ثَوابِتُ الدِّينِ أَم مُتَحَرِّكاتُ التَّدَيُّن؟!

Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

"تدوم دولة الكفر مع العدل، ولا تدوم دولة الإسلام مع الظلم"!

                                                                      مأثور

 

(64)

مهما يكن من أمر فتاوي التكفير المتبادلة بين جناحي حركة الإسلام السّياسي الرَّئيسة في السودان، بعد ما لا يزيد كثيراً على عقد واحد من صعودها إلى السُّلطة عن طريق الانقلاب العسكري عام 1989م، فإن شيئاً من هذه الفتاوى، خصوصاً ما ينطوي منها على مطابقة ملتبسة بين (أمر السلطان) و(أمر الله)، لم يتجاوز، في جوهره، فهوم (الخوارج) في معركة (صفين)؛ ولم يضف جديداً، في غياب النصوص قطعيَّة الورود والدَّلالة، إلى فقه (الأحكام السلطانيَّة) القديم، العائد ببداية تاريخه إلى منتصف القرن الثاني من الهجرة، حين بدأ التأليف في فقه السّياسة وأحوالها، والقائم، في جُله، على اجتهاد فقهاء وفلاسفة ومتكلمين ومؤرخين وأدباء وكتاب إداريين هم، في المبتدأ والمنتهى، بشر عاديُّون لم يكونوا يتلقون الوحي من السَّماء، بل كانوا محكومين، أساساً، بالظروف السّياسيَّة التي عاشوا وأنتجوا فقههم تحتها، وبما توفر لديهم من معرفة محدودة نسبيَّاً بأحوال أنظمة ملوك ذلك الزمان، وقياصرته، وأكاسرته، وخواقينه، ومشكلات العلائق مجهولة تاريخ النشأة بين الزرادشتية وسلطة الفرس القدامى، وبين المسيحيَّة وسلطة الروم التي سبقتها بقرون. لذا انصبت دروسهم، في غالبها، على الاستقصاءات الحثيثة، من جهة، لأحوال (السُّلطة) في خبرات تلك الأمم، والمدى الذي تحققت فيه لديهم، أو لم تتحقق، الرابطة التأسيسيَّة بين تلك (السُّلطة) وبين (الدّين)، والقدر الذي أثر به، أو لم يؤثر، كون ذلك الدّين موحى به من السماء أم وضعياً، وما ترتب على كل ذلك من تأثير على مفهومي (العدل) و(الظلم) في الأفق الحضاري لتلك الأمم، مثلما انصبت تلك الدروس، من جهة أخرى، على مباحث اجتهاديَّة حول الفرق في الإسلام، ظهورها، وأبرز رموزها، وآرائها العقديَّة والفقهيَّة السياسيَّة، وأصل السُّلطة (الإمامة) في تاريخ المسلمين، ونظريَّتها، وشروطها العامة، من حيث ضرورتها ووحدتها وشرعيَّتها. وكان من أبرز الذين ألفوا في هذه المسائل، فتباينت آراؤهم، في مختلف فترات التاريخ الإسلامي، الإمام الشافعي وابن الطقطقي وابن المقفع وصاعد الأندلسي والدينوري والمسعودي والعامري والماوردي وغيرهم.

 

(65)

حصر ابن المقفع (ت: 142 هـ) المُلك في ثلاثة: مُلك دين، ومُلك حزم، ومُلك هوى. ومع غلبة الطابع الأخلاقي على هذه الصياغة الأدبيَّة، إلا أنه لم يصعب، في أكثر القراءات سداداً، استنتاج أن رأى هذا الأديب المفكر إنما يتلخص في إمكانية تأسيس (المُلك) لا على (الدّين)، بل على المصلحة المُدرَكة بالعقل، والسّياسة المستمرَّة بالعدل، وذلك بتأثير عكوفه الطويل على ترجمة مأثورات الدولة الفارسيَّة التي لم تتأسس، في أصلها، على دين، ومع ذلك دامت لآلاف السنوات بفضل (العدل)، حسب رأيه ورأى غيره ممَّن أطنبوا في اعتبار (العدل) أساساً لـ (الشرعيَّة)، سواءً في خبرة (الدَّولة) الفارسيَّة التي اشتهرت بذلك عند المسلمين، حتى ضربوا المثل بكسرى آن شروان السَّاساني (531م ـ 578م) ولقبوه بـ (الملك العادل)، أم في خبرات أمم أخرى، كالرُّوم والإغريق والهنود والصينيين، ممَّن لم تتأسَّس (الدولة) عندهم، هم أيضاً، على (الدّين)، وإنما على (المصلحة) و(السّياسة) المُدركتين بـ (الفطرة) و(العقل)، مما أشار إليه، أيضاً، الدينوري والمسعودي وصاعد الأندلسي، وآخرون كثر، حتى راج المأثور القائل: "تدوم دولة الكفر مع العدل، ولا تدوم دولة الإسلام مع الظلم". وفي نفس هذا الاتجاه وضع ابن الطقطقي مؤلفه (الفخري في الآداب السلطانيَّة)، خلال القرن السادس الهجري.

