ثَوابِتُ الدِّينِ أَم مُتَحَرِّكاتُ التَّدَيُّن؟!

Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 

(أنزلهم على حُكمك، فإنك لا تدري أتصيب حُكم الله فيهم أم لا)

                                                     حديث شريف

(36)

لعلَّ أوضح تعبير عن اتفاق قسم فكريّ متقدّم من حركة الإسلام السّياسي في المنطقة مع القول بأن "جهاز الدَّولة"، أو "أداة المُلك الموضوعيَّة"، عادة ما يكون فى قبضة (الأقليَّة الطبقيَّة) فى المجتمع ، تستخدمه لضمان استمرار نفوذها وامتيازاتها الاقتصاديَّة، السياسيَّة، والاجتماعيَّة، هو ما أفصح عنه أحد أبرز منظري هذه الحركة بقوله إن "هذه مسلمة .. قبل بها الفكر السياسي والاجتماعي الإسلامي منذ وقت طويل. وقد نضيف إليها أن (الدَّولة) تتطلب، بالضَّرورة، نخبة سياسيَّة تقودها. يحدث أحياناً أن تتولى الطبقة الاجتماعيَّة الحاكمة إفرازها، ويحدث أن تتولى النخبة إفراز الطبقة" (عادل حسين؛ "المحدِّدات التاريخيَّة والاجتماعيَّة للديموقراطيَّة"، ورقة ضمن بحوث "أزمة الديموقراطيَّة في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربيَّة، بيروت 1984م، ص 204).

ومع تحفظنا على الفكرة القائلة باحتمال "أن تتولى (النخبة) إفراز الطبقة"، إلا أننا نجد من اللافت للنظر بقوَّة أن هذا المفكر والكاتب الإسلاموي الناشط، عليه رحمة الله، والذي كان من أبرز قياديي حزب العمل المصري، ورئيس تحرير صحيفة (الشعب) الناطقة باسمه، لا يستنكف من الاستشهاد على سلامة قراءته هذه لظاهرة (الدَّولة)، و(السُّلطة السّياسيَّة) القابضة عليها فى المجتمع، بأطروحة كارل ماركس حول نمط الإنتاج الآسيوى، وإن كان السيد عادل يرى أن السّمة الأساسيَّة للعلاقة بين الحكام والمحكومين هى علاقة (تكامل) من خلال تنظيم الدولة (المصدر نفسه)، ممَّا يستتبع تحفظاً آخر مردُّه إلى أنه إنما يسعى حثيثاً، في ما يبدو من أطروحته هذه، لاستصلاح أرض فكريَّة (مناسبة) بغرض (استزراع) نوع جديد من (ديكتاتوريَّة النخبة) يتجاوز النماذج الفاشلة السابقة التى ظلت تتناسل فى المنطقة، إما بتأثير فكر البرجوازيَّة الصغيرة القومي، ببطونه وأفخاذه المختلفة (ناصرية + بعثيَّة .. الخ)، أو بتأثير الفكر الماركسي اللينيني فى طبعته (السوفيتيَّة = الستالينيَّة) العتيقة، بحيث يتوفر لهذا النوع الجديد ما يكفى من مباركة الجماهير و(تكاملها) معه من خلال تنظيم (الدَّولة) التى يضفى عليها المبحث، بلا حيثيات فكريَّة مقنعة، مسحة من براءة الحمل ووداعته!

 

(37)

ولعلَّ عمق التناقض بين رغبة حركة الإسلام السّياسي، المُعلنة حيناً والمُضمَرة أحياناً، فى تجاوز تلك التجارب الفاشلة بشأن بناء (الحزب الواحد) و(الدولة القابضة)، خلال مرحلة التحرُّر الوطنى التي أعقبت الحرب الثانية وتصفية النظام الاستعمارى القديم، من جهة، وبين غلبة انجذاب هذه الحركة، للعجب، نفسياً وحركياً وتنظيمياً، من جهة أخرى، إلى النموذج الستالينىِّ الذى تأسَّست عليه تلك التجارب، يتبدَّى أيضاً، وبقدر من الجَّلاء لا يحتاج إلى فانوس ديوجينيس لإضاءته، فى أطروحة د. حسن الترابي٭ حول نفس المسألة. فقد أكد، مثلاً، أن حركته أخذت "شيئاً من منهج التنظيم والحركة من مصدر قد يكون غريباً، وهو الحركة الشيوعيَّة .. (لأن) المنافسة التى كابدتها .. إنما كانت أساساً مع الحركة الشيوعيَّة، بل .. إن الحركة نشأت تحت وطأة الاستفزاز والضغط الشيوعي الأكبر، ولذلك اضطرَّت، بعامل المقابلة وردّ الفعل، أن تأخذ عنها بعض التجارب التنظيميَّة والوسائل الحركيَّة" (الحركة الإسلاميَّة في السودان: التطوُّر والكسب والمنهج، ط 2، بيت المعرفة ـ معهد البحوث والدراسات الاجتماعيَّة، الخرطوم 1992م، ص 25). ويقول، فى موضع آخر، إن العدوى "أصابت الحركة الاسلاميَّة ..، من خلال التنافس، بكثير من مناهج العمل الشيوعي" (نفسه، ص 144).

ولعلَّ المفارقة الدراماتيكيَّة تكمن، هنا، في توقيت هذه (العدوى)، حيث اتجهت حركة الترابي للنهل من مناهج الشيوعيين في ذات اللحظة التاريخيَّة التي اتجه فيها الشيوعيون للتخلص من تلك المناهج، وفي مقدّمتها .. الشموليَّة!

    

(38)

على أن شيئاً من ذلك التناقض لا يحول دون الاتفاق، جزئيَّاً، مع السيد عادل حسين، فى الجانب من أطروحته المتعلق بهيمنة (الأقليَّة) على (أداة) التسلط السّياسي (= الدَّولة)، فى المجتمع المنقسم إلى طبقات. بل قد يكون فى ذلك تعضيداً لطرحنا المار بشأن (التعدُّديَّة)، إذ لا بُدَّ من وجود (الأغلبيَّة) وممثليها، بداهة، في الجانب المقابل. وربَّما حقَّ لنا أن ندفع بقول الأستاذ عادل، ليساير قولنا، منطقيَّاً، إلى أبعد من ذلك، بافتراض وجود هذه (الأغلبيَّة) فى حالة (صراع) أو (تدافع) مع (الأقليَّة) حول تلك الهيمنة، سلميَّاً كان ذلك، أم تناحريَّاً. وحتى إذا ما بدا هذا (الصراع/التدافع)، فجأة، في حالة (سكونيَّة)، فإنه ليس سوى سكون (مؤقت)، أو (انقطاع مظهري)، استثنائى، وطارئ. لذا، مع اتفاقنا الجُّزئي هذا مع السيد عادل، بل وربَّما بسبب هذا الاتفاق نفسه، نجدنا مختلفين معه تماماً حول فكرة (التكامل) التى يجترحها كقاعدة، لا لكونها تصادم، فحسب، خبرة التاريخ وحقائقه الباردة، ولا لكونها تتناقض، فقط، على خط متواز، مع القانون الموسوم بـ (وحدة وصراع الأضدَّاد) فى الفكر الماركسي (الدُّنيوي/البشري)، والذي أعلن الأستاذ عادل إمكانيَّة قبول الفكر السياسي (الإسلاموي) ببعض مسلماته، بما ينطوي عليه ذلك من رحابة فكريَّة مطلوبة من باب أن "الحكمة ضالة المؤمن"، ولكن لكونها، وهذا هو الأهمُّ فى باب المقابلة بين (مطلق) الدّين القائم على (ثوابت) الهداية (الإلهيَّة) العامَّة، و(نسبيَّة) التديُّن بمعايير (متحرِّكات) الفكر (البشري/الدُّنيوي)، تتناقض أيضاً مع مفهوم (سُنة) أو قانون (التدافع) القرآني نفسه، السابق على القانون البشري المذكور بنحو من ثلاثة عشر قرناً: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين" (251 ؛ البقرة)، أي أن (الشرَّ)، وفق تفسير الصابوني، يُدفع بـ (الخير) حتى لا يغلب فيعُمَّ الخراب والدمار (صفوة التفاسير؛ ج 1، ص 159)، وأيُّ خراب أو دمار أكبر من نفي (التدافع)، نفياً عدميَّاً، فتخمد أنفاس الحياة نهائيَّاً على الأرض و(تفسد)؟!

         

(39)

وإذن، فسُنة (التدافع) القرآنيَّة هذه، لا (التكامل)، والتى ما تنفكُّ تتمظهر فى حقل الاجتماع البشري، ماضية، كشرط للاستمرار والتطوُّر، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها. وقد ترك للإنسان أن يختار موقعه فى هذا (التدافع)، نهوضاً بأمانة (الاستخلاف)، بالاستناد إلى عقله وكرامته وحريته وإرادته المستقلة، أي إلى منظومة القيم التى تشكل شرط تحققه الإنساني بمعيار حكمة الخلق، من جهة، كما تشكل ميزان حسابه، فى نهاية المطاف، بمعايير العدل الإلهي المطلق، من الجهة الأخرى: "يا أيُّها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون" (23 ؛ يونس) ، "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يُرى. ثم يُجزاه الجَّزاء الأوفى" (39 ، 40 ، 41 ؛ النجم).

          ولأن (الدّين)، من ناحية، (ثابت) فى عقيدة المؤمنين بما هو (الوحي)، و(كلمة الله) المطلقة، (قطعيَّة) الورود والدلالة، و(هدايتها) العامَّة التى تنفرد وحدها بالدَّيمومة، ولأن (التديُّن)، من الناحية الأخرى، (متحرّك)، فى الواقع، بما هو كسب (البشر) المُسيَّج بأشراط (مداركهم)، وفق متغيِّرات (المصلحة) المحدَّدة فى ظرفي الزمان والمكان المحدَّدين، فإن أيَّة محاولة لإحلال واحدهما محلَّ الآخر، في سياق (التدافع) الذى قد يتغيَّر طابعه دون أن ينقضى هو نفسه نهائيَّاً، لا تعدو كونها ضرباً من الخلط والتخليط اللذين ينتسبان إلى (فساد النظر) حيناً، وإلى (سوء الطويَّة) أغلب الأحيان (!) على أن النتيجة، فى النهاية، واحدة، إذ لا فرق بين بدويّ (يتديَّن) ، أى (يعتقد) جازماً بألا تثريب عليه فى أن يصيب (مصلحة شخصيَّة) باحتياز (عتودٍ) تافه عن طريق الحلف على (مصحف المحكمة الإريقط)، دون (مصحف الولىِّ الباتع)، العتيق، المسطور بخط اليد، وبين سلطان (يتديَّن) باحتياز (عتود الدولة) بأسرها لتحقيق (مصلحة) اقتصاديَّة سياسيَّة واجتماعيَّة (خاصَّة)، معتبراً، هو الآخر، ألا تثريب عليه فى أن يزعم لـ (تديُّنه) هذا، أي لكسبه (الدنيوي) على صعيد (الرأي) والتصوُّر، (قداسة) تضارع ما لـ (كلمة الله) من قداسة، جاعلاً من الدّين (رأياً)، أى (خصومة)، ومن الرأي (ديناً)، أي (طغياناً)!

 

                                                     (40)

لقد ظل (عتود الدولة) يشكل، فى أغلب فترات تاريخ السودان الحديث، منذ استقلاله، موضوعاً للتنازع بين (دين الله) المطلق و(تديُّن البشر) النسبى، وسط الجَّماعة المسلمة، من جهة، وفي ما بينها وبين مساكنيها من غير المسلمين، من الجهة الأخرى. على أن أكثر ما يفاقم من هذا التنازع، فى راهننا السّياسي المأزوم، طرح قضية العلاقة بين (الدّين) و(الدَّولة) بصورة تتغضَّن بالتباسات المصطلح والصياغة، بأكثر مما تزدهي بحقائق الدعوى والمطلب. لذا، ولأغراض التحقق من المدى الذى يمكن، أو لا يمكن، أن يُعتبر فيه هذا الحكم صحيحاً، يلزمنا تفكيك المصطلحات والصياغات، وإعادة تركيب الدعاوى والمطالب.

لقد تأسست (الانقاذ)، فى الثلاثين من يونيو عام 1989م، على خلفيَّة مطالبة حركة الاسلام السياسي بـ (تديُّن الدَّولة). لكن، ولأن (الدَّولة)، بعنصريها الثاني والثالث، المتمثلين فى (الإقليم)، من جهة، و(السلطة المؤسَّسيَّة/آلة الدَّولة/جهازها الوظيفي/ضرورة المُلك الموضوعيَّة)، من جهة أخرى، لا تصلى ولا تصوم ولا تحج، فإن المطلب، في هذه الحالة، لا يمكن أن يعني سوى أحد أمرين لا ثالث لهما: فإما تديُّن (الشعب)، العنصر الأوَّل فى تكوين (الدَّولة)، أو تديُّن (القائمين) بأمر (السُّلطة المؤسَّسيَّة .. الخ)، أي العنصر الثالث فى هذا التكوين، وكلاهما لا يكفى بمفرده للدلالة على (الدَّولة)، حتى في معنى (الوسع) الذي ذهب إليه غرامشي .

فأما من جهة تديُّن (الشعب)، فإنه أمر جدُّ محسوم بحقيقة المكانة التى ظلت، وما تزال، تشغلها (الأديان)، منذ ما قبل (الانقاذ) بقرون طوال، ضمن مكونات (الهُويَّة) بالنسبة لكلّ مفردات منظومة التعدُّد السودانى، سواء الأديان السماويَّة، أم الأرواحيَّة. وللإسلام، ولجماعة المسلمين الذين يؤمنون، ضمن منظومة التعدُّد هذه، بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويمارسون عباداتهم وفق هذا الإيمان، موقعهما المتميِّز، لعدَّة أسباب، فى إطار هذه الحقيقة الهُويويَّة فى بلادنا، ممَّا لا يحتاج إلى انقلاب عسكريّ لتأكيده!

وأما من جهة تديُّن (القائمين) بأمر (السُّلطة المؤسَّسيَّة .. الخ)، فإن المطلب لا يلبث أن ينطرح، من فوره، كإشكاليَّة ذات رءوس متعدِّدة، أهمُّها ثلاثة:

فمن الوجه الأول: تبرز، مبدئياً، حقيقة لا جدال حولها هى أن الإسلام (شريعة) مثلما هو (عقيدة)، لكونه يشتمل على أحكام قطعيَّة الورود والدَّلالة، تحتاج إلى (قائمين بأمر) إنفاذها، دون أن يكونوا هم أنفسهم (الدَّولة). وكما سلفت الاشارة فقد يتولى هؤلاء (القائمون بالأمر)، من جهة، مهام المرجعيَّات الروحيَّة أو الفقهيَّة أو القضائيَّة، سواء شكل المسلمون، أم لم يشكلوا، أغلبيَّة فى البلد المعيَّن. على أن هذه المهام تقصر، دون شكّ، عن الإحاطة بكلّ وظائف (الدَّولة). وقد يتولون، من جهة أخرى، أمـور (السُّلطة السّياسيَّة .. الخ)، في (الدَّولة الإسلاميَّة) القائمة، كما سبق أن قلنا، بحكم (الضرورة) لا (النص). ومع ذلك:

أ/ فما من مسوِّغ، نقلىٍّ أو عقلىٍّ، فى الإسلام، لادّعاء هذه المرجعيَّات أنها، في أدائها لوظائفها المذكورة، تنزل الناس على (حُكم الله)، لا على مجرَّد (رأيها = اجتهادها البشري). وقد رُوى عن الرسول (ص) أنه كان إذا أمَّر أميراً على جيش أو سريَّة أوصاه: "إذا حاصرت أهل الحصن، فأرادوك أن تنزلهم على حُكم الله، فلا تنزلهم على حُكم الله، ولكن أنزلهم على حُكمك، فإنك لا تدري أتصيب حُكم الله فيهم أم لا" ـ رواه مسلم وأبو داؤد والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وابن حنبل.

ب/ كما وأن هذه المرجعيَّات ملزمة، فى جميع الأحوال، وحيثما كانت مهامها، باستصحاب (المصلحة العامَّة)، دفعاً (للمضرَّة) بالأخص، فضلاً عن مراعاة أن من وجوه الخطأ قياس "ضرورة الإلتزام الديني بالقيم الروحية والخلقية بالتزام مماثل .. في المعاملات الاجتماعيَّة والسياسيَّة، (لأن) الأمور الروحيَّة، كالإيمان والعبادات، والأمور الخلقيَّة كالصّدق والأمانة والحكمة والعفة، أمور (ثابتة)، والإلتزام بها يحقق الفضيلة. أما المعاملات السّياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة فأمور (متحرِّكة) مع ظروف الزمان والمكان، وتراعى فيها المنافع والمستجدات، وتستوجب اجتهادات ومدخلات إنسانيَّة واجتماعيَّة .. (و) محاولة إخضاع هذه الأمور (المتحرّكة) لأحكام (ثابتة) يحقق المضرَّة" (أقواس التشديد من عندنا ـ الصادق المهدي ؛ نداءات العصر، ص 34 ـ 35).

أما من الوجه الآخر: فإن هؤلاء (القائمين بالأمر) ، بالغاً ما بلغت أهميَّة ما يمثلون من مرجعيَّات، هم، فى نهاية المطاف، بشر عاديون لا عصمة لهم ولا قداسة. ولأنه ليست ثمة نصوص تفصيليَّة، قطعيَّة الورود والدَّلالة، فى القرآن أو السُّنة، كما سبق أن أوضحنا من أقوال الأئمَّة والفقهاء، تسند ما قد يثيرون من إلزاميَّة بإقامة (الدَّولة)، في معنى (السُّلطة السّياسيَّة .. الخ)، أو بتعيين شكلها، أو طريقة نصبها، أو حدود صلاحيَّاتها، وما إلى ذلك، فإن ما يسبغون من (دين) على تصرُّفهم فى أمر (الدَّولة = أداة الملك) باعتباره تنزيلاً (لإرادة الله)، لا (لرأيهم البشري) الذى يتشكل وفق مستوى أفهامهم فى المكان والزمان المحدَّدين، ما هو، فى حقيقته، سوى إنفاذ (لتديُّنهم) هم الناشئ من (اجتهادهم) الخاص فى (التأويل) و(التفسير)، أو المستند إلى (اجتهادات) فقهاء سابقين أو معاصرين ممَّا تتماهى فيه نصوص (الدّين) المنزَّهة مع تصاريف (السّياسة) المعرضة للامتزاج بـ (المصالح) و(الأهواء) الخاصَّة، الضيّقة، المحدودة، والمقصودة، كما قد رأينا!

لقد أثبتت الخبرة التاريخيَّة أن هؤلاء قد اتخذوا من هذه الاجتهادات فى الممارسة العمليَّة "قميص حديد، فقدسوها ويبَّسوا بها الحياة" (الصادق المهدي؛ خطبة عيد الأضحى 1421هـ، الجزيرة أبا، مارس 2001م، ص 20 ـ 21)، وذلك برغم كون (السّياسة)، فى أصلها، أفعال (البشر)، وكسبهم المحدود بأشراط (بشريَّتهم) نفسها، والخاضع لمعايير (الصواب والخطأ)، وغير المنزَّه، لهذا السبب، عن (الأهواء) الدنيويَّة الضيّقة.

وأما من الوجه الثالث: فإن حقيقة غياب النصوص التفصيليَّة، قطعيَّة الورود والدلالة، بشأن (السُّلطة السّياسيَّة)، يجعل من (دولة الرَّاشدين)، بالضَّرورة، ومن منهجها القائم على استصحاب (المصالح العامَّة/المُرسلة)، المرجعيَّة الوحيدة، والمعياريَّة الأعلى لصورة (الدَّولة المثال) أو (الدَّولة النموذج) للمسلمين، بالمعنى الحضاري، أخذاً فى الاعتبار باستحالة تكرار (دولة الرسول)، من جهة، وانقلاب (الخلافة الراشدة) إلى (ملك عضود)، من الجهة الأخرى.

 

(41)

غير أن هذا المعنى السَّلس ما ينفكُّ يثير، بدوره، وعورة أخرى فى فكر وتطبيقات الإسلام السياسي، في بلادنا بالأخص، ممَّا يتبدى، أكثر ما يتبدى، في اجتهادات د. حسن الترابي، ليس فى إقراره (الصائب) تماماً بأن "الدَّولة الإسلاميَّة، بصورتها الأولى، لن تكون، روحاً وصورة، إلا كالمثال الأعلى للحكم"، وإنما فى الخلاصة (الخاطئة)، بالغة الخطورة، التى تمثل مربط الفرس، بل (كعب آخيل) الحقيقي لدى غالب حركة الإسلام السّياسي في السودان وفي المنطقة، والتى يستخلصها د. الترابي، للعجب، من هذا الحكم (الصائب)، بقوله: "نبدأ اليوم من (واقع مثقل بالعجز والابتلاء) .. من دول للمسلمين (حظها قليل من المقاصد الإيمانيَّة)، ومن (المواقف العمليَّة السّياسيَّة الإسلاميَّة) ، ولذلك .. لا بُدَّ، اليوم، من أن (ننسب) الحديث عن (النظام السّياسي الإسلامي) إلى (الواقع) حتى يكون (هادياً) في حركة حياة المسـلمين" (أقواس التشـديد من عندنا ـ خواطر في الفقه السياسي لدولة إسلاميَّة معاصرة، ط 1، عالم العلانية، الخرطوم 2000م، ص 3 ـ 4)٭٭.         

هذا (العجز) الذي يعزوه د. الترابى إلى (قلة الإيمان)، والذى يسِمُ، فى قوله، حياة المسلمين اليوم، هو، إذن، الخلفيَّة التي ينبغي أن تتشكل عليها المواقف (العمليًَّة) للنظام السّياسي الإسلامي المُراد تأسيسه، بحيث تنتسب هذه السّياسة (العمليَّة) إلى هذا (الواقع العاجز)، لا إلى (المثال الأعلى) الذى يمكن استلهامه من الصُّورة الأولى للدَّولة الإسلاميَّة! وبالتالي، فإن ما يمكن الخروج به من سياق العبارة لا يتجاوز أحد أمرين أحلاهما مرٌّ: فإما أن يصبح واقع (العجز) هو (الهادي) في حركة حياة المسلمين التي (ابتليت) بـ (قلة الإيمان)، أو أن يكون (النظام) السّياسي (المُبتعد) عن (المثال الأعلى)، و(المنتسب) إلى (واقع العجز) هذا، هو ذلك (الهادي) لحركة حياة المسلمين!

          وبما أننا سبق أن سقنا الحجة على أن (الدَّولة)، من حيث هى (السُّلطة السّياسيَّة .. الخ)، لا تصلى ولا تصوم ولا تحج، ممَّا يجعل من مطلب (وصل الدّين بالدَّولة)، فى هذه الحالة، مطلباً لوصل (الدّين) بـ (عمل) الأشخاص (القابضين) على هذه (السُّلطة)، و(القائمين) بـ (أمـر) مؤسساتها، فإننا لا نحتاج، بالطبع، إلى كثير تأمُّل كيما نستطيع أن نتصوَّر مضمون (الهداية) التى يمكن أن يحملها هذا النوع من (عمل) الأشخاص (المتباعدين) عن المثال، (المتطابقين) مع الواقع (المُزري)، حسبما يجترح د. الترابى!

ولعلَّ ممَّا يعضّد نسبة هذا التدبير إلى هذا المفكر والقائد السّياسي، حول إشكاليَّة (المثال والواقع) على صعيد (الدَّولة الإسلاميَّة) المطلوبة، عودته اللاحقة المستفيضة إلى أطروحته القديمة تلك، ضمن كتابه الوافى عن خبرة حركته، والتى أكد من خلالها أن هذه الحركة قد انتقلت، بدعوتها وفكرها، فى مرحلة من تاريخها، من مجرَّد الوقوف عند (المطلقات) و(المجرَّدات) و(العموميات)، لتتطوَّر باتجاه (الواقعيَّة)، "وبدأ الفقه لديها، من بعد (التنطع النظرى) و(التحكم القطعى) و(العموم)، ممَّا هو (ميسور) في طرح قواعد الدين (الكليَّة)، يتجه نحو (المرونة)، ويتصوَّب نحو الأوضاع الراهنة .. و(يتكيَّف) حسب وجوه (تطوُّراتها) ووقائع (تقلباتها) .. وإذ لم يعُد كله خطاب دعوة وجدل يورث (الإقناع)، أو وعظ  يجيّش عاطفة الإيمان، إكتسب صفة .. خطاب البيان الذي يشرح (ليَهدي) العمل، وليمهّد لتطبيق (الأحكام). فمن القضايا العمليَّة التي .. تناولها (فكر) الحركة، متفاعلاً .. مع (الواقع): (تصوُّر) دستور إسلامي للسودان: 1956 ـ 1965م، و(كيفيَّة) تحرير المرأة المسلمة ونهضتها بالسودان: 1974م، و(مشروع) نظام للمعاملات الإقتصاديَّة الإسلاميَّة: 1977م، و(سياسة) تطبيق القوانين الشَّرعيَّة: 1983م، و(اقتراح) لعلاقات الجَّنوب السوداني وأوضاع أهله من غير المسلمين: 1986م، و(التصوُّر الديني) لتعاطي الفنّ الحديث: 1982م، و(فقه) السّياسة الشَّرعيَّة فى العلاقات الخارجيَّة وفى شئون الأمن والدفاع في ما يخصُّ السودان: 1987م .. ومن صور المنحى (الواقعي) فى (فكر) الحركة أنها آثرت (التفكر) على (التفيقه) .. تؤصّل تحرُّكها بـ (الفكر)، وتصوّب (تفكرها) نحو (الواقع)" (أقواس التشديد من عندنا ـ د. حسن الترابي؛ الحركة الإسلاميَّة في السودان: التطوُّر ـ الكسب ـ المنهج، ط 2، بيت المعرفة ـ معهد البحوث والدراسات الاجتماعية، الخرطوم 1992م، ص 218 ـ 219 ـ 220).

 

(42)

          وبالنظر إلى تلك النتيجة التى يرتبها د. الترابى على تباعد (المثال) عن (واقع) المسلمين، فإن سياق هذا المُجتزأ المطوَّل قد يشى بتعارض جهير بين (الواقعيَّة)، من جهة، كإحدى المطلوبات السَّديدة فى الفكر والعمل، وبين (الواقع)، من جهة أخرى، حالة كونه بديلاً يهدر (المثال) فى نسق الفكر والعمل؛ فإلى أيّهما قصد د. الترابي؟!        

الاجابة على هذا السؤال، علاوة على ما سبق إيراده من أن النظام السّياسي (المُبتعد) عن (المثال الأعلى) الإسلامي، و(المنتسب) إلى (واقع عجز) المسلمين، هو ذلك (الهادي) لحركة حياتهم، إنما تهشُّ، أيضاً، وبأكثر من إصبع، من فوق تمجيد د. الترابى لتصرُّف الحركة فى (الواقع)، و(تكيُّفها) بحسب وجوه (التطورات) ووقائع (التقلبات)، إبتداءً من صياغة رؤيتها للدستور، ولـ (سياسة) تطبيق الشَّريعة، و(اقتراح) أوضاع الجَّنوب، وربَّما ليس انتهاءً بـ (كيفيَّة) تحرير المرأة، و(التعاطى) مع الفنّ الحديث، والعلاقات الخارجيَّة، وشئون الأمن .. الخ، بحيث يكتسى خطابها، بخصيصته هذه، طابع البيان الذى (يَهدى) العمل، ويمهّد لتطبيق (الأحكام)، متخففاً، فى كلّ ذلك، من قيود (المثال الأعلى) الذى يطلُّ من (الصُّورة الأولى) لـ (الدَّولة الإسلاميَّة)، ومُلتمساً سُبُل التطوُّر باتجاه (واقعيَّة) تؤثر (التفكر) على (التفيقه) الذى لا يعدو كونه محض (مطلقات)، و(مجرَّدات)، و(عموميَّات)، و(تنطع نظري) و(تحكم قطعي)، على حدّ تعبير د. الترابي!

 

                                    (نواصل غداً بإذن الله)

 

الإشارات:

٭ ينصب غالب تركيزنا، بالنسبة لحركة الإسلام السّياسي الحديثة في السودان، على نماذج د. حسن الترابى الفقهوفكريَّة، باعتبار ثقلها الاستثنائى على هذا الصَّعيد، ومسئوليتها التاريخيَّة عن الدَّفع باتجاه مشروع (الدَّولة الدّينيَّة) الذي أفرخت في ظله تيَّارات التكفير والتشدُّد كما لم تفرخ من قبل، علاوة على استمرارها في تغذية الشقّ الحاكم من الحركة، رغم واقع المفاصلة المعروفة بينه وبينها لزهاء العشر سنوات حتى الآن.

٭٭ صدرت طبعته الأولى عام 2000م عن دار (عالم العلانية) بالخرطوم، والتى نوَّهَت بأنه كان فى الأصل محاضرة قدمها د. الترابى بمدينة (الدوحة) عام 1981م، ثم تعهدها بالتنقيح والاضافة لتخرج كتاباً.