Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

الإثنين

حدثان صافعان وقعا أواسط أكتوبر الجاري، ودفعا إلى الواجهة، نفرة واحدة، بعار وطنيّ قديم لا بُدَّ أن كلَّ من تنطوي جوانحه على ذرَّة إحساس بالوطن ومعنى الوطنيَّة بقي يستشعره، طوال العقدين الماضيين، وإنْ ظلَّ أغلبنا، تحت وطأة إحساس ثقيل بالعجز المقيت، يهشُّ طيفه، ويطرد كوابيسه، ويحاول، عبثاً، تفاديه، وهو ما ينفكُّ يلحُّ على الخاطر، ليل نهار، يقضُّ المضاجع، ويؤرّق المنام، ويصلب طعم الحنظل في الألسن المعقودة على المرارات، وفي الحلوق المحتشدة بالغصص!

فمن جهة أولى، اعتمدت مفوَّضيَّة الانتخابات، وهي هيئة مستقلة إداريَّاً وماليَّاً، مثلث حلايب كدائرة جغرافيَّة مفردة في الانتخابات العامَّة المقرَّر إجراؤها خلال ابريل القادم، وذلك إثر طعن تقدَّم به مؤتمر البجا من أجل اعتبار حلايب دائرة مفردة، ضدَّ رغبة الحكومة في استتباعها لدائرة أوسيف، بعد أن رفضت مصر السماح بأن يشملها التعداد السكاني الخامس في أبريل 2008م، ومنعت فرق التعداد من دخول المنطقة، باعتبار (السَّيادة المصريَّة) عليها! لكن ردَّ فعل الحكومة لم يتجاوز .. الصَّمت!

ومن جهة أخرى، وعبر مؤتمره الصحفي بمناسبة الذكرى الثالثة لتوقيع (إتفاق الشرق) بأسمرا، جدَّد موسى محمد احمد، رئيس مؤتمر البجا وجبهة الشرق ومساعد رئيس الجمهوريَّة، مطلبهم بإحالة ملف المثلث إلى التحكيم الدَّولي بلاهاي، معلناً أن حلايب التي تحتلها مصر بالكامل، منذ زهاء العشرين سنة، هي، بالأساس، سودانيَّة، وأنه سيتناول قضيَّتها مع الحكومة المصريَّة أثناء زيارته المرتقبة إلى القاهرة مطلع نوفمبر القادم.

المثلث يشمل حلايب وشلاتين وأبو رماد، وظلَّ يقطنه، بصفة مستمرَّة، حوالي 200.000 نسمة ينتمي أغلبهم إلى قبيلة البشاريين السُّودانيَّة، ويتبع، سياسيَّاً وإداريا، للسيادة السودانيَّة، منذ الاستقلال، يُرفع فيه علم السودان، ويحمل سكانه الجنسيَّة السودانيَّة، ويجري التعامل فيه بالعملة السودانيَّة، وتحرسه كتيبة سودانيَّة، ويمثل دائرة انتخابيَّة معتمدة، تبعث بنوَّابها إلى البرلمانات المتعاقبة. ومع أن الفترة منذ استقلال السودان عام 1956م، وحتى انقلاب الجبهة الإسلاميَّة القوميَّة عام 1989م، شاملة فترتي عبود ونميري، قد شهدت مختلف التعبيرات الخلافيَّة المصريَّة حول تبعيَّة المثلث، إلا أنه لم يحدث، تاريخيَّاً، أن احتجَّت مصر، بصورة سافرة، على أيّ من تلك الأوضاع، أو ادعت، عمليَّاً، أيَّ حقوق في المثلث، إلا على أيام حكومتي عبد الله خليل، في السودان، وعبد الناصر، في مصر، حيث دخلت قوَّات مصريَّة إلى المثلث، فاتخذ عبد الله خليل موقفاً بالغ الصَّرامة، وحشد، أيضاً، قوَّاته هناك، فلاحت نذر جديَّة لحرب ضروس، لولا مسارعة عبد الناصر إلى سحب قوَّاته.

وحدها تداعيات انقلاب يونيو 1989م، ومعاناته، منذ أوَّل أمره، من عزلة داخليَّة وإقليميَّة ودوليَّة شاملة، هي التي أحوجت الإسلامويين، آنذاك، لالتماس دعم مصر بأيّ ثمن، كمفتاح رئيس نحو فكّ تلك العُزلة، الأمر الذي فتح شهيَّة القاهرة، تحت تلك الظروف، لحسم مسألة ضمّ حلايب، نهائياً، إليها، وفرض سيطرتها الكاملة عليها، وإضعاف سيادة السودان فيها إلى حدّ العدم، ابتداءً من محاصرة القوَّات المصرية للكتيبة السودانيَّة هناك، وقطع كلّ خطوط إمدادها واتصالاتها مع "السودان"، وبالتالي إرغامها على الانسحاب جنوباً، لتنتقل القاهرة، من ثمَّ، إلى فرض (الأمر الواقع)، بإصدار أوراق ثبوتيَّة برسم الدَّولة المصريَّة لسكان المثلث، وإغداق الخدمات الأساسيَّة عليهم، من مياه، ومساكن، ومدارس، وشفخانات، وتموين، وطرق معبَّدة، ومواصلات ميسَّرة بين المنطقة وبين الداخل المصري .. حتى القاهرة! وقد عبَّر عيد سليم، من سكان حلايب، عن هذه الحالة الملتبسة التي تركتهم حكومة الخرطوم عزلاً في خضمّها، بتساؤله المنطقي: "نحن سودانيُّون، فكيف لا نشارك في الانتخابات السودانيَّة"؟! ويستنكر وضع التبعية غير المحسوم هذا، والذي يعتبره "بين البينين"، قائلا: "إننا نعيش أوضاعاً غير مستقرة اجتماعيَّاً وسياسيَّاً، ولا نعلم إذا كنا تابعين لمصر أم السودان .. بعضنا حامل للجنسيَّة السودانيَّة، وبعضنا تم تجنيسه بالجنسيَّة المصريَّة، وآخرون يحملون بطاقة قبائل مشتركة!" (سودانايل عن "الشروق المصريَّة"، 15/10/09).

