ثَوابِتُ الدِّينِ أَم مُتَحَرِّكاتُ التَّدَيُّن؟!

Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

"أصبح لزاماً على حزبنا أن ينمِّى خطه الدعائي حول قضيَّة الدّين الإسلامي وعلاقته بحركة التقدُّم الاجتماعي، أهميَّة هذا الخط لا تقتصر على الرُّدود على ما يُثار، بل تتعدَّى ذلك لجعل الدّين الإسلامي عاملاً يخدم المصالح الأساسيَّة لجماهير الشَّعب، لا أداة في يد المستغلين والقوى الرَّجعيَّة"

عبد الخالق محجوب

 من تقريره السّياسي أمام المؤتمر الرابع

 (الماركسيَّة وقضايا الثورة السُّودانيَّة)

أكتوبر 1967م

 

(85)

إنتبه الحزب الشيوعي (السوداني) ٭باكراً لأهميَّة (الدّين) الحاسمة، ليس في مستوى الحياة الفرديَّة، فحسب، بل وعلى صعيد الوعي الاجتماعي٭٭، والصراع الفكري والسياسي، مثلما واصل التعبير، في شتى المناسبات، وبمختلف الأشكال، عن ضرورة إعادة صياغة الإشكاليَّة٭٭٭ المتعلقة بـ (الدّين والدَّولة) من منظور (عقلاني إسلامي)، بصرف النظر عن مواضعات الماركسيَّة التقليديَّة في هذا الشأن، ضمن السّياق التاريخي العام لتطور الفلسفة الأوربيَّة كلها من عقلانيَّة مغايرة تشكلت في رحم الثقافة الإغريقيَّة القديمة، كما سنرى لاحقاً، الأمر الذي يفضح كون اتهامه بـ (الإلحاد) هو محض (مزايدة) مكشوفة في سياق التشويه المتعمَّد لحقائق الحياة الفكريَّة والسّياسيَّة في بلادنا.

لقد ظلَّ الحزب يراكم، منذ نشأته الأولى، بل منذ ما قبل الإعلان حتى عن تكوينه، رسميَّاً، عام 1946م، إشارات، كما إشارات الفنار المتقطعة، في ما يصدر عنه مؤسَّسيَّاً، أو من خلال التعبيرات المفصحة لمختلف قادته ورموزه، نحو معنى واضح، فحواه: (ماركسيون نعم، ولكننا لسنا ملحدين، وليس في فكرنا أو سياستنا إلحاد). فعلى سبيل المثال:

(1) صرَّح بذلك حسن الطاهر زروق، أحد أبكار مؤسِّسي الحزب، حين ألمح، وقتها، إلى الخلل الأساسي في التجربة السوفيتيَّة، وإلى إمكانية نشوء نظام جديد يتفادى سلبياتها، قائلاً: "ليس بالضرورة أن نتطابق (معها) .. قد نستفيد (منها) ونتفادى سلبياتها مثل غياب ضمانات حريَّة وسلامة الفرد، وعدم تقدير دور )الدّين( في حياة الشعوب" (السودان الجديد، 1/9/1944م ـ ضمن محمد نوري الأمين، رسالة دكتوراه).

(2) وعلى أيام (الفتنة الأولى)، في أكتوبر 1954م، عندما وُزّع منشورٌ مدسوسٌ على الحزب يتهجَّم على الإسلام، نشر عبد الخالق محجوب، السكرتير السابق للحزب، والذي أعدمه جعفر نميرى، لاحقاً، عام 1971م، مقالاً في الصحف، نيابة عن (الشيوعيين السودانيين)، ينفى فيه عنهم تهمة الإلحاد، وهو المقال الذي استشهد به الإمام عبد الرحمن المهدي، آنذاك، محذراً من الفتنة، ومعتبراً ذلك النفي كافياً للمسلمين (م. س. القدَّال؛ معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، ص 83).

(3) وفى إثر انشقاق حزب الشعب الديمقراطي من الحزب الوطني الاتحادي، عام 1956م، هاجم الاتحاديون السيّد على الميرغني، مطلقين شعارات (الكهنوت مصيرو الموت) و(مصرع القداسة على أعتاب السّياسة)، فنعى عبد الخالق على الحزب الوطني الاتحادي انه لم يضع مفهوماً إسلاميَّاً، أو نظريَّة إسلاميَّة، لتحرير الجَّماهير من الطائفيَّة (الإسلام والسياسة، ص 135، ضمن المصدر نفسه، ص 92).

(4) وإبَّان الأزمة التي انفجرت داخل الجمعيَّة التأسيسيَّة، في سياق (الفتنة الثانية) التي وقعت في عقابيل حادثة معهد المعلمين العالي (1965م)، حيث تطاول طالب بالتباذؤ على بيت النبوَّة، فنسبه (الأخوان المسلمون)، في لهوجة مريبة، إلى الحزب الشيوعي، الأمر الذي انتهى بقرار الجمعيَّة التأسيسيَّة بحلِّ الحزب وطرد نوابه منها، خطب محمد إبراهيم نقد، نائب دوائر الخريجين عن الحزب، أيَّامها، وسكرتير الحزب حاليَّاً، مؤكداً براءة الحزب من تهمة الإلحاد، ومنبّهاً إلى أن موقف الحزب من الدّين واضح في دستوره، وفى تاريخه الطويل، وتاريخ أعضائه (المصدر، ص 157).

