ثَوابِتُ الدِّينِ أَم مُتَحَرِّكاتُ التَّدَيُّن؟!

(ما أمرَ نبيَّه بمشاورتهم في الأمور العسكريَّة لحاجة منهُ إلى

                     رأيهم، وإنمَّا أراد أن يعلّمهُم ما في المشاورة من الفَضْل)

                                                      الحسن البصري

Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

(22)

مشروعيَّة (التعدُّد) بإزاء (أمور) الدنيا تنقلنا، مباشرة، للتعرُّف على جوهر معادلة (السُّلطة ـ الحريَّة) في الإسلام. سوى أن هذه، بدورها، تستلزم، ابتداءً، استجلاء مفهوم أساسي على هذا الصعيد، هو مفهوم (الاستخلاف) في القرآن. فالمعلوم من الدّين بالضرورة، بالنسبة لكلّ مسلم، أن ثمَّة حكمة وراء خلق السماوات والأرض، وسَنّ السُّنن الكونيَّة التي تجرى عليها الحياة، وخلق الإنسان، وتحديد مركزه المُمَيَّز كأفضل الكائنات طراً: "ربنا ما خلقت هذا باطلا" (191؛ آل عمران). 

وإذا كان (الإدراك) لربوبيَّة الخالق المطلقة، و(التسليم) له (وحده)، من ثمَّ، بالعُبوديَّة الخالصة، هو جوهر العبادة، فإن شيئاً من هذا لا يُتصور تحققه بغير (إدراك) تلك الحكمة التي جعلها الله في متناول أفهام البشر، بما أودع فيهم من قبس إلهي: "ثم سواه ونفخ فيه من روحه" (9 ؛ السَّجدة)، وما خصَّهم به من خصيصة قرينة لخلقهم قبل التنزيل نفسه: "فطرة الله التي فطر الناس عليها" (30 ؛ الروم)، وما منحهم من أداة تمكنهم من بلوغ هذا (الإدراك)، وهى (العقل): "لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير" (10 ؛ الملك). وقد رُوى عن النبي (ص) أنه قال: "أوَّل ما خلق الله العقل، فقال له أقبل فأقبل، ثمَّ قال له أدبر فأدبر، ثم قال الله عزَّ وجلَّ: وعزَّتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم علىَّ منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أثيب، وبك أعاقب" (أخرجه الطبراني في الأوسط). وعن عمر (رض) أن رسول الله (ص) قال: "ما اكتسب رجلٌ مثل فضل عقل يَهدى صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى، وما تمَّ إيمان عبد، ولا استقام دينه، حتى يكمل عقله" (أخرجه داود بن المحبر). ولقد حضَّ الله سبحانه وتعالى بنى آدم حضَّاً على استخدام هذه (الأداة) ذات الأهمية الاستثنائية التي خصَّهم بها من دون خلقه أجمعين: "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السَّمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون" (78 ؛ النحل). والشُّكر إنما يكون بالإيمان (تفسير الجلالين)، وفى ذلك تكمن علاقة السَّببيَّة بين (العقل) و(الإيمان). وتتواتر الآيات التي تحمل الدَّلالة على هذا الحضِّ بمختلف الصِّيغ: (لعلكم تتفكرون)، (أفلا تتفكرون)، (أفلا تتذكرون)، (لقوم يعقلون)، (أفلا يعقلون)، (يا أولي الألباب). ".. والعقل أشرف صفات الإنسان .. إذ به تقبَّل أمانة الله" (أبو حامد الغزالي؛ إحياء علوم الدين، ج 1 ، ص 12 ـ 13). ويحثُّ القرآنُ الإنسانَ ".. على استخدام العقل في 50 آية، وعلى التفكير في 18 آية" (الصادق المهدي؛ أحاديث الغربة، ص 33). وقد وردت عبارة (أولي الألباب) في القرآن الكريم ".. خمسة عشر مرَّة. وأولو الألباب هم أصحاب العقول، كأن العقل هو لبُّ المرء وما عداه قشر" (محمد الغزالي؛ دستور الوحدة الثقافيَّة ..، ص 178).

وإذن، فإن الله عزَّ وجلَّ غنىٌّ عن إيمان بلا تدبُّر، ومتكبِّرٌ على تسليم بلا تفكُّر، ومُستعلٍ على عبادة بعقول غائبة، وأفئدة مستلبة، ممَّا يجترح بعض متشنّجة الاستبداد، وملهوجي التيار الإسلاموي السُّلطوي الذين يوهمون الناس، صباح مساء، بأن الإستكانة لإرادتهم هُمْ البشريَّة إنما هي من باب الخضوع لمشيئة السَّماء، وهو النهج الذي تنبَّه عقلاء حركة الإسلام السّياسي لما يمكن أن يسبّبه لحركتهم من خسران فادح، ممَّا دفع د. عبد الوهاب الأفندي لإطلاق صيحته التحذيريَّة التي سلفت الإشارة إليها من أن الحركة، بمثل هذا النهج، ".. ستوجّه ضربة قاصمة لآمال الإحياء الإسلامي، وقد تصبح .. وبالاً على الإسلام" (الوفاق ، 18/1/2000م).

 

(23)

          باستخدام (عقولهم)، إذن، يستطيع المسلمون إدراك أن غاية الخالق الحكيمة من خلق الإنسان هي (استخلافه) في الأرض لعبادته بإعمارها: "وإذ قال ربُّك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" (30 ؛ البقرة)، وأن الخالق قد كرَّم (الإنسان)، لأجل ذلك، من حيث هو كذلك: "ولقد كرَّمنا بني آدم" (70 ؛ الاسراء)، وفضَّله على سائر مخلوقاته الأخرى: "وفضَّلناهم على كثير ممَّن خلقنا تفضيلا" (الآية)، بل ورفعه درجة حتى على الملائكة أنفسهم: "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم" (116 ؛ طه).

وعلاوة على نعمة (العقل)، بل بناء عليها، وُهب الإنسان نعمة (الحُريَّة)، فلم يُقسر حتى على الإيمان بالله: "ولو شاء ربُّك لآمن مَن في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (99 ؛ يونس) ـ "ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل" (107 ؛ الأنعام) ـ "قد جاءكم الحقُّ من ربّكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلَّ فإنما يضلُّ عليها وما أنا عليكم بوكيل" (108 ؛ يونس) ـ "بقية الله خير لكم وما أنا عليكم بحفيظ" (86 ؛ هود) ـ "لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين" (3 ؛ الشعراء) ـ "وقل الحق من ربّك فمَن شاء فليؤمن ومَن شاء فليكفر" (29 ؛ الكهف) ـ "لا إكراه في الدّين" (256 ؛ البقرة) ـ "لست عليهم بمصيطر" (22؛ الغاشية).

وبقدر كسب الإنسان، بحريَّته غير المنتقصة هذه، وإرادته الطليقة في (الاختيار)، يكون حسابه: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يُرى. ثمَّ يُجزاه الجَّزاء الأوفى" (39 ، 40 ، 41 ؛ النجم)، فمدار هذا العدل الإلهي هو كسب الإنسان بمحض إرادته الحُرَّة وعقله المختار.

هكذا أوكل الخالق لهذا ".. الكائن المكرم بالعقل والإرادة والحريَّة والمسئوليَّة .. مهمَّة عمارة هذا الكون، واكتشاف طاقاته، وتسخيرها لتحقيق الخير والحق والمساواة والعدل والحريَّة والمعرفة والثروة للجميع، وفق الضوابط والمناهج والقيم والعقائد التي جاء بها الرُّسُل عوناً من الله ورحمة لهذا المخلوق حتى يحقق .. بإرادته واختياره سُنن الله في حياته كما تحققت تلك السُّنن لدى الكائنات جبلة وغريزة .. وإن الإنسان .. قد اكتسب بمقتضى ذلك التكريم حقوقاً لا سلطان لأحد عليها، ويحمل تكاليف لا انفكاك له منها" (راشد الغنوشي؛ محاور إسلاميَّة، القاهرة 1989م، ص 68).

 

(24)

          خطاب (الاستخلاف) القرآني موجَّه، إذن، كما قد رأينا، إلى (الناس أجمعين)، لا إلى (الحُكام) أو (أولي الأمر) الذين ما زالوا يحرفون الكلم عن موضعه، عبر التاريخ، ويحيطون أنفسهم وأفعالهم بقدر من (العصمة) ليست لها، ومن (القداسة) دونما استحقاق، حتى ليكاد هذا الخطاب يبدو كما لو كان متوجّهاً لهم وحدهم، سواء في ذلك الحاكم الفرد المطلق، أم النخبة الحاكمة، أم الطبقة الاجتماعيَّة السَّائدة اقتصادياً وسياسيَّاً، فلكأنهم ظلال الله في أرضه، والمخاطبون وحدهم  بعمارتها، كي يتيسَّر لهم، من ثمَّ، أن يستبدُّوا بالأمر، كيفما شاءوا، من دون الناس أجمعين، فيستعملونهم فيه استعمالاً، ويحملونهم عليه حملاً.

ولئن كانت فكرة (الدولة الدينيَّة) قائمة، بالأساس، على شعار (الحاكميَّة لله) أو (الحكم بالحقّ الإلهي)، فإن هذا الشّعار، في حقيقته، هو صنو الادّعاء العريض إما بأن (إنساناً ما) يحتكر وحده (الوكالة) عن (الله) عزَّ وجلَّ في (معرفة) حُكمه، ومن ثمَّ (تنزيله) على سائر الناس في المجتمع المعين، أو بأن هذا (الإنسان) هو نفسه (الإله) المعبود! ففي الحالين لا بُدَّ، لتطبيق الشّعار، من (بشر) ليحكم، ولا فرق، بعد ذلك، بين أن يدَّعى هذا (البشر) أنه (وكيل) الله و(ظله) في الأرض، أو أن يزعم، صراحة أو ضمناً، أنه هو (الله) نفسه!

 

(25)

وتعلمنا عِبَرُ البشريَّة الثرَّة، وخبراتها المتراكمة، كيف أن لكلّ استبداد في التاريخ أسلوبه الخاص في الاتشاح بأوشحة (الدّين). فإذا كان الخوارج، في تاريخ الفكر السّياسي الإسلامي، هم، كما قد رأينا، أوَّل من رفع شعار (الحاكميَّة)، نظريَّاً، فقد استخدمه، عملياً، كثير من خلفاء وولاة وعمَّال الدَّولة الإسلاميَّة، خصوصاً بعد انقلاب الخلافة الراشدة إلى ملك عضود، كسلطة معنويَّة تعزّز أدوات قهرهم لشعوبهم، وصراعاتهم التي لا تهدأ على العروش، حتى "أدَّى الصراع على السُّلطة إلى ترك الشورى .. وتربَّع على مقاعد الحكم خلفاء لا تسندهم سوى شرعيَّة السيف، و(صار) من مقتضيات حكم القوَّة أن تتسع الهوَّة بين الحاكم والمحكوم، وأن يخضع الحكام شعوبهم، وأن يلتمسوا الحماية من بأس الشعوب باتخاذ حُرَّاس مأجورين، مُجنَّدين من عناصر .. لا تتردَّد، إن أمرت، بالبطش بشعب ثائر، و .. صارت ولاية الأمر في جانب القوَّة وحدها، وانتشر الاستبداد .. مُلجماً الفكر واللسان" (الصادق المهدي، أحاديث الغربة، ص 30 ـ 31).

غير أن هذا الشَّعار نفسه، في مستوى الادّعاء العريض بالحكم بـ (الحقّ الإلهي)، ليس وقفاً، فحسب، على وقائع تاريخ الدولة الإسلاميَّة، وإنما عرفته البشريَّة، قبل ذلك وبعده، بمختلف أجناسها وأديانها ولغاتها وثقافاتها، مع الفارق بين شتى أشكال الطرح الفكري، والممارسة العمليَّة. ويخبرنا القرآن الكريم، في ذلك، خبر فرعون، ضمن جملة آيات كريمات، منها: "وقال فرعون يا أيُّها الملأ ما علمت لكم من إله غيري" (38 ؛ القصص) ـ "قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" (29 ؛ غافر) ـ "فقال أنا ربكم الأعلى" (24 ؛ النازعات). وتكفى التفاتة عجلى إلى التاريخ العالمي لإدراك مدى رواج هذه المزاعم الباطلة، أيضاً، لدى أكاسرة الفرس، وقياصرة الروم، وشتى ملوك وأباطرة وخواقين العالم القديم.

          ويستنتج بعض المفكرين عِلة ذلك من نظرة هؤلاء المستبدين إلى قدرة التعاليم الدينيَّة على التأثير العميق في البشر حين تدعوهم "إلى خشية قوَّة عظيمة هائلة لا تدرك كنهها العقول، تتهدَّد الإنسان .. تهديدا ترتعد منه الفرائص، فتخور القوى، وتنذهل العقول"، فيجد المستبدون في هذه الخاصيَّة الدّينيَّة إغواءً مخصوصاً بتدعيم سلطانهم عن طريق مماهاته بتلك القدرة الاستثنائيَّة الخارقة، فيتيسَّر لهم استرهاب الناس "بالتعالي الشَّخصي، والتشامخ الحسّي، ويذللونهم بالقهر، والقوَّة، وسلب الأموال، حتى يجعلوهم خاضعين لهم، عاملين لأجلهم"، وذلك بتأثير الأبنية النفسيَّة التي يقيمونها فى وعي ولا وعي العامَّة، فلا يعود بمستطاع هؤلاء الأخيرين التمييز بين (معبودهم) و(جبَّاريهم)، أو "بين الفعَّال المطلق والحاكم بأمره .. وبين المنعم وولى النّعم، وبين (جلَّ شأنه) و(جليل الشَّأن)؛ وبناءً عليه يعظمون الجبابرة تعظيمهم لله" (عبد الرحمن الكواكبي؛ طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، ص 36 ـ 37).

          والآن، إذا ما حاولنا اختبار نظريَّة الكواكبي هذه، على ضوء بعض تجليَّات الاستبداد، ممارسة وتقبُّلاً، في الراهن الحضاري الإسلامي، لدى التعاطي فكريَّاً وسياسيَّاً، مع (الديموقراطيَّة)، مثلاً، ومقولتها الرَّئيسة (سيادة الشعب)، فإننا سوف نحصل على النتيجة التالية: المعنى المباشر، الواضح، السائغ عقلاً، المتوائم مع الفطرة، والذي يُستفاد من هذه العبارة هو ببساطة: (علو إرادة الشعب، سياسيَّاً، على إرادة الحاكم). غير أن أبنية التفكير الاستبدادي، سواءً المتشامخة بالاسترهاب أم المذللة بالقهر، والمتشاكلة، فى كلا الحالين، مع الأنساق العقليَّة والنفسيَّة التي تجري تغذيتها، بشكل مستمر، إعلاميَّاً وتعليميَّاً، على الخلط والتخليط بين (الحاكم) و(المعبود)، هي وحدها التي سوف تجفل فرقا عند سماع العبارة، وسوسة من عند نفسها، بأن المعنى المقصود هو: (علوُّ مرتبة الشعب على مرتبة المعبود)!

بالنتيجة، فإن الاستبداد، سواءً بالسلوك العملي، وممارسته الفعليَّة على المحكومين، أم بالتربية القهريَّة لهؤلاء الآخرين، وتمرينهم الجبري المستدام على تقبله واعتياده، كنسق مغلق من الأفكار والرؤى، ونظام جامد من الأخيلة والتصوُّرات، كثيراً ما يرتب، في المحصلة النهائيَّة، لأنماط متفاوتة من تصلب الذهن، وحزازة الاعتقاد، بل ليس نادراً ما ينعكس في حالات من الفقدان التام للقدرة على الإدراك السليم حتى للفارق بين (المستبدّ) وبين (المعبود)، وفق نظريَّة الكواكبي، لا بالنسبة (للمستبدّ به) فحسب، بل وبالنسبة (للمستبدّ) أيضا، فالاستبداد، في حقيقته، نسق لا إنساني من أفعال وقابليَّات يجرى اصطناعها قسراً بالمصادمة (للفطرة) السليمة، فتفضي، في نهاية المطاف، إلى تشويه إنسانيَّة المستبدّ وضحيته معاً!                                                                   

                                            (26)

إن أدنى مقاربة للمنهج القرآني صوب مسألة (الدَّولة) في الإسلام، على ضوء بعض مقولاته الأساسية المتلازمة، مثال (الاستخلاف والتكريم)، و(الإيمان والعقل)، و(التكليف والاختيار)، و(المشيئة والحساب)، فضلاً عن المكانة المتميِّزة التي يشغلها مفهوم (الشُّورى) ضمن هذه المسألة، سرعان ما تكشف، بجلاء تام، وبكل المعايير، عن غربة مشروع (الدَّولة الدّينيَّة) عن الإسلام، بل ومصادمته المباشرة لقيمه الرَّئيسة، ومبادئه الأساسيَّة، ومقاصده الكليَّة.

فالقرآن الكريم يدعو، كما قد رأينا، للاعتبار بمآلات الاستبداد، سواء في احتمالاته (الفرعونيَّة) أم في غيرها. والنبيُّ (ص) الذي كانت دولته، حال حياته، استثناءً في التاريخ لا يُقاس عليه، كون الله سبحانه وتعالى قد ميَّزه، كرأس لها، بما لم ولن يتوفر لبشر من بعده: الوحي؛ مأمور، مع ذلك، بـ (الشُّورى)، حتى في ما هو مفوَّض فيه وحده كقائد عسكري، فكان، وهو المعصوم، يسوس الناس في كل (الأمر) بآرائهم واختياراتهم، حتى لو ثبت عدم سدادها كما سنرى، فلا يكفُّ عن تعليمهم أن مرجعيَّة (الدُّنيا) لهم، أما مرجعيَّة  (الدّين) فله.

 

(27)

غير أن ثمَّة حُجَّة ما تنفكُّ تثار، دائماً، كلما ورد ذكر (الشُّورى) في الآيتين الكريمتين: "وأمرهم شورى بينهم" (38 ؛ الشُّورى)، "وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل" (159 ؛ آل عمران)، حيث يستخرج البعض معنى واحداً من هاتين الآيتين فحواه أن (الشُّورى) (مُعْلِمَة) للحاكم، فحسب، لا (مُلزمَة)!

وقد يبدو الأمر سائغاً، للوهلة الأولى، ".. لو أننا قرَنَّا الاثنتين معاً، وجعلنا لهما نفس المدلول، وتوارت آية سورة (الشُّورى) خلف آية سورة (آل عمران)، فنجد الأمر وقد نظمته آية (آل عمران) بمفردها .. وهذا يعنى أن رأى الجَّماعة استشاري بحت" (د. مصطفى أبو زيد فهمي؛ فن الحكم في الإسلام، المكتب المصري الحديث، القاهرة 1981م، ص 199). ولكن د. فهمي سرعان ما يستدرك على هذا الفهم بأن هذه النتيجة خاطئة تماماً، بل وظالمة للإسلام، بسبب الخطأ المنهجي الذي درج أغلب الباحثين على الوقوع فيه، أساساً، ًبدمجهم للآيتين في مدلول واحد، دون أن يفطنوا إلى أن لكلّ منهما مجالها الخاص الذي تعمل فيه.

وعليه، فلا مناص، إنْ أردنا الوقوف على المكانة الحقيقيَّة التي يشغلها مبدأ (الشُّورى) في الإسلام، من معرفة مجال عمل كلّ من هاتين الآيتين على حدة.

 

(28)

فأما بالنسبة لآية سورة (الشُّورى):

أ/ فمجالها هو بيان (الأصل العام) الذي تنبنى عليه إدارة أمور المسلمين، فتدلنا على أنه (الشُّورى) كأساس للحكم في الإسلام.                                     

ب/ وقد جاء نصُّ هذه الآية الكريمة غير مقيَّد في أيّ من جوانبه، بما يحيل الأمور كلها إلى (الإرادة العامَّة) لـ (الأمَّة)، فلا يحتكر أو يستبدُّ بالسُّلطة السّياسيَّة في الدَّولة فرد أو نخبة من دون سائر المحكومين.

ج/ وقد قرَنَ الله، عزَّ وجلَّ، في هذه الآية، بين (الشُّورى) وبين (الصلاة) و(الإنفاق): "والذين استجابوا لربّهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون"؛ فحدَّد، بذلك، مكانة الشُّورى، وقيمتها، وأهمّيَّتها في السّياق العقدي.

د/ وترسي الآية (المبدأ العامَّ) دون تفصيل، على غرار كلّ الآيات التي تشير إلى مبادئ أو قيم أو موجّهات عامَّة تحفُّ بأصول الحكم. كذلك فإن النبي (ص) لم يخض في أيَّ أمر يتجاوز (عموم) المبدأ إلى (التفاصيل) المحتملة لتطبيقاته. ومن ثمَّ فقد ترك الباب مفتوحاً، ضمنيَّاً، لكلّ ما يقتضيه اختلاف البيئات، وتباين الأزمنة، وتغيُّر الأحوال، ممَّا يؤسّس لمشروعيَّة الاختلاف في التطبيق بحسب المكان والزمان، دونما تفريط، بطبيعة الحال، في المبدأ نفسه.

هـ/ ويثور هنا سؤال مهم: كيف يمكن، إذن، وضع نظام الشُّورى في التطبيق، طالما أنه لا بُدَّ من مراعاة الاختلافات والتباينات والتغيُّرات؟! والإجابة: أن ذلك لا يكون إلا بالشورى نفسها التي تصبُّ، بلغة العصر الحديث، في (الدستور) الذي يحدّد طريقة تنظيم السلطة التشريعيَّة (المصدر، ص 200 - 205).

و/ وهذه الشُّورى (مُلزمة) للحاكم، من كلّ بُد، فلكي يكون أمر الناس شورى بينهم، لا بُدَّ من أن يصدر قرار الحاكم نفسه بناءً على هذه الشورى (المصدر ، ص 221).

 

وأما بالنسبة لآية سورة (آل عمران):

فباستخدام منهج التفسير بمناسبة التنزيل، يتوصَّل الباحث إلى أن مجالها أضيق من مجال آية (الشُّورى)، وذلك للآتى:

          أ/ هذه الآية نزلت، زمانيَّاً، بعد هزيمة جيش المسلمين فى (أحُد). وكان النبي (ص) يرى قبلها أن يتحصَّن المسلمون بالمدينة، ويتركوا قريشاً خارجها، فإذا حاولت اقتحامها اشترك أهلها جميعاً، حتى النساء والصبيان، فى الدّفاع عنها، وبالتالي تصبح هزيمة قريش محققة. وشاور (ص) أصحابه في خطته العسكريَّة هذه، رغم أن القائد العسكري غير ملزم، في العادة، بطرح خططه على جنوده للمشاورة، ولكنه الحدب على تأكيد المبدأ، فغلب الرأي القائل بالخروج لملاقاة العدوّ خارج المدينة. وأبى النبي (ص) إلا أن ينزل عند رأي الأغلبيَّة، وهكذا كان قراره. فأمر خمسين من الرُّماة بأن يلزموا الجَّبل لا يبرحوه، ليحموا ظهر الجيش. على أن هؤلاء خالفوا الأمر لدى أوَّل بارقة للنصر، فتركوا مواقعهم ونزلوا يشاركون في جمع الغنائم. وهكذا تهيَّأ لجيش المشركين أن يلتفَّ على جيش المسلمين، فوقعت الهزيمة نتيجة هذا الخطأ. ولكن الحقَّ سبحانه وتعالى غفر لمَن ارتكبوا ذلك الخطأ، وأنزل الآية الكريمة: "إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجَّمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم" (155 ؛ آل عمران). ثمَّ توالت الآيات حتى بلغت الآية الكريمة: "فبما رحمة من الله لِنتَ لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضُّوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحبُّ المتوكلين" (159 ؛ آل عمران)، أي أن الله سبحانه وتعالى عفا عنهم، ثمَّ طلب من نبيّه أن يعفو، هو الآخر، ثمَّ طلب منه أن يستغفر لهم، ثمَّ أن يشاورهم، رغم ارتكابهم للأخطاء في المعركة، تطييباً لخواطرهم، دلالة على تشديده سبحانه وتعالى لنبيّه في أمر (الشُّورى) كمبدأ رئيس من مبادئ الحكم في الإسلام.

ب/ جاء الأمر، فى هذه الآية، من الله، سبحانه وتعالى، لنبيّه الكريم (ص) بـ (الشُّورى)، كما سبق أن أشرنا، حتى في الأمور العسكريَّة التي لا تعتبر (الشُّورى) ملزمة فيها، بطبيعتها، لقادة الجيوش. وفي ذلك قال الحسن البصري: ما أمر نبيّه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم، في مثل هذه الأمور العسكريَّة، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل، ولتقتدي به أمَّته من بعده. وذكر الرَّازي في تفسيره فوائد أخرى تحققها مثل هذه المشاورة، منها أن علوم الحياة متعدّدة، وقد يخطر ببال أحد من وجوه المصلحة، في مثل هذه الأمور، ما لا يكون قد خطر ببال الحاكم أو القائد العسكري نفسه.

          وإذن، تبقى القاعدة العامَّة للحكم في الإسلام راسخة في وجوب (شورى) الناس في كلّ ما يتصل بـ (أمر دنياهم)، أما (الدّين) الذي تلقاه الرسول (ص) عن طريق الوحي، وتولى شرحه بالسُّنة المطهَّرة، وعلمه لصحابته وللسَّابقين ليقيموه في خاصَّة أنفسهم، ويعلموه لتابعيهم، فذلك شأن لا شورى فيه بطبيعته، اللهم إلا (الفتيا)، على أن تلك مسألة أخرى.

وهكذا، فإن الآية (38) من سورة (الشُّورى) تمثل، بعموم لفظها الآمر، توجيهاً من الله سبحانه وتعالى بالتزام مبدأ الشُّورى في (الأمر = السّياسة = إدارة الدولة)، تحت كلّ الظروف، ومهما كانت الأحوال. أما تفصيل ذلك فمتروك لـ (عقول) الناس، يتوصَّلون إليه وفق ما يتدبَّرون من مقتضيات كلّ زمان ومكان (للمزيد من التفصيل راجع الباب الثاني من مؤلف د. مصطفى أبو زيد فهمي المشار إليه).

 

(نواصل غداً بإذن الله)