في الأثناء ظلت النخبة الإسلامويَّة الحاكمة في الخرطوم منهمكة في تفكيك جبهة البلاد الداخليَّة، وشنّ حروبها (الأهليَّة) في الجنوب، والشرق، ودارفور، وجبال النوبا، وجنوب النيل الأزرق، وإدارة معاركها (الإعلاميَّة) ضد من تسميهم (الخونة)، و(العملاء)، و(الطابور الخامس)، و(معارضي الفنادق)، و(ذوي الأجندات الحزبيَّة الضيّقة)، و(المفرّطين في سيادة الوطن)، و(بائعيه في أسواق النخاسة)، وتلقين الشَّعب (محفوظاتها) الرَّتيبة حول (الثوابت) التي ينبغي عدم تجاوزها، و(دروسها) المكرورة حول (الخطوط الحمراء) القائمة في (ضرورة التفريق) بين (معاداة السُّلطة) و(معاداة الوطن) .. الخ، دون أن تعير، للأسف، أدنى التفاتة، إلى أهميَّة إدراج قضيَّة حلايب ضمن أي من تلك (المحفوظات)، أو (الثوابت)، أو (الخطوط الحمراء)، بل قال قائلها، بفصيح العبارة، حين حاصرته جماهير بورسودان بمطلب استعادة (حلايب) إلى (السَّيادة) السودانيَّة، أن اذهبوا وقاتلوا وحدكم من أجل (استعادتها) .. إنا ها هنا قاعدون!

وعلى حين لا تكاد هذه النخبة تتذكر (السَّيادة)، أو تثور لها ثائرة بشأنها، إلا حين ترتفع تعبيرات العالم، والأمم المتحدة، والمنظمات الدوليَّة، قلقاً من تردّي أوضاع (حقوق الإنسان) في السودان، فإنها تعمد إلى التغطية على عجزها الذي لا يحتاج، من شدَّة وضوحه، إلى فانوس ديوجينس لإضاءته، إزاء قضيَّة (السَّيادة) الحقيقيَّة المهدرة، جهاراً نهاراً، في حلايب، بإغراقها في لجج من (الدَّجل السّياسي) فحواه أنها (يجب) ألا تشكل (أزمة) بين البلدين الشقيقين! وأن ثمَّة اتفاقاً مع مصر لجعلها (منطقة تكامل)، فلكأن (السَّيادة) تقبل القسمة على اثنين، أو أن (التكامل) نفسه يمكن فرضه (كحلّ لمشكلة)، لا (كخيار سيادي)!

العجيب، مع ذلك، أنك لا تكاد تسمع مثل هذا من جهة مصر التي ما ينفكُّ مسئولوها يجاهرون بتبعيَّة حلايب لها، قولاً واحداً قاطعاً كالسيف! فقد أعربت، مثلاً، مصادر مصريَّة مطلعة عن رفض مصر لقرار مفوَّضيَّة الانتخابات السودانيَّة، مؤكدة (خضوع) حلايب للسَّيطرة المصريَّة، وأنها أبلغت مسئولين سودانيّين، بينهم رئيس مفوَّضيَّة الانتخابات السودانيَّة البريطاني (كذا!) أبيل الير، بأن اعتماد حلايب ضمن الدوائر الانتخابيَّة في السودان مستحيل (!) مشدّدة علي أنها "خط أحمر لا يمكن الاقتراب منه!" (سودانايل عن "الشروق" القاهريَّة، 15/10/09).

والأعجب أن الجهات الرسميَّة المصريَّة لا تكاد تخفي شيئاً من ملامح الاستراتيجيَّة التي تتبعها إزاء هذه القضيَّة. فقد أكد مصدر مصري، بوضوح تام، أنه "أبلغ السودان، علي أعلي مستوي، بـ (خطورة) فتح هذا الملف في الوقت الذي يجابه فيه (مشكلات) في الداخل والخارج!" (سودانايل عن "الشروق" القاهريَّة، 2/9/09).

أما رسميُّو حكومة الخرطوم، وحزبها (المؤتمر الوطني)، فمع كونهم يضمرون الحنق، بلا جدال، على مؤتمر البجا وجبهة الشرق وموسى محمد احمد الذين أثاروا في وجوههم آخر ما كانوا ينتظرون من زوابع في هذا التوقيت بالذات، إلا أن ردود فعلهم جاءت مؤسفة، بحق، ومزيجاً من (المغالطة) و(المكابرة) و(التنصُّل) من المسئوليَّة! فقد (رحَّب)، مثلاً، أمين حسن عمر، القيادي بالمؤتمر الوطني ووزير الدَّولة للثقافة، بقرار المفوَّضيَّة، قائلا: "إنها خطوة طبيعية بل جاءت متأخرة" (!) ومشدّداً علي أن "حلايب سودانيَّة دون نقاش" (!) لكنه أكد على أن حكومته "ليس لها أي تدخل في الانتخابات!"، وأن اعتماد المنطقة ضمن الدوائر الانتخابيَّة "لا علاقة له بحكومة الخرطوم، فذلك من اختصاص المفوَّضيَّة!" (سودانايل عن "الشروق" القاهريَّة، 15/10/09)، فلكأن (السَّيادة) على حلايب مسألة (فنيَّة) تعالجها (مفوَّضيَّة الانتخابات)، لا الحكومة!