ولكن أبا الحسن العامري (ت: 381 هـ) كان قد رفض، من جهته، نظريَّة العدل الفارسي والرومي هذه، قبل ظهور كتاب ابن الطقطقي هذا بنحو من قرنين.

وكان الإمام الشافعي (ت: 205 هـ) قد وضع، قبل ذلك، رسالة عن أهميَّة (وحدة السلطان)، الأمر الذي لا ينفصل عن المسألتين المتصلتين بـ (ضرورته) و(شرعيته)، وذلك بعد أن شهد صراع الأمين والمأمون، وأدرك فداحة ما ترتب على انقسام (الخلافة) باستقلال بعض الأمويين بإمارة الأندلس تحت قيادة عبد الرحمن الأموي، إثر وقوع الانقلاب العبَّاسي (132 هـ). 

أما أبو الحسن الماوردي (ت: 450 هـ)، وهو أشهر من ألف في هذا المجال، فقد أرسى نظريَّته العامَّة حول نشأة الدَّولة في كتابيه: (نصيحة الملوك) و(تسهيل النظر وتعجيل الظفر). وفي هذا الأخير أسَّس لأطروحته حول (دولة الدّين)، بافتراض انعقاد (الإجماع) في المجتمع المعيَّن على دين واحد، سماوي أم وضعي، بحيث أنه ما أن يتجه هذا المجتمع لإنشاء سلطة تنظم أموره، وتحفظ كيانه، حتى يبرز، إلى جانب خياري (دولة القوَّة) و(دولة الثروة)، خيار (دولة الدّين)، في معنى (الدَّعوة الدينيَّة) التي تتحوَّل، بعد استحوازها على (الإجماع)، إلى شكل (السُّلطة السّياسيَّة)، إما بدافع حرص الأتباع، بعد وفاة المؤسّس، على حمايتها، أو بدافع اعتبارهم أن المجتمع قد انحرف عن دينه الواحد، فينهضون لإعادته إلى الجَّادَّة. وبعد استبعاده لاحتمال استمرار (دولة القوَّة)، كونها تقوم على (عصبيَّة العسكر) في التصدّي للعدوان الخارجي، فتنتفي مسوِّغاتها بمجرَّد انتفاء هذا العدوان؛ وبعد استبعاده، أيضاً، لاحتمال استمرار (دولة الثروة)، كونها تتأسَّس على توسُّل الأثرياء إلى السلطة، في ظروف الانفلات، بقوَّة المرتزقة ورشوة المتنفذين؛ عَمَدَ الماوردي إلى إعمال نظره في ما توافر له من معارف زمانه، فانتهى إلى ترجيح النموذج الإسلامي للسُّلطة (الخلافة)، باعتباره الأصلح والأبقى للأمَّة، وأفرد له، من ثمّ، كتابه الثالث (الأحكام السُّلطانيَّة)، والذي درس فيه طريقة قيام هذه (السُّلطة)، كشكل من أشكال (الدَّعوة الدّينيَّة)، وتتبَّع تطوُّر مؤسَّساتها، وأسباب انقلابها إلى شكل (السَّلطنة)، أو (دولة القوَّة)، كطور (مؤقت)، حسب نظريَّته، في سياق سيرورتها (للمزيد من التفصيل، راجع: د. رضوان السيد؛ "السُّلطة والدَّولة في الفكر الإسلامي" ـ ضمن: رؤى إسلاميَّة معاصرة، تقديم د. محمد سليم العوا، ط 1، كتاب العربي، الكويت، يوليو 2001م، ص 59 ـ 68).

