(1)
قبل حوالي ساعة من رفع آذان مغرب الحادي والعشرين من رمضان 1435 هـ، الموافق التاسع عشر من يوليو 2014م، تعرَّض الأستاذ عثمان مرغني، رئيس تحرير صحيفة "التيَّار" السُّودانيَّة الغرَّاء، لاعتداء غاشم آثم، إذ اجتاح مقرَّ صحيفته، بوسط الخرطوم، قرابة العشرين مسلحاً في ملابس مدنيَّة، كاشفي الوجوه، سوى ملثم واحد، قفزوا، أجمعهم، من سيَّارتي دفع رباعي "تاتشر" لا يُعرف من أيِّ جحيم جاءتا، فوقف عشرة منهم يحرسون المدخل، وأجبر ثلاثة آخرون العاملين، تحت تهديد السِّلاح، على تسليمهم هواتفهم وحواسيبهم المحمولة، بينما اقتحم السَّبعة الباقون مكتب الأستاذ عثمان، لينهالوا عليه، بلا أيِّ مقدِّمات، ضرباً مبرحاً بالسِّيخ، والهراوات، وكعوب الرَّشاشات، والخراطيش البلاستيكيَّة، حتى سقط على الأرض مغشيَّاً عليه، مضرَّجاً بدمه، ثمَّ حطموا أثاث مكتبه، ونهبوا بعض ممتلكاته. وقبل أن يلوذوا بالفرار سدَّد أحدهم ضربة بكعب رشاشه، هي الأخطر، إلى عين عثمان اليسرى التي يخشى الأطباء الآن أنها قد تكون أصيبت بضرر دائم؛ وفي الأثناء سأله آخر بلهوجة وفظاظة عن مفاتيح بعض الأدراج، غير أنه هرول ليلحق بزملائه الفارِّين دون حتى أن ينتظر الإجابة، ربَّما لإحساس داهم بخطر ما، أو بأن الزَّمن المخصَّص للعمليَّة قد تمَّ تجاوزه؛ غير أن عثمان أبلغ المحققين، في ما بعد، بأنه يعرف الجهة التي ينتمي إليها الجُّناة، وأن باستطاعته التعرُّف عليهم في أيِّ طابور شخصيَّة!      

(2)
لم يكن مستغرباً ألا تقتصر ردود الفعل الغاضبة، إزاء الحادثة، على زملاء المهنة وحدها، أو رفقاء الانتماء السِّياسي والفكري فحسب؛ وإنما تفجَّر الغضب، فور ذيوع الخبر، من جميع الناس، بمحض الفطرة السَّليمة، ومن شتى المواقع، والمهن، والاتجاهات، والانتماءات، رغم أن أكثرهم قد يختلفون، سياسيَّاً وفكريَّاً، مع عثمان. لكن الذي كان مدعاة للاستغراب، حقاً، هو موقف بعض الجِّهات، كالسَّيِّدة سامية احمد محمد، نائبة رئيس المجلس الوطني "البرلمان" التي ضمَّنت تصريحاتها في هذا الشَّأن ثلاث مسائل غاية في الحساسيَّة، لكن، للعجب، دون أدنى حساسيَّة!
في المسألة الأولى، ورغم دعوتها لأن "يأخذ القانون مجراه"، استبقت السَّيِّدة سامية الشُّرطة، والنيابة، والقضاء، جميعاً، بنقدها لما أسمته "تلكؤ اتحاد الصَّحفيين في محاسبة الأستاذ عثمان الذي استفزَّ الأمَّة السُّودانيَّة"، على حدِّ تعبيرها (أخبار اليوم؛ 21 يوليو 2014م)، غامزة من طرف إلى ما كان الرَّجل قد أعلن، مؤخَّراً، عبر برنامج تلفزيوني، من تقدير لبعض "الإيجابيَّات" التي لمسها في السِّياسة الإسرائيليَّة، ومبرِّرة، من ثمَّ، مسلك المجموعة المعتدية بأن "أيَّ إنسان (حُر) سيثور عندما يسمع رأياً يتغزَّل في إسرائيل!" (الإنتباهة؛ 21 يوليو 2014م).
مهما يكن من أمر، وسواء صحَّ أن ذلك كان هو الدَّافع للجَّريمة، أو أن الدَّافع شئ آخر، فقد كشفت نائبة رئيس السُّلطة التشريعيَّة أن "الحريَّة"، في شرعتها، هي قرينة أخذ القانون في اليد!
هكذا، بمثل هذه الخفَّة، وهذا الخلط المريع بين "السِّياسة" و"الجَّريمة"، لم تكتف السَّيِّدة سامية بإصدار "حكمها" بـ "إدانة" الضَّحيَّة، و"براءة" الجَّاني، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بأن أسبغت على الجَّاني صفة "الإنسان الحُر"! وليس مهمَّاً، بعد هذا، "استعجالها الأجهزة الأمنيَّة بكشفه، وتقديمه للمحاكمة" (المصدر نفسه)، فتلك محض مضمضة لفظيَّة لا تقدِّم ولا تؤخِّر!  
أما في المسألة الثانية، فقد كانت المفارقة أوخم، حيث لم ترَ السَّيِّدة سامية، أصلاً، أيَّ "سلوك إجرامي" في "التآمر الجَّنائي" لأولئك الجُّناة، أو تنظيم أنفسهم كـ "عصابة"، أو تسلحهم بـ "السِّيخ"، و"الهراوات"، و"الرَّشاشات"، و"الخراطيش"، أو "اقتحامهم" دار الصحيفة عنوة، أو "احتجازهم غير المشروع" للعاملين، أو "إتلاف" حواسيب الصَّحفيين وهواتفهم النقالة، أو "ضربهم" المبرح لعثمان، وهو أعزل، حتى أغمي عليه، وغرق في دمه، أو "تحطيمهم" لأثاث مكتبه، أو "نهبهم المسلح" لممتلكاته، قبل لواذهم بالفرار!
كلُّ تلك الأفعال، دَعْ انتهاك حقِّ التعبير وحريَّة التفكير، لم تشكل "جريمة" بالنسبة لنائبة رئيس السُّلطة التشريعيَّة، وإنَّما "الجريمة" الوحيدة التي ارتكبها أولئك الجُّناة، من زاوية نظرها، هي أنهم كانوا "ملثمين"! فبدون ذلك "التلثُّم" لم يكن "سلوكهم" لينطوي على أيَّة "جريمة"، لكن "تلثُّمهم هو الذي (نقل) ما نفذوه إلى (خانة) السُّلوك الإجرامي" (المصدر نفسه)؛ فتأمَّل!           

(3)
تتبقى ثالثة الأثافي بالنسبة لتقديرات السَّيدة سامية، حيث وصفت الحادثة بالغريبة على "السُّلوك السُّوداني" (أخبار اليوم؛ 21 يوليو 2014م) مِمَّا لا يعدو كونه، في أفضل الأحوال، محض مغالطة في تاريخ ماثل. فهذا السنخ من الحوادث بات، للأسف، معتاداً، خلال العقدين الماضيين، وبأشكال غير مسبوقة على صعيد القسوة، وغلظة الكبد، والمباغتة الغادرة، والتخفِّي الجَّبان، انعكاساً لأوضاع مختلة على الصَّعيد الاقتصادي السِّياسي، والاجتماعي الثقافي، بينمَّا ظلت الدَّولة تتعاطى معها باستهانة مريبة، رغم أن خطرها لم يقتصر على الأفراد، وإنما تجاوزهم ليطال جماعات وتنظيمات بأكملها. فقد صدرت، مثلاً، في  مايو 2003م، فتوى تكفِّر، وتهدر دماء مفكرين، وكتاب، وأكاديميين، وصحفيين، وسياسيين، وقضاة، ومحامين، بأسمائهم، داعية إلي قتلهم مقابل عشرة مليون جنيهاً للرَّأس! ولمَّا لم تحرِّك الدَّولة ساكناً إزاء ذلك، تجرَّأ قادة تنظيمات متطرِّفة، وبعضهم متنفذ في السُّلطة، وأصدروا، في الرابع من يونيو 2003م، فتوى كفَّروا من خلالها "الجَّبهة الدِّيموقراطيَّة للطلاب"، وبالجُّملة جميع "أحزاب ومعتنقي الدِّيموقراطيَّة، والاشتراكيَّة، والموالين للنصاري" .. كذا!
وكان عقد التسعينات من القرن المنصرم قد شهد بوادر التصعيد غير المسبوق لثقافة العنف، مِمَّا نجمت عنه اغتيالات مشهودة في بعض "مساجد!" ولاية الخرطوم، كمسجدي "الجرَّافة" و"أنصار السُّنة" بأم درمان، ومساجد مدن أخرى كود مدني؛ مثلما شهدت ذات الفترة اغتيال الفنان المُغنِّي خوجلي عثمان؛ ومحاولة اغتيال الفنان المُغنِّي عبد القادر سالم؛ قبل أن يقع، بعد سنوات طوال من ذلك، لكن تحت نفس مناخ العنف المتفاقم، اغتيال الصَّحفي محمَّد طه محمَّد احمد في السَّادس من سبتمبر 2006م؛ وغافل، بلا شك، من يتوهَّم أن الاعتداء البشع الذي استهدف الأستاذ عثمان مرغني، مؤخَّراً، وقع خارج ذلك السِّياق!
لقد ظلَّ هذا السُّلوك الإجرامي ينطلق، تحت سمع وبصر السُّلطة الحاكمة، إما من منصَّات "التكفير" الذي يتلبس المواقف الدِّينيَّة، كما في حالة خوجلي عثمان، أو من مواقع "الأحكام" الصَّادرة خارج "القضاء"، كما في حالة محمد طه سابقاً، ورُبَّما عثمان مرغني حاليَّاً. ومن ثمَّ حقَّ تحذيرنا لنائبة رئيس السُّلطة التشريعيَّة من خطورة إسهامها في إطلاق مثل هذه "الأحكام" ضغثاً على إبالة!
لكن، لئن أصابت هذه الجَّرائم هدفها، للأسف، في حالتي خوجلي وطه القديمتين، وحالة عثمان مرغني الحديثة، فإن تنكبها الهدف المراد في حالات أخرى لا يعني إخفاقها، بالمطلق، إذ نجح، على الأقل، ضمن عوامل أخرى بطبيعة الحال، في وضع المجتمع بأسره رهن حالة دائمة من القلق، والتوتُّر، والترقب، والشَّدِّ العصبي، والميل إلى العنف، الأمر الذي يُلاحَظ، الآن، في ما أضحت تتناقله الصُّحف، مع إشراق صبح كلِّ يوم جديد، من تصاعد في معدَّلات الجَّريمة التي تتَّسم بالمبالغة في القسوة والعنف! وما من شكِّ في أن مسؤوليَّة التَّصدي لهذه الظواهر إنما تقع، في المقام الأوَّل، على عاتق الدَّولة، إلا إذا آثرت الاستمرار في "التلكؤ" إزائها، فعليها، في هذه الحالة، أن تأذن بتوالي نماذجها، نموذجاً في إثر نموذج، بالغاً ما بلغ تباعد المسافات الزمنيَّة بينها!

(4)
مهما يكن من أمر، وبصرف النظر عن القنطار من سوء الحظ الذي جعل برنامجاً تليفزيونيَّاً تمَّ تسجيله قبل العدوان الإسرائيلي الهمجي الأخير على الشَّعب الفلسطيني لا يُبثَّ إلا بالتزامن معه، حسب ما أوضح الأستاذ عثمان نفسه لاحقاً، وبصرف النظر، أيضاً، عن الاختلاف مع الأستاذ عثمان في رأيه، بل بصرف النظر عن مفارقة رأيه هذا لكلِّ ما عُرف عن السُّودانيين من كراهيَّة متوارثة لدولة الكيان الصُّهيوني، إلا أننا نكرِّر التشديد على أنه ما من شئ، مع ذلك كله، يمكن أن "يُشَرْعِن" أخذ القانون في اليد، أو "يبرِّر" لأيَّة جهة أن تصدر حكمها، وتنفذه، ضدَّ من تقدِّر أنه مذنب، دون حتى أن تتيح له فرصة الدفاع عن نفسه، أو توضيح موقفه؛ دَعْ أن يضحى هذا الاعتداء مركَّباً، بأن تكون الضحيَّة هي الحريَّات الصحفيَّة ذاتها، ويكون الجَّاني مدعوماً من قيادة السُّلطة التشريعيَّة في البلاد!

***      





عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////