(1) الانفصَاليُّونَ لا يَرقُصُونْ! 

Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

(1)

(نياكورون)، في لغة (الباريا)، تعني (المساكين)، ولا تثريب عليك إن قلت أيضاً (المهمَّشين)! وخارج قاعة المؤتمرات المهيبة بمركز (نياكورون) الثقافي الأنيق بجوبا كان المطر الاستوائي ما يزال يهمي، منذ ليلة البارحة، بالبشارات والفأل الحسن، فذلك لم يحدث بمثل هذه الكثافة، كما قال أهل المدينة، منذ سنوات!

هكذا، بين النثيث الناعم والوبل الغليظ، ومع الروح (الوحدوي) الذي تكاد تلمسه بيدك لدى بسطاء الناس أينما يمَّمت وجهك، ظلَّ الماء يتحدَّر من قمم (الرجَّاف) و(كجور) و(لادو)، يغسل أبسطة الخضرة العميقة المفروشة على جنبات الدروب والأزقة المتعرّجة، وينثر تيجان الندى الرَّقراق على باقات الأزاهير وعناقيد الباباي والمانجو المنهمرة فوق أسوار البنايات الحديثة، كما فوق أسقف القطاطي والمساكن والأسواق الشعبيَّة من (الملكيَّة) إلى (قومبا)، ومن (قوديلي) إلى (بُلك)، ومن (أطلع برَّة) إلى (لاين سجون)، ومن (كونيو كونيو) إلى (نمرة 3)، ومن (مونوكي) إلى (كاتور)، حيث الكتدرائيَّة العتيقة التي يؤرَّخ لها بصلاة الإمبراطور هيلاسلاسي فيها، عام 1973مً، وكفاه مرفوعتان بالدعاء لـ (سلام أديس أبابا)، مثلما سيؤرَّخ لها، يوماً، بصلاة الفريق سلفا كير فيها، الآن، ويده في قلبه خوفاً على (سلام نيفاشا)!

أما داخل القاعة، فقد واصل الاصطفاف، لأوَّل مرَّة في محفل بمثل هذا الوسع والرَّحابة في تاريخ بلادنا الحديث، مئات الشماليين والجنوبيين، من قادة وكوادر ونشطاء مختلف أحزاب السودان ومنظماته المدنيَّة، رجالاً ونساءً، شيباً وشباباً، بشتى سحناتهم، ولغاتهم، وثقافاتهم، وأديانهم، وطموحاتهم الإثنيَّة، وتوجُّهاتهم الفكريَّة والسياسيَّة، ومن حولهم تحلق العشرات من فتيان وصبايا الحركة الشَّعبيَّة لتحرير السودان، صدورهم مزدانة بشارات (البروتوكول)، ووجوهم مشرقة بابتسامات البشاشة والترحيب، وأكفهم ممدودة بمعينات العمل، وبآيات الكرم الفيَّاض يغمرون بها جموع المشاركين في (مؤتمر جوبا لكلّ أحزاب السودان: 26 ـ 30 سبتمبر 2009م).

لدى فواتح الجلسات، وأثناء الفواصل، ظلَّ صداح المغنيات والمغنين يرفرف، بأجنحة (عربي جوبا) الفضيَّة، ويخفق بإرزامه الجهير في الحنايا الشجيَّة، يمجّد (سلام) السودان بأعذب الأنغام، وينشد لـ (وحدته)، بأصدق المعاني، وأسخن الإيقاعات، وعلى رأس أولئك، أجمعين، الفتى ذو الحنجرة الذهبيَّة غوردون كونق.

لم يتخلف سوى الحزب الحاكم وحلفائه في هجين السلطة. وكاد يتخلف، أيضاً، الحزب الاتحادي الديموقراطي، لولا الحضور الباهر، في آخر لحظة، لوفد الأستاذ علي محمود حسنين، نائب رئيس الحزب، وقد ضمَّ د. أبو بكر مندور المهدي والأستاذ المعز حضرة المحامي، حيث أعلنوا موافقتهم على كلّ مخرجات المؤتمر بلا تحفظ، الأمر الذي أمَّن عليه، لاحقاً، بيان الحزب نفسه الصادر في الخرطوم (الأخبار، 2/10/09).