هكذا نشأ وتراكم فقه (الأحكام السُّلطانيَّة)، وتباينت الآراء فيه، ما بين القرنين الثاني والسادس الهجريين. ولكن (الخلافة) نفسها تقلبت، أثناء ذلك وبعده، في مسار تجربتها كنظام حكم، ما بين صعود وهبوط، وقوَّة وضعف. فقد شهدت القرون التالية لانحلال خلافة الأمويين، ووقوع الانقلاب العبَّاسي، قيام خلافة الفاطميين الشيعيَّة، المستقلة عن بغداد، بل والمنافسة لها، في مصر وتونس (351 هـ). وكان أن جرى غزو هولاكو لبغداد (358 هـ)، وآلت الأمور، لاحقاً، إلى المماليك في مصر، فما لبث الظاهر بيبرس أن استتبعها مجدَّداً كخلافة رمزيَّة للعبَّاسيين، ونصَّب أحد أمرائهم خليفة عليها، فأخذ خلفاؤهم يتوارثونها، من بعده، حتى دخل العثمانيون القاهرة (1517م)، وأجبروا الخليفة العبَّاسي على التنازل لهم عن الخلافة، فتولوها، وأعادوا مجد دولتها، فازدهرت وتوسعت على أيديهم، قبل أن يصيبها الضعف والانحلال، عشية الحرب العالمية الأولى، وتصبح (رجل العالم المريض)، لتنقضَّ عليها ضواري الإمبرياليَّة الذين احتاجوا، وقتها، لإعادة تقسيم مناطق النفوذ الاستعماري من خلال ترتيبات تلك الحرب، الأمر الذي انتهى بصعود كمال أتاتورك، وإعلانه إلغاء الخلافة، نهائيَّاً، عام 1924م.

 

(66)

جابه (اجتماع) المسلمين تحديات جديدة على صعيد التطور الحضاري لشكل (الدَّولة)، حيث انقضت (الخلافة) دون أن ينقضي احتياج المسلمين، حيثما كانوا، (للدَّولة) أو (السُّلطان)، وإنْ بكيفيَّات جديدة. سوى أن تعاقب الأحداث التاريخيَّة، منذ عصر الماوردي، طبع بصماته العميقة على ذلك الفقه السياسي القديم، فأورثه الحاجة، بدوره، للتجديد، كي ما يتوافق مع مطلوبات العصر، ويجيب على أسئلته المُلحَّة. لقد أثبت التطوُّر أن "الخلافة ليست نظاماً واحداً محدداً، وإنما هي .. وصف أطلق على رئاسة الدَّولة، كما أطلق على النظام السياسي للدَّولة التي تجمع المسلمين .. أو غالبيتهم .. (و) أن أسلوب الحكم قد اختلف اختلافات واسعة من عهد إلى عهد، ومن رئاسة إلى رئاسة" (د. أحمد كمال أبو المجد؛ "الحركات الاسلاميَّة والحكومات" ـ ضمن: رؤى إسلاميَّة ..، ص 14). فمع كون الإسلام عقيدة وشريعة، إلا أن "العقيدة ثابتة، وكذا أحكامها الشَّرعيَّة، ولكن فقه المعاملات في الشَّريعة متطوّر. لا يوجد نظام حكم معين في الإسلام، ولا يوجد نظام اقتصاد معين في الإسلام. إن فقه الأحكام قائم على استنباطات قاصرة على اجتهاد أصحابها وظروفهم التاريخيَّة، وغير ملزمة لأحد، تستثنى من ذلك أحكام محدَّدة قطعيَّة الورود والدَّلالة" (الصادق المهدي؛ تحديات التسعينات، ص 120).

لذا فمن الخطر "أن يتبنى الدَّاعون إلى نظام حكم إسلامي صورة واحدة من الصُّور التاريخيَّة للممارسة السّياسيَّة، ويضفون عليها وحدها وصف (النظام الإسلامي)، وبذلك يلزمون أنفسهم ومجتمعاتهم ما لا يلزم، ويقيّدون حركة المجتمع، ويقفون في وجه سُنة التطوُّر، معتقدين أنهم بذلك (يحكمون بما أنزل الله) .. (أو) أن تنتقل فكرة (التوحيد) و(الوحدانيَّة) في فكر بعض دعاة الإسلام السّياسي من نطاق (العقيدة) إلى ميدان (الحياة السّياسيَّة، وكما أن الحقَّ واحد في منطق المؤمنين، فكذلك (الحقيقة السّياسيَّة)! ومعنى هذا أن يصير هذا (الحزب السّياسي الإسلامي) في تصوُّر أصحابه هو (حزب الله)، وتصير (الجماعة الإسلاميَّة) التي يؤسسها نفر منهم هي وحدها (جماعة المسلمين)، ويصير كل من عداها (خارجاً) .. تجرى عليه أحكام (الخارجين)! وبذلك يفتح الباب .. للتنكيل بالخصوم، وإزالتهم من طريق (الفرقة الواحدة الناجية)، ويُقفل الباب، نهائيَّاً، في وجه (التعدُّد السّياسي)، وتلك كلها كوارث يبرأ الإسلام منها .. (إن) هذا اللون من الفكر البدائي المُشوَّه زراية بالعقل، واستخفاف بالنقل، وعبث بمصالح الأمَّة، لا موضع لمجاملته، أو السكوت عليه، فضلاً عن أن يُحسب على الإسلام، أو يُنسب إليه" (د. أحمد كمال أبو المجد؛ مصدر سابق، ص 14 ـ 15).

ولئن راج مثل هذا النمط (التكفيري) في الكثير من مناهج الفقه والعمل بين حركات الإسلام السّياسي المعاصرة، فإن الذين أنار الله بصائرهم فيها يعزونه، لا للإسلام، وإنما "للجمود الذي أصاب فئات متنوّعة، شباباً وشيباً، ممَّن .. سمعوا درساً فظنوه الدرس الوحيد، والتقوا بطالب علم فاعتقدوا أنه منتهى إقدام العلماء، وقرأوا كتاباً فحسبوه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولم يعلمهم شيوخهم، إن صحَّ وصفهم بهذا، أن للعلم وجوهاً عدَّة، وأن في النظر الصحيح سعة" (د. محمد سليم العوا؛ "في مواجهة التطرُّف وسعياً نحو الاعتدال" ـ ضمن المصدر، ص 7).

 

(67)

لقد تنكَّب كلا تياري حركة الإسلام السّياسي، التي استولت على السُّلطة في السودان عام 1989م، طريق الحقّ في تكفيرهما لبعضهما البعض. وما ذلك، كما سبق أن قلنا، إلا لكون كليهما قد استجار، فى معمعة الصراع للاستحواز على (عتود الدولة)، بـ (مصحفه المُتخيَّل) ، في معنى (تديُّنه) الخاص بشعار (وصل الدّين بالدَّولة)، والنابع من محض تصوُّراته الخاصَّة لجوهر (التدافع)، وفهمه لمعاييره القيميَّة، وسيرورته التاريخيَّة، واتجاهاته، ومآلاته، أي (أيديولوجيَّته الوضعيَّة) بعد إلباسها لبوس (الدّين).

أما (الإسلام) نفسه فلا سند فيه، كما أثبتنا أيضاً، لادّعاء الإنابة عن الله سبحانه وتعالى في تقرير (الإيمان) أو (الشّرك)، وبخاصة في ما يتصل بمتحرّكات (السّياسة/الدَّولة)، بعد سحبها باسم (التديُّن)، تعمُّلاً وقسراً، إلى دائرة قطعيَّات (الدّين)، على غرار ممارسات (الإكليروس) الكنسي في القرون الوسطى الأوربّيَّة. لا سند في الإسلام لـ (كهنة) يدَّعون عصمة، أو قداسة، أو يحتكرون معرفة الكتاب والسُّنة. طبيعة (السُّلطة/الدَّولة) في الإسلام مدنيَّة "أنتم أدرى بأمور دنياكم" ـ "ولانا الله على الأمَّة لنسدَّ لهم جوعتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن أعجزنا ذلك اعتزلناهم". ولا سبيل، البتة، للتوفيق بين هذا المبدأ الإسلامي، وبين مفهوم (الدَّولة الدّينيَّة) في الفكر الثيوقراطي. فصاحب السُّلطة عند المسلمين، مهما لجَّ البعض في الجدال، "ليس بالمعصوم، ولا هو مهبط الوحي، ولا من حقه الاستئثار بتفسير الكتاب والسنة .. (كما ولا حق في هذا) للقاضي أو للمفتى أو شيخ الإسلام .. وكلُّ سلطة تناولها واحد من هؤلاء هي سلطة (مدنية) .. ولا يسوَّغ للواحد منهم أن يدَّعى حقَّ السيطرة على إيمان أحد، أو .. ينازعه في طريق نظره" (د. محمد عمارة؛ الإسلام والعروبة والعلمانيَّة، دار الوحدة، بيروت 1984م، ص 129 ـ 130، وراجع أيضاً حلقات مقالتنا "يسألونك عن الفرو المقلوب"، صحيفة الرأي الآخر، مارس 1998م).

