ثَوابِتُ الدِّينِ أَم مُتَحَرِّكاتُ التَّدَيُّن؟!

Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

ـ "أحاطت بالمجتمع .. وتأهلت لأن توحّده كله في إطارها، وتتمكن فيه بنمطها من التديُّن الأتمّ، والولاء الأرشد، في سبيل استكمال التحوُّل الاجتماعي الإسلامي الشامل .. وأخذ توجُّهها يتزكى .. نحو صفّ مطهَّر في كيفه، مقدَّر في كمِّه"!

                                                      الترابي عن الحركة الإسلاميَّة قبل المفاصلة

ـ "المؤتمر الوطني مجهول الهويَّة .. مصنوع .. اختلطت فيه رابطة الدّين برابطة السلطان .. ومتوسط التديُّن والتربية فيه ضعيف .. ومحاولة إبعادي عن السُّلطة كانت محاولة لإبعاد كلمة الإسلام وأصل الدّين"!

                                         الترابي بعد المفاصلة

 

(50)

سواء صحَّت تهمة (الدَّولة الدّينيَّة) في حق (المؤسَّسة) أم أعضائها (أولي الأمر)، فإن المرء قد لا يحتاج، لأجل التدليل على مفارقة مطلبها نفسه لما يُفترض أن يشكل (مثالها)، دَعْ مصادمته لـ (أصول) العرفان الديني، إلى أكثر من النظر في بعض تطبيقات (الحركة) على نموذج (دولتها) في السودان، ومن ذلك:

(1) أن د. الترابي كان قد أثنى، فى كتابه (الحركة الإسلاميَّة في السودان: التطوُّر، الكسب، المنهج)، الصادر في خواتيم ثمانينات القرن المنصرم ومطالع تسعيناته، ثناءً عظيماً على هذه (الحركة) قائلاً إنها "أحاطت .. بالمجتمع .. وتأهلت لأن توحّده كله في إطارها، وتتمكن فيه بنمطها من التديُّن الأتمّ، والولاء الأرشد، في سبيل استكمال التحوُّل الاجتماعي الإسلامي الشامل" (ص 44). وكال المدح لـ (الجبهة الإسلاميَّة القوميَّة) التي أخذ توجُّهها ".. يتزكى .. نحو صفّ مطهَّر في كيفه، مقدَّر في كمِّه" (ص 50 ـ 51). ولأن ".. دواعي التحوُّل نحو الشَّعبيَّة كانت ملحَّة، وثقة الأخوان كانت مطمئنة، وتوكلهم كان كبيراً، (فقد) أحدثوا التحوُّل (فجأة)، ورتبوا منهاجاً للانتقال يحفظ خير القديم في إتمام الوعي بالتربية الفرديَّة، وإحكام التنظيم والحركة، ويجمع إليه خير الجديد من تعبئة وسائل التربية الإجماليَّة، وقوى الجماهير المؤمنة في سبيل بسط (التديُّن) في المجتمع، وتمكينه في (الدولة) .. توازنت الحركة فألفت بين (الصفوة) و(العامة) .. (و) ألقت أساساً (لوحدة) المجتمع المسلم" (أقواس التشديد من عندنا ـ ص 51 ـ 52). كما أطنب في تقريظ (الجَّماعة) التي أعانها ".. على تجاوز (محاذير) الانفجار الشَّعبي .. أن قد توافر لها .. رصيد موثوق من الفكر المركز الذي يؤمن عليه من الضلال والتبدُّد .. و .. عضويَّة قويَّة صاغتها وأنجبتها التجارب والمجاهدات يُعوَّل عليها إذا التحمت بالجماهير ألا تتلاشى أو تتسيَّب أو تتدهور بل أن (تحمل) الجماهير (بقدوتها) و(قوَّتها) إلى مستوى أعلى، و .. استوت لها خبرة عميقة في (فنون التنظيم) يُرجى أن تمكنها من (الإحاطة) بقطاعات الشعب دون انحلال في روابط الجَّماعة، أو ارتباك في نسقها المحكم، أو تراخ في فعاليتها العالية" (أقواس التشديد من عندنا ـ ص 125 ـ 126).

          (2) مع كل ذلك، عاد د. الترابي، أواخر تسعينات القرن المنصرم، وقد انقلبت عليه (دولة) حركته (الدينيَّة) التي لطالما مدحها، ونظـَّر لها، وسلخ عمراً بأكمله في تأسيسها، ووصفها بأنها مبرَّأة من أمراض (التلاشي) و(الانحلال)، عند الالتحام بالجماهير، بل هي مؤهَّلة، بـ (قوَّة القدوة)، لـ (حَمْل) هذه الجماهير إلى أعلى، فشنَّ عليها، هذه المرَّة،  أعنف هجومه، وجام غضبه، بقوله عنها، في محاضرته الشهيرة بجامعة القرآن الكريم مساء 9/2/2000م، إنها: "تركت الجماهير تماماً، وصارت حركة إسلاميَّة بغير قاعدة"، وإن حزبها، المؤتمر الوطني، "مجهول الهويَّة .. مصنوع .. (اختلطت) فيه (رابطة الدّين) بـ (رابطة السلطان) .. ومتوسط (التديُّن) و(التربية) فيه (ضعيف) .. والولاء (ضئيل) .. و(الخلق) لا يقتضى (الالتزام) لـ (الجَّماعة) .. ولا (مناصحة) فيه أو (محاسبة) .. و(ضعفت) فيه أمانة (السر) وأمانة (المال) .. وصار هناك (صمت) و(تجاوز) عن (التجاوز) .. و(غابت) عنه (الشُّورى) .. حتى (نسيناها) .. والقيادات العليا فيه لا تأبه لـ (عهد البيعة)، لأنها جاءت من جماعة لا تخضع لـ (عهد) بل لـ (قائد) و(زعيم) .."! وإن (الحركة) كانت تعدُّ لإقامة (دولة إسلاميَّة) في السودان "ولكن الخطة (ماتت) .."! ويحمِّل الاستراتيجيَّة المعتمدة المسئوليَّة عن كل ذلك، حيث "أن طاقات الدّولة اتجهت إلى (القوَّة) بدلاً عن (الدَّعوة) .. (و) ألهت الناس بـ (السّياسة) بدلاً عن (الثقافة) .."! ثمَّ يعرج بنقده اللاذع للاقتصاد مؤكداً "أنه (خرج) من (الدّين) .. وأن بعضاً ممَّا جرَّه ذلك على الاقتصاد هو (انحطاط أخلاق) بعض الذين (دخلوا السوق) .. وأن (محاربة الربا) ما زالت (شعاراً) بعد" (أقواس التشديد من عندنا ـ الرأى العام، 11/2/2000م).

 

(51)

ولمَّا كان زعيم حركة الإسلام السّياسي في السودان ما يزال يستعصم بذهنيَّة (الدَّولة الدّينيَّة)، فإن مردَّ سياسة (دولته) لا بد أن يكون لـ (الدّين)، لا إلى (عقول) البشر. ويتبدى ذلك، بخاصة، في قوله في ذات المحاضرة: ".. علينا أن (نصوِّب) على (الخلاف)، وإن ذلك سيقود لتجربةٍ إذا ما تجاوزناها سنثبت (للعالم أجمع) .. أن الإسلام (يستطيع) أن (يقود) أهله إلى (تجاوز) الفتن السّياسيَّة" (أقواس التشديد من عندنا ـ الصحافة، 11/2/2001م).

          فإذا ما تابعنا منطق د. الترابي إلى نهاياته القصوى، فإن سؤالاً مشروعاً سيبرز، حينئذ، وبداهة، كالآتي: ها هم (بشر الحركة) لم يتجاوزوا، بعد، خلافاتهم، فهل يعنى ذلك، لدى د. الترابي، أن الإسلام (لا يستطيع) أن (يقود أهله) إلى (تجاوز) الفتن السّياسيَّة؟!

ويقول في ذات السياق: "في حال تجاوزنا للأزمة قد (يعود) بعضنا و(يتوب)، ولكن البعض قد (يضيع) ويعود كما بدأ" (أقواس التشديد من عندنا ـ المصدر نفسه). ورغم أنه لم يفصح عمَّن (سيعود)، وإلى أين (سيعود)، وعمَّن (سيتوب)، وإلى من (سيتوب)، في قضايا خلاف (بشري) حول أمور (سياسيَّة/دنيويَّة)، إلا أننا، من واقع عُشرتنا مع استخدامات حركة الإسلام السّياسي في بلادنا، وأدبيَّات د. الترابى تحديداً، لهذه المصطلحات (الدينيَّة)، نستطيع أن نتكهَّن بهويَّة (التائبين)، ومضمون (توبتهم)، وإلى من (سيتوبون)! لقد طابق الرجل بين (ذاته) وبين (كلمة الإسلام) و(أصل الدين) حين اعتبر استهدافه بترتيبات (مذكرة العشرة ـ ديسمبر 1998م)، و(قرارات رمضان ـ ديسمبر 1999م)، والتي أقصته من السُّلطة، (خروجاً) على (الدين)، وذلك في قوله: "إن محاولة إبعادي عن السُّلطة كانت محاولة لإبعاد كلمة الإسلام وأصل الدّين"! (الشارع السّياسي، 13/2/2000م)؛ أو كما وصفها د. على الحاج، أحد أقرب معاوني د. الترابي، بأنها "عمل دقيق .. يمثل تمريراً لفصل الدّين عن الدَّولة"! (الصحافة، 6/1/2000م).

وسواء صحَّ ما نسب إلى نائب رئيس الجمهوريَّة من تصريح، خلال مخاطبته لطلاب جامعة الخرطوم ، مساء 15/2/2000م، حول آفاق مفاوضات السَّلام مع (حركة قرنق)، بأن الحكومة "لا تمانع في الحوار حول مسألة (فصل الدّين عن الدَّولة) إذا كانت هذه القضية تهدد وحدة السودان"، أم صحَّ بيان رئاسة الجمهورية النافي، بتاريخ 19/2/2000م، لورود التصريح بهذا المعنى، فإن هبَّة د. الترابي وبعض معاونيه لمناوئة ذلك التصريح، وذيول وعقابيل تلك الحادثة، تكتسي دلالة خاصة، هنا، حيث اعتبر السيد يسين عمر الإمام، أحد المقرَّبين للترابي، وعضو هيئة قيادة حزب المؤتمر الوطني، وأمينه بولاية الخرطوم، آنذاك، أن مسألة فصل الدين عن الدولة "مستحيلة، وقد لا يستطيع أحد أن يقدم على قرار من هذا القبيل" (الصحافة، 18/2/2000م).

بعد ذلك بيومين أكد د. الترابي نفسه للصحفيين، بمقر المؤتمر الوطني الذي كان ما يزال يشغل منصب أمينه العام، تعليقاً على التصريح المنسوب لنائب الرئيس: "إن ما قيل عن فصل الدين عن الدولة .. جاء فى سياق المفاوضات مع حركة التمرد". وأضاف قائلاً إن هذه الصيغة وردت و"وقعت فى بعض الأوراق، لكن الصحفيين لا يطلعون على الأوراق التي تذهب إلى المفاوضات"، معتبراً أيَّ حديث في هذا الاتجاه "حديثاً ليس فيه عقل أصلاً"! وعلى حين لم ينس التأكيد على موضوعته القديمة بأن "النظام الأساسي للمؤتمر الوطني موحَّد، والإسلام دين توحيد"، أضاف، واصفاً الحديث المنسوب لنائب الرئيس بقوله: "هذا كفر ببعض الكتاب وإيمان ببعضه" (الصحافة، 21/2/2000م).

