(1)
خلال اجتماعات "لجنة خبراء مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان" بجنيف، في التاسع من الشَّهر المنصرم (يوليو 2014م)، تعيَّن على تقرير حكومي سوداني أن ينازل تقرير "الخبير المستقل" التابع للمجلس حول أوضاع هذه الحقوق في البلاد، تمهيداً لتقديم التقريرين إلى الجَّلسة العامَّة لهذا المجلس في سبتمبر القادم.
"قلقُ" اللجنة انصبَّ، بالأساس، على تنافر القوانين السُّودانيَّة مع "القانون الدَّولي لحقوق الإنسان"، خصوصاً في ما يتصل بـ "التعذيب" الذي لاحظت اللجنة خلوَّ هذه القوانين من أيِّ تعريف واضح له، مِمَّا جعل من الصَّعب تقدير مدى الاتساق. ومع أن التقرير السُّوداني ذهب، في البداية، إلى إنكار أيِّ انتهاك لـ "حقوق الإنسان" في البلاد، رامياً الحالات التي تأسَّس عليها نقد الخبراء بالـ "فبركة"، عاد ليقطع، من جهة، في مفارقة تبريريَّة مرتبكة، وغامضة، بل وغير مفهومة البتَّة، بـ "عدم إمكانيَّة وضع الشَّريعة والدِّين في سلة واحدة!"، أو كما قال (يو إن وتش؛ 11/7/2014)؛ وليدغمس، من جهة أخرى، ضرباً من "التديُّن" يتعارض فيه "العهد الدَّولي للحقوق المدنيَّة والسِّياسيَّة" مع "الدِّين"!
عموماً، وإزاء حالات الانتهاك التي وُصفت بأنها "موثقة جيِّداً"، أخفق التقرير في تبييض وجه الحكومة، حيث انتهج طريقاً مستحيلاً بين تأكيده على "التزامها بالمواثيق الدَّوليَّة"، وبين ارتداده إلى لهجة تبريريَّة تحيل إلى "ظروف وتحدِّيات معقدة تواجهها"، ما حدا باللجنة لاعتبار أن "حقوق الإنسان" في البلاد لم ترتق، بعد، إلي المستوي المطلوب، إذ ما يزال ينقصها الكثير (المصدر السَّابق ـ وسودان تريبيون؛ 12 يوليو 2014م).
هكذا أدانت اللجنة الحكومة، في 24 يوليو 2014م، بالفشل في حماية الحقوق المدنيَّة والسِّياسيَّة، حيث أن قوانينها وممارساتها، خصوصاً على صعيد "التعذيب"، وإساءة معاملة السُّجناء، وانتزاع الاعترافات في مراكز الاعتقال السِّرِّيَّة، تتصادم، بصورة مباشرة، مع "العهد الدَّولـي للحقوق المدنيَّة والسِّياسيَّة"، مِمَّا عزته اللجنة، عن حقٍّ، لا إلى "الدِّين"، بل إلى "تأويلات" النظام الخاطئة لـ "الدِّين" (http://www.ohchr.org).

(2)
نبَّه مفكرون كثر إلى أن "الدِّين"، من حيث هو نصٌّ مرجعي وموقفٌ أخلاقي، يُمثل مصدراً مهمَّاً للإلهام بـ "حقوق الإنسان" في مستوى "الثقافة"؛ وأخذوا، من ثمَّ، على أنصار المذهب الإنساني تركهم "الدِّين" للتفسيرات المعادية لكرامة الإنسان، كما انتقدوا صائغي "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948م"، كونهم لم ينتبهوا، مثلاً، لحقيقة أن المادة الأولى فيه، والتي تشير إلى "ولادة البشر أحراراً"، تكاد تتطابق، معنى ومبنى، مع نصِّ الاستنكار العُمَري: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"، مِمَّا هو جدير بالتوثيق التاريخي (محمد السَّيِّد سعيد؛ "قضيَّة الحوار مع الحركات ذات الإسناد الديني"، ضمن "رواق عربى"، ع/1998/9م، ص 19 ـ 20).
من ثمَّ فإن أيَّة مقاربة لتحريم "التعذيب" في الإسلام لا تكون بغير مقاربة الإعلاء القرآني من "حقوق الإنسان"، وهذه، بدورها، لا تكون بغير مقاربة المفهوم القرآني لـ "الإنسان" نفسه. وتكشف أوثق قراءة مفهوميَّة لوضـعيَّة هـذا المخلوق فـي سـياق الخـطاب القـرآني عن تأسيسها على ثلاث شُعَب من "التكريم" بـ "العقل + الأمانة + الاستخلاف"، فضلاً عن "الفطرة السَّليمة" التي تشمل المسلم وغير المسلم. إنها، بعبارة أخرى، وضعيَّة المسئوليَّة المؤسَّسة على "حريَّة الاختيار الإنساني"، والتي يمكن أن نستخلص منها جوهر الموقف القرآني من "الحُرمة من التعذيب"، كحق أصيل من "حقوق الإنسان"، قبل أن ننفذ إلى الوجه المخصوص الواردة به في القرآن.

(3)
"التعذيب" اشتقاق حديث يقابله في مصطلحات العصور الإسلاميَّة القديمة "العذاب" و"البسط" و"المُثلة"؛ الأوَّلان بدلالة إيلام الأسير بغرض الانتقام، أو إيلام المتهم بغرض الحصول منه على اعتراف ما، أما "المُثلة" فهي تشويه الشخص حياً أو ميتاً (هادى العلوي؛ الأعمال الكاملة 3 ـ من تاريخ التعذيب فى الاسلام، ط 4، دار المدى 2004م، ص 7). ويرد مصطلح "العذاب" في سياق الخطاب القرآني، كوصف لعقاب أهل النار في الآخرة. أما "التعذيب" فمصطلح دنيوي دال على إحدى أهمِّ آليَّات القمع للحيلولة دون وصول المنتجين إلى السُّلطة، وتوفير الرَّادع الذي يمنع من تحوُّل المقت للأنظمة المعزولة عن شعوبها إلى تحرُّك جدِّي يهدِّد سلطتها (المصدر، ص 8).
و"التعذيب" يُنتج "الإكراه"، أي "حمل" الغير على أمر "لا يرضونه". وهو من "الكراهيَّة" التي تنافي "الحُبَّ". ولذا تقاطعت "الكراهيَّة" و"الحُبُّ" في قوله تعالى: "وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم، وعسى أن تحبُّوا شيئاً وهو شرٌ لكم" (216؛ البقرة). وعرَّفه السَّرخسي في "المبسوط" بأنه "فعل يفعله الإنسان بغيره فينتفى به رضاه أو يزول به اختياره" (ضمن وهبة الزحيلي؛ الفقه الإسلامي وأدلته، ج 5، ط 1، 1984م، ص 386 ـ 387).
و"الإكراه" نوعان: مُلجئ كامل، وغير ملجئ أو قاصر. فالأوَّل يُعدم الرِّضا ويفسد الاختيار، كونه لا يترك للشَّخص أيَّة قدرة، كالتهديد بإتلاف النفس، أو أيٍّ عضو. أمَّا الثاني فيُعدم الرِّضا، وإن كان لا يُفسد الاختيار، كالتهديد بما لا يتلف النفس أو العضو، مثل التخويف بالحبس، أو إتلاف المال، أو الضَّرب اليسير (بدائع الصنائع ، ص 175 ـ وتكملة فتح القدير ، ص 292 وما بعدها).
وقد ورد "التعذيب" النافي لـ "الاختيار"، بصورة مخصوصة، في القرآن، والحديث، وفهوم وأعمال الصَّحابة، بحيث يُعتبر "الاختيار" شرطاً أساسيَّاً لصِحَّة "الاعتراف" من زاوية النظر الشَّـرعيَّة والأخـلاقيُّة. ففي حين حضَّ الله المؤمنين على قـول الحـقِّ ولـو عـلى النفـس: "كونوا قوَّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم" (135؛ النساء)، استثنى ظرف "الإكراه" كمبرِّر حتى للمجاهرة بالكفر نفسه: "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من (أكره) وقلبه مطمئن بالإيمان" (106؛ النحل).
ومناسبة التنزيل، حسب ابن كثير، أن عمَّاراً بن ياسر كان قد أرغم تحت "التعذيب"، ووالداه "يعذَّبان" أمامه، على أن يسبَّ النبي (ص)، ففعل. ثمَّ لمَّا جاء إلى مجلس النبي محزوناً، وقال له: "أكرهوني على أن أنال منك"، سأله النبي: "وكيف تجد قلبك"؟ فأجاب: "مطـمـئـن بالإيـمـان"، فقـال لـه: "لا تثريـب عليـك، إن عـادوا فعُـد، لا يكـلف الله نفساً إلا وسعها" (رواه البيهقي وأبو نعيم وعبد الرازق وابن راهويه).
أمَّا الحديث الآخر: "رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما (استُكرهوا) عليه"، فهو، وإن لم يصِح سنده، إلا أن معناه صحيح باتفاق العلماء (السَّيِّد سابق؛ فقه السنة، ج 3، ط 1990م، ص 404 ـ 405).
