلت مندهشاً: "ما الفرق؟! هذا مصحف وذاك مصحف"! قال: "يا مولانا، يحلف على ذاك فأسلم له بملكيَّة العتود"! وافقت على مضض، طالما أن ذلك يحسم المشكلة، فشدَّ المدَّعي وأهله حميرهم، وإن هي إلا بعض ساعة حتى عادوا بمصحف مخطوط، بائن الثقل، ينوء بحمله ثلاثة منهم يساعدهم الحاجب! أنزلوه على منصّتى نزولاً له دوىٌّ وغبار. وعلى حين انكببت أتفحصه، غرقت المحكمة، فجأة، فى زئبق رهبة لا تتسرب منه نأمة، ولا يندُّ عنه صدى. ولم يعُد ثمة ما يبلغ مسامعى، فى تلك المحكمة الريفية الضاجَّة، عادة، سوى دقات القلوب الواجفة، وتردُّد الأنفاس المبهورة. كان المصحف المجلوب بالغ الضخامة كما صندوق خشبي، عتيقاً كضريح وليّ سناري، متآكل الأطراف كراية من زمن غابر، يضوع حبر حروفه الباهت بعبق العصور، وتكاد صفحاته حائلة اللون تتقصَّف كما ورق الشجر اليبيس. غير أننى، حين فرغت من تفحُّصه، والتفتُّ إلى المدَّعي آمره بالاقتراب لأداء اليمين، فوجئت بالرجل زائغ النظرات وقد تصمَّغ داخل نعليه يتصبَّب عرقاً، ويجاهد كى يحرِّك شفتيه الطبشوريَّتين، ولسانه الرمليَّ، وحباله الصوتيَّة المرتجفة، ليطلق، بالكاد، صيحة متحشرجة مذعورة:

ـ "أفو .. يا حضرة القاضى إتْ ما بتخاف الله؟! دحين أمانة فى ذمتك هسَّع ده مصحف عتود"؟!

.............................

.............................

          إستغرقتني المفارقة في نوبة من الضحك المجلجل، فلم أعد أذكر كيف انتهت القضيَّة، بل لعلَّ مولانا نفسه لم يحفل بإكمال القصَّة، لكنَّ شيئاً من مغازيها العميقة رسَبت عميقاً فى قاع ذهني، حين بدا لى أن وجهاً أساسياً من وجوه أزمة الإسلام فى بلدنا إنما يكمن فى كوننا، نحن غالب مسلميه البدو الرعاة، وإنْ عمَّرنا المدن الحديثة، ما ننفكُّ نمحق، بلا هوادة، (صحيح الدّين) الذي هو كلمة الله في مطلق عليائه، وجلال الكمال سمته الأعم، لحساب (مُتخَيَّل التديُّن) الذي هو بعض كسبنا البشري المشوب بالقصور، كطبيعة متأصّلة. وبالنتيجة لا نخلص، في لا وعينا الجمعي، سوى إلى رفع (مصحف الحِلـَّة) عتيق الحبر والصحائف درجات فوق (مصحف المحكمة) حديث الطباعة والتغليف، فيصير لدينا مصحف لـ (العتود) وآخر لسواه، دونما أدنى سند عقليّ، أو عماد من صحيح الإيمان، إذ هما وجها الحقيقة الإسلاميَّة الواحدة. وما أكثر ما يصادفك مَن يتجهَّمك بقول قديم مجتزأ من فقيه أو مفسر يعضّد به مصلحة (خاصَّة) يطلبها، أو موقفاً (دنيوياً) يتخذه؛ والويل لك إذا ما بدا هذا القول غير سائغ لديك فى ميزان فهمك لأغراض الدّين أو مقاصده الكليَّة؛ فالمطلوب هو استرهابك فترضخ، حتى لو كان ثمن ذلك لجم تفكيرك، واستلاب وعيك، وغلُّ إدراكك!

فهل نحن مأمورون، حقاً، باستخدام (عقولنا) في إحسان التسليم بالعبوديَّة المطلقة لربّ هذا القرآن؟! أم بالانكفاء الوجل على (كلّ) رموزيات (التاريخ الإسلامي) بلا فرز ولا تبصُّر، وتجميدها فى الزمان السَّرمدي دونما جدارة أو استحقاق، خصوصاً حين ترتبط بأقوال وأفعال البشر، وبالأخصّ كلما أوغلت نأياً إلى الوراء عن عصرنا، فنتوهَّم فى قِدَمِها وتعتقها قداسة وعصمة مخصوصتين من الزَّلل، وننتهى، من ثمَّ، عملياً، إلى نمط من (التديُّن)نتعبَّد فيه، لا بـ (ثوابت الإسلام) نفسه، قرآناً وسُنّة، في المقام الأوَّل، وإنما بـ (تاريخ الدَّولة الإسلاميَّة)، وكلّ ما يذخر به من صراعات (دنيويَّة) محضة حول سياسات المعاش والاجتماع، وهي أمور (متحرّكة)، بطبيعتها، خاضعة لتقديرات البشر، ولا قداسة أو عصمة فيها، وإن تلبَّست (تعبيرات دينيَّة) بغرض الظفر الآني، والكسب الخيدع، والعياذ بالله؟!

 

(3)

          ولعلَّ من أخطر مآلات هذا (التقديس) لـ (التاريخ) ما انتهينا إليه ، فى راهننا، من وضع ديني وفكري نكاد لا نميِّز فيه بين ما هو نصٌّ قطعي الورود والدلالة في القرآن الكريم أو السنة المطهَّرة، وبين ما هو محض فقه، أي محض رأي قائم على اجتهاد بشري تسيّجه مشروطيَّات أبستيمولوجيَّة تاريخيَّة محدَّدة، وخاضعة لمعايير الخطأ والصَّواب، بصرف النظر عن مدى ثقل حمولته من الشُّحنات المصطلحيَّة الدينيَّة. وإنه لمن المدهش، بل من المحيِّر حقاً، أن يحتاج المسلم للتدليل على كون المشروعات الفقهيَّة الضخمة نفسها في التاريخ الإسلامي، بما فيها أعمال وفهوم الصحابة الأجلاء ذاتهم، وفيهم الخلفاء الراشدون، دع عنك الحواشى والشروحات والتفاسير التى ترد على المتون المرجعيَّة الأصليَّة في القرآن والسنة، إنما هي من قبيل هذا الاجتهاد الذي نهض بعبئه، وراكمه، بشر مسلمون كانوا بمثابة مفكري ومثقفي عصورهم، بالمصطلح الحديث، وخلاصة مستوى الوعي الاجتماعي الاسلامي زماناً ومكاناً. فابن رشد، على سبيل المثال، جابه، من موقعه كمفكر وفقيه وفيلسوف مسلم، أسئلة عصره الكبرى، خلال القرن الثانى عشر الميلادي، فلم يقف متردِّداً ينظر إلى الخلف في وجل، بل مضى يقتحم، بتجرُّؤ واقتدار، كافة أسوار المعضلات الشائكة، مستنهضاً فرضيَّته الأساسيَّة القائمة في عقلانيَّة الإسلام الفلسفيَّة والعلميَّة، فخلص، بالنتيجة، إلى رفد الفكر العالمي بأسره بعناصر تنويره وتفتحه. هكذا، لم تكتف (الرُّشديَّة) بأن تتمأسس كمرجعيَّة يستحيل تجاوزها على صعيد الفكر العربي الاسلامي، فحسب، بل وعلى صعيد الفكر اللاتيني المسيحي أيضاً. والإمام الشافعي تصدَّى، من جانبه أيضاً، كعالم إسلامي، لإشكاليات التشريع والقضاء في عصره، فوضع رسالته الشهيرة في أصول الفقه، مستهدفاً ".. أن يخلع على الفقه والتشريع نوعاً من التماسك والانضباط والوحدة لمواجهة قضايا العصر والمسلمين آنذاك .. كان يريد خلع نوع من التماسك والجديَّة على العمل (العقلي) للقاضي و .. الفقيه، عند .. الافتاء فى مسألة ما، أو حلّ مشكلة ما" (محمد أركون؛ "الاسلام والحداثة" ، ترجمة وعرض هاشم صالح، ضمن ندوة "مواقف" بنفس العنوان ، ط 1 ، دار الساقى ، لندن 1990م ، ص 332 ـ 334). ومع ذلك كله، فإن جلال ذلك الاجتهاد، بالغاً ما بلغ من القِدَم والتعتق، أو حتى من سداد المقاربة لـ (الحقيقة الدينيَّة)، لا ينفي عنه نسبيَّته المترتبة، من جهة، على محدوديَّته البشريَّة، من حيث احتماله للخطأ والصواب، كخاصّيَّة ملازمة تقطع بينه وبين نصوص الوحي المطلق، المنزَّه والمعصوم، والمرتبطة، من الجهة الأخرى، بعامل تغيُّر الأزمان، وهو عامل وثيق الصلة بخاصّيَّة المحدوديَّة البشريَّة أيضاً. فمشروع ابن رشد، على ضخامته وجرأته وعقلانيَّته، لا يمكن إعادة إنجازه، الآن، بذات المنهجيَّات التي اتبعها في التاريخ القروسطي، وكذلك مشروع الإمام الشافعي في عصره ".. لأن الطرائق والمنهجيات التى اتبعها (كلاهما)، على الرغم من اختلافهما، قد أصبحت الآن فى ذمة التاريخ (أي) .. مادة للتاريخ والمؤرخين، وليست طريقاً ناجعاً يوصلنا إلى الشاطئ المرجو، ويخرجنا من الورطة" (المصدر نفسه ، ص 334).

والآن، وطالما أن ذلك كله كذلك، فكيف انتهى بنا الأمر إلى هذا الحدّ المريع من الخلط والتخليط الفادحين بين (المقدَّس) و(البشري)، بعد كلّ تلك الإشارات القويَّة في القرآن والسُّنة لمكانة (العقل) في الإسلام، باعتباره موئل التكليف، ومناط الاستخلاف، وبعد كلّ تلك المراكمات الفقهيَّة عالية القيمة عبر القرون المتطاولة، والتي يفترض أن تزوِّدنا (بالنموذج الفقهي) الملهم كما ينبغي، لا (النصوص الفقهيَّة) الملزمة كما نتوهَّم؟! كيف انتهينا للاشتجار بـ (نصوص) الفقهاء والمفسرين والشُّرَّاح، نشحنها بـ (قدسيَّة) ليست من جنسها؟! كيف انتهينا، هكذا، إلى تغليب (متخيَّل المصحف) على (المصحف) نفسه، ومنح (مصحف العتود) فى أوهامنا وزناً أكبر من (مصحف الرسالة) فى حقيقته٭٭؟!

 

(4)

ضمن هذا السياق فإن هذا المبحث سوف يعنى بمشهد الخلاف حول قضيَّة (الدّين والدَّولة) في بلدنا، لا من حيث وقائع العلاقات المأزومة بين (المسلمين) و(غير المسلمين)، فهذه، على ما هى عليه من أثر وخطر بالنسبة لقضية (الوحدة الوطنيَّة)، واضحة نسبياً، فلا يجد الباحثون عُسراً فى تناولها. ولكن اهتمامنا سوف ينصبُّ على هذا المشهد، بالأساس، من زاوية الفهوم والتصوُّرات شديدة الاختلاف وسط الجماعة المسلمة ذاتها، بشأن موقف (دينها) الواحد من هذه القضية، مع الافتقار إلى الحد الأدنى من تنظيم هذا التباين أو إدارته، مضموناً ولغة واصطلاحاً، الأمر الذي يتيح لكلّ من شاء أن يحصر (صحيح الدين) في (فهمه = نمط تديُّنه) وحده، بل وليس نادراً أن يعتبر كلَّ ما عداه ضرباً من (الكفر)، بكلّ ما يترتب على ذلك من تصدُّع يتهدَّد الأعمدة التاريخيَّة لثقافة هذه الجماعة، في بنية التعدُّد السوداني، بالانهيار الشامل.

فقط بطرح القضيَّة في هذا المستوى، وبهذه الصورة، لا بتركها فريسة لأضراس طاحونة السّياسة السّياسويَّة، يمكن أن نأمل في إخراجها، في نهاية المطاف، من ضيق الأفق الذي يؤبّدها كمحض عظمة نزاع غوغائي لا يبقي ولا يذر بين هذا الحزب وذاك، أو بين هذا التيَّار وغيره، فالقضيَّة فكريَّة ثقافيَّة، في أصلها، وليس أخيب من خطة تروم معالجة الصّراع الفكري بآليَّات السياسة ومناهجها.

 

(5)

          إن العنصر الأساسي في أزمة هذه الثقافة كامن في كونها قد تشكلت على قوالب (الترميزات الأسطوريَّة) الناجزة بنفسها، كنتاج لقرون من التخلف والجمود، بأكثر ممَّا تنشَّأت على ديناميكيات (التدبُّر العقلي)، كشرط أساسي في الإسلام الذي ".. يعطي الإنسان مجال التفهُّم بعقله .. حاثاً على استخدام العقل في 50 آية .. وعلى التفكير في 18 آية" (الصادق المهدى ؛ أحاديث الغربة ، ط 1 ، دار القضايا ، بيروت 1976م ، ص 33). فلمعرفة (الله) نفسه يفترض الإسلام أن يلتزم المؤمنون عمليَّات (عقليَّة) كاملة يستخدمون خلالها ما أودع الخالق فيهم من (حواس) لهذا الغرض بالذات: "والله أخرجكم من بطون أمَّهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون" (78 ؛ النحل)، أي "تؤمنون" (تفسير الجلالين). كما ويأمرهم بالإنتباه إلى عدم الخلط بين ما هو (دين)، من جهة، فشأنه إلى الله ورسوله، وما هو (دنيا)، بما في ذلك سياسة المعاش والاجتماع وخلافه، من الجهة الأخرى، فأمره متروك لتدبيرهم، جرياً على قاعدة الحديث الشريف: "ما أمرتكم بشئ من دينكم فخذوه، أما ما كان من أمر دنياكم فأنتم أدرى به"، وفى رواية أخرى: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" ـ رواه مسلم وابن ماجه وابن حنبل.

لكن، برغم ذلك كله، فإن من أبرز تجليَّات الأزمة سيولة مفهوم (المقدَّس)، فى الذهنية المسلمة العامَّة، لينداح، دونما (تدبُّر)، على (كلّ) الوقائع والشخوص والأفكار والترميزات التي تنسب لـ (الإسلام)، فيتمُّ رفع ذلك أجمعه، حزمة واحدة، وبلا أدنى (تعقل)، إلى مستوى (الثوابت الدينيَّة).  

 

                   (6)

ومن عجب أن نظريَّة (التقادُم المُكسِب للقداسة) هذه، على خطلها، لا تستصحب أهمَّ وجوه النظر الفقهي لدى الصَّحابة الأجلاء والخلفاء الراشدين، فتسقط من حسابها ، بالكليَّة، على سبيل المثال الساطع، مراكمات الفاروق عمر البشريَّة الاجتهاديَّة، في أعقد المسائل وأكثرها خطراً، وهو الذى قال فيه النبي (ص) عن ابن عمر (رض): "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه"، وعن مجاهد قال: "كان عمر يرى الرأى فينزل به القرآن" ، وذلك لكون الوحي قد وافق فتاواه في أغلب الأحيان، حتى سُمِّيَت بـ (موافقات عمر) أو (ما نزل من القرآن على لسان عمر)، مما أفاضت كثير من المصادر في تفصيله (راجع مثلاً: الإتقان فى علوم القرآن لجلال الدين السيوطي). وللدّقة، فإنك قد تصادف، هنا أو هناك، نماذج من تلك الفتاوى العُمَريَّة حول غيرة نساء النبي، وحول احتجابهنَّ، وحول اتخاذ مقام إبراهيم مصلى، وما إلى ذلك. ولكنك، بالكاد، تصادف نماذج من تدابيره الأخرى ذات الطابع السياسي، مثل قراره عدم توزيع أرض الشام وسواد العراق على المقاتلة، والاستعاضة عن ذلك بالابقاء عليها فى أيدى أصحابها مع فرض خراجها عليهم، وذلك برغم وضوح نصّ الآية الكريمة: "واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل .." إلى آخر الآية (41 ؛ الأنفال). فمن المعلوم أن الفاروق قد غلب وجه (المصلحة)، بحسب (روح) هذا (النصّ)، على (منطوقه)، لجهة حرصه على توخى العدل إزاء الذريَّة والأرامل، وأجيال المسلمين الذين سوف يأتون في الغد ليجدوا الأرض بعلوجها قد اقتسمت وحيزت وورثت، علاوة على احتياج الثغور لما تسَدُّ به. وما زال يسوق حججه (العقليَّة) للصحابة حتى اقتنعوا، ففرض الخراج (أنظر: كتاب الخراج لأبى يوسف، ص 14). ومثل ذلك أيضاً إلغاؤه سهم (المؤلفة قلوبهم) المنصوص عليه ضمن الآية الكريمة (60 ؛ التوبة) ، والذى سار عليه من قبله أبوبكر اقتداء بعمل الرسول (ص)، وفتواه الأشهر بعدم جواز قطع يد السارق فى عام الرمادة، وغير ذلك كثير. ويتحفظ بعض المفكرين المسلمين المعاصرين على تسمية هذا المنهج العُمَري في سياسة الدنيا بـ (تعطيل النص)، فالأمر، من زاوية نظرهم ".. لا يعني (تعطيل) النص، بل يعني فقط تأجيله بالتماس وجه آخر في فهمه وتأويله" (محمد عابد الجابرى؛ الدّين والدَّولة وتطبيق الشريعة، ط 1، مركز دراسات الوحدة العربيَّة، بيروت 1996م، ص 45). وهذا، على أيَّة حال، موقف أكثر استقامة، عقليَّاً، من مجرَّد الاستكانة إلى الوجَل الذي لا يورث سوى أحد أمرين: فإما أن يُمسي هذا المنهج العُمَري منكوراً عياناً بياناً، وهذا لا يكون؛ أو أن يجري تداركه باللواذ بالصمت حياله تماماً، وهذا أفضل الحالين، أخذاً في الإعتبار بأنهما وجهان لعملة فقهوفكريَّة واحدة! لكن، مهما يكن الأمر، فإن ما ينبغي أن يتركز عليه النظر والاهتمام هو المنهج نفسه، وليس عنوانه.  

          وإذن، فالتعاطي مع النصّ من منظور وجه (المصلحة)، أي (مصلحة الأمة) أو (المصالح الكليَّة)، بالمصطلح الشرعي، إنما يشكل أحد أهمّ عناصر هذا المنهج العُمَري أو (الشروط العُمَريَّة) في مستوى التطبيق. وواضح من وقائع التاريخ الثابتة أن هذا المنهج (العقلاني) قد تطور، خلال تلك الفترة، من باب استيفائه لمقتضياته (الشوريَّة)، فلم يفرضه الفاروق فرضاً، لا على عموم الأمَّة، ولا على خاصَّة الصحابة. بل إن الأخيرين أنفسهم، والذين خصَّهم الله سبحانه وتعالى بتنزُّل الآيات، طازجة، فى حضورهم، قد دأبوا على اعتماد منهج (التدبُّر العقلي) هذا في النصوص بمعيار (المصالح الكلية)، فما كان الفاروق (شذوذاً) عن قاعدة ما، بقدر ما شكل (تجاوزاً) منطقيَّاً بقدراته الاستثنائيَّة شديدة التميُّز والخصوصيَّة. ومن ثمَّ، حقَّ النظر بعين النقد المستقيم، إن لم يكن الشكُّ المشروع، لأىِّ مسعى لإنكار هذا المنهج، أو أيَّة محاولة لإغفاله أو إسقاطه، والاستعاضة عنه بالمناهج التلفيقيَّة لتوليف منظومات من (الأحكام السلطانيَّة) الانتقائيَّة المستندة إلى اجتهادات فقهاء آخرين، من عصور وأزمنة مختلفة، بعد (تنزيههم!)، أجمعين، عن خصيصة (المحدوديَّة!) البشريَّة، و(رفعهم!)، من جانب المتأخرين من حكام ومفكري ومثقفي الجماعة المسلمة، إلى مستوى (القداسة!)، فى غياب، أو ربما (تغييب!) أيّ مداخل نقديَّة تيسِّر قراءة هؤلاء وأولئك قراءة صحيحة، بتقعيدهم، أوَّل شئ، فى إطار الظروف الاجتماعيَّة السياسيَّة والفكريَّة التي عملوا أو أنتجوا اجتهاداتهم تحتها!