(5) وفى 1967م جاء في كلمة عبد الخالق في الاحتفال الجماهيري بفوز أحمد سليمان، مرشح الحزب بدائرة الخرطوم شمال وقتها، قوله: "إن الاشتراكيَّة الوضَّاءة هي إسلام القرن العشرين" (المصدر، ص 172).

(6) وفى يناير 1968م أصدر عبد الخالق كتيّباً فند فيه فكر (الأخوان المسلمين)، فميَّز بين الإسلام الذي وصفه بأنه دعوة "للحقّ والعدل والإيمان"، وبين الدعوة (الأخوانيَّة) التى هاجمها بقوة لكونها، على حدّ تعبيره "تتقمَّص ثياب الإسلام، فتظهر شيئاً وتخفى شيئاً .. (و) تسوق الناس على حساب العقيدة، وهي تعلم أن صريح العقيدة والدّين لا يساير ما تهدف إليه" (أفكار حول فلسفة الأخوان المسلمين، دار الفكر الاشتراكي، ص 6).

(7) كما أصدر الرشيد نايل المحامي، والقيادي البارز بالحزب، عام 1968م أيضاً، كتيّباً آخر في تفنيد دعوى (الأخوان) جاء فيه أن مهمَّة الدَّعوة الإسلاميَّة "تزكية نفوس (البشر) .. من أدران الشّرك، وظلام الجاهليَّة، والظلم، وتعليمهم الحكمة، والكتاب، ونقلهم من .. الأميَّة والتأخُّر إلى .. العلم والإدراك"؛ وأن رسالة محمد (ص) جاءت "لتنقل العرب من أوضاعهم الجاهليَّة المتأخّرة إلى حالة اجتماعيَّة وأخلاقيَّة .. متقدّمة؛ وأن القرآن .. يدعو (المؤمنين) إلى العمل الصالح، والبرّ، والإحسان إلى الفقراء المساكين، والبُعد عن طغيان السُّلطة، وطغيان الثراء .. (وإن) الذين يعتبرون أيَّة دعوة أخلاقيَّة أو إصلاحيَّة اجتماعيَّة أمراً مخالفاً للمنهج الإسلامي إنما يسعون إلى هدم أركان الإسلام ومبادئه" (الأخوان المسلمون أعداء الله وأعداء كتابه، ص 38 ـ 40).

(8) وفي أبريل من نفس عام 1968م قدَّمت فاطمة أحمد إبراهيم، عضو اللجنة المركزيَّة للحزب، محاضرة بجامعة القاهرة فرع الخرطوم، حول (قانون الأحوال الشَّخصيَّة)، أكدت فيها أن الإسلام أنصف المرأة، في جوهره، غير أن تخلف قوانين الأحوال الشخصيَّة "في معظم البلدان الإسلاميَّة .. ناتج من .. أن شعوب تلك البلدان .. تجهل جوهر الإسلام .. وتخلط (بينه) وبين المعتقدات الطائفيَّة ، والمفاهيم الخرافيَّة، والعادات والتقاليد الموروثة، و .. (قد) لعب بعض (رجال الدّين) والمنظمات الإسلاميَّة دوراً .. أساسيَّاً في استمرار ذلك الوضع .. وهذا بالطبع ، لا يعفى القوى ذات المصلحة .. في التغيير من مسئوليَّتها في .. التعمُّق .. في .. الدّين، وإبراز جوهره .. التقدُّمي الذي يتعارض .. مع حركة التغيير .. لمصلحة الجماهير .. إن الدّين الإسلامي ضد الاستعباد، والاستغلال، والاستبداد، والتسلط، والظلم، والعنف، والانحلال .. (و) مع العدل، والشُّورى، أي الدّيموقراطيَّة، والمساواة، والتحرُّر، والقيم الحميدة .. و .. لا تعارض بين الدّين الإسلامي والاشتراكيَّة .. (التي) تدعو لنفس الأهداف، وتعتبرها مبادئ أساسيَّة" (حول قضايا الأحوال الشخصيَّة ، ص/ أ ، ب ، ج ، ن 37).

(9) وفى مذكرته إلى المجلس العسكري، عام 1985م، طالب الحزب بأن يضمن الدُّستور الانتقالي أعلى درجة من احترام الأديان، وأكد على أن الحزب ".. يستمدُّ .. من أصول الشريعة الإسلاميّة ما يلائم العصر من أحكام، ويحترم كلَّ الأديان وكريم المعتقدات، ويعارض كلَّ دعوة فوضويَّة للمساس بمعتقدات وبمقدَّسات الشَّعب، ويعارض، بنفس المستوى، المتاجرة بالدّين في السّياسة وشئون الحكم" (المذكرة، أغسطس 1985م).

وما من شك، هنا أيضاً، في أن أحداً لا يستطيع، إلا بالكثير من حُمرة العين، أن ينسب شيئاً من هذا الطرح إلى (العلمانيَّة)، على حدّ المصطلح الغربي!

 

(86)

ولأن الواقع هو المختبر الحقيقي لاتساق وصدقيَّة الأفكار والأفعال، فلا بُدَّ، في هذا المقام، من إيراد الحقائق التالية:

(1) على حين ظلت طبول الاتهام بالإلحاد تقرع حول الحزب، لم يشعر أيُّ عضو فيه، ولو للحظة واحدة، بأنه ملزم بأن يصير (ملحداً) كي ينال أو يستمر في عضويَّته! إن أقصى ما اجتذب الشيوعيين السودانيين إلى الماركسيَّة أنها نظريَّة علميَّة دنيويَّة يمكن التعويل عليها في تفسير ظاهرات وعلاقات الاقتصاد والاجتماع والثقافة وما إلى ذلك. وعليه فإن (إلحاد الماركسيَّة) لم يمثل بالنسبة لهم، في أيّ وقت، شيئاً أكثر من إمكانيَّة (دمغ) الكيمياء أو علوم الفلك بالإلحاد، كون علاقة منهجها بالدّين لا تختلف عن علاقة أيّ منهج علميّ وضعيّ آخر به. وفى الحقيقة "لم يمنع اختلاف المنهج الدّيني مع المنهج العلمي العديد من العلماء المتديّنين من الوصول إلى أبهر النتائج العلميَّة. وكما أنه لا يوجد عاقل اليوم .. يتساءل إن كان من المباح شرعاً القول بكرويَّة الأرض، وإجراء العمليَّات الجراحيَّة لاستئصال المرض .. فكذلك لا يجب أن يتساءل عاقل اليوم إن كان من المباح شرعاً الأخذ بالنظريَّة العلميَّة الماركسيَّة لتحليل المجتمع" (مصطفى التواتي؛ التعبير الديني عن الصّراع الاجتماعي في الإسلام، ص 17 – 18).

(2) تشترك الماركسيَّة، كفلسفة ماديَّة، مع كلّ الفلسفات الماديَّة الأخرى، منذ الإغريق حتى عصر الحداثة البرجوازيَّة، في النظر العلمي، ولا يوجد سبب واحد لتخصيص الماركسيَّة وحدها بالهجوم تحت شعار (الإلحاد) سوى أنها، وعلى عكس الفلسفات الأخرى، لم تعتبر هدفها الأساسي (تفسير الطبيعة)، مجال المواجهة الكلاسيكي بين (الفلسفة) و(الدّين)، وإنما اعتبرت مهمتها الأساسيَّة "تغيير المجتمع". وقد لخص ماركس هذا الفهم بعبارته الشهيرة: "لم يفعل الفلاسفة سوى تفسير العالم بطرق مختلفة، لكن المهمَّ، الآن، هو تغييره" (ماركس ـ ضمن "حول الدّين" ، ص 28).

(3) إذن فإن (تغيير) العالم هو (جريرة) ماركس الكبرى التي استحقَّ عليها، من دون سائر الفلاسفة الماديين، غضبه (مالكي) العالم من الطبقات المستغلة (بكسر الغين)، وتتمثل المفارقة الغريبة، هنا، في أنه ".. في حين أن عداوة الدّين .. كانت تكبيرة الحرب التي شنَّها فلاسفة البرجوازيَّة على الإقطاعيَّة وحليفتها الكنيسة .. تتخفى هذه البرجوازيَّة نفسها، اليوم، في محاربتها للماركسيَّة بأقنعة دينيَّة لطالما حاولت بالأمس تمزيقها والتشنيع عليها" (المصدر، ص 17). فبكلمة (تغيير) الواردة في النصّ المشار إليه "كان ماركس يعهد إلى الفلسفة بدور جديد .. كان يحدث ثورة في الفلسفة غايتها الأولى تحقيق ثورة في العالم. لم يعد مرجع الفلسفة تاريخها الذاتي .. بل أصبح الواقع الموضوعي المطلوب تغييره هو مرجع الفلسفة .. ولهذا لم يعد غريباً أن يهجر ماركس .. أو أن يرمى بعيداً بالأسئلة الفلسفيَّة .. التي كانت قائمة في زمانه .. ليذهب إلى حقل نظري يتوافق مع مشروعه الجديد، فيبحث في السّياسة والاقتصاد وآليَّة المجتمع الرَّأسمالي، أي كان ينتج معرفة نظريَّة عن مستويات المجتمع المطلوب تثويره، فكان يحقق وحدة السّياسة والنظريَّة، أو العلم والسّياسة، أو بشكل أدق: كان ينتج علم الثورة" (فيصل دراج، م/النهج، ع/23/24، 1989م، ص 187 – 188).

وربَّما لا يحتاج المرء، بعد إدراك هذه الحقيقة، إلى كبير عناء لمعرفة (السّرّ) الذي أقام دنيا البرجوازيَّة في وجه الماركسيَّة، ولم يقعدها حتى الآن، لما يزيد على القرن ونصف القرن!

(4) ومع كون الماركسيَّة فلسفة ماديَّة، إلا أنها تتميّز عن الفلسفات الماديَّة الأخرى، بكونها، للمفارقة، الأكثر بُعداً عن الانشغال بـ (نقد الدّين)، بل إن مشروعها نفسه قد تأسَّس، في حقيقته، أصلاً، على (نقد النقد للدّين) الذي كان رائجاً، أوان ذاك، في الفلسفة الغربيَّة، من باب تفسير عذابات الإنسان، ممَّا عدَّته الماركسيَّة وعياً زائفاً. وقياساً بحجم إنتاجيهما في المجالات الأخرى، فإن ما كتبه ماركس وإنجلز، حول هذه القضيَّة، من الضآلة بمكان، وقد انحصر جُله في نقد ماركس، عام 1845م، وفي ما لا يتجاوز الخمسة وستين سطراً، للنقد الذي كان خصَّصه أستاذه السابق فويرباخ للدّين، حيث لخَّص ماركس أفكار الأخير، في هذا الصَّدد، بقوله: "ينطلق فويرباخ من أن الدّين يجعل الإنسان غريباً عن نفسه، ويشطر العالم إلى عالم ديني موضوع للتمثل، وعالم واقعيّ دنيويّ، ويرى أن عمله يقوم على جرِّ العالم الدّيني إلى قاعدته الدنيويَّة" (حول الدين، ص 55). ومن أهمّ ما أخذ ماركس وإنجلز على فويرباخ أنه توهَّم أن (الدّين) هو مصدر (الاستلاب)، و"ظنَّ أن إلغاء الدّين سيؤدّى .. إلى إلغاء الاستلاب عن الإنسان (التواتي؛ ص 15) . ومن ثمَّ خرج ماركس بفكرته الأساسيَّة التي تنبّه إلى "استلاب العلاقات الاقتصاديَّة في المجتمع الرَّأسمالي، ولذلك فمن الواجب البحث عن أصل الداء (الاستلاب) في موضعه الأصلي، لا في الدين". هكذا "فرَّق ماركس بين الفلسفات التي تكتفي بالبحث عن تفسير مثالي للكون، ومن ضمنها فلسفة فويرباخ، وبين الفلسفة التي تخدم التاريخ"، واعتبر أن مهمَّة هذه الأخيرة "إزالة القناع عن الاستلاب الذاتي في أشكاله (غير المقدَّسة)، وبذلك يتحول نقد السَّماء إلى الأرض، ونقد الدّين إلى الحقوق، ونقد اللاهوت إلى نقد السّياسة" (نفسه ، ص 16 –17). ولعلَّ المفارقة المدهشة تتبدَّى، هنا، جليَّة، في أنه، وعلى حين يجرى، بنشاط جم، وإصرار عنيد، تصوير الماركسيَّة، صباح مساء، وكأنها لم تتأسَّس ، أصلاً، في أفق الفلسفة الإنسانيَّة إلا لنشر (الإلحاد)، فإن أيَّة قراءة موضوعيَّة لنصوصها سرعان ما تكشف عن الحقيقة التي لا مراء فيها، والتي جرت، دائماً، محاولة طمسها من جانب آلة الدعاية البرجوازيَّة، وهي إن الماركسيَّة لم تنشغل، فى الواقع، أصلاً، بما انشغلت به الفلسفة الكلاسيكيَّة: الصّراع مع (اللاهوت) حول (تفسير الطبيعة)، وإنما اهتمَّت، على العكس من ذلك تماماً، بإخراج الفلسفة ذاتها من حقل الميتافيزياء metaphysics إلى حقل التاريخ وتفسير المجتمع، ولم تكن معنيَّة تبعاً لذلك، منطقاً وفعلاً، بـ (نقد الدّين)، بل بـ (نقد نقاد الدّين) البرجوازيين الذين اعتبروا الإلحاد شرطاً أساسياً في مشروعهم النضالي الرامي لقلب البنية الاجتماعيَّة القديمة. و"هكذا حوَّل ماركس مفهوم الاستلاب من مجال الدّين، عند (فويرباخ)، إلى مجال المجتمع والاقتصاد البرجوازيَّين" (نفسه).

(5) يتبقى أن نذكر أنه ما من نص تعرَّض للاجتزاء المُخلّ، والانتزاع المتعسّف من السّياق، تمهيداً لسوء التفسير المتعمَّد، كنصّ ماركس الذي تكفلت آلة الدعاية البرجوازيَّة العالميّة باختزاله، حدَّ الركاكة، إلى ما لا يزيد عن كلمات ثلاث: "الدّين أفيون الشعوب!"، وإشهاره، من ثمَّ، بهذه الصورة، طوال سنوات (الحرب الباردة)، حتى قرَّ، أو كاد، في وعى العامَّة، أن تلك الجملة، مقلوبة المعنى، فعلاً، في عزلتها عن سياقها الذاتي، من جهة، وعن سياق التطور التاريخي لفكر ماركس نفسه، من الجهة الأخرى، إنما هي كلُّ ما (نطق) به ذلك الفيلسوف الألماني! على أن ذينك السّياقين (الذاتي والتاريخي) يشكلان سراجين لا يمكن أن يستغني عنهما أيُّ باحث عن حقيقة هذا النصّ بتجرُّد وموضوعيَّة:

المسألة الأولى: هي أن إعادته إلى موقعه الحقيقي، في سياقه الذاتي، توفر، على الأقل، لمن يتفق أو يختلف معه، أن يفعل ذلك على بيّنة، بشرط التماسه، لا في صورته المجتزأة المشوَّهة على صفحات مجلة (إنكاونتر)، أو مثيلاتها من الإصدارات الصفراء التي دأبت على نشرها وكالة المخابرات المركزيَّة الأمريكيَّة، بل كاملاً في مصدره الأصلي (كارل ماركس؛ نقد فلسفة الحقوق عند هيغل)، أو حتى ضمن الأدبيَّات المُيسَّرة، كالأنطولوجيا الماركسيَّة (حول الدين، ص 33 ـ 34).

المسألة الثانية: هي أن أيَّ دارس للفلسفة يعلم أن موضوعة (الإلحاد)، في الفلسفة الغربيَّة عموماً، سابقة، تاريخياً، على الماركسيَّة بوقت طويل، حيث شكلت روح الفلسفة الماديَّة الكلاسيكيَّة كلها، وأصبحت أحد أمضى أسلحة البرجوازيَّة الصاعدة خلال النصف الثانى من الألفية الثانية (القرنين 16 ـ 18)، في حربها على النظام الاقطاعي، وحليفه الأقوى (الإكليروس الكنسي) الذي لطالما وفر له مبرّراته الأيديولوجيَّة، وعمل على تأبيد سلطته الماديَّة والمعنويَّة بالترهيب، والتكفير، وصكوك الغفران، حتى تماهى ذلك (الإكليروس)، تماماً، في الذهنيَّة العامَّة، مع (الدّين) نفسه. في إطار ذلك الصّراع التاريخي والفكري، بظروفه الخاصَّة، وشروطه المحدَّدة، كان ماركس الشاب ما يزال، مثل الكثير من الشباب الأوربي وقتها، متأثراً ومبهوراً بأسلوب فويرباخ، فيلسوف الإلحاد البرجوازي الأكبر في القرن التاسع عشر، فكتب نصَّه ذاك تحت ذلك التأثر والانبهار. وإذن، ولأجل تقعيده جيّداً، من الناحية المعرفيَّة الموضوعيَّة، في سياقه الفكري التاريخي، وجب استصحاب الحقيقة المتصلة بانتماء ذلك النصّ إلى مرحلة كتابات ماركس الباكرة، حين كان ما يزال مبهوراً ومتأثراً، كما أشرنا، بفويرباخ، وهي المرحلة التي يطلق عليها الباحثون والمؤرخون الأكاديميون، أحياناً، (مؤلفات ماركس الشاب)، تمييزاً لها عن (مؤلفات الرشد).

(6) مهما يكن من أمر، فإن الشيوعيين السودانيين الذين لم تجتذبهم، أصلاً، هذه الناحية في الماركسيَّة، ولم يجدوا فيها ما هو جدير باهتمامهم لدرجة التأثير على نشاطهم الفكري أو السياسي، بل، من شدَّة انصرافهم عنها، حيث لا يكاد أغلبهم يجزم بمعرفة وثيقة بنصوصها، بما يضاهي، أو حتى يقترب من معرفتهم بجوانبها الأخرى، الاقتصاديَّة السّياسيَّة والاجتماعيَّة بالأساس، لم يشغلوا أنفسهم بالسعي كي ما يستبينوا، بوضوح كافٍ، أن هذه الناحيَّة الإلحاديَّة، كما في أغلب الفلسفات السائدة في الغرب اليوم، وفى مقدّمتها (الوضعية  positivism)، تعود بجذورها إلى فلسفات ظهرت وازدهرت، كما سبق أن أشرنا، في اليونان وروما القديمة، على أيدي ديمقريطس (حوالى 460 ـ 370 ق. م) وأبيقور (حوالى 341 ـ 270 ق. م) ولوكريتس كار (حوالى 99 ـ 55 ق.م) وغيرهم، وذلك قبل ظهور الماركسيَّة بقرون طوال، ثم تطوَّرت، لاحقاً، عند فلاسفة الإلحاد البرجوازي الذين جعلوا من (نقد الدّين) عملهم الأساسي، على خلفيَّة ملابسات ذلك الصراع المرير في التاريخ الأوربي، بين حلف الكنيسة/الإقطاع وبين البرجوازيَّة الصناعيَّة الصاعدة، ومن ورائها مجموع الشعب الكادح، كديدرو (1713 ـ 1784م)، وهولباخ (1723 ـ 1789م)، وهيلفيتيوس (1715 ـ 1787م)، وبالطبع فويرباخ (1804 ـ 1872م).

 

(87)

شهد عام 1967م، في سياق المراكمة الفكريَّة الكميَّة على صعيد مسألة (الدين والدَّولة)، حدثاً تحويليَّاً كيفيَّاً استثنائياً، حيث جرى الإعلان، بشكل مؤسَّسيّ لأوَّل مرَّة، ومن داخل أعلى سلطة في الحزب الشيوعي (السوداني)، عن ضرورة الانتقال من (إشارات الفنار المتقطعة)، إلى تحشيد كلّ ما من شأنه أن يستكمل (النقص) و(القصور) اللذين يرتبهما غياب هذا (المنظور) عن خطوط الحزب الفكريَّة والسياسيَّة والدَّعويَّة، بما يتجاوز مجرَّد مقتضيات الدفاع عن النفس بإزاء (هستيريا الرجعيَّة) إلى المدى الذي يتقدَّم فيه الدّين كسلاح للثورة والتغيير الاجتماعي، وذلك في إطار مقرَّرات (المؤتمر الرابع) المنعقد في أكتوبر من ذلك العام:

(1) فمن جهة، ورد في (البرنامج) المجاز في ذلك المؤتمر أن "الإمبرياليَّة العالميَّة وطلائعها المحليين .. يحاولون تصوير الدّين الإسلامي بوصفه عقيدة تؤمن بالفوارق الطبقيَّة وتعادى الاشتراكيَّة، ينحاز إلى جانب الاستعمار الحديث ويرفض الاستقلال الوطني، يدفع شعوبه إلى قبول العيش تحت ظلّ الاستعمار (المؤمن) ضد الاشتراكيَّة (الملحدة) الخ .. (وهذه) الشُّعوب .. ترفض هذا التزييف للإسلام، وترى في دينها قوَّة للجماهير المناضلة في سبيل الكرامة والحُريَّة .. و .. الاشتراكيَّة بوصفها النظام الوحيد الذي يسمو بالقيم الروحيَّة، ويقيم العدالة والمساواة بين البشر. والحزب .. يجاهد بحزم وبصبر لتحرير الدّين .. بوضعه في مجرى تطوُّره الحقيقي .. ضد التمييز الطبقي وحكم الطاغوت، ومن أجل السَّير بالحضارة الإسلاميَّة إلى عالم القرن العشرين" (برنامج الحزب الشيوعي السوداني ـ دستور الحزب، 1967م).

(2) من جهة أخرى، جاء في وثيقة ذلك المؤتمر الأساسيَّة، الموسومة بـ (الماركسيَّة وقضايا الثورة السودانيَّة ـ تقرير السكرتير العام للحزب المقدَّم إلى المؤتمر الرابع)، وفى معرض توصيف الأزمة السّياسيَّة التي نشبت عقب ثورة أكتوبر 1964م، وأدخلت مسيرة التطور السياسي لبلادنا، آنذاك، في عنق زجاجة، أن ".. لجوء الثورة المضادَّة إلى هذا السلاح يؤكد إفلاسها السياسي. لقد ظلت القوى الرَّجعيَّة تعمل في إطار الحركة السّياسيَّة (العقلانيَّة) .. ولكن تصاعد نشاط الجماهير .. دفع بها إلى ترك الحياة السّياسيَّة (العلمانيَّة) .. ونشر جو من الدَّجل اليميني .. يهدف إلى قيام سلطة رجعيَّة (باسم) الدين. إن علينا أن نقرَّ بأن السلاح الفكري للثورة المضادة واتجاهاتها .. تسير دائماً تحت مظلة التهريج باسم الدين .. فلا يكفي فى مواجهة هذا الموقف الاقتناع بالدفاع عن السياسة (العلمانية) وشعار (فصل السياسة عن الدين) .. من أجل وحدة بلادنا التي لا يمكن أن تبنى فوق (تعصب) جاهل باسم الدين". ثم يمضى التقرير ليؤمِّن على أن.. إن خط حزبنا بين الجماهير في الدفاع المستميت عن مصالحها، وفى الاقتراب اليومي من طرق معيشتها وتقاليدها السّياسيَّة والاجتماعيَّة، سيجعل هذه الجماهير تقتنع، بتجاربها، ببطلان الهستيريا الرَّجعيَّة، وستكشف الدَّجل الطبقي الذي تحاول القوى الرَّجعيَّة إلباسه مسوح الدين". ولكن الوثيقة سرعان ما تستدرك أن ".. هذا وحده (لا يكفى) لمواجهة خطر مستمر من الهجوم الفكري". ومن ثمَّ تبلغ ذروة تلخيصاتها واستنتاجاتها بقولها: "أصبح (لزاماً) على (حزبنا) أن ينمِّي خطه الدعائي حول قضية الدين الإسلامي وعلاقته بحركة التقدُّم الاجتماعي". وأن أهمية هذا الخط ".. لا تقتصر على الردود على ما يثار من قبل أجهزة الدعاية الرجعيَّة، بل يتعدَّى ذلك لجعل الدّين الإسلامي عاملاً يخدم المصالح الأساسيَّة لجماهير الشَّعب، لا أداة في يد المستغلين والقوى الرَّجعيَّة". وتمضى الوثيقة إلى تحديد المستوى المطلوب لهذا الخط بقولها "نحن في حاجة (إليه) في المستوى الفلسفي، إذ تجري محاولات دائبة في معاهد التعليم للتخلي عن الحياة العلمانيَّة، وتربية جيل بتزوير الأفكار الإسلاميَّة ضدَّ التقدُّم الاجتماعي والاشتراكيَّة .. لمواجهة هذا الوضع الخطير أصبح (لزاماً) على حزبنا أن يدخل بين الطلاب، لا بصفته داعية للنضال السّياسي، بل كقوَّة فكريَّة تتصدَّى لهذا الخطر، وتواجهه بخط يضع الدّين في مكانه بين حركة الشعوب" (أقواس التشديد من عندنا ـ الماركسيَّة وقضايا الثورة السودانيَّة، دار الوسيلة 1987م، ص 168 ـ 170). 

 

(88)

لا تعجز، بالطبع، حتى النظرة العابرة، عن التقاط ثلاثة أمور جديدة، كلَّ الجدَّة، ومهمَّة، كلَّ الأهميَّة، في هذا الطرح التحويلي الباكر، من مستوى (الانتباهة) إلى مستوى (التأسيس):

الأمر الأول: هو الاستخدام المنتبه لمصطلح (العلمانيَّة)، لا بمدلولاته التي استقرَّ بها في الفكر الغربي منذ عصر الأنوار، وإنما كمرادف لمفهوم (العقلانيَّة) في الفكر الإسلامي (أنظر مقالتنا: عقلانيون نعم .. علمانيون لا). سداد هذه (الانتباهة) يتجلى في كونها سعت، على الأقل، منذ ذلك الوقت، إلى تلمُّس (عصب) فائق الحساسيَّة في القوام الفكري والثقافي المسلم في بلادنا، والذي يتصل بحقيقة أن الصّراع حول قضيَّة (الدّين) لا يدور، فقط، بين (الأنا) المسلم و(الآخر) غير المسلم، وإنما داخل (الأنا) المسلم نفسه بين تيارين:

(1) عقلاني منفتح، ينظر للإسلام في جوهره القائم في أسمى معاني وقيم العقل، والحُريَّة، والكرامة، والإخاء، والمساواة، والمشاركة، والعدل، والسلام، على خلفية تستوعب مقتضيات الحداثة والتطوُّر، وتضرب بجذورها، في ذات الوقت، في عمق أصالته، فلا هو ينكرها، ولا هو يحتاج لالتماسها من خارجه.

(2) وسلطوي منكفئ، لا يرى الإسلام إلا طغياناً، واستبداداً، وإكراهاً، وقسراً، وتسلطاً، واضطهاداً، وبالجملة مشروعاً قمعيَّاً ينقض كلَّ تلك المعاني والقيم السامية، ويجعل من الإسلام عامل هدم للحياة، بدلاً من كونه، في الواقع، محفزاً لإعمارها.

وبالحق، فإن (مثار النقع) وسط الجَّماعة المسلمة في السودان، بثقلها الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي، والثقافي المعلوم، لم يكن هو (الدّين) نفسه، في أيّ وقت، جحداً لأثره الإيجابي في الحياة العامَّة، بل كان، وما يزال، هو التفسير والتأويل والفهم المتباين للنصوص والمبادئ والقواعد والمقاصد الكليَّة التي تشكل روح هذا (الدّين)، الأمر الذي يستوجب إصلاح (تصوُّرنا) للصّراع باعتباره قائماً، بالأساس، داخل هذه الجَّماعة نفسها، حول (العقلانيَّة) من جهة، في مواجهة (السُّلطويَّة) من الجهة الأخرى، كمفهومين تاريخيين في تراث الجَّماعة المسلمة الكبرى في المنطقة، قبل أن يكون قائماً بين (العلمانيَّة) وبين (الدّين) وفق الإرث التاريخي الأوربي.

الأمر الثاني: هو استدراك الوثيقة على خطل التعويل بالكليَّة على تجارب الجماهير مع الحزب "في دفاعه .. عن مصالحها، وفى الاقتراب اليومي من طرق معيشتها وتقاليدها السّياسيَّة والاجتماعيَّة"، كي تقتنع، من تلقاء نفسها، ببطلان الهستيريا الرجعيَّة، والدّجل الطبقي، اللذين تحاول الرَّجعيَّة إلباسهما مسوح الدّين، فتقرِّر الوثيقة أن "هذا وحده لا يكفي لمواجهة خطر مستمرّ من الهجوم الفكري"، فلا بُدَّ من تنمية خط يمسك، في المستوى الفلسفي، "بقضية الدّين الإسلامي، وعلاقته بحركة التقدُّم الاجتماعي، هذا الخط (الجديد) يعني، بوضوح تام، أن ينتقل الحزب من خانة الدفاع التي يقتصر دوره فيها على الرُّدود على ما يُثار، إلى خانة متقدّمة يضحى فيها قوَّة فكريَّة تأخذ زمام المبادأة بخط يضع الدّين في مكانه بين حركة الشعوب".

ومن نافلة القول أن مهمَّة كهذه لا يُعقل إنجازها بإنكار الدين أو مصادمته!

الأمر الثالث: هو أن محلَّ احتجاج الحزب، ضمن هذه الوثيقة الفصيحة، ليس (الدّين) في حدِّ ذاته، بل (استخدامه) من جانب بعض القوى بحسب (مصلحتها) في الصّراع السّياسي والاجتماعي (الدنيوي). وتتمثل هذه (المصلحة) في قطع الطريق أمام تنامي نفوذ الحزب وسط الجماهير. وبصرف النظر عمَّا يمكن أن يثيره هذا التحليل من اختلاف، إلا أن الأهمَّ هو رؤية هذه الوثيقة الماركسيَّة (السودانيَّة) الحقيقيَّة لـ (الدّين)، ومضمون المصطلحات التي تستخدمها في هذا السّياق، على خلاف ما ظلَّ يشيعه خصوم الحزب، طوال ما يربو على نصف قرن من الزمان، لأغراض الظفر السّياسي فحسب. لقد قضت هذه الوثيقة، منذ ذلك الوقت الباكر، بأن:

(1) الحزب لا يعادي (الدّين)، بل (التهريج) و(الدَّجل) اليميني (باسم الدّين)، و(التعصُّب) الجاهل الذي يكتسي (مسوح الدّين)، والفرق جلي.

(2) الحزب يولي تقديراً إيجابياً لـ (مناخ) الحياة السّياسيَّة السابق على انطلاق ما يسميه بـ (الدَّجل باسم الدّين)، والذي عَمَدَت (الرجعيَّة)، في ملابساته، إلى حلّ الحزب، وطرد نوَّابه من البرلمان، كما انعقد من خلاله المؤتمر الرابع الذي أصدر هذه الوثيقة. ولأن قضايا الحكم، وإدارة الصّراع، لم تكن تجري، في ذلك المناخ، على نهج (العلمانيَّة الأوربيَّة/الغربيَّة)، فقد استخدمت الوثيقة، في الإشارة إليه، مصطلح (العقلانيَّة السّياسيَّة)، وهو المصطلح الأقرب إلى (الفكر الإسلامي)، وبالتالي فإن مصطلح (العلمانيَّة) استخدم، لاحقاً، في الوثيقة، كمرادف لمصطلح (العقلانيَّة)، وليس بمدلوله الذي استقرَّ به في (الفكر الأوربي/الغربي)، منذ عصر التنوير، والبون بينهما جدُّ شاسع.

(3) الحزب لا يعتبر (الأفكار) التي تروج لها (الرجعية) وسط الطلاب (إسلاماً)، بل، على العكس، (تزويراً) خطيراً لـ (الإسلام). والفرق، هنا أيضاً، لا يحتاج إلى كثير إضاءة.    

(4) الحزب (ألزم) نفسه ، لا (بإقصاء) الدّين من الحياة، أو بإعلاء (الدُّنيوي) فوق (المقدَّس)، وفق مقتضى (العلمانيَّة) في أصل المصطلح والمفهوم، وإنما "بالسعي من أجل وضع (الدّين) في مكانه من حركة الجماهير"، كباعث وعامل ودافع ومحفز (لتقدُّمها)، وليس كمحض أداة لـ (خداعها) أو (استغلالها).

 

              (نواصل غداً بإذن الله)

 

الإشارات:

٭ نركز على نموذج الحزب الشيوعي السوداني، هنا، لثلاثة أسباب أساسيَّة، أولها أنه الأكثر استهدافاً بـ (التكفير)، تاريخياً، كما في الواقعة الأخيرة المتصلة بفتوى (الرابطة الشرعيَّة)؛ وثانيها الثقل الذي يمثله الانتماء للإسلام، وللثقافة العربيَّة الإسلاميَّة، ضمن منظومة التعدُّد السوداني، وانعكاسات ذلك داخل المجتمع، ومن ثمَّ داخل الحزب، قيادة وقاعدة؛ وثالثها كون إحدى أخطر القضايا التي ما انفكت تلازم عمليَّات التطوُّر في بلادنا، منذ انهيار الممالك المسيحيَّة، وتكوين حلف الفونج والعبدلاب، وقيام الممالك الإسلاميَّة، إنما تتعلق بتقدير أثر الدين في تشكيل الوعي الاجتماعي، ومن ثمَّ المكانة التي يحتلها الإسلام، كدين وحضارة، في هذا التطور، وفق رؤية الحزب.

٭٭ في معنى المقولة التي تفوق (الأيديولوجيا) وسعاً وعمقاً، أي المقولة العلميَّة السوسيولوجيَّة التي تشمل الدين والفلسفة والعلوم الاجتماعية والطبيعية والحياة السياسية والنفسية والعاطفية والأخلاقية للشعب، ويندرج، في قوامها، من المضامين، عموماً، أكثر ممَّا يندرج ضمن مقولة (الأيديولوجيا) التي هي مجموع الرؤى والنظريات والمواقف الفلسفيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والأخلاقيَّة وغيرها لطبقة اجتماعيَّة واحدة أو أكثر.

٭٭٭ نستخدم مصطلح (الإشكاليَّة)، هنا، بدلالة النظريَّة غير المكتملة.