Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 

 

(1)

لو أنني كنت، بحقّ وحقيق، مندوب حملة (أنقذوا دارفور) العالميَّة في السودان، كما نصَّبني، وألمح إلى ذلك، زوراً وبهتاناً، البروفيسير محمود ممداني، (المفكر!) اليوغندي ذو الأصل الآسيوي، وأستاذ الانثروبولوجيا والعلوم السياسيَّة بجامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكيَّة، ومدير معهد كولومبيا للدراسات الأفريقيَّة، والرئيس السابق لمجلس تنمية الدراسات الإجتماعيَّة في أفريقيا CODESRIA، في كتابه الأخير (منقذون وناجون ـ Saviors and Survivors)، الصادرة طبعته الأولى، مطلع هذا العام، عن (دار كتب بانثيون للنشر بنيويورك Pantheon Books)، ثمَّ عاد وصرَّح به في (مدوَّنة أليكس دوال) على الشَّبكة العنكبوتيَّة، لكنت جعلت معرفة هذا الأمر متاحة للكافة، بصرف النظر عمَّا قد يرى هؤلاء الكافة في هذه الحملة، أو ما قد يعتقدون بشأنها، أو ما قد يسبّبه هذا (التنصيب) من تهديد (جنائي) لـ (حريَّتي) في بلادي، ورُبَّما لـ (حياتي) ذاتها، ممَّا لا يخفى، قطعاً، على محمود، وذلك جرياً على ديدني (الذميم!) في ألا يكون لديَّ، البتة، ما أخشى منه، كي أواريه أو أداريه، بل وأن أعمد إلى تدوين ونشر كلّ ما أقول وما أفعل، وما يمرُّ بي من وقائع ومن أحداث، وما أتخذ من مواقف ومن آراء، وجد فيها الآخرون، أم لم يجدوا، شيئاً ذا بال، مع أتمّ استعدادي لتحمُّل بوائق ذلك، أجمعه، جهاراً نهاراً، فلست بالتارك، إذن، لممداني، أو لغير ممداني، شيئاً (يتبضَّع) به، أو يعيد اكتشاف (عجلته)، أو (يعلن) عنه، بأيَّة صورة، للعالمين، أو يزعم إماطة (اللثام) عنه في الورى!

الواقعة غير صحيحة، بالمرَّة، بل هي كذبة بلقاء، قولاً واحداً، وقد (قطعها) محمود، لسبب ما، من رأسه! كما كذب، أيضاً، عندما قال إنه أجرى معي حواراً interview لأغراض هذا الكتاب! وأعجب كيف تأتت له حُمرة العين ليفعل، بل أعجب كيف أوتي هذا القدر من غلظة الكبد، حتى عندما تكشَّف له قبح فعلته المرذولة، وهو الأكاديمي الجهبذ، وأراد الاعتذار عنها، وهو المفترضة فيه استقامة الأمانة العلميَّة، أن يفسد فضيلة هذا الاعتذار بالفأفأة والتأتأة والالتواء بالحقائق، كما وبالتخفي به بين الإيميلات، بدلاً من الصَّدع به جهراً، مثلما كان الحال مع (التنصيب) نفسه، أوّل الأمر، ممَّا سنرى لاحقاً! 

ومع ذلك ليست المشكلة، بالنسبة لي، في شئ من هذا كله، فمَن (يقطعون) من رءوسهم في هذه الدُّنيا، كثر، بعدد حُبيبات الحصى والرَّمل، وقطرات الماء في البحار والمحيطات! لكن حُرقة الحشاشة الحقيقيَّة تقع حين يروح يتشقق، بغتة، ويتداعى، ويهوي، من شاهق، ليتقوَّض، تماماً، أمام ناظريك، (نصبٌ تذكاريٌّ) ضخم، لمعنى إنساني نبيل، في ذات اللحظة التي تكون فرغت فيها من تشييده، سامقاً، في عقلك ووجدانك!

 

                (2)

لقد قدّر لي أن أتعرَّف على محمود، في المستوى الشخصي، بسبب (قضيَّة دارفور). لكن، قبل ذلك، كانت قد سبقته إليَّ، مثلي مثل الآلاف من القرَّاء، كتاباته المختلفات في شتى القضايا الأفريقيَّة بتشابكاتها الدوليَّة، خصوصاً ما اتصل منها بالنزاعات المسلحة، ونقد النمطيَّة المعلولة في مناهج التناول الغربيَّة لقضايا القارة. وقد وجدت في قراءة هذه الكتابات كثيراً من المتعة والفائدة، سواء قبلت باستنتاجاته هنا، أم اختلفت معها هناك، بالأخصّ كتابه المدهش: (عندما يصبح الضَّحايا قتلة When Victims become Killers, 2002)، ويدرس فيه حالة الصّراع الإثني في منطقة البحيرات العظمى التي يعرفها جيّداً، وما أفضى إليه هذا الصّراع، عام 1994م، من مذبحة مأساويَّة نصبها (الهوتو) ضدَّ (التوتسي) في رواندا، بامتداداتها إلى شرق الكونغو وأنحاء مختلفة في تلك المنطقة، محللاً، بصورة غير مسبوقة، العوامل الباطنيَّة لانفراد طبقة أو فئة اجتماعيَّة بوضعيَّة (المواطنين) الأعلى، جاعلة كلَّ ما عداها من طبقات وفئات، بدفع من أثر التراث الاستعماري، في وضعيَّة (الرعايا) الأدنى؛ وكذلك كتابه الذي أهداني، في ما بعد، نسخة منه، بعنوان: (مسلم صالح، مسلم طالح: أمريكا والحرب الباردة وجذور الإرهاب، 1996م)، ومقالته الأشهر: (سياسات التسمية: إبادة ـ حرب أهليَّة ـ تمرُّد، 2007م)، والكثير غيرها.

لذلك كله سعدت، أيَّما سعادة، عندما تولى صديقنا المشترك الأستاذ صلاح حسن الجرِّك، مدير معهد الفنون الأفريقيَّة بجامعة كورنيل، تعريفنا ببعضنا البعض، أوائل 2007م، باعتباري أحد الكتاب السودانيين الذين يولون قضيَّة دارفور جُلَّ عنايتهم، وباعتباره، كما أخبرني بنفسه، قد شرع في تصميم وإجراء بحث ميدانيّ متقدّم حولها. ثمَّ حدث أن تلقيت منه، ضمن تواصلنا الحميم، مكالمة هاتفيَّة، أواخر مارس 2007م، أخطرني فيها بأنه سيغيب في إجازة قصيرة خارج نيويورك، ويرجو، عندما يعود، أن يوفق في ترتيب زيارته البحثيَّة إلى السودان، واستفسرني عمَّا إن كان من الممكن أن يكون ذلك ميسوراً.

تحمَّست للفكرة من موقعي، وقتها، كأمين عام لاتحاد الكتاب السودانيين، فما كلَّ يوم تكسب قضايانا الوطنيَّة قلماً كقلمه. وحين عرضت الأمر على رئيس اتحادنا، آنذاك، الأستاذ يوسف فضل حسن، تحمَّس بدوره، وأشركنا معنا الأستاذ الطيّب حاج عطيَّة، مدير معهد السَّلام بجامعة الخرطوم الذي تحمَّس هو الآخر؛ وهكذا انفتحت جميع الأبواب على مصاريعها، ليس، فقط، لتيسير زيارة ممداني إلى البلاد، بل ولتنظيم محاضرة عامَّة له، بجهد مشترك بين (الاتحاد) و(المعهد)، بقاعة الشارقة بالخرطوم. واتفقنا أن أتولى استئذانه في ذلك، وتدقيق عنوان المحاضرة معه. وأذكر أنني مهّدت للزيارة، ذات رزنامة في تلك الأيام، بكلمة تعريفيَّة وترحيبيَّة (أنظر: كتاب الرزنامة "2007 ـ 2008م"، ط 1، دار مدارك، الخرطوم 2009م، ص 124 ـ 125).

 

(3)

غير أنني، عندما اعتزمت محادثته هاتفياً، اكتشفت أنني لا أعرف رقمه، ربَّما لأنه هو الذي كان يبادر بمهاتفتي، وعندما فكرت في الاتصال على بريده الإليكتروني، فوجئت بأنني لم أسجل عنوانه، كما عجزت، أيضاً، عن مهاتفة صديقنا المشترك صلاح بسبب سفره، وقتها، كما علمت منه لاحقاً، إلى أوربا، واستخدامه رقماً مختلفاً، وانهماكه في أداء مهام شغلته عن مراجعة بريده لأيام. ونسبة لضيق الزمن، واحتياجنا للتبكير بتنظيم المحاضرة، والإعلان عنها، خطر لي أن اتصل بصديقي أمير عثمان، عساه يكون على صلة بممداني، فيدلني على أيسر وسيلة لمحادثته. وتعود معرفتي بأمير إلى أيام عمله منسقاً لبرامج مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، قبل أن يهاجر إلى أمريكا، حيث عمل، وقتها، موظفاً بالحملة. ويقيني أن تلك هي النقطة التي جعلت الأمور ترتجُّ في عيني ممداني، وتختلط، كما سنرى لاحقاً! المهمُّ أن صديقي أمير نجح في الاتصال على بريد ممداني الإليكتروني، في 5/4/2009م، وأخطره، بصورة إلي بريدي الإليكتروني، بما كنت قد طلبت منه إبلاغه به حول عجزي عن مهاتفته، وأنني في أمسّ الحاجة لمحادثته في شأن الزيارة والمحاضرة. وردَّ ممداني، في 8/4/2009م، معتذراً بأنه يفتقر إلى هاتف مستقر في سفرته تلك، ومقترحاً أن أتصل به، بريديَّاً، على ذلك العنوان. وبالفعل تواصلتْ الرسائل بيننا، بعد ذلك، حيث دققنا كلَّ شئ، من عنوان الفندق الذي اختاره، إلى عنوان المحاضرة الذي اتفقنا عليه، وهو (بين العدالة والمصالحة: دروس من الخبرة الأفريقيَّة).

 

(4)

جاء الرَّجل، واجتهدنا، قدر استطاعتنا المتواضعة، في إكرام وفادته، وأقمنا محاضرته، على ما أذكر، غداة وصوله، لكنها كانت، للأسف، مخيّبة لتوقعات الكثيرين ممَّن كانوا ينتظرون منه استنارة أكبر بشأن قضيَّة دارفور، فإذا بهم يستمعون، لدهشتهم، إلى حديث عادي لا يختلف في شئ عن دارج ما ظلَّ يردّده أهل (الإنقاذ) في المستويات الوسيطة والقاعديَّة من مسكوكات خطابهم، باستثناء الجزء النظري الذي تركز، في بداية المحاضرة، على موضوعة (الكولونياليَّة)، وإن جاء، في غالبه، أشبه بأطروحات (موغابي)! لكنه ركز، في بقيَّة المحاضرة على كيل الاتهامات للمنظمات الإنسانيَّة الدوليَّة، وبالأخصّ لحملة (أنقذوا دارفور) .. عدوّه اللدود! ولم يفت (التقاط) ذلك على د. غازي صلاح الدين الذي كان في مقدّمة الحضور، وأعتقد أن تلك المناسبة هيَّأت جسوراً أقوى للتواصل بين الرَّجلين، لعلهما استثمراها! 

من جانبي، ورغم أن ظروفي لم تكن مواتية لملازمته أغلب الوقت، إلا أنني زرته بالفندق، زيارة قصيرة لم تسمح بغير أداء واجب المجاملة لمدة لم تزد على خمس دقائق. ولم أتمكن من تلبية دعوة العشاء التي أقامها، على شرفه، صديقي الراحل، ورئيس الاتحاد الأسبق، المؤرّخ محمد سعيد القدَّال. وكنت دعوته، في يومه الأوَّل بالخرطوم، إلى حفل عرس أحد أصدقاء ابني، فلم نتبادل سوى حديث عابر خلال مسافة الطريق القصير من الفندق الكائن غرب شارع المك نمر إلى مكان حفل العُرس بمقرّ الكشافة البحريَّة، على شاطئ النيل الأزرق، إلى الجوار من العمارة الكويتيَّة. وفي الحفل وقع مجلسنا، بالمصادفة، قرب أحد مكبّرات الصوت، فلم تتح لنا الموسيقى الشبابيَّة الهادرة سوى أن نتبادل، بشق الأنفس، بضع عبارات قصار حاولت، بقدر الامكان، وبرغم إلحاحه، تشتيتها بعيداً عن موضوع دارفور، خصوصاً وقد لاحظت، من محادثتنا القصيرة في السَّيَّارة، أننا مختلفان حولها، فتملكني حرج كبير من أن نتجادل ونختلف في مثل ذلك المكان، ومثل تلك المناسبة! ولم أره، بعدها، حتى غادر البلاد.

 

(5)

إلتقينا، العام الماضي، في مؤتمر بأديس أبابا، حيث لاحظت، مثلما كنت قد لاحظت في محاضرة الخرطوم، أنه يخلط خلطاً مريعاً بين (ضغينة!) غريبة يحملها، بوجه (خاص!)، ضد حملة (أنقذوا دارفور) وبين (قضيَّة دارفور) في حدّ ذاتها، بحيث تحلُّ الأولى، عنده، دائماً، محلَّ الثانية، كهدف لهجومه، فلا يعود يميّز بينهما، ممَّا يربك طرحه، ويشوّش على مستمعيه! وأذكر أنني سألته، في محاضرة الخرطوم، عمَّا إن كان موقفه من هذه القضية سوف يختلف في ما لو لم تكن هنالك حملة (أنقذوا دارفور)، لكنه راغ من الإجابة على السؤال! وشهدت في مؤتمر أديس، بأسف، كيف عرَّض هذان الإرتباك والتشويش منهجيَّته للنقد اللاذع، بل و(مصادر) معلوماته ذاتها للتشكيك الصريح، ليس، فقط، من جانب المؤتمرين، وإنما، أيضاً، من جانب كثير من الباحثين بمعهد الدراسات الأثيوبيَّة!

وفي أواخر أغسطس الماضي، وبينما كنت أتهيَّأ للسفر إلى كمبالا، بدعوة من (جمعيَّة المبادرة المفتوحة لشرق أفريقيا OSIEA)، للمشاركة في مؤتمرها حول (استراتيجيَّة الدّفاع عن نشطاء حقوق الإنسان)، وصلتني من ممداني، فجأة، وبعد كل تلك الفترة، رسالة يبلغني فيها بأنه قادم إلى الخرطوم، وأنه يودُّ أن يراني، فرددت عليه معتذراً بأنني، للأسف، سأكون، في الغالب، خارج البلاد.

وعندما وصلت كمبالا، بعد أقلّ من أسبوع من ذلك، أخبرني صديقي ديسماس نكوندو، نائب رئيس الكونسورتيوم الأفريقي لدارفور، وآخرون، بأن ممداني في المدينة، وأنه قدَّم محاضرة بجامعة ماكريري، حول (دارفور)، في نفس يوم وصولي، وأنه اجترَّ فيها نفس الأقوال التي ظلَّ يتبضَّع بها، خلال الفترة الأخيرة، حيثما حلَّ، خصوصاً انشغاله، أكثر شئ، بالهجوم على حملة (أنقذوا دارفور)، وأن ديسماس نفسه كان المعقب الأوَّل عليه، حيث ركز، أكثر من أستاذه السابق، على (قضيَّة دارفور) نفسها، متصدَّياً، بالتفنيد الدقيق، لمنهجيَّته ومعلوماته، ممَّا صار، خلال الأيام التالية، حديث الجامعة والأوساط الفكريَّة.

وفي رأيي أن انهماك ممداني في (تصفية حساب) ما قد يكون بينه وبين حملة (أنقذوا دارفور)، الأمر الذي لا يهمُّ ضحايا الإقليم المنكوب وسائر الوطنيين الديموقراطيين في كثير أو قليل، هو الذي صرف استبصاراته المعهودة، كما في قضايا رواندا ويوغندا والكونغو وتنزانيا وجنوب أفريقيا وغيرها، عن التمييز، هذه المرَّة، بين (الرئيس) و(الثانوي)، وعن رؤية التعقيدات المحيطة بـ (قضيَّة دارفور)، فمال الميل كله إلى صفّ (النظام) ضد (الأهالي)، وإلى جانب (المنتهكين) على حساب (الضحايا)، ووضع نفسه، بذلك، في بؤرة النقد العنيف والسديد، في آن، من جانب نشطاء وعلماء ومفكرين وباحثين ومناضلين كثر لا يستطيع أن يدمغهم بعدم الإخلاص لهذه القضيَّة، وهذا ما يتوجَّب عليه الانتباه لخطورته على سمعته (كمفكر ماركسي مناضل!) يؤمن، كما يردّد دائماً، بأن (النضال مستمر)!

أما في ما يتعلق بي، شخصيَّاً، وما نحن فيه، هنا، فقد وجدت الأصدقاء في كمبالا يحتفظون لي بنسخة من كتاب ممداني الصادر حديثاً، والذي أومأ فيه إليَّ، ثمَّ اطلعت، لاحقاً، على مدوَّنة (أليكس دوال)، حيث (زنقه) بعضهم، أثناء مناقشة الكتاب، فإذا به، لأجل (التخلص) و(المحافظة) على صورته (الأكاديميَّة) من (الخدوش)، لا يتورَّع من أن (يبيعني)، والجمال ماشية، ويأتي على ذكري بالباطل! عندها طفقت أضرب أخماساً في أسداس لشدَّة ما أصابني من أسى على مآل من يولون جُلَّ اهتمامهم لضخامة صورهم (العلميَّة) في أذهان الآخرين، ثمَّ يفاجئونك بفشلهم في اجتياز أبسط امتحان (أخلاقيّ) يتعرَّضون له!

 

(6)

عقب عودتي من كمبالا اطلعت على الكتاب، وراجعت (المدوَّنة)، ثمَّ تحدثت هاتفياً إلى صلاح بنيويورك، ناقلاً إليه خيبة أملي في العلاقة الشخصيَّة مع محمود، ورغبتي الصميمة في الكتابة عمَّا فعل، فأبدى صلاح انزعاجاً نبيلاً إزاء المشكلة، وطلب مني أن أتريَّث حتى يفاتحه في الأمر. ولأجل خاطره، فقط، وافقت.

بعد أيَّام من ذلك وصلتني رسالة من ممداني يعتذر فيها عن خطئه! لكنه (اعتذار) متقلقل، كما أشرت في مفتتح هذه الرزنامة، يحاول التخفي وراء كلمة (توضيح)، ضمن عنوان الرسالة، رغم أن (الاعتذار) وارد بلفظه في ذيلها. وأكثر ما يغيظ في هذه (القلقلة) أنه أراد من ورائها بوضوح:

(1) سحب أقدامي للإقرار له بوقائع لم تحدث، كما في قوله يخاطبني: "تذكر بالطبع حواراتنا العديدة عندما التقينا في السودان لأوَّل مرَّة"! وهي واقعة غير صحيحة، بالمرَّة، إذ لم يحدث أن جرت بيننا، على الإطلاق، "حوارات" من هذا القبيل، أو في هذا المعنى، وإنما محض أحاديث قصار عابرات على النحو الوارد ضمن السَّرد أعلاه.

(2) إلزامي (حُجَّة) واهية، بل وغريبة، من (اختراعه) هو، أملاً في أن تجوز ، لو لزمت أنا الصَّمت تجاهها، كما في قوله يخاطبني أيضاً: "تذكر تدويني لبعض الملاحظات أثناء حوارنا الأوَّل حيث كنا وحدنا"! أين يا بروف؟! في ردهة استقبال الفندق وقد كنت جئتك للتحيَّة والمجاملة في ما لا يزيد على الدَّقائق الخمس، ثمَّ استأذنت، منصرفاً، لارتباطي بشواغل مهنيَّة؟! أم في سيَّارتي على الطريق بين الفندق وحفل العُرس، ذهاباً وإياباً، حيث لم نكن وحدنا، بل كانت معنا زوجتى د. فائزة؟! أم، يا ترى، في حفل العُرس نفسه تحت ضجيج مكبّر الصوت اللعين ذاك، وزوجتي، أيضاً، معنا؟! أين أيها (المفكر) الكبير، والأكاديمي النزيه، علماً بأنني لم ألتقيك في غير هذه المرَّات إلا وسط آخرين، وخطفاً، ومن بعيد لبعيد، بما في ذلك أمسية المحاضرة؟!

(3) ومن سنخ هذه (الغرابة)، أيضاً، محاولته ترتيب (خُجَّة) واهية أخرى على (حُجَّته) الواهية السابقة، بقوله لي: "إن إشارتي إليك في الكتاب هي من تلك الملاحظات التي دوَّنتها في ذلك اللقاء الأوَّل"! اللهمَّ طوّلك يا روح! ما شأني أنا بما تدوّن أنت، وما لا تدوّن، ومتى تدوّن، وأين تدوّن؟! ما يهمُّني هو ما ذكرتك به من أننا لم نلتق سوى في المرَّات المشار إليها. فإذا كنت تصرُّ على ادّعائك بأننا التقينا في مرَّة إضافيَّة، وأنك أجريت معي (حواراً)، أو (interview) كما زعمت، فتفضَّل وقل: أين؟! ومتى؟! لكن، لأنك لن تستطيع أن تقول، فأنا أقول لك: لو كانت هذه الواقعة صحيحة، لما احتجت أن (تثبتها) بـ (النفي)، كما في قولك الممعن في غرابته "إلتقينا، وتحاورنا، لأوَّل مرَّة، (ليس) في المكان الفلاني أو العلاني"، بل كنت ستقول مباشرة "إلتقينا، وتحاورنا، لأوَّل مرَّة، في المكان الكذا"! أليس كذلك؟! أوليس هذا هو الكلام المستقيم أيُّها المُعلم الكبير، والمثقف (الماركسي) الثوري الذي يتعالى على شعبنا في دارفور، ولا يرى فيه سوى أكثر الشعوب سذاجة؟!

(4) أما الأكثر إغاظة من كلّ ذلك فهي محاولته اليائسة لتبرير (تنصيبه) لي ممثلاً لحملة (أنقذوا دارفور) في السودان، (راجياً) أن (أتفهَّم) أسباب (الخلط) الذي وقع فيه، لا لشئ إلا لأن صديقي أمير عثمان، الموظف بالحملة، قد بعث إليه، في 5/4/2007م، بإيميل ينقل إليه فيه، بناءً على طلبي حسب السَّرد أعلاه، أنني أواجه مشكلة في الاتصال به، بسبب سفره، وأحتاج للتفاكر معه حول تنظيم زيارته ومحاضرته! لكن ممداني، وجرياً على طريقته في ليّ عنق الحقائق كي تبدو ملائمة لـ (تبريراته)، كتب، يخاطبني، في رسالة (الاعتذار) الذي يسمّيه (توضيحاً)، يقول: "كما تتذكر فإن أوَّل اتصال لي معك كان نتيجة للإيميل الذي استلمته من أمير عثمان، المنسق، وقتها، لصلات (أنقذوا دارفور) الدوليَّة، يطلب مني الاتصال بك قبل توجُّهي إلى السودان"! وإذن، وبحسب ممداني، فإن العلاقة بيني وبين أمير لا بُدَّ أن تكون علاقة عمل! لكن هذا كله مغلوط، ومحفوف، فقط، بـ (هواجس) ممداني الشَّخصيَّة إزاء (أنقذوا دارفور)! وفي السياق يجدر أن نضئ النقطتين التاليتين:

أوَّلاً: لم يكن أوَّل اتصال لممداني معي نتيجة لإيميل أمير، بل للتعارف الذي عقده بيننا، قبل ذلك بكثير، صديقنا المشترك صلاح؛ وإلا فكيف يفسّر ممداني أن تكون مناسبة إيميل أمير إليه هو مساعدتي في العثور عليه، بناء على طلبي،  بعد أن فشلت في ذلك للأسباب التي سلفت الإشارة إليها، من أجل مواصلة تفاكري معه حول ما كنا بدأنا، أصلاً، من ترتيب لزيارته ومحاضرته؟! بل وكيف بدأنا تلك الترتيبات، أصلاً، إن لم يكن ذلك بناءً على اتصالات سابقة بيننا؟!

ثانياً: أمير لم يوجّه ممداني، في إيميل 5/4/2007م، ولديَّ نسخة منه، لـ "الاتصال" بكمال "قبل سفره إلى السودان"، كما سعى ممداني لتصوير الأمر بهذه الصيغة (الآلكابونيَّة) المريعة! بل قال له بالحرف: "عزيزي د. ممداني، كمال الجزولي في الخرطوم (طلب) مني أن (أبلغك) بأنه (يريد) أن (يتحدَّث) إليك بشأن زيارتك ومحاضرتك في الخرطوم، لكن رقم هاتفك غير متوفر لديه، وسيقدّر لك أن تتصل به على رقم هاتفه"، وشتان بين الصيغتين!

لقد غلب ممداني هواجسه على تفهُّم مسألة في غاية البساطة، وهي أن أمير صديقي، مثل صلاح تماماً، كما تربطني، أيضاً، أواصر صداقة حميمة بسودانيين كثر في أمريكا، ألجأ إليهم كثيراً، ويلجأون إليَّ أحياناً، في مثل هذا النوع من المساعدة، دون أيّ اعتبار، بطبيعة الحال، لوظائفنا، أو مهننا، أو المؤسَّسات التي نعمل فيها!  

(5) وفي نهاية رسالة (الاعتذار/التوضيح) يعترف ممداني، صراحة، بأنه قد (استنتج) إفادته في (المدوَّنة) من مجرَّد واقعة اتصال أمير به ليبلغه بأنني أبحث عنه، فتأمَّل! ثمَّ يعلن (لي!)، صراحة أيضاً، عن تراجعه عن ذلك (الاستنتاج)، بعد تشكيكي فيه، وعن إقراره بعدم صحَّته، ويصفه بأنه غير حذر ومضلل! وكلُّ ما يرجوه أن يلقي السياق العام الضوء على "كيف" و"لماذا"، يعني (مبرّرات) ذلك (الاستنتاج)! ثم يقول في الختام: "إنني أعتذر عن هذا الخطأ بحرارة"!

 

(7)

مع ذلك كله قلت أنتظر لأرى إن كان سينشر (اعتذاره) هذا، على علاته، في نفس (مدوَّنة أليكس دوال) التي نشر فيها استنتاجه "المضلل وغير الحذر"، على حدّ تعبيره! وفي هذه الحالة كنت على استعداد تام لقلب الصفحة تماماً، فلست حجراً كي لا أفعل! لكنه، من جانبه، لم يفعل، للأسف، رغم مضيّ شهر بأكمله، ما يعني أنه يتبع منطق (الأذى في الشارع، والاعتذار خلف الأسوار)! وهو أمر لا يمكن قبوله بأيَّة حال.

لذا، وبما أنه ليس ثمَّة بُدٌّ مما ليس منه بُدٌّ، فها دونكم نصُّ رسالته تلك، والتي سأعمل، حتماً، على ترجمتها، وإرسالها للنشر، لاحقاً، في (المدوَّنة)، تاركاً تقدير الأمر، برمَّته، لفطنة القرَّاء!

..............................

..............................

(تحيَّة وتوضيح.

من محمود ممداني إلى كمال الجزولي.

مكرَّر إلى صلاح حسن.

الخميس 17/9/2009م.

الواحدة والرُّبع بعد الظهر.

عزيزي كمال،

أتمنى أن يصلك هذا الإيميل وأنت في أتمّ صحَّة.

أكتب إليك هذه المذكرة بعد محادثة هاتفيَّة مع صلاح حسن الذي أوضح لي بأنك مهتم بفقرة وردت في كتابي، وفي مدوَّنة على الشبكة العنكبوتيَّة، تصفك بأنك جزء من شبكة (أنقذوا دارفور) في السودان عام 2007م.

تذكر بالطبع حواراتنا العديدة عندما التقينا في السودان لأوَّل مرَّة، كما تذكر تدويني لبعض الملاحظات أثناء حوارنا الأوَّل حيث كنا وحدنا، وليس عندما ذهبنا إلى حفل العُرس في المساء، ولا في اللقاءات التي تلت ذلك مع آخرين. إن إشارتي إليك في الكتاب هي من تلك الملاحظات التي دوَّنتها في ذلك اللقاء الأوَّل. ولقد أخبرني صلاح بأنك لم تحصل على الكتاب، بعد، وبالتالي لم تتح لك الفرصة لتقرأه. وأنا على يقين من أنك عندما تجد الفرصة لقراءته فسوف تجد الفقرة التي تحدثت فيها عنك دقيقة.

أما الإشارة إليك باعتبارك جزءاً من حملة (أنقذوا دارفور) فقد وردت في مدوَّنةSSRC . وكما تذكر فإن أوَّل اتصال لي بك كان نتيجة لإيميل استلمته من أمير عثمان الذي كان منسّق الصّلات الدوليَّة للحملة، حيث طلب مني أن أتصل بك أولاً قبل ذهابي إلى السودان. وكان ذلك في أبريل 2007م. إن إفادتي في المدوَّنة مستوحاة من ذلك. والآن، وبعد تشكيكك فيها، فمن الواضح أن الاستنتاج كان غير حذر ومضلل. وأرجو فقط أن يلقي السياق العام الضوء على كيف ولماذا توصَّلت إلى ذلك الاستنتاج في وقته. وإنني أعتذر عن هذا الخطأ بحرارة.

أملي أن يساعد هذا التوضيح في إعادة علاقتنا إلى ما كانت عليه. فنحن، كجيران، نحتاج للتفاهم الحسن في ما بيننا، لأن الحياة طويلة، والنضال مستمر!

لقد بعثت بنسخة من هذه الرّسالة إلى صلاح حسن.

مع أطيب الأماني.

محمود).