ويندرج ضمن هذه الشَّواهد إجماع الصَّحابة وأقضيتهم ، مِمَّا رتب لفقه قال عنه ابن حزم إنه لا يُعرف له منهم مخالف (المصدر، ص 403)؛ ومن ذلك أن عمر (رض) قال: "ليس الرَّجل بمأمون على نفسه إن أجعته أو أخفته أو حبسته أن يُقرَّ على نفسه" (أبو يوسف؛ كتاب الخراج، ط 1302 هـ، ص 175)؛ وأنه جئ إليه برجل أقرَّ بالسَّرقة، فقال ما أرى يد الرجل بيد سارق، فقال الرَّجل: "والله ما أنا بسارق، ولكنهم تهدَّدوني"، فلم يُقِم عليه عمر الحدَّ، وخلى سبيله (مصنف عبد الرازق، ج 10، ص 193)؛ كما يؤثر عن ابن مسعود قوله: "ما مِن ذي سلطان يريد أن يكلفني كلاماً يدرأ عنِّى سوطاً أو سوطين إلا كنت متكلماً به" (السَّيِّد سابق، ص 403)؛ وكره مالك أن يقول السُّلطان للمتهم: "أخبرني ولك الأمان"، لأنه خديعة (شرح الزُّرقاني المالكي على مختصر خليل، ج 8، ص 106 ـ 107)؛ ويقرِّر الفقهاء أن صاحب السُّلطان، حتى لو لم يحبس المُقر فعلاً، ولكنه لم يُخل سبيله، وقال له وهو في يده: "إنِّي لا أؤاخذك بإقرارك، ولا أضربك، ولا أحبسك، ولا أعرض لك، فإن شئت تقر، وإن شئت فلا تقر"، فأقرَّ، لم يجُز هذا الإقرار، لأن كينونته في يده حبس منه؛ وإنما كان هدَّده بالحبس، فما دام حابساً له كان أثر ذلك الإكراه باقياً، وقوله "لا أحبسك" نوع غرور، وخداع منه، فلا ينعدم به أثر ذلك الإكراه (السَّرخسي، ص 51 و70 ـ 71).
وعموماً، لو تلفظ الأسير بكلمة الكفر، ثم ادعى أنه كان مكرهاً، فالقول قوله لأن الأسر دليـل الإكراه والتقيَّة (الحافظ أبى الفرج عبد الرحمن بن رجب الحـنبلي؛ القـواعـد في الفقه الإسلامي، ط 1، 1391 هـ، ص 349)؛ ومجرَّد إثبات واقعة الحبس كافٍ كقرينة في الشَّريعة على وقوع الإكراه (إبن قدامة، ص 273).  


(4)
هذه هي وضعيَّة "التعذيب" في منظور الإسلام. ومنها نخلص إلى أن "الاعتراف" في الشَّريعة، مثلما في القانون الوضعي بجامع "الفطرة السَّليمة"، عمل تحتوشه الشُّبهات من كلِّ حدب وصوب، إلى الحدِّ الذي يمكن فيه اعتبار عِلة "قبوله" هي نفسها عِلة "استبعاده"، حيث أن القاعدة الشَّرعيَّة القائلة بأن "العاقل لا يُتَّهم بقصد الإضرار بنفسه" (بدائع الصنائع) تكاد تطابق، معنى ومبنى، الحكمـة الشَّعـبيَّة القديمـة في الثقافـة الغـربيَّة: "nemo auditore perire volens ــ لا أحد يرغب فى أن يُهلك نفسه بنفسه".
وإذن، فقاعدة قبول "الاعتراف" في القرآن والسُّنة، مؤسَّسة، بوضوح، على ضرورة التحـقـق مـن توفـُّـر عنـصــر "الاخـتـيـار"، إذ أن "الإكـراه" مسـقط للإثم عـند الله تعالى، ومسقط للعقوبة في الدنيا، لأنه مسقط، أصلاً، لـ "الاختيار" في الإنسان (رواس قلعة جي). أمَّا المستوى المطلوب لإثبات "الإكراه" في الشَّريعة فهو ذات المستوى المطلوب في القانون الوضعي: ما يكفى لمجرَّد إثارة الشَّك في ذهن القاضي. ويتبقى الفرق المائز بين النظامين، في هذه الناحية، قائماً في كون الشَّريعة تفترض الالتزام العقدي في عمل المُحقق المسلم والقاضي المسلم، بما يجعل من الإخلال بأشراط هذا العمل إخلالاً بأشراط في صميم العقيدة نفسها.

(5)
لقد جاء النظام السُّوداني شيئاً إدَّاً مرَّتين: مرَّة حين دفع إلى اجتماعات "لجنة خبراء مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان" بتقرير ينكر ممارسات "التعذيب"، البتَّة، ضمن سياسته المعتمدة في انتزاع الاعترافات من المتَّهمين، ومرَّة أخرى حين اضطر، في ما يبدو، للتسليم بوقوع تلك الانتهاكات، لكنه راح يلمِّح بإسنادها إلى "الدِّين" .. ولا مزيد!   
***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.