 

(68)

عند هذا الحدّ لا بُدَّ لنا من مقاربة شعار (فصل الدّين عن الدَّولة)، كما يتبدَّى في ما يُثار على ساحة الصراع السوداني. غير أنه يلزمنا، قبل ذلك، بل لأجل ذلك، استقصاء جذور (المفهوم والمصطلح) في تربتهما الفكريَّة الأصليَّة، لنرى ما إذا كانا يعبِّران، حقيقة، أو لا يعبّران، عن (الشّعار/المطلب)، على ما هو عليه في بلادنا.

إن أبرز، بل أوَّل ما يصادفنا بهذا الاتجاه، هو العُروة الوثقى التي لا انفصام لها بين مفهومي (فصل الدّين عن الدَّولة) و(العلمانيَّة)، فما يكاد ينطرح واحدهما حتى يستتبع الآخر، ضربة لازب. ومن زاوية النظر التاريخيَّة والفكريَّة فإن (المفهوم الأصل) هو (العلمانيَّة) التي تمخَّضت عن جملة مفاهيم من بينها (فصل الدّين عن الدَّولة). وهكذا فإن المدخل الصائب لهذا المفهوم الأخير إنما يمرُّ عبر المفهوم الأوَّل، ونشأته في تاريخ الفكر الأوربي في مطالع عصر (الحداثة)، بحقبه الثلاث المعروفة: (النهضة ـ الإصلاح الدّيني ـ التنوير).

وإذن، فالعلمانيَّة secularism، بالمصطلح الأوربي العام، أو اللائكيَّة laicisme، فى طورها الفرنسي الخاص، هي مفهوم محدَّد أنتجه الفكر البرجوازي الأوربي بدلالة تحرير (السلطة الزمنيَّة) من قبضة (الإكليروس الكنسي)، كمؤسَّسة اجتماعيَّة ذات مصالح (دنيويَّة) ارتبطت بكل المظالم التي أفرزتها التشكيلة الاقتصاديَّة الاجتماعيَّة للإقطاع، وكحارسة أيديولوجيَّة لعلاقات إنتاجها، وصائغة لتبريراتها الروحيَّة، قبل أن تهبَّ تلك البرجوازيَّة، رافعة مجموع الشعب الكادح على طريق ثوراتها التاريخيَّة، وأشهرها الثورة الفرنسيَّة البرجوازيَّة العظمى (1789م)، لتقوِّض سلطة (الإكليروس)، عملياً، بمصادرة أملاكه الإقطاعيَّة، وإلغاء الأتاوات التى كان يفرضها على (المؤمنين)، بل، أكثر من ذلك، بتصفية النظام الإقطاعي نفسه، وإصدار (الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن)، تحت التأثير المباشر لفلسفة (الأنوار)، وإلحاق شئون الأسرة ومسائل التربية والتعليم وما إلى ذلك باختصاصات السلطة (المدنيَّة).

لقد تلازم صعود المركانتليَّة، ومفاهيمها حول المدنيَّة والتمدُّن، مع عمليَّات التهميش الثوريّ المتسارع للاقتصاد الطبيعي الريفي الذي كان يشكل أساس نفوذ وسطوة (الإقطاع) و(الكنيسة)، مما هيَّأ لصعود مناهج جديدة في الفلسفة والميتافيزيقيا كتفكير في الوجود خارج مفاهيم اللاهوت، ورتب لواقع فكري جديد، أصبحت فيه الفلسفة عقليَّة، على حين بقي اللاهوت نقليَّاً (د. برهان غليون؛ إغتيال العقل ـ محنة الثقافة العربيَّة بين السلفيَّة والتبعيَّة، ط 1، دار التنوير، بيروت 1985م، ص 229 ـ 230).