 

(2)

غير أن كلَّ ذلك الجمال والبهاء، داخل وخارج القاعة، لم يفلح، للأسف الشديد، في محو شئ من أثر ذلك (الجفاء) الذي ظلَّ يتجهُّم (الوحدويين)، جنوبيين وشماليين، مخطوطاَ على (بعض) اللافتات في منعطفات الشوارع القريبة من موقع المؤتمر، أو محفوراً على جباه ونظرات وتعبيرات (الانفصاليين) من (بعض) الإنتليجنسيا الجنوبيَّة، في القاعة الرئيسة وفي اجتماعات اللجان الخمس المتخصّصة، وضاجَّاً، في الحالين، بقوله: (دولة جنوب السودان المستقلة هي الخيار الأوحد في الاستفتاء)!

قد يقول قائل إن هذه هي (الديموقراطيَّة) التي تقضي أبسط قواعدها بأن نتوقع (الرأي الآخر)، دائماً، ونوطن النفس على الاستعداد لـ (تحمُّله) بأكبر قدر من التفهُّم، والرغبة في الحوار الرحب. وهذا صحيح بالطبع. لكن (التحمُّل) ليس طريقاً لاتجاه واحد، بل هو تسليم (كلّ) طرف لـ (الآخر) بذات (الحق) في الإفصاح عن موقفه، والتعبير عن رأيه. كما وأنه لا يعني، بأيّة حال، تواطؤاً مجانيَّاً بين طرفين يمرّر واحدهما، بموجبه، مواقف (الآخر) وآراءه بلا تفنيد، أو يترك حججه تمضي دون تعريضها لاختبار حقيقي. (الديموقراطيَّة)، في الأصل، صراع أفكار ورؤى واتجاهات ومشروعات وبرامج، بأسلوب سلمي، لا تعسُّف فيه ولا إكراه.  

لقد اختار هذا الرَّهط من النخبة السّياسيَّة الجنوبيَّة، مثلهم، في هذا، مثل (حلفائهم)، للمفارقة، من (الانفصاليين الشماليين)، أن يبدأوا، باكراً، حملتهم في سبيل (الانفصال)، وفي هذا السياق جاءت لافتاتهم وتعبيراتهم الجافية! وما من شك في أنهم هم من عناهم الفريق سلفا، في كلمته الختاميَّة، بالتحذير من "أن الوقت لا زال مبكراً للقيام بحملات في شأن الوحدة أو الانفصال"، مضيفاً قوله لهم: "ما تلخموا الناس من الآن!" (الصحافة، 1/10/09). لكنهم، مع الاحترام الكامل لهذا الخط الذي يتبناه رئيس الحركة الشعبيَّة، قد اختاروا أن (يبكروا) بحملتهم (الترويجيَّة) لـ (الانفصال) على النطاق الجماهيري، وأن "يلخموا الناس من الآن!"، وأن يلدُّوا في ذلك، ويوغلوا في اللدد!

ما حدث، إذن، غير قابل للإلغاء؛ فليست مجدية، بالتالي، محاولة استعادتهم إلى المربع الأوَّل، مربع ما قبل البداية، مثلما ليس مجدياً (تصنُّع) إهمالهم، أو التقليل من شأنهم، خصوصاً وأن (الذاتي) في دوافعهم يفوق (الموضوعي) بما لا يُقاس، وذاك أمر لا يمكن، بطبيعة الحال، أن يخفى على أبسط البصائر!

وبما أن كلَّ ذلك كذلك، وأن المواطنين الجنوبيين هم وحدهم من سيصوّتون في الاستفتاء، وأن (الوحدويين) في (الجنوب) و(الشمال)، داخل الحركة وخارجها، يدركون أن الخطر القادم على (الوحدة) قادم، بالأساس، من جهة هؤلاء (الانفصاليين) الجنوبيين غير الملتزمين، لا سياسيَّاً ولا أخلاقيَّاً، بعدم "لخمة الناس من الآن!"، علماً بأن الفترة المتبقية على (الاستفتاء) ليست سوى محض أشهر معدودات، فإنه ليس من (الديموقراطيَّة) في شئ، إذن، أن يغيب (الخطاب الوحدوي) عن السَّاحة، لينفرد بها (دعاة الانفصال) وحدهم، يسرحون، ويمرحون، ويزايدون على توجُّهات (الوحدويين) بالاتهامات الباطلة المصاغة بأقذع العبارات، ويسمّمون العقل الجمعي لجماهير البسطاء في الجنوب بالشعارات الديماغوغيَّة، ويعكرون عليهم مناخ المفاضلة الواعية بين (الوحدة/الأصل) و(الانفصال/ الاستثناء)، بالخطابات الفجَّة التي تقبُر الإيجابيات بالكليَّة، وتلعب، فحسب، على ذاكرة السلبيات، لتصاب (اللحظة التاريخيَّة) بـ (الجنون) تماماً، وكم في تواريخ الأمم من الخبرات المؤلمة التي تدفع، بالفعل، نحو مثل هذه اللحظات، حيث يعلو (الاستثناء) على (الأصل)، فلا يُقدَّر للجماهير أن تستبين حقيقة ما جرى، للأسف الشديد، إلا ضحى الغد، وبعد أن تكون الفأس قد وقعت، نهائيَّاً، على الرأس، ليعود (الوحدويون) يناضلون مع نفس هذه الجماهير، من جديد، لاستعادة (الوحدة) الضائعة!

 

(3)

لقد أتى علينا، بالفعل، حين من الدَّهر تراكمت فيه أخطاؤنا، نحن المستعربين المسلمين في الوسط وإلى الشمال النيلي، تجاه هذا الجزء العزيز من الوطن، حتى لم يعُد ثمَّة مناص من تعريض (الوحدة) ذاتها للاختبار في ضوء (حق تقرير المصير). وهو حقٌ ديموقراطيٌّ أصيل، ما في ذلك شك. ومعلوم أن نتيجة ممارسته قد تأتي لصالح (الانفصال)، مثلما قد تأتي لصالح (الوحدة). لكن (الانفصال)، مهما جرى تزيينه، خيار سيئ، تماماً كخيار بتر الساق حين تتمكن الغنغرينا منها، فتموت الساق ويضعف الجسد!

هذا هو، بالتحديد، ما ينبغي أن ينبّه (الوحدويون) إليه المواطن الجنوبي، ديموقراطياً، عبر حملة مصمَّمة جيداً من أجل الترويج لمحاسن (الوحدة) قبل (الاستفتاء) بوقت كاف، وألا يتركوه فريسة لآلة الدعاية (الانفصاليَّة)! فمع أكيد علمنا بأن (الأقوال) وحدها لن تجدي كثيراً، وأن الكلمة الحاسمة هي، في نهاية المطاف، لـ (الأفعال)، إلا أن من الخطأ إهدار (كلّ) أثر لـ (الأقوال)، خصوصاً عندما يتصل الأمر بـ (الوطن)، وبإنعاش (الذاكرة الإيجابيَّة) لـ (العاطفة الوطنيَّة)!

إن أهمَّ ما يهمُّ الجنوبيَّ الكادح البسيط هو إصحاح بيئة التساكن المعلولة في هذا الوطن الواحد، والذي لا يمكن تصوُّره، لألف سبب وسبب، إلا واحداً في كلّ حال، وهذا ما يعبّر عنه تعبيراً مجيداً كلُّ مثقف جنوبي (وحدوي)؛ أما (الانفصاليون) الذين خلوا طويلاً لأوهامهم، ووساوسهم، و(ياقاتهم) المنشَّاة، فلا يهمُّهم غير (فصل) الجنوب بأيّ ثمن، ولتقم القيامة ذاتها بعد ذلك!

لقد أبصر شمس هذه الحقيقة السَّاطعة مغني الجنوب الأوَّل غوردون كونق، رغم كونه ضريراَ، فأطلق أهازيجه الوطنيَّة العذبة، تنادي (عُميان البصائر) هؤلاء أن حيَّ على (الوحدة)، حيَّ على (السلام)، لتتمايح دلالاتها (ثاقبة البصيرة) فوق سماوات الإقليم تزيده جمالاً على جماله. ويوم جاء يشعل بها قاعة المؤتمر: "يا جماعة .. يا جماعة .. يا سودان"، "ما تقول لي جنوبي .. ما تقول لي شمالي"، استبدَّ الطرب بالجميع، فازدحمت بهم حلبة الرَّقص، إلا (الانفصاليين) .. وحدهم لا يرقصون!

وكان قد أدرك ذلك أيضاً، قبله، شاعر الدينكا الفذ، صديقي الرَّاحل سر أناي كيلويلجانق، عليه رحمة الله، فبث قلقه الفادح عبر قصائده الإشكاليَّة الرائعة التي يحتضنها ديوانه اليتيم (وهمُ الحُريَّة وقصائد أخرى) الصادر عن (نيو بيكون) بلندن عام 1985م، وذلك ممَّا كان لمس، أواسط سبعينات القرن المنصرم، من مؤامرات لتقويض (سلام أديس أبابا) في إطار السودان الواحد: "كالشَّبح المجنَّح كنت أنا الشاعر الخفيَّ السابح في الفراغ/ في مكان ما حيث ليس سوى السحاب تحرّكه الريح ببطء/ ليشكل، رويداً رويداً، طائرة حربيَّة!/ فمضيت أسخر من هذى الأوزان في كلمات رجل ينظم قصيدة، بينما هو سابح في الفضاء، ينذر بالعاصفة الآتية/ المندفعة بعنف لاقتلاع الشُّتيلات الصغيرات من تربة الوحدة الهشَّة"! وفى قصيدة أخرى يتساءل محتجَّاً: "أيُّ حرب هذى؟! عودة للأيام الغابرة؟! إشعال لحرب الكراهية، بينما نحن أحوج ما نكون لإشعال حرب الحُب"؟! وفي قصيدة ثالثة يهمس سر أناي في أذن (انفصالي) شمالي قائلاً: "إن أكثر ما يهمُّني/ هو أن كلانا بشر/ وأن لنا حقاً متساوياً في أن نعيش معاً هنا/ في أرض السُّود هذه/ في السودان"!

لقد كان ذلك، لعمري، أبلغ (إرهاص ابداعي) بـ (الفكر السّياسي) الذي طرحه، لاحقاً، الرَّاحل جون قرنق، تحت عنوان (السودان الجديد)!

إن عدم تحرُّك (الوحدويين) الجنوبيين والشماليين، الآن، الآن وليس غداً، لعمل شئ ما يجعل (الوحدة)، التي لا (سلام) بدونها، خياراً جاذباً، بـ (الأفعال) و(الأقوال)، عند (الاستفتاء)، من شأنه أن (يحشر) هذه (الوحدة) في مأزق حقيقي. لكنه، على أيَّة حال، لن يجعل خيار (الوحدويين) خاطئاً، أو خيار (الإنفصاليين) صائباً! والفريق سلفا نفسه أشار، في كلمته المار ذكرها، إلى خطورة (الانفصاليين) على خيار الجماهير يوم (الاستفتاء)، مشدّداً على ضرورة العمل لأجل أن يضحى خيار (الوحدة) جاذباً، وإلا فإن "الانفصاليين سيفصلون الجنوب ولن تكون هذه غلطتنا!" أو كما قال (المصدر). 

 

(4)

أوَّل ما تجدر ملاحظته هو التكتيك الذي يعتمده (الانفصاليون الجنوبيون) للدفع باتجاه (الانفصال). وهو تكتيك مخاتل ذو وجهين يبدوان، في المظهر، متسقين، للوهلة الأولى، بينما هما، في الجوهر، متعارضان، طرداً على عكس!

فمن الوجه الأوَّل، ورغم أنه لم يُعرف لمعظم هؤلاء (الانفصاليين) ولاءٌ لمبادئ الحركة الشعبيَّة، أو إخلاصٌ لمخرجات اتفاقيَّة السلام الشامل، إلا أنهم لا يكفون لحظة عن التلويح بها، والتظاهر بـ (الاستماتة) في الدفاع عنها، إلى حدّ التشنج الغوغائي أحياناً، ممَّا لا تلمسه حتى لدى أكثر أبنائها الحقيقيين براً بها، ووفاءً لها!

أما من الوجه الآخر فسرعان ما يتكشَّف السّرُّ وراء هذا التعارض، وتنقشع الغرابة عنه، حين نلحظ أن أهمَّ ما يهمُّ هؤلاء (الانفصاليين) في الاتفاقيَّة نصوص بعينها، لكنهم يقرأونها على طريقتهم الخاصَّة، بعد اجتزائها من السياق، وتجريدها من الروح، فتغدو، بالفعل، مطيَّة مناسبة لمآربهم السياسيَّة المغرقة في (ذاتيَّتها) الضيّقة!

ولعلَّ أقرب نماذج هذه النصوص هي تلك المتعلقة بـ (الاستفتاء)! ففي حين نجد أن الاتفاقيَّة نفسها غير محايدة تماماً إزاء خياري (الوحدة) و(الانفصال)، وأن بروتوكول مشاكوس المبرم في 25/9/2009م يقرن ممارسة (حق تقرر المصير) بعمل الطرفين من أجل أن يكون خيار (الوحدة) جاذباً، يتجاهل (الانفصاليون) هذه الجزئيَّة من البروتوكول كأن لم تكن، وكأنه ما من طرف مسئول عن تعطيل إنفاذها طوال السنوات الأربع الماضية، فيمارسون، بالتالي، من التهريج ما يكفل تصوير (الاستفتاء) كنصّ معلق في فراغ، ومن المزايدة على (الوحدويين)، داخل وخارج الحركة، ما يضمن تفصيل (الاستفتاء)، بعد أقلّ من عام ونصف، على مقاس (الانفصال) فقط!

صمت (الوحدويين)، في الشمال والجنوب، عن ذلك، وسماحهم لأعداء (الوحدة) بـ (اختطاف) الاتفاقيَّة على هذا النحو، ووقوفهم يتفرَّجون مكتوفي الأيدي، استسلاماً لاتهام أيَّة خطوة يخطونها في الاتجاه المناوئ وكأنها نكوص عن الاتفاقيَّة، لهوَ أدخَل، للأسف، في باب التواطؤ على تمرير هذا المخطط الجهنمي، بل والدَّفع به إلى نهاياته المحتومة!

إن الحقيقة الأليمة التي لا مفرَّ من مجابهتها، ابتداءً، هي أن الاتفاقيَّة، بالفعل، لم تنفذ بالقدر الذي يضمن أن تكون (الوحدة) خياراً (جاذباً) في (الاستفتاء)؛ وأن ما تبقى من زمن حتى عام 2011م لن يكفي لتنفيذها بهذا المستوى (راجع: رزنامة الأسبوع ـ الأخبار، 17/8 ـ 24/8/09). وهذا ما أكد عليه الفريق سلفا بقوله، خلال لقائه مع د. الترابي، الأمين العام للمؤتمر الشعبي، لدى زيارته إلى جوبا قبيل المؤتمر: إن "الأوان قد فات لجعل الوحدة بين شمال وجنوب السودان جاذبة". ثم ما لبث أن عاد، أثناء مخاطبته المصلين في (كنيسة كتور)، ليتهم المؤتمر الوطني بالتلكؤ في إنفاذ الاتفاقية، قائلاً: "هناك كثير من البنود العالقة لم تنفذ بعد، و .. ما تبقى من وقت غير كافٍ لجعل الوحدة جاذبة" (الشرق الأوسط، 15/9/09). إلى ذلك فإن علاقات الشريكين لا تمضي على الوجه الذي يبشِّر بإمكانيَّة هذا التنفيذ، حتى بافتراض توفر الزَّمن؛ وأن ما دأب (الوحدويون) في قيادة الحركة على التحذير منه بشأن ضآلة فرص (الوحدة)، في ما لو استمرَّ الحال على ما هو عليه الآن، ينبغي حمله على محمل (جرس الإنذار) الأخير، لا (الابتزاز) كما ظلت تفهم ذلك بعض دوائر الشريك الآخر، المؤتمر الوطني!

وعليه، إذا جرى (الاستفتاء) تحت هذه الظروف، وبقي (الوحدويون)، جنوبيين وشماليين، مغلولي الأيدي، فالمرجَّح أن تقلَّ، إلى حدّ العدم، فرصة أن يبقى لدينا (سودان موحَّد)!

 

(5)

لأجل التقدير الموضوعي الأدقّ لهذه (الأزمة الوطنيَّة)، لا بد لنا من التأكيد، أولاً، على أنها، وإن كانت قد تلقت دفعة قويَّة على يد نظام (الإنقاذ) خلال العقدين الماضيين، إلا أنها، في الحقيقة، نتاج خمسة قرون من التهميش المنهجي، مادياً ومعنوياً، لأقاليم ومناطق شاسعة من الوطن، وبالأخصّ ضمن أجندة نخب المستعربين المسلمين الطبقيَّة التي تعاقبت، منذ الاستقلال، على حكم البلاد (راجع، للمزيد من التفصيل، كتابنا "الآخر"، ط 1، دار مدارك، القاهرة 2006م). لقد ظلت سياسات تلك النخب تتمحور حول الاستعلاء بالعرق والدين والثقافة واللغة، على أهل التكوينات القومية الأخرى، ممَّا أفضى إلى ما أضحى يلوح، الآن، من تشكك أقسام هائلة من هذه التكوينات، الجنوبيَّة بالأخص، في جدوى استمرار (الوحدة) بشروطها القديمة على الأقل؛ وهنا، بالتحديد، يقع المرتع الخصب الذي ينتهزه (الانفصاليون)!

ليس خطأ، بالطبع، الحكم بأن الاستعمار البريطاني لعب دوراً مهماً في (تعميق) هذه الأزمة، لكن الخطأ الأكبر هو تحميله، وحده، (كامل) المسئوليَّة عنها. فهو، في الحقيقة، لم يخترعها، بل وجدها قائمة، فعَمَد لاستثمارها، وفق سياسة (فرّق تسُد)، حيث صمَّم ونفذ، منذ مطالع القرن العشرين، ما سُمي بـ (السّياسة الجنوبيَّة) التى استندت إلى تلك الذاكرة التاريخيَّة السالبة في إقامة هيكلها الأساسي على ترسانة من القوانين والترتيبات الرامية لإعاقة أي تقارب محتمل بين (الشمال) و(الجنوب)، كقانون الجَّوازات والتراخيص لسنة 1922م، وقانون المناطق المقفولة لسنة 1929م، واللذين قصد منهما أن يصبح (الجنوب)، فضلاً عن جبال النوبا الشرقيَّة والغربيَّة، أرضاً أجنبيَّة بالنسبة للسوداني الشمالي، وإلى ذلك قانون محاكم زعماء القبائل لسنة 1931م، كما فرضت الإنجليزيَّة لغة رسميَّة في (الجنوب)، وحُدّدت عطلة نهاية الأسبوع فيه بيوم الأحد، وحُظر على أهله ارتداء الأزياء الشماليَّة، وابتعث طلاب الإقليم لإكمال تعليمهم في يوغندا، وما إلى ذلك.

بعبارة أخرى، لا تكاد تنتطح عنزان على كون الاستعمار قد لعب دوراً قصديَّاً مباشراً في (تكريس) المشكلة و(مفاقمتها). غير أنه لم (يخلقها)، وإنما أسَّس (سياسته الجنوبيَّة) على إرث تاريخي سالب وجده قائماً في الواقع! وإذن، فلا معنى للتركيز على دوره وحده كما في اجترارنا المتثائب لبعض المتداول غير المفكر فيه!

 

(6)

مهما يكن من شئ، فقد دخل السودان مرحلة ما بعد اتفاقية الحكم الذاتي (فبراير 1953م) وهو (موحَّد)، ودخل مرحلة ما بعد الاستقلال (يناير 1956م) وهو (موحَّد)، وما كان ذلك ليكون لولا أن النوَّاب الجنوبيين صوَّتوا مع إعلان استقلال السودان (الموحَّد) من داخل البرلمان الأوَّل في 19/12/1955م، مقابل (كلمة شرف)، مجرَّد (كلمة شرف) من القوى السّياسيَّة في (الشمال) بتلبية أشواقهم للحكم الفيدرالي بعد الاستقلال! وقد كان من الممكن أن يشكل ذلك، في ما لو كنا أوفينا بوعدنا، نموذجاً في التعامل المستقيم مع أشواق (الآخر)، أيضاً، في جبال النوبا ودارفور وغيرهما، على مدى السنوات الخمسين الماضية، وأن نبدأ عهد الاستقلال من هذه النقطة، متسلحين بالوعي بمخاطر الاستمرار في السَّير بطريق (التهميش) و(الاستعلاء) القديم، واضعين نصب أعيننا ضرورة أن نرسي من ذلك الوعي مداميك دستوريَّة تؤسّس لوطن موحَّد. غير أننا، على العكس من ذلك، مضينا نستسهل تفسير الفروقات بين شتى أقوام السودان، ومختلف أقاليمه ومناطقه، كمجرّد "حواجز صناعيَّة أقامها المستعمرون لتجزئة القطر الواحد" (محمد فوزي مصطفى، 1972م)، أي كمحض مؤامرة استعماريَّة قطعت الطريق أمام التحاق الاثنيات (الأفريقيَّة) السودانيَّة، خصوصاً في (الجنوب)، بحركة الاستعراب والتأسلم التى استكملت نموذجها الأمثل، بحسب زاوية النظر هذه، في الوسط والشمال النيلي. هكذا، وبدفع من الجامعة العربيَّة، والمنظمات الإسلاميَّة التي انتمى إليها السودان بعد الاستقلال ضربة لازب، أنيطت بنا مهمة تعريب وأسلمة (الأفارقة) على مبدأ القهر والغلبة (عبد الله على إبراهيم؛ الثقافة والديموقراطيَّة في السودان، ط 1، دار الأمين، القاهرة 1996م). وكان أن أفرغت تلك المهام، على أيدي القوى التقليديَّة التي ورثت السلطة من الاستعمار، في برامج وسياسات رسميَّة لدولة السودان حديثة الاستقلال آنذاك.

ففي الشَّأن الداخلي أعلنت (العربيَّة) لغة رسميَّة، في ما أسماه بعض نقاد تلك السياسة بـ "الجَّبر اللغوي" (المصدر نفسه). وشكل ذلك إهداراً لثراء البلاد من جهتي التعدُّد والازدواج اللغويَّين، حيث توجد في السودان، إلى جانب العربيَّة، ممثلات لكلِّ المجموعات اللغويَّة الأفريقيَّة الكبيرة، عدا لغات الخويسان في جنوب أفريقيا (سيد حامد حريز ـ ضمن عبد الله على إبراهيم؛ الماركسيَّة ومسألة اللغة في السودان، دار عزة، الخرطوم 2001م). وأوضح إحصاء 1956م أن في السودان 114 لغة، نصيب (الجنوب) وحده منها حوالي 50 لغة. ومن الجهة الأخرى جرى الإعلاء من شأن (الإسلام) على حساب مختلف الأديان الأخرى، السماويَّة والأرواحيَّة، التي يدين بها الملايين من أهل البلاد.

أما في الشأن الخارجي فقد جرى استسهال المراهنة، بعين البُعد الواحد، على إدراج السودان بأسره تحت شعارات (العروبة) و(القوميَّة العربيَّة) و(الوحدة العربيَّة) وما إليها، واعتبار ذلك بمثابة (الممكن) التاريخي الوحيد المتاح لحل مشكلة (الوحدة السودانيَّة)، فإذا بمردوده العكسي الفاجع يتمثل في تحوُّله، لدى ذهنيَّة (الآخر) غير المستعرب، في (الجنوب) بالأخص، إلى محض ترميزات ناجزة بنفسها للتيئيس من هذه (الوحدة)، وحفز الميل، شيئاً فشيئاً، لترجيح خيار (الانفصال)، الأمر الذي دفع ببعض المفكرين العرب، حتى ممن يرون، إلى الآن، أن "القوميَّة العربيَّة .. ما تزال قوة حيَّة ومحرّكة"، لأن يدقوا أجراس التنبيه إلى "الخاصيَّة القطريَّة .. وما تقدّمه للفكر (القومي العربي) من أمثولة هو بأشدّ الحاجة إليها" (إيليا حريق؛ مقدمة في: عبد الله على إبراهيم؛ الثقافة والديموقراطية). فالحقيقة أن هذا الفكر "عالج .. تلك المشكلة بشئ من الخفة إن لم نقل العداء .. (و) التجاهل أو التهوين .. مدعياً .. أن (الأقليات) لا تختلف في الرأي عن النهج القومي العام .. (في حين أن) الطريق القويم للقوميَّة العربيَّة اليوم .. هو احترام الفروق القائمة في المجتمع والدولة القطريَّة، ومساعدتها على التكامل والنمو والازدهار لكي تستطيع .. تشييد البناء القومي .. على قاعدة وحدات من الدول القطريَّة. فبدل أن نسعى إلى القضاء على الدولة القطريَّة، وعلى خاصّيَّتها، فالأحرى بنا أن نعمل للاحتفال بها، والاعتماد على مقدراتها، فهي الأساس الذي نرتقي منه نحو البناء القومي الأعلى" (المصدر نفسه).

 

(7)

كانت لذلك الاستسهال مقدّمات فكريَّة بلورتها، قبل الاستقلال، الاتجاهات الغالبة على فكر وثقافة إنتلجينسيا المستعربين المسلمين في الوسط والشمال النيلي، وبالتالي على عموم الحركة الوطنيَّة التي تصدُّوا لقيادتها. ولئن تجلى ذلك، أكثر ما تجلى، في حركة الشّعر التي كانت تمثل، وقتها، صورة الفكر الرئيسة، من خلال الموالد وفعاليَّات الخريجين والمناسبات الدينيَّة والاجتماعيَّة المختلفة، فقد أفصح عنه محمد احمد محجوب، أحد أبرز مثقفي تلك الحقبة، وأحد أميز قادة حزب الأمَّة الذين تقلدوا الوزارة لاحقاً، ملخّصاً، عام 1941م، شروط (المثل الأعلى) للحركة الفكريَّة "في هذه البلاد"، على حد تعبيره، بأن "تحترم تعاليم الدّين (الإسلامي) الحنيف، وأن تكون ذات مظهر (عربي) .. وأن تستلهم (التاريخ) القديم والحديث (لأهل) هذه البلاد و(تقاليد شعبها). هكذا يمكننا أن نخلق أدباً (قوميَّاً)، وسوف تتحول (هذه) الحركة الأدبيَّة، فيما بعد، إلى حركة سياسيَّة تفضي إلى الاستقلال السّياسي والاجتماعي والثقافي" (أقواس التشديد من عندنا ـ ضمن: أسامة عبد الرحمن النور؛ موقع "ARKAMANI" على الشبكة العالميَّة). ومن نافلة القول أن هذا الرائد في الفكر السّياسي للمستعربين المسلمين السودانيين لم يكن يرى في (كلّ) البلاد سوى (تاريخ) و(ثقافة) و(ديانة) و(لغة) المستعربين المسلمين وحدهم! وتكتسي، بلا شك، دلالة خاصة، في هذا الإطار، عودة الإمام الصادق المهدي، رئيس حزب الأمَّة، بعد ما يربو على نصف القرن، لينتقد ما أسماه (الأحاديَّة الثقافيَّة) لدى القوى السياسيَّة الشعبيَّة التي حكمت السودان بعد الاستقلال، ممَّا أدى إلى استقطابات دينيَّة وثقافيَّة حادَّة (الصادق المهدي؛ "تباين الهُويَّات في السودان: صراع أم تكامل"، ورقة في ندوة مركز دراسات المرأة بقاعة الشارقة بالخرطوم، 23/3/2004م).

ورغم أن السودان لم يُشرَك أحياناً في بعض المنظمات العربيَّة بسبب وضعه الطرفي، أو لعدم حسم مسألة العروبة فيه (محمد عمر بشير؛ تاريخ الحركة الوطنيَّة في السودان 1900- 1969م، الدار السودانية للكتب، الخرطوم 1980م، ص 32)، إلا أن العروبة والديانة الإسلاميَّة ترسختا، مع ذلك، كأيديولوجيَّة قامِعة في أيدي نخب (الجلابة) الفكريَّة والسياسيَّة الحاكمة. وتمدد تيار التعريب والأسلمة اقتصاديَّاً وسياسيَّاً واجتماعيَّاً وثقافيَّاً، جاعلاًً من (الإسلام) إطاراً دينيَّاً أحاديَّاً لمنظومة القيم في كل البلاد، ومن (العربيَّة) وسيلة وحيدة للصحافة والراديو والتلفزيون ودواوين الحكومة ومناهج التربية والتعليم، وجرى "تأطير المجتمع .. على تلك الأسس .. (مما) أعاق .. فرص الأقليَّات التي لا تتوافق مع النموذج السائد في مجالات التطوير الذاتي .. و .. تكوَّن حاجز نفسي/سلطوي .. في وجه أية مراجعة .. للشأن الداخلي يُظن أنها قد تمسُّ جوهر الانتماء العربي" (يوسف مختار الأمين؛ موقع "ARKAMANI" على الشبكة العالمية). وزاد الأمر تعقيداً عجز هذه النخب عن إنجاز القدر المطلوب من التنمية الشاملة، وتأسيس نظام للحكم يلبّي طموحات الأغلبيَّة. وفى ظل أوضاع التخلف، والتدهور الاقتصادي والمعيشي، وارتفاع معدلات النموّ السُّكاني، تتوسَّع تلقائياً بؤر الصراع الإثني والجهوي والثقافي، مما يتجلى في تبني مواقف سياسيَّة وثقافيَّة مغايرة للسائد، بحمل السلاح في مواجهة السلطة المركزيَّة، وإشعال الحروب الأهليَّة، والصّراعات القبليَّة التي تتفاقم أبعادها وآثارها يوماً بعد يوم (المصدر نفسه). ولأن الثقافات (الأخرى) لا تنسجم والسياق، بل وقد تتسبب في إرباكه، فقد جرى إقصاؤها عمليَّاً، كما في حالتي الدّين واللغة، أو إدماجها assimilation قسراً، في (أفضل!) الأحوال!

لقد أثبتت الخبرة التاريخيَّة كمون هذه الأزمة (الثقافيَّة) في خلفية كل أزماتنا (السّياسيَّة)، الأمر الذي يمكن ملاحظته، بيسر، في ملامح النهج السّياسي والثقافي العام الذي سارت عليه كل حكوماتنا الوطنيَّة، منذ الاستقلال، باستثناء ما أرهص به مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965م، وما بشر به بيان 9 يونيو 1969م، وما انعكس في اتفاقيَّة أديس أبابا عام 1972م، وما أشرق في اتفاق الميرغني ـ قرنق عام 1988م، وأخيراً في جملة اتفاقيَّات أبرمتها (الإنقاذ)، مؤخراً، وأهمها اتفاقيَّة السلام الشامل مع الحركة الشعبية في 9/1/2005م، والتي تمخض عنها الدستور الانتقالي لسنة 2005م.

على أن كل الآمال التي انعقدت على تلك التواثقات ذهبت، مثلما تذهب الآن الاتفاقيَّة ودستورها الانتقالي، أدراج الرياح، بسبب التلكؤ وعدم الجديَّة المتأتيين، أساساً، من انعدام الإرادة السياسيَّة الكافية لتنفيذها!

(نواصل الأسبوع القادم بإذن الله)

 

***