 

(7)

إن المسلمين، اليوم، وفى ظروف الانقسام المبهظ الذي يَسِمُ راهنهم حدَّ التشظي، والتطوُّرات الهائلة الجارية في المستويين الوطني والعالمي، والتي طالت حقول حياتهم الاقتصاديَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة والفكريَّة كافة، محتاجون، أكثر من أى وقت مضى، لـ ".. إعادة تأصيل الأصول على أساس اعتبار المصلحة الكليَّة، كما كان يفعل الصحابة. وبعبارة أخرى، فإن تطبيق الشريعة، التطبيق الذي يناسب العصر وأحواله وتطوُّراته، يتطلب إعادة بناء مرجعيَّة للتطبيق. والمرجعيَّة التي يجب أن تعلو على غيرها هى (عمل الصحابة)، فهي الوحيدة التي يمكنها جمع المسلمين على رأي واحد، لأنها سابقة على قيام المذاهب وظهور الخلاف؛ كما وأنها صالحة، أيضاً، لكل زمان ومكان، لأنها مبنيَّة على اعتبار المصالح الكليَّة" (محمد عابد الجابرى؛ الدّين والدَّولة ..، مصدر سابق ، ص 52 ـ 53). وفى قول الجوينى ، إمام الحرمين: "إن سُبرَ (أى اختبار) أحوال الصحابة رضى الله عنهم، وهم القدوة والإسوة فى النظر، لم يُرَ لواحد منهم فى مجالس الاستشوار تمهيد أصل واستثارة معنى، ثم بناء الواقعة عليه (أى كما يفعل الفقهاء فى قياساتهم)، لكنهم يخوضون فى وجوه الرأى من غير التفات إلى الأصول، كانت أو لم تكن"؛ ويقصد (الأصول) التى وضعها الفقهاء لمذاهبهم الفقهيَّة. ويقول أيضاً: "إن أصحاب رسول الله (ص) ما كانوا يجرون على مراسم الجدليين من نظار الزمان (أى زمنه هو) في تعيين أصل، والاعتناء بالاستنباط به، وتكلف تحرير على الرسم المعروف فى مجالس الاستشوار بالمصالح الكليَّة" (ضمن محمد عابد الجابرى؛ الدّين والدَّولة ..، مصدر سابق، ص 51 ـ 52).

                                (نواصل غداً بإذن الله)

 

 

الإشارات:

٭ العَتودُ: الجَدْىُ الذى اسْتكْرَشِ ، وقيل: هو الذى بلغ السِّفاد ، وقيل هو الذى أجْذعَ. والعَتودُ من أولاد المَعَز: ما رَعَى وقَوِىَ وأَتَى عليه حَوْلٌ (أنظر: لسان العرب لابن منظور، مادة "عتد"). وهو هكذا فى غالب عاميَّة المستعربين السودانيين.

٭٭ المقصود بتعدد المصاحف هنا مجرد مجاز لتعدد الأفهام ، ومضامين (التديُّن) ، وزوايا النظر ، فى إطار ذات المصحف العثمانى الواحد ، وليس الاشارة إلى تعدد محاولات جمع القرآن السابقة على المصحف العثمانى ، حيث شهد التاريخ الاسلامى محاولات حثيثة لجمع القرآن على أيدى عدد من الخلفاء الراشدين والصحابة الأجلاء ، ممن خافوا ضياعه بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، وعلى رأسهم أبوبكر الصديق الذى عهد بهذه المهمة إلى زيد بن ثابت ، فتتبَّعه وجمعه ، آية آية ، من العُسُب ، واللخاف ، والكرانيف ، والأضلاع ، والأكتاف ، وذاكرة الرجال (عبد الصبور شاهين؛ تاريخ القرآن، القاهرة 1966م ، ص 102). وتواترت هذه المحاولات ، قبل تمام جمع (المصحف الإمام) وحرق ما عداه على يد عثمان بن عفان ، حتى بلغت المصاحف فى جملتها واحداً وعشرين مصحفاً ، منها مصحف عمر بن الخطاب ، ومصحف على بن أبى طالب ، ومصحف أبَى بن كعب ، ومصحف عبد الله بن مسعود ، ومصحف عبد الله بن عباس ، ومصحف عبد الله بن الزبير ، ومصحف عبد الله بن عمر ، ومصحف عائشـة ، ومصحف حفصة ، ومصحف أم سلمة ، وغيرها (للمزيد من التفاصيل راجع: الحافظ أبو بكر السجستانى ، كتاب المصاحف القاهرة 1936م ، ص 81 ـ 91).