ورغم أن (العلمانيَّة) لم تستهدف، أوَّل أمرها، إنجاز مفاصلة ما مع (الدّين)، بقدر ما هدفت إلى إخضاع الكنيسة الكاثوليكيَّة لسلطة (الدَّولة) باستقلال عن كنيسة روما، إلا أن ثمة عوامل تاريخيَّة محدَّدة لا يجوز فكريَّاً فصلها عن تاريخ (المصطلح)، أو إغفالها عند تناول (المفهوم)، دفعت ب (العلمانيَّة)، وبخاصَّة طبعتها الفرنسيَّة (اللائكيَّة)، على طريق التحوُّل إلى أيديولوجيا مصادمة للدّين (ديفيد مارتن، النظرية العامة للعلمنة، ضمن رضا هلال؛ م/العصور الجديدة، ع/8، أبريل 2000م). من ذلك، مثلاً، التغيُّرات التي طرأت على أوضاع (الكهنة) في أعقاب الثورة الفرنسيَّة، حيث أصبحوا، بموجب القانون المدني لرجال الدّين لسنة 1790م، مجرَّد موظفين مدنيين، أو ساسة يخوضون الانتخابات للفوز بأصوات المواطنين، (متديِّنين) و(غير متديِّنين)، فكان أن انحياز (الإكليروس) إلى قوى (الملكيَّة) في (الثورة المضادَّة) لإعلان الجُّمهوريَّة عام 1793م، ممَّا أنتج وضعاً جماهيريَّاً عامَّاً معادياً، ليس فقط للإكليروس، بل وللدّين كله، بحيث اتخذت المعركة بين (الجُّمهوريين) و(الملكيين) طابع العداء بين (العلمانيَّة/اللائكيَّة)، وبين (الإكليروس) المتحوِّل، في الذهنيَّة العامَّة، إلى معادل موضوعي لمفهوم (الدّين) نفسه. ثم ما لبث الأمر أن تطوَّر ليفضى، في الجمهوريَّة الثالثة، إلى مواجهة شاملة بين (الدّين) و(الدَّولة)، بين القيم (المسيحيَّة الملكيَّة) والقيم (اللائكيَّة الجمهوريَّة).          

 

(69)

هكذا، وبما أن لكلّ ثقافة وحضارة (عقلانيَّتها) الخاصَّة، فإن (العلمانيَّة/اللائكيَّة) ليست، في حقيقتها، سوى مظهر لـ (عقلانيَّة أوربا) الحداثيَّة، كمنجز حضاري تاريخي جرت صياغته، كما قد رأينا، في سياق وقائع محدَّدة لصراع المجتمع ضدَّ الإكليروس، بحيث أصبحت هذه (العقلانية  rationalism) أسلوباً في التفكير والتفلسف ينطلق من فرضيَّة محدَّدة، مفادها أن (العقل) الإنساني قادر على إنتاج المحاكمات الواعية لمختلف الظاهرات وتعليلها، سواء في الحياة اليوميَّة أم في الممارسة المعرفيَّة. ومن المهمّ جداً أن ندرك أن أغلب الفلسفات السائدة في الغرب اليوم إنما تعود بجذورها إلى فلسفات تأسَّست في اليونان وروما القديمة، على أيدي ديمقريطس وتلميذه أبيقور، فضلاً عن لوكريتس كار (حوالي 99 ـ 55 ق.م)؛ ثمَّ تطوَّرت، لاحقاً، عند فلاسفة الإلحاد البرجوازي الذين جعلوا من (نقد الدّين)، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عملهم الأساسي، كديدرو، وهيلفيتيوس، وفويرباخ، وغيرهم. أما الفلسفة الوضعيَّة positivism التي أنشأها الفرنسي أوغست كونت، فى مطلع القرن التاسع عشر، وتطوَّرت في خواتيمه وبداية القرن العشرين، في مرحلة (الوضعيَّة الثانية) أو (مذهب نقد التجربة)، على أيدي السويسري إيفيناريوس والنمساوي ماخ، ثم خلال النصف الأول من القرن العشرين، في مرحلة (الوضعيَّة الجديدة)، أو (الوضعيَّة المنطقيَّة) أو (التجريبيَّة المنطقيَّة)، على أيدي أعضاء (حلقة فيينا)، ولاحقاً على أيدي برتراند راسل والكثير من علماء اللسانيَّات والرياضيَّات والفيزياء والمنطق وغيرها من العلوم، هذه الوضعيَّة المعاصرة، الأكثر تأثيراً، الآن، على حركة العلم والثقافة في بلدان الغرب الرأسمالي، تشغل مكانة متميّزة في منظومة الفلسفات الأوربيَّة التي سعت إلى تجاوز الدّين على خلفية شديدة الخصوصيّة والتعقيد من معطيات التاريخ الأوربي. غير أنها تظل مشدودة، بوجه خاص، إلى ظروف وملابسات الصّراع الذي أنتج مفاهيم (الحداثة) البرجوازيَّة بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، وعلى رأسها (العلمانيَّة). وأما كارل ماركس (1818م ـ 1883م) فعلى الرغم من أنه وافق (العقلانيَّة) في فكرتها الأساسيَّة القائلة بقدرة (العقل) على تجاوز المعطيات المباشرة للتجربة الحسيَّة، إلا أنه انتقدها بشدَّة لكونها تغالي، من جهة، في إبراز دور (العقل)، ومن الجهة الأخرى في إسقاط أية أهميَّة لتجربة (الحواس).

(العلمانيَّة)، إذن، سواء في نسختها الأوربيَّة العامَّة أم الفرنسيَّة الخاصَّة، وسواء في الفكر البرجوازي أم الماركسي، هي، في أصلها، جنين (العقلانيَّة) الأوربيَّة الوضعيَّة، الطالعة، بدورها، من رماد الحرب الضروس التي اندلعت هناك، ردحاً من الزمن، بين (إكليروس) زعم لنفسه نيابة مطلقة عن (السَّماء) في (الأرض)، ومن ثمَّ سلطاناً مقدَّساً لإرادته البشريَّة على السُّلطة الزمنيَّة، والحياة السّياسيَّة، والاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة، وحركة العلم والفلسفة، والثقافة، وبين (مجتمع مدني) صارع لتحرير حكومته، وثقافته، وعلومه، وسائر مقدراته ومقوّمات حياته، من بين فكي تلك الهيمنة الإكليروسيَّة، فكان لزاماً أن يصبح الاصطدام (بالكهنوت)، في مرحلة معينة من التطوُّر، أمراً محتوماً في أفق ذلك الصراع، ومآلاته التاريخيَّة، وأن يطبع بطابعه (عقلانيَّة) أوربا التي أنتجت (العلمانيَّة) كمفهوم ألقت دلالات المواجهة مع (الدّين)، في ذلك الإطار الحضاري المحدَّد، بظلالها الكثيفة عليه، بالقدر وإلى المدى الذي عَمَدَ (الكهنوت)، به وفيه، إلى ترتيب التماهي، فى الذهنيَّة الأوربيَّة، ثمَّ عموم الذهنيَّة الغربية، بين (ذاته) الدنيويَّة المحدودة، وبين (السماء) في تعاليها المطلق، وفق الأساليب والمناهج الثيوقراطيَّة التي اعتمدها.

 

(70)

ومع ذلك فإن (العلمانيَّة) المعاصرة لا تفترض (الإلحاد) بالضرورة، وإن كانت قد اندفعت باتجاهه، كما قد رأينا، في بعض نماذجها التاريخيَّة المحدَّدة، كالنموذج اللائكي الفرنسي. ولكنها سرعان ما عادت لتبقى، بوجه عام، (مؤمنة)، سواء كانت كاثوليكيَّة أم بروتستانتيَّة، كما نشاهد في عالم اليوم (م. إبراهيم نقد، حوار مع م/بيروت المساء، ع/أغسطس 1985م).

لذا، فإن الخلط بين (العلمانيَّة) و(الإلحاد)، ضربة لازب، ودون استصحاب المعطيات التاريخيَّة لملابسات تأسيس (عقلانيَّة) السلطة المعنويَّة (الحضاريَّة/ الثقافيَّة) الصاعدة فى خواتيم القرون الوسطى، ومطالع عصر (الحداثة)، بإزاء انحلال نظام (الإكليروس) القديم الذي جرى تحميله وحده، في التاريخ الأوربي، أوزار الانحطاط وزوال الحضارة، لهو، في حقيقته، خلط متعمَّل يرمى إلى دمغ مجمل الجهود الفكريَّة والسياسيَّة، الراديكاليَّة والإصلاحيَّة، التي اتخذت موقفاً معادياً (لاستثمار) العاطفة (الدّينيَّة) في تسويق ما لا يمكن أن يقرُّه، في الواقع، أي دين: الظلم الاجتماعي!

 

                  (نواصل غداً بإذن الله)