وأما إبراهيم غندور، القيادي بالحزب الحاكم ورئيس اتحاد العُمَّال، فقد اكتفى بـ (دعوة) مصر لـ (تسهيل) مهمة المفوَّضيَّة العليا في تمكين مواطني حلايب من "ممارسة حقوقهم الطبيعيَّة كسودانيين في المشاركة في الانتخابات!" (المصدر نفسه)، فلكأن تمكين المواطنين من ممارسة حقوقهم في وطنهم ليست من أهمّ (واجبات) الحاكم، أو لكأن (مشكلة حلايب) يمكن أن تحلَّ بمحض (المناشدات)!

وأما مصطفى عثمان، مستشار الرئيس للعلاقات الخارجيَّة، فقد صرَّح بأن قضية حلايب "لا تعالج في إطار المؤتمر الوطني بل في إطار الحكومة!" (سودانايل نقلاً عن "الشروق" القاهريَّة، 16/10/09)؛ وأعجب لـ (حكومة) تعمل بمعزل عن سياسات (الحزب الحاكم)، خصوصاً في مثل هذه المسائل الأساسيَّة! ورغم أن المفترض أن حلايب تشكل (قضيَّة خلافيَّة) مع مصر، خصوصاً وأنها تتعلق بـ (السَّيادة)، إلا أن مصطفى عثمان أضاف ما هو أكثر إثارة للتعجُّب، بقوله: "نحن لا نريد أن تكون حلايب قضية خلافيَّة مع مصر!" (المصدر نفسه)؛ ثمَّ ما لبث أن ختم حديثه قائلاً: "ولذلك استهجنا إثارة قضيَّة حلايب في ملتقى جوبا، فالقضية لن تعالج في جوبا، بل بين الحكومتين!" (المصدر نفسه)؛ ومع احترامنا للسيد المستشار، إلا أننا لا نملك إلا أن نلاحظ الكيفيَّة التي يشتغل بها الذهن الشمولي، حين يرى وجوب أن تمتنع الأحزاب السياسيَّة الأخرى عن (حشر) أنفها في (شغل) الحكومة، فلا تنتقده، ولا تطرح بدائل له، ولا تبدي رأياً بشأنه! ويقيننا أن السيّد المستشار نفسه، لو أعاد النظر في كلامه هذا، لاكتشف مبلغ الخلل فيه من تلقاء نفسه!

مهما يكن من أمر، فإن قضيَّة حلايب تبقى واحدة من أهم وأخطر قضايانا الوطنيَّة، وهي، بهذه الصفة، إنما تندرج، من كلّ بُد، ضمن أجندات القوى الوطنيَّة كافة، ومن أوجب واجبات هذه القوى أن تطرح رؤيتها حولها من خلال الحملات التي ستصاحب العمليَّة الانتخابيَّة في أبريل القادم .. لو جرت!  

 

الثلاثاء

في إجابته على سؤال صحيفة (الشرق الأوسط) له حول دعوته لمحاربة المنهج (الوضعي) الذي يجيز (المعرفة) بإبعاد (العلم) عن (الدّين) و(الأخلاق)، وذلك من خلال كلمته أمام المؤتمر العام لـ (الوكالة الدوليَّة للطاقة الذريَّة) الذي انعقد بمقرها بفيينا، خلال سبتمبر المنصرم، أوضح البروفيسير إبراهيم أحمد عمر، نائب رئيس حزب المؤتمر الوطني ووزير العلوم والتقانة، أنه قصد أن يطلق دعوته تلك من فيينا التي شهدت بروز المدرسة (الوضعيَّة) بصورة قوية، وأخذت نتائجها تظهر في العاملين في مجال العلوم، ومنها الوكالة نفسها، فمن العاملين فيها من قد يدعو للفصام بين (العلم)، من جهة، وبين (الدّين) و(الأخلاق) من الجهة الأخرى (سودانايل عن "الشرق الأوسط"، 23/9/09).

وفي سياق مواز قال البروف عن حادثة تكفير الشيوعيّين السودانيّين، مؤخراً، بأن ثمَّة أصول للماركسيَّة اللينينيَّة لا تؤمن بـ (الدّين)، وبالتالي فإن من يقول إنه ماركسي لينيني لا يمكن أن يقول إنه يؤمن بـ (الدّين)! وهذه إشكالية حلها عند الشّيوعيّين أنفسهم؛ فإما أن يقولوا إننا نلتزم بالشّيوعية الماركسيَّة اللينينيَّة (المكتوبة في الكتب)، أو يأخذوا بنهج اشتراكي لا يناقض (الدّين)، وإلا فسيظل هذا السيف مسلطاً على رؤوسهم (المصدر نفسه).

حسناً! دعونا نتجاوز عن حكاية العاملين في (الوكالة)، والذين يرى البروفيسير أنهم لا بُدَّ قد تأثروا بالفلسفة (الوضعيَّة)، لا لسبب سوى أنها نشأت بفيينا، وأن (الوكالة) نفسها، والتي هي مقر عملهم، موجودة هناك (!) علماً بأن نفوذ هذه الفلسفة منداح بغير حدود في كلّ العالم، وفي الغرب الرأسمالي بالأخص، دون أن يكون لتواجد المرء، فيزيقيَّاً، في فيينا، أيُّ تأثير في ذلك! ولننفذ، مباشرة، لاختبار ذات المنهجيَّة المغلقة التي يتبعها البروف. فالوضعيَّة التي أنشأها، أوَّل أمرها، الفرنسي أوغست كونت، مطالع القرن التاسع عشر، وتطوَّرت في أخرياته وبدايات القرن العشرين، في مرحلة (الوضعيَّة الثانية) أو (مذهب نقد التجربة)، على أيدي السويسري إيفيناريوس والنمساوي ماخ، ثم خلال النصف الأوَّل من القرن العشرين، في مرحلة (الوضعيَّة الجديدة) أو (الوضعيَّة المنطقيَّة) أو (التجريبيَّة المنطقيَّة)، على أيدي أعضاء (حلقة فيينا) الذين أشار إليهم البروف، وفي ما بعد على أيدي برتراند راسل والكثير من علماء اللسانيات والرياضيات والفيزياء والمنطق وغيرها؛ هذه (الوضعيَّة) المعاصرة هي، في الحقيقة، الفلسفة الأكثر تأثيراً على حركة العلم والثقافة البرجوازيَّة في بلدان الغرب، حيث تقع في أساس كلّ الفلسفة الرأسماليَّة التي سعت لتجاوز (الدّين) على خلفيَّة الصراع القروسطي الأوروبي القديم، والذي كان قد دار، ردحاً من الزمن، بين (الإكليروس الكنسي) وبين (المجتمع المدني)، وأنتج مفاهيم (الحداثة) البرجوازيَّة بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، قبل أن يفضي، مع بداية القرن التاسع عشر، إلى ما عُرف بإطار المعرفة الإيجابيَّة (الوضعيَّة) التي لا (تؤمن)، عموماً، إلا بمخرجات (العلم) التجريبيَّة، وإن نحت، بآخرة، إلى الإعلاء من شأن (العقل) القادر، من وجهة نظرها، على إنتاج المحاكمات الواعية لمختلف الظاهرات وتعليلها، دونما حاجة للتعويل على تجربة الحواس، الأمر الذي انتقده كارل ماركس يشدّة.

وحركة الإسلام السّياسي الحاكمة في السودان، والتي يُعتبر البروف أحد أعمدتها التاريخيَّة، فكريَّاً وتنظيميَّاً، تنتهج طريق التطوُّر (الرأسمالي) القائم، (علميَّاً) و(أخلاقيَّاً)، على (اقتصاد السوق) و(غائيَّة الرّبح)، بإطارهما الفلسفي (الوضعي)، حتى شاع الفقر، وبلغت نسبة من يرزحون تحت خطه أكثر من 95%، بينما تعثرت، على مدى عشرين عاماً، كلُّ الخطى باتجاه (التكافل) الذي يشكل جوهراً أساسياً في (الدّين)!

والآن، كيف، تراه، ينظر البروف إلى (بضاعته) نفسها إذا رددناها إليه بحُجَّة أن ثمَّة أصول في (الرَّأسماليَّة) تأسَّست، تاريخيَّاً وفلسفيَّاً، على السَّعي لـ (تجاوز الدّين)، وبالتالي فإن من يقول إنه (رأسمالي) لا يمكن، وفق منطق البروف، أن يقول إنه يؤمن بـ (الدّين)! وهذه إشكالية حلها عند رأسماليّي حركة الإسلام السّياسي أنفسهم؛ فإما أن يقولوا إننا نلتزم بالرأسماليَّة (المكتوبة في الكتب)، أو يأخذوا بنهج (رأسمالي) لا يناقض (الدّين)، وإلا فسيظل هذا السَّيف مسلطاً على رؤوسهم؟!

 

الأربعاء

ينشع في صدور السودانيّين، هذه الأيَّام، شئ من عطر أكتوبر، ودعاش ذكراه الخامسة والأربعين، أعادها الله علينا وعليكم باليُمن والبركات. ومن تحت رماد الهزائم يحلو لصديقي محمد المكي إبراهيم أن يلمح، في كتيّبه الجديد الذي يُنتظر صدوره من دار (مدارك) الشهر القادم، "نور الأحلام الكبيرة التي حملتها أجيال السودانيين ممَّن عاصروا تلك الهبَّة الشَّعبيَّة الكبرى .. ثم مَن جاءوا بعدهم وعاشوا انتفاضة أبريل 1985م"، وأن ينظر إليهما معاً "كنهج ثوري متصل" لدى شعب يصبر حتى يظنَّ به مضطهدوه الاستكانة، لكنه ما يلبث أن يهبَّ، كما الإعصار، ليدكَّ معاقل المستبدّين، ويحقق، المرَّة تلو المرَّة، توقه الأبدي إلى الديمقراطيَّة والحريَّة، تشهد بذلك الدَّورات المتعاقبة، في تاريخ السودان، للانتقال الدائم من الصمت إلى الثورة، سواء في المهديَّة، أو في 1924م، أو في انتفاضة الدينكا ضدَّ الحكم البريطاني، أو في ملاحم الاستقلال.

الكتيّب تأليف رائق يمزج بين التأريخ والذكريات، بين عقلانيَّة التحليل وجيشان العاطفة. وسواء اتفقت مع آرائه وتحليلاته واستنتاجاته، أم اختلفت، فإنك واجد فيه من المتعة والفائدة الكثير، على الأقل من جهة الحفز على التفكير الجديد، وإجراء المراجعات اللازمة لأحد أهم أحداث حياتنا السياسيَّة والاجتماعيَّة. ويصنفه محمد المكي في ثمانية أقسام: أوَّلها (مرَّة أخرى أكتوبر 21)، وثانيها (من وقائع الثورة) بسبعة فصول جميعها بعنوان (أيَّام تدير الرَّأس!)، وقد كانت، حقاً، كذلك، وثالثها (بين أكتوبر وأبريل: فرق ما بين الخيبة والأمل!)، ورابعها بثلاثة فصول جميعها بعنوان (ماذا بقي من أكتوبر؟)، وخامسها (أكتوبر: هل من عودة؟)، وسادسها (في الأجواء رائحة عنبريَّة!)، أما سابعها فيفرده لسيرة رمز أكتوبري ماجد بعنوان (جعفر كرَّار: سيرة استقامة سياسيَّة)، وأما ثامنها فيخصّصه لملحق بأناشيده الأكتوبريَّة السّتة الأشهر: (الطلبة، الأربعاء، القرشي، الثورة، الانتصار، الشَّعب)، وقد سبق أن ضمَّنها ديوانه الأوَّل (أمَّتي)، ومن أجوائها: "وَيْلٌ لهُم من غضبة الحقّ الأنوف وثورة الشَّعب الجَّليلة/ ستظلُّ وقفتنا بخط النار رائعة طويلة/ سنعلمُ التاريخ ما معنى الصُّمود وما البُطولة/ سنذيقهُم جُرحاً بجُرح، ودماً بدم، والظلمُ ليلته قصيرة"!

الخميس

كانت ظروف قاهرة قد حالت دون حضوري الندوة الشهيرة التي نظمتها (طيبة برس) لصديقي عبد الله علي إبراهيم، نهار الحادي والثلاثين من ديسمبر الماضي، والتي أعلن، من خلالها، عن نيَّته الترشُّح لرئاسة الجمهوريَّة. لكنه هاتفني، بعدها، حول الأمر، ثمَّ أسعدنا بمجيئه، مساء نفس اليوم، هو وصديقي الآخر الياس فتح الرحمن، إلى بيت أسرتنا الصغيرة، ليشاركانا الاحتفال برأس السنة الميلاديَّة، واستقبال الأوَّل من يناير (عيد الاستقلال)، ممَّا أتاح لنا فسحة من الوقت تشقق فيها بيننا حديث ذو شجون، عرضنا، خلاله، لأمر ترشيحه لنفسه بحماس غامر، فما كلُّ يوم يخرج من بيوت غمار الناس في بلادنا مواطن نابه، دَعْ أديباً مبدعاً، ومثقفاً رفيعاً، ومعلماً فذاً، في قامة عبد الله، يأنس في نفسه الكفاءة كي يقول لكرسي رئاستها: هأنذا!

بعدها سافر الرَّجل إلى أمريكا، حيث أخلى طرفه من مهام التدريس في إحدى أرقى جامعاتها، ثم عاد، مؤخراً، لينهمك في إصدار موقعه الإليكتروني، وفي إعداد مركز حملته الانتخابيَّة بمربَّع/6 ـ امتداد ضاحية حلة كوكو. وعندما أكمل أعماله التحضيريَّة قرَّر افتتاحه مساء الأربعاء 21 أكتوبر 2009م.

بالخميس 15/10 شرع عبد الله في إجراءات الحصول على التصديق الخاص بذلك من شرطة شرق النيل، فوجَّهوه لمقابلة معتمد المحليَّة، أوَّلاً، لبدء الإجراءات من هناك، لكن ذلك لم يتيسَّر في نفس اليوم. ولما كانت الجمعة والسبت يومي العطلة الأسبوعيَّة فقد اضطرَّ لتسليم طلبه إلى المعتمد في بيته، بالسبت 17/10، كسباً للوقت! وبالأحد 18/10 حوَّله المعتمد إلى مكتب الأمن بشرق النيل، حيث قابل الضابط تاج الدين الذي استفسره حول بعض المسائل، ثمَّ وعده برفع الأمر إلى رئيسه وإخطاره بالنتيجة.

في اليوم التالي، الإثنين 19/10، تصادف أن أدلى اللواء محمد عطا، المدير العام لجهاز الأمن، بتصريح للصحف مفاده أن هذه الشئون ليست من اختصاص الجهاز، وإنما من اختصاص الشُّرطة، فما كان من عبد الله، بناءً على ذلك التصريح، إلا أن توجَّه، بالثلاثاء 20/10، إلى نقطة شرطة حلة كوكو التي أعادته، مجدَّداً، إلى شرطة شرق النيل، فوجَّهته إلى شرطة جنايات ولاية الخرطوم التي اتضح أنها، بالفعل، الجّهة المختصَّة، حيث لم يستغرق الأمر أكثر من ربع السَّاعة لإصدار التصديق المطلوب. لكنهم أبلغوه بأنهم لن يسلموه هذا التصديق، وإنما سيحوّلوه، بالشبكة، إلى شرطة شرق النيل. وعندما راجع الأخيرة، في نفس اليوم، وجد التصديق قد وصلهم فعلاً، فسلموه نسخة منه لأغراض الامداد الكهربائي لصيوان الاحتفال بساحة مربَّع/6، على أن يبعثوا بالتصديق إلى شرطة حلة كوكو.

في العاشرة من صباح يوم التدشين، الأربعاء 21 أكتوبر، كانت كلُّ العقبات، في ما يبدو ظاهرياً، قد ذللت، وكلُّ شئ يلوح، للوهلة الأولى، على أكمل وجه، فثمّة صيوان منصوب، وأرض معبَّدة، وكراسي منضَّدة، وكهرباء موصلة، ومايكروفونات جاهزة، وضيافة مُعدَّة، ورجال ونساء من مختلف الأجيال يتراكضون بين المركز والسَّاحة. في تلك اللحظات تلقى عبد الله اتصالاً من الضابط عمر الجَّعلي، مدير شرطة حلة كوكو، يخطره بأن ثمَّة إجراءات لا بُدَّ من استكمالها لدى مفوضيَّة الانتخابات، كما وأن هنالك (شويَّة) محاذير لا بُدَّ له من أن يجئ إليهم لمعرفتها والتقيُّد بها! قال عبد الله، بصبر شديد، ألا مانع، وتوجَّه لمقابلة الجَّعلي الذي تحدَّث إليه لبعض الوقت، ثمَّ اصطحبه لمقابلة الضابط سيف الدين، مدير شرطة شرق النيل، حيث كان معه ضابط شرطة آخر علم أنه متخصّص في شئون الانتخابات. وهناك دار بينه وبينهم نقاش مطوَّل حول قانون الانتخابات، ومفوَّضيَّة الانتخابات، وفاحت رائحة التراجع عن التصديق! وقد تلخَّصت حُجَّتهم في أنه لا يجوز لعبد الله أن يبدأ حملته الانتخابيَّة، بحسب القانون، قبل إعلان ترشيحه رسمياً، ولمدَّة ثلاثة أشهر، تنتهي بعدها الحملة ليبدأ التصويت. أما حُجَّة عبد الله فقد تلخَّصت في أنه يحتاج، بحسب القانون نفسه، لأن يحصد عشرة آلاف صوت من عشر ولايات كي يحق له أن يترشَّح! فكيف يمكنه ذلك إذا لم يقدّم نفسه للناس فيعرفوه ويرشّحوه؟!

في الواحدة بعد الظهر غادر عبد الله مكتب الضابط سيف الدين، مدير شرطة شرق النيل، دون أن يستطيع إقناعهم بشئ، وقفل عائداً إلى بيته، وهو في غاية الإنهاك! وما كادت تنقضي نصف ساعة بعد ذلك حتى اتصل به الضابط عمر الجَّعلي، مدير شرطة حلة كوكو، ليبلغه بأن (السُّلطات!) سحبت التصديق بناء على توجيه مفوَّضيَّة الانتخابات، وأنه يتوجَّب عليه، لمعالجة الأمر، أن يتوجَّه إلى هذه المفوَّضيَّة للحصول على موافقتها! ردَّ عبد الله بأنه لن يذهب إلى هناك، أوَّلاً لأن المفوَّضيَّة ليس لديها اختصاص عليه، من الناحية الرَّسميَّة، حتى الآن؛ وثانياً لأن موعد الاحتفال قد اقترب، وأن لديه تصديق رسمي به، وأنه سيفعل ما يليه، وأنهم أحرار في أن يفعلوا ما يليهم!

غير أن عبد الله عاد يراجع مكتب الأمن، حيث أكد له الضابط تاج الدين أنهم، من جانبهم، أرسلوا التصديق إلى المحليَّة. لكنه بمراجعته للمحليَّة أفادوه بأنهم لم يستلموا هذا التصديق! فرجع، مرَّة أخرى، إلى الضابط تاج الدين الذي طمأنه بأن "ما في مشكلة"! طلب أن يسلموه مكتوباً في هذا المعنى، فشدَّد تاج الدين على أنه "ما في مشكلة يا عبد الله  لأننا على علم بالموضوع، وهو مفهوم لدينا"!

أجرى عبد الله اتصالاً بعبد الباسط سبدرات، وزير العدل النائب العام، الذي نصحه بالاتصال بمفوضيَّة الانتخابات. ولعلمه بانعدام ولاية هذه المفوَّضيَّة عليه في هذه المرحلة، تردَّد عبد الله في قبول هذا النصح أوَّل الأمر. لكنه، وسط تلك الأجواء المرتبكة، لم يجد مناصاً من أن يجرّب .. عسى بل لعلَّ! وهكذا توجَّه إلى السيّد جلال محمد احمد، الأمين العام للمفوَّضيَّة، والذي حوَّله، بدوره، إلى اللواء الحردلو، عضو المفوَّضيَّة، والذي قال له ما كان يتوقع، أصلاً، أن يسمعه منه: "نحن، حتى الآن، ليست لدينا أدنى صلة بهذا الأمر، ولن نكون طرفاً فيه إلى أن تبدأ المواقيت الرَّسميَّة للعمليَّة الانتخابيَّة"! غير أن جلالاً أضاف إضافة ذات مغزى، قائلاً: "ومع ذلك فإننا نشجّع مثل هذا النوع من النشاط، رغم أنه مبكر، لكونه يساعد على خلق الوعي الانتخابي"! وبهذا عاد عبد الله إلى البيت في تمام الثالثة بعد الظهر.

وعندما كانت عقارب الساعة تقترب من السابعة والنصف كان الناس، الأهل، والأصدقاء، والمعارف، والصحفيُّون، وسكان المنطقة والمناطق المجاورة، فضلاً عن نشطاء الحملة، وخطبائها، وموسيقييها قد بدأوا يتقاطرون صوب السَّاحة. لكن، في نفس الوقت، جاء ضابط من مباحث المحليَّة، وطلب أن يرى التصديق، فأبرزه له عبد الله، قائلاً له بكلّ هدوء: "هذا مستند رسمي، فإن أردتم إلغاءه، فاكتبوا لي ذلك على هامشه"! غير أن الضابط انصرف دون أن يفعل!

بعدها بقليل بدأ المشهد يتخذ شكلاً أكثر دراماتيكيَّة؛ حيث وصل، فجأة، الضابط عمر الجَّعلي، مدير شرطة حلة كوكو، ليبلغ عبد الله بأنه ليس لديه تصديق، فأجابه عبد الله بأن لديه تصديق، وزاد بأن أبرزه له، طالباً ذات طلبه السابق: "إذا أردتم إلغاءه، فاكتبوا لي ذلك على هامشه"! لكن الضابط الجَّعلي لم يفعل، وإنما اكتفى بتوجيه تحذير صارم إلى عبد الله بأنهم سيتعاملون مع الاحتفال، حال الإصرار على إقامته، كنشاط غير قانوني! وفي نفس تلك اللحظات ظهرت في الموقع عربتا ميتسوبيشي محمَّلتان بعناصر من الشرطة في أكمل أهبتهم!

كانت رسالة المشهد واضحة بما يكفي لأن يُجري عبد الله مشاورات سريعة مع طاقم معاونيه، إنتهت بأن فتح المايكروفون وأبلغ الجمهور بالحاصل، على عجل، ثمَّ دلف إلى داخل مركزه، ليذبح خروف التدشين، ويعقد مؤتمراً صحفياً يروى فيه وقائع ما جرى، قائلاً: "لقد ألغي حفلي في وقت تمتلئ فيه الصُّحف بأخبار حملات انتخابيَّة أخرى!" (الشرق الأوسط، 23/10،09)؛ ثمَّ يختم حديثه بقوله: "إن التحوُّل الديموقراطي عمليَّة صعبة وشاقة .. أنا ما زعلان وما متشائم! فمنذ الخميس الماضي أنا ملتزم بالإجراءات القانونيَّة. إن الذي نواجهه هو عشرون عاماً من الانفراد بالرأي، وسنلاقي الكثير من المشقة .. إلا أنني وبعد انجلاء الموقف سأقاضي السلطات، ولا أريد أن أكون بطل المناسبات المجهضة!" (الأحداث، 22/10/09).

 

الجمعة

أفهم أن حزب المؤتمر الوطني هو الحزب الحاكم؛ والسياسات التي تتولى الحكومة تنفيذها هي، بطبيعة الحال، سياسات الحزب الحاكم؛ ومن يتولون عبء تنفيذها هم، بالأساس، كوادر وأعضاء الحزب الحاكم؛

وأفهم، بهذا المنطق، أن أهمَّ ما يهمُّ الحزب الحاكم ليس فقط رسم السّياسات، بل وخلق التجانس والانسجام ، تنظيميَّاً وفكريَّاً، بين هؤلاء الكوادر والأعضاء، لضمان يصيب تنفيذها أكبر قدر من النجاح؛

وأفهم أن عبد الحليم المتعافي، والي الخرطوم السابق ووزير الزراعة الحالي، وكمال علي، وزير الرَّي، وغريق كمبال، نائب رئيس اتحاد مزارعي السودان، ثلاثتهم كوادر وأعضاء في الحزب الحاكم، أي ممَّن يعوَّل عليهم في تنفيذ سياساته بنجاح؛

لكن ما لا أستطيع فهمه، لهذا السَّبب بالذات، أن تتصادم مواقفهم بشأن قضيَّة يفترض أنها تقع في صلب سياسات الحزب الحاكم، وهي قضيَّة الأمن الغذائي!

ففي بيانه أمام المجلس الوطني، بالثلاثاء الماضية، وتأكيداً على الخطر الذي قرع ناقوسه بعض النوَّاب حول بروز مؤشرات لـ (مجاعة!) في عدد من مناطق السودان، حذر المتعافي من (فجوة غذائيَّة!) ستواجه البلاد، بالفعل، العام المقبل، بل ويتوقع حدوثها، جزئيَّاً، خلال ما تبقى من العام الجاري، بفعل انخفاض إنتاجيَّة هذا الموسم، في القطاع المطري، لضعف هطول الأمطار، وتأثر خطة الموسم الصَّيفي في المشاريع المرويَّة الكبري "بمشاكل الري وتجهيزات الصّيانة"! أما الحلُّ الذي لوَّح به فهو أن تفتح وزارته الباب أمام (التجار) لـ (استيراد) الحبوب من الخارج!

وعلى حين أمَّن كمال علي، من جانبه، على "النقص الكبير في إيرادات المياه"، عزا الأمر إلى "قلة معدَّلات الأمطار في الأحواض المغذية لروافد النيل". لكنه، وفي إشارة إلى حديث المتعافي عن "مشاكل الري وتجهيزات الصّيانة"، شدَّد على أن وزارته "أوفت باحتياجات الري"، نافياً وجود "مساحات تذكر متأثرة بالعطش بمشاريع حلفا والرَّهد والسُّوكي"، وإن أكد وجود مثل هذه المساحات في مشروع الجزيرة، مُرجعاً السَّبب إلى "عدم الانضباط بنظام الري، وتجاوز المساحات المتفق عليها بأكثر من 30%، بجانب مشكلات الإطماء".

أما كمبال، فرغم أنه أقرَّ، من جانب ثالث، بأن العمليَّة الزراعيَّة واجهت (بعض!) المشكلات في النيل الأبيض وسنار ودارفور، إلا أنه أكد على أن ذلك "لا يعنى وجود فجوة غذائية بالبلاد!"، واصفاً حديث المتعافي بأنه "غير موضوعي!"، وأنه "حديث (جهات) غير مختصَّة بالجوانب الزراعيَّة!"، خاصَّة وأن "الزراعة التقليديَّة غطت على الفجوة في المحاصيل الأخرى، وأن الموسم لم ينته، بعد، وموسم الحصاد لم يبدأ، وبالتالي لم يحن أوان الحديث عن نقص في الغذاء!" (الرأي العام، 21/10/09).

وبعد، أفليس من المستغرب أن تصدر مثل هذه البيانات المتناقضة من كوادر حزب لم يمض على عقد مؤتمره العام سوى أيَّام قلائل؟! فإنْ لم يكن قد ناقش وتوحَّد على مثل هذه القضايا ذات الأهميَّة الاستثنائيَّة بالنسبة لحياة الشَّعب، فما الذي ناقش، إذن، وعلى ماذا توحَّد، علماً بأن لافتات مؤتمره ما تزال تملأ الشوارع: (حزب قائد .. لوطن رائد)؟!

 

السبت

من خلال التحقيق الجرئ الذي اختار له عنواناً قصد أن يكون مستفزّاً إلى أقصى حدّ، وهو (قصم ظهر الدُّستور: أكتب بالعربيَّة .. أو لا تكتب!)، ألقى الصَّحفي المستنير محمد غلامابي حزمة كثيفة من الضوء على قضيَّة في غاية الخطورة، وهي (تعليمات) مجلس المصنفات الفنيَّة والأدبيَّة للمبدعين بأن تكون نصوصهم مكتوبة باللغة العربيَّة، كشرط لإجازتها (الأخبار، 17/10/09).

غلامابي جعل خلفيَّة تحقيقه الدَّعوة الغاضبة التي كان أطلقها الشَّاعر الموسيقار المُغني أبو ذر عبد الباقي لإلغاء لجنة النصوص بالمجلس، كونها نصَّبت نفسها قيّمة على تراث الشَّعب ومنجزات مبدعيه، تكبلها بشروطها القاسية، بدلاً من حفظها وتشجيعها؛ إضافة لملاحظات الكاتب اللمَّاح أتيم سايمون الذي استنكر رفض المجلس إجازة أيّ نصّ ما لم يكن مكتوباً بالعربيَّة! وخلص التحقيق إلى أن المجلس، بـ (فعلته) هذه، قد "قصم ظهر الدُّستور"!

في، أو حوالي، نفس تاريخ نشر التحقيق، كانت (الأخبار) قد درجت على الإعلان، في رأس صفحتها الأخيرة، عن حملتها التي أطلقتها لدعم مجانيَّة التعليم كحقّ يكفله الدُّستور، وحماية التلاميذ من الطرد بسبب الرسوم كانتهاك ينبغي التبليغ عن مرتكبه. لكن الصحيفة أجفلت فرَقاً، فأوقفت الحملة، عند أوَّل (هَرْشَة) من معلم هُمام رأى فيها تشهيراً بقبيله، رغم أنها لم تستهدفهم كشريحة اجتماعيَّة، كما ولم تستهدف معلماً بعينه.

كم وددت لو أن (الأخبار) لم تتراجع عن حملتها، بل ووسَّعتها لتشمل كلَّ "قاصمي ظهر الدُّستور"، بما في ذلك من يفرضون الاقتصار، في القضاء ومجلس المصنفات وغيرهما، على استخدام اللغة العربيَّة وحدها، تمييزاً سلبيَّاً لها ضدَّ سائر اللغات السودانيَّة والأجنبيَّة الأخرى بالمخالفة لما تنصُّ عليه اتفاقيَّة السَّلام والدُّستور الانتقالي!

 

الأحد

أثناء مناقشة ساخنة انفجرت داخل لجنة (الوحدة والانفصال)، ضمن أعمال (مؤتمر جوبا)، أواخر سبتمبر الماضي، تعمَّد بعض (الانفصاليّين الجنوبيّين)، وبأسلوب ممعن في الغوغائيَّة والهمجيَّة، مقاطعة حديثي الذي لم (تعجبهم) صراحته، مستغلين (مسكنة) رئيس الاجتماع، وربَّما ضعف شخصيَّته، فلم أجد بُدَّاً من الانسحاب مغاضباً!

في المطعم لمحت منصور خالد وياسر عرمان ورشا عوض وفائز السليك وآخرين يتناولون غداءهم. صببت لنفسي كوباً من القهوة، وانضممت إليهم، فاستقبلوني برقة، محاولين أن يبدّدوا غضبتي بقفشاتهم اللطيفة، حيث بدا لي أنهم كانوا قد وقفوا على المشكلة، ربَّما عبر الفاصل الزجاجي بين المطعم وموقع لجنتنا، أو عن طريق الأخ ين ماثيو الذي تابع المشهد بنفسه قلقاً.

في الأثناء تحدَّثت، بحرارة، عن شعوري، أكثر من أيّ وقت مضى، بأهميَّة بذل جهد أكبر لحثّ (الوحدويّين)، جنوبيّين وشماليّين، على بلورة تيار باتع يولي قضيَّة (الوحدة) مزيداً من العناية. فما كان من منصور إلا أن أشعل سيجارة جذب منها نفساً عميقاً، ثمَّ نفثه، قبل أن يعلق قائلاً:

ـ "والله يا كمال يا خوي ده كلام كويس جداً، لكنني شخصياً لا أملك لك إلا ما قال الملك فاروق لمحمد نجيب"!

نظرت إليه متسائلاً، فأجابني ضاحكاً:

ـ "لمَّا توسَّطت باخرته عرض البحر، متجهاً إلى المنفى، بعث إليه ببرقيَّة يقول له فيها: سأظلُّ أدعو لك الله بالتوفيق"!

فانفجرنا، أجمعين، بضحك مجلجل!