وها نحن لا نروم اهتبال فرصة قد تكون مواتية، إنْ كنا نروم سجالاً دائرياً، لا حواراً بناءً، للتعقيب المتثائب الكسول بأن ما (كشف) عنه د. الترابي قد وقع، حسب ما يُفهم من حديثه نفسه، أيَّام كان يتربَّع في قمة السُّلطة، دون أن يجأر، وقتها، بشكوى، أو تندَّ عنه نأمة احتجاج!

 

(52)

مع ذلك فإننا لا نملك، بإزاء سلاح (التكفير) الذي شهره د. الترابي، بغتة، في وجه نائبه السابق، سوى أن نعود للتأكد من تناقض ذلك الموقف مع رأى قديم سبق أن أفضى به، هو نفسه، للكاتب والصحفي التونسي محمد الهاشمي الحامدي، ردَّاً على سؤال الأخير له حول (التكفير والتكفيريين)، قائلاً إنها "ظاهرة تاريخيَّة في الدّين .. هذه الأمراض تصيب المسلمين كما أصابت من قبلهم أهل الكتاب .. بذلك أنا لا أبالى كثيراً بأمثال هؤلاء، وأعرف أنهم إما بقيَّة من أهل القديم حفظوا الدين محفوظات وتقاليد ميتة، وهؤلاء يتلاشون تقليديَّاً، ولا أريد أن أصوّب إليهم نظراً هاماً، أو آخرون يريدون أن يحموا مصالحهم وأهواءهم بأن يسلطوا من داخل جبهة التديُّن من يسكت هذا التديُّن الجديد الذي سيحول نظام الحكم ونظام الاقتصاد ونظام الثقافة والعلم تحويلاً يؤذى أهواءهم ومصالحهم، أو إذا كان من وراء هؤلاء آخرون في الغرب يرون أنه يمكن أن تثير حفيظة المسلم على المسلم لتضرب واحداً بأخيه .. لكن ما أحسب أن الذين أشرت إليهم .. هم الآن قوة ذات وزن تستحق أن نفرط في طاقاتنا المحدودة التي نسخرها لحمل الدّين و .. الدُّنيا كلها، ونصرفها للعناية بهؤلاء وترهاتهم. دعهم يتحدثوا حديثهم!" (محمد الهاشمي الحامدي؛ حسن الترابي: آراؤه واجتهاداته في الفكر والسياسة، ط 1، دار المستقلة للنشر، لندن 1996م، ص 144 ـ 145).

ولا نحسبنا مستطيعين إضافة حرف واحد لهذا الإفصاح البليغ!

 

                                                     (53)

على أنه          لم يكد ينقضي عام واحد على (جردة) د. الترابي وتيَّاره ضد التصريح المنسوب إلى نائب الرئيس باستعداد نظامه للتعاطي مع مطلب (فصل الدّين عن الدَّولة)، حتى أبرم حزب الترابي نفسه، في جنيف، مذكرة تفاهمه الشهيرة مع الحركة الشعبيَّة بتاريخ 19/2/2001م، والتي أدانت النهج الانقلابي الشُّمولي، والمشاريع الأحاديَّة للحكم، والعدوان على الحريَّات، وانتهاكات حقوق الإنسان، وعدم الاعتراف بواقع التعدُّد والتنوُّع الدّيني والسّياسي والثقافي في السودان، والتنكر لحقّ تقرير المصير كحقّ إنساني مشروع، ونادت بتجاوز أجواء التفاوض السَّابقة مع النظام، ومقاومته، سلميَّاً، حتى يتخلى عن نهجه الشُّمولي، كما نادت بضرورة إلغاء القوانين المقيّدة للحريَّات (قوانين الترابي نفسه)، وعدم سَنّ أخرى جديدة، ورفع حالة الطوارئ، وإطلاق سراح المعتقلين، والتوصُّل لاتفاق سلام عادل، ووحدة طوعيَّة ، وحلّ وطنيّ للأزمة السودانية يقرُّه الشَّعب وقواه السّياسيَّة كافة، وكذا بناء ديموقراطيَّة حقيقيَّة تصون الحريَّات والحقوق، وتضمن التداول السّلمي للسُّلطة في إطار حكم لا مركزي، وطالبت، إلى ذلك، بالتراضي على عقد اجتماعي جديد لا يسمح بالتمييز بين (المواطنين) على أساس الدّين أو الثقافة أو العرق أو النوع أو الإقليم، وباعتبار المحاسبة على القمع والجرائم التي ارتكبت أمراً مشروعاً وضروريَّاً لمستقبل الحياة العامة، وبانتهاج سياسة خارجيَّة تقوم على مبادئ حسن الجُّوار، والتعاون الإقليمي والدولي، وعدم التدخُّل في شئون الآخرين.

         

(54)

لئن لم يكن صدور مثل هذا الطرح، وقتها، من (حركة قرنق)، اتفق الناس أم اختلفوا معها، باعثاً على أدنى دهشة، أو حيرة، أو استغراب، فإن (تيَّار الترابي) فجَّر، على العكس من ذلك تماماً، كلَّ بواعث الدَّهشة والحيرة والاستغراب معاً، حين عَمَدَ، بإبرامه هذه المذكرة، للإقرار، صراحة، وعلى خلاف كلّ نهجه السابق، بأن (السّياسة) شأن دنيوىٌّ محض، تدور رحاه في الأرض، لا في السماء، فأعملَ بذلك ممحاة شديدة المضاء، ليس فقط على تاريخ طويل من أدائه السّياسي، بل، وأيضاً، على مجمل طروحاته الفقهوفكريَّة المعلنة، سطراً سطراً، بل كلمة كلمة، وحرفاً حرفاً.

ومع ذلك فليست المشكلة في شئ من كلّ هذا، وإنما في كونه قد أقدم على ذلك كله دون أن يتكبَّد تقديم تفسير مقنع في إطار شكل مناسب من أشكال (النقد الذاتي) المطلوب بإلحاح، والذي لا مناص، في مثل هذه الحالات، من تقديمه، باستقامة، أمام الشعب بأسره، حيث لا سبيل، في جبهة الفقه والفكر بالأخص، لفهم أو قبول مثل هذه التقلبات الهوائيَّة somersaults بلا شروحات مقنعة، حتى لو أمكن (ابتلاع) ذلك أحياناً، وإنْ على مضض، فى جبهة السّياسة، وحيث لا تورث أية محاولة لتفادى هذا (النقد الذاتي)، أو التغافل عنه، سوى الحيرة، بل الإرباك، بل الضرر البليغ، بالضرورة، وبكل المعايير، وهو مآل لا يعقل أن يكون مرغوباً فيه بالنسبة لأيَّة حركة سياسيَّة.

 

(55)

رغم أن المذكرة لم تتناول، صراحة، علاقة الدين بالدولة، حسبما هي مطروحة، مصطلحاً وشعاراً، في فكر د. الترابي، إلا أن ثمَّة أمرين يضيئان، مع ذلك، حقيقة اشتمالها على هذه المسألة ضمناً، وإن كان ذلك في اتجاه مغاير تماماً لأطروحة د. الترابي الفقهيَّة تحت عنوان (التديُّن بالسّياسة)، أو (توبة الدَّولة إلى الدّين)، والتي تشكل الركيزة الأساسيَّة ضمن أجندة حركة الإسلام السّياسي الحديثة في السودان، والمتمثلة في طلبها الحثيث، في كلّ الأحوال، للسلطة أو (التمكين)، بصرف النظر عن كون هذه الحركة متحدة متضامَّة، أم متفرّقة متشاكسة:

الأمر الأول: أن المذكرة نَحَت، بفكرها ولغتها ونبرتها ومزاجها العام، منحى يقطع، دون مواربة، مع صمديَّات طرح (الدَّولة الدّينيَّة) القديم، المفارق للإسلام نصاً ومثالاً، والقائم على المطابقة، بلا سند أو طائل ، بين (التوحيد) كمفهوم (ديني) وبينه كمفهوم (سياسي). ومع أنه ما من شكّ، البتة، في أن هذا التحوُّل يعتبر، من الناحية الموضوعيَّة، أمراً حميداً، إلا أن المشكلة تكمن في أن حركة الإسلام السّياسي، بقيادة د. الترابي، ما تكاد تبدى نزوعاً، في بعض أحوالها، للفكاك من أسر تلك الصَّمديَّات، والتهيُّؤ لنفض يدها عن عصيدة صمغها اللبيك، حتى تعود لتنكص، في أحوال أخرى، على أعقابها، مسارعة للتوحُّل في ذات المأزق مجدداً، وبلا هوادة، المرَّة تلو المرَّة. وكم في طروحات د. الترابي الفقهوفكريَّة من نماذج تكاد تلامس أفق الحقّ، بل تكاد تصيب كبده، حتى ليبدو ألحن بحجته من كثير من خصومه ونقاده، لولا تغيُّر المواقف بلا نقد ذاتي، وتبدُّل الأقوال بلا تفسير مقنع، وشبهة طلب (التمكين) من أي سبيل، كمنهج يجرح التجرُّد. وعلى كلّ فإن السؤال الذي ما يلبث أن ينطرح، هنا، بإلحاح، هو: ما تراه، على وجه اليقين، الشئ الذي ما تنفكُّ تطاله يد التغيير، المرَّة تلو المرَّة، بين كل حال وحال: (المطلق) أم (النسبى)؟! (النصُّ) أم (الفقه)؟! (ثوابت الدّين) أم (متحرِّكات التديُّن)؟!

          الأمر الثانى: أن حقيقة تأسيس معادلة (الحقّ) و(الواجب) على مبدأ (المواطنة)، لا (الدّين)، تكفى بمجرَّدها للإشارة القويَّة، إن لم يكن للدَّلالة الحاسمة، إلى تخلى تيار د. الترابي، في هذه المذكرة على الأقل، عن قطعيَّات فقه (الدَّولة الدّينيَّة) القديم الذي يلتبس فيه (الدّين) بـ (الدُّنيا)، و(الخطأ) بـ (الكفر)، و(الاختلاف السياسي) بـ (الخروج عن الملة). وحتى نحكم سدَّ أيّ مسرب قد تنفذ منه، فى هذا الشأن، ولو أوهى صنوف المكابرات الممجوجة، والمغالطات العقيمة، نسارع للاستشهاد بإفصاحات د. الترابي نفسه الذي لا نشكُّ، لحظة، في أنه إنما يعني تماماً ما يقول، والذي لم يترك أصلاً، ومنذ الوهلة الأولى، أيَّ لسان لمكابر أو لمغالط في عدم اشتمال الوثيقة على نص مباشر صريح حول الموقف من الشعارين المتقاطعين: (وصل الدّين بالدَّولة)، من جهة، و(فصل الدّين عن الدَّولة) من الجّهة الأخرى. فالرَّجل ما لبث أن أعلن بنفسه، صراحة، وبكلمات لا تحتمل اللبس، من خلال مؤتمر صحفي سارع إلى عقده شخصياً نهار اليوم التالي لتوقيع المذكرة، عن أنه "ليس هنالك (خلاف) بيننا وبين الحركة الشعبيَّة حول (علاقة الدّين والدَّولة) .. الاتفاق سيكون (بالتراضي) على (ترك) الأمر (لخيار) الأغلبيَّة .. وللمذكرة ما وراءها" (الصحافة، 21/2/2001م). فما الذى، تراه، من المرجَّح أن يكون هو (ما وراء) التطابق المفاجئ بين الطرفين حول (علاقة الدّين بالدَّولة) سوى تخلى حركة الإسلام السّياسي، بقيادة د. الترابي، عن (فرض) مطلبها القديم الخاطئ بـ (وصل الدّين بالدّولة)، باعتبار ذلك واجباً دينيَّاً، وإبداء استعدادها التام للانضمام إلى الشعار المناوئ: (فصل الدّين عن الدَّولة)، في ما إذا قرَّرت ذلك الأغلبيَّة؟! أم، يا ترى، يتوجَّب علينا فهم أن (حركة قرنق) هي التي تخلت، في تلك المذكرة، عن مطلب (الفصل)، وفى الناس فطانة؟!

         

(56)

قد يقول قائل إن نشدان (الاستقواء) بـ (التحالفات) في ملابسات (صراع) أجنحة الإسلامويين المتشاققة على (السُّلطة) هو الذي أفضى بـ (جناح الترابي) إلى إبرام تلك المذكرة مع الحركة الشعبيَّة، تأسيساً على (فقه الضَّرورة). ومع أن (الاستقواء) بـ (التحالف) مع الأشباه والنظائر، وما يستتبع من مساومات هنا وتنازلات هناك، هو سلوك جائز، بطبيعة الحال، في ميادين (التدافع) السّياسي على تدبير أمور (الدنيا)، وإن كان يخضع، هو الآخر، إلى قدر لا يُستهان به من (المبدئيَّة)، إلا أن محاولة إلباسه (غلالة دينيَّة)، بتوطينه في (فقه الضَّرورة) على هذا النحو، ما تلبث أن تثير من فورها، أيضاً، السؤال المقلق التالي: إذا كان الخلط والتخليط جائزاً هكذا بين (الدّين) وبين (السّياسة)، حيث نحن، من جهة، متخففون من سلطة (المثال) في (تديُّننا)، ومسارعون، في الوقت ذاته، من الجهة الأخرى، وفي كلّ حال ومآل، لإسباغ هالات من (قداسة الدّين) على تصرفاتنا (البشريَّة/الدُّنيويَّة)، وقاعدون لخصومنا كلَّ مرصد، مضيِّقين عليهم إلى درجة (التكفير)، وموسِّعين، في الوقت ذاته، على أنفسنا مسارب اللواذ بـ (فقه الضَّرورة) إلى هذا الحد من التبحبح الطليق في أكناف مقاصد (الدنيا)، فما الذي يتبقى من (الدّين) إذن؟! ما الذي يتبقى من معايير (التديُّن)، ومن مبدأ (التمييز) بين ما هو (دين) وما هو (دنيا)، كمبدأ إسلامي مؤسَّس جيّداً على قاعدة الحديث الشريف: "ما أمرتكم بشئ من (دينكم) فخذوه ، أما ما كان من أمر (دنياكم) فأنتم أدرى به"؟!

هكذا، وفى ظلّ غياب (النقد الذاتي) المفصح المبين المقنع، والذي ما يزال اقتضاؤه مطلوباً من د. الترابي، باستقامة وإلحاح، فإن السؤال بإزاء هذا الانقلاب التام في مشروع (الدَّولة الدّينيَّة) المعتمد، وشعارها المطروح، سوف يبقى على حاله شاخصاً في أفق حركة الإسلام السّياسي بأسرها، دَعْ أفق تيَّارات التشدُّد التي أتاحت لها (الحركة)، بمشروعها هذا، أن تمتهن (التكفير): ما الذى تغيَّر، حقيقة، في ذينك (المشروع) و(الشعار) ما بين حال تمكين د. الترابى من السلطة وحال إقصائه عنها: (ثوابت الدّين)، يا ترى، أم (متحرِّكات التديُّن)؟!

 

                                         (نواصل غداً بإذن الله)