الاثنين

ليت القوى السياسية التي اجتمعت في جوبا تكمل جميلها بأن تتفق على حملة انتخابية موحَّدة باسم الشعب السوداني اللاشمولي كله، وأن تبدأ، أول ما تبدأ، بأن تتوحد، رغم تباعد رؤاها وبرامجها السياسية، حول مرشح رئاسي واحد، ويا حبذا لو كانت امرأة، علماً بأنه إذا لم يتنازل هذا الحزب أو ذاك من أجل المرشح الواحد، فسيفوز، لا محالة، مرشح الحزب الحاكم!

حركة (حق) اقترحت ترشيح الفريق سلفا كير. وكنت، حتى وقت قريب، أرى أن يكون المرشح، بالفعل، من الحركة الشعبية، طمأنة لها بشأن تنفيذ اتفاقية السلام، بما يدرأ عن الأحزاب كافة حكاية (نقض العهود)! لكنني، بعد مؤتمر جوبا، أرى أن الحركة ما عادت تحتاج لمثل هذه الطمأنة. أما مرشحها، إن قبلت بمقترح (حق)، فحظه في الشمال، مع احتراماتنا له، لن يكون، بأيَّة حال، مثل حظ الراحل قرنق الذي بكته الجدات الشماليات قبل شباب الجنوب. فالحركة لم تعمل ما يكفي لإقناع هذا الجزء من الوطن بمرشح منها تنعقد له الغلبة. ورغم أن رئيسها ظل يقاتل لأجل استحقاقات اتفاقية السلام، إلا أن الوقت لم يسعفه ليسهم بفاعلية في حل أزمة دارفور، أو ليرى بنفسه كيف تدهور مشروع الجزيرة حتى أصبح الري الانسيابي في خبر كان، وحتى انتصبت في ترع الجزيرة وقنواتها، من لدن سنار حتى الحلاوين، الطلمبات التي تستحلب المياه من القنوات الراكدة، كما وأن من رأيه، في ما يبدو، أن خبز الحرية ينبغي أن يتقدم على إدام السودان الجديد، وحين يتوفر مثل هذا الخبز فليغمس كلٌّ في طبق إدامه من الطبخات الجديدة أو القديمة! وكان منصور خالد قد قال قبل سنوات، ضمن كتابة نابهة في (الرأي العام) تحت عنوان (حساب الربح والخسارة تحت الضوء)، إنه "بالإضافة إلى أهمية أن تسعى حكومة الوحدة الوطنية للحل العاجل لمشكلة دارفور لا بد في ذات الوقت  من أن نأخذ موضوع تحقيق الوحدة الوطنية مأخذ جد؛ ذلك عهد ألزمتنا به الاتفاقية وحضنا عليه الدستور".

مطلبان مهمان لم يتحقق أيهما. وحكومة الوحدة الوطنية لا تعدو، بشكلها الحالي، أن تكون لحافاً (يقصر) عن الضيف (الطويل) الذي تمتد قدماه حتى تلامسا الأرض! لذا فصوت الحركة ضروري لأجل المزيد من الحوار، إذ لا يكفي طرح الرأي النهائي حول مشاكل السودان في اتفاقية أو مقال. الحوار وحده، وتلك فكرة منصور وأخرين، هو ما يمد شجرة الاتفاقية، كمنجز سوداني ضخم، وإنْ يك ما يزال جذعاً، باليخضور (الكلوروفيل) اللازم لاستمرار نمائها، وازدهار فروعها وأوراقها وبراعمها المستقبلية.

لكن هذا الحوار، الذي وقفنا به طويلاً "عند أبواب السلاطين"، قد آن لنا أن نتجه به، من باب أولى، صوب القوى التي اجتمعت في جوبا، وهي سواد السودان الأعظم، لإقناعها بضرورة التوحد حول مرشح رئاسي ينافس وظهره غير مستقو بقدرات الدولة، أمناً، ومالاً، وإعلاماً، ناهيك عن متنفذين لا يعجزهم تسخير كل الوسائل، مشروعة كانت أم غير مشروعة!

وثمة شيء آخر لا يقل أهمية، هو أن يستعين هذا الحوار، منذ الآن، بقناة فضائية (خاصة) تتيح من الفرص ما لا تتيح، عادة، القنوات (القومية!)، ليس فقط للأحزاب التي اجتمعت في جوبا، بل ولكل أبناء الشعب من المثقفين المحتقنين بالمعلومات، المدججين بالقدرة على التحليل، التواقين لفضح المأساة التي حلت ببلدنا منذ عقدين!

 

الثلاثاء

قبل نحو من ثمانين عاماً رسم معاوية نور صورة محزونة لطفل وأمه يبيعان الشاي في محطة من محطات قطار حلفا. لا اذكر المحطة بالضبط، لكنها بين أبي حمد وشندي. تتبع معاوية ذلك الطفل وأمه التي كانت تحضه، عبثاً، على منافسة الباعة الآخرين المتزاحمين أمام عربات النوم، وصالونات المستعمرين وأشباههم من الأفندية! لم يبع الطفل شيئاً. ولعل أحاسيس مختلفة كانت تتنازعه؛ دهشة الجديد من مظاهر المسافرين، وما يخبئه من خطط للانتصار في ألعاب المساء، وما سيحكيه لأقرانه عن منافسات المحطة، علاوة على رغبته في أن يبر أمه، أو أن يعالج أخته، إلى آخر الصور الممكنة. لكن ما أن تحرك القطار حتى لف المشهد النسيان.

وقبل قرن تقريباً رسم الشيخ الجليل بابكر بدري مشاهد شتى للحياة في أنحاء السودان، غربه ووسطه وشماله، حيث كان يُبتعث في مأموريات لفتح مدارس جديدة، أو لتفتيش مدارس قائمة، وصور الشيخ مؤثرة للغاية.

وبعد سنوات رسم الكاتب الراحل عثمان على نور صوراً مشابهة في قصص قصيرة تحكي واقع حياة العاملين بالمهن الصحية في قرى السودان.

تلك الصور تعكس، ليس بؤس ذلك الواقع البعيد، فحسب، بل وكأن كتابها الملهمين أولئك يعيشون، الآن، بيننا، ويكتبون عن بلاد شاحبة قاحلة ما تزال!

أراجع تلك الصور، هذه الأيام، بينما ذهني مشغول بالتفكير في ثلاثة أنواع من السودانيين:

النوع الأول هو (السوداني الساكن) الذي (لا يكابس) في دروب الحياة: المرأة الوحيدة، المرأة المسنة، الشيخ المسن، المريض المعوز، الطالب الفقير، وذوي المشكلات الاجتماعية كافة. ذلكم هو السوداني الذي (قد) تصل (الرعاية الاجتماعية) إلى (بعض) نماذجه (أحياناً)! وكون هذه (الخدمات) تصل (أحياناً) إلى هذا (البعض) خير شاهد على بطلانها كمؤسسات! فعمل المؤسسة التي تزعم (الرعاية الاجتماعية) ينبغي ألا يكون ضرباً من فرض الكفاية، تقوم به تجاه مستحقين، وتسقطه عن آخرين ربما كانوا أكثر استحقاقاً، وما ذلك إلا لقصور الخيال والتخطيط. إنها مؤسسات (اللكزة) و(اللكزس)! فأما (اللكزة) فلأن مسئوليها يتحركون تجاه الحالات الخاصة بـ (اللكز)، وأما (اللكزس) فأمره معروف!

أما النوع الثاني فهو (السوداني المرئي) الذي (يكابس) في دروب الحياة. هذه الفئة هي التي ظهر فيها (السودانيون الجدد)، الوجهاء بالمال، ومن ثم بالسلطة! وأقول (وجهاء) لأنهم لامعون في البوادي والحضر، إما بسبب التعليم الذي يفرق بين الناس اجتماعياً في بلادنا، وإما لأسباب أخرى! ولا علم لي بالميكانيزمات والوسائل التي تيسر لهؤلاء عمليات التجميع الطفيلي للمال! لكنه تجميع سهل، يبدو العمل المبذول فيه رخواً بلا مشقة، كرحلة إبرة سريعة داخل جبل من الزبدة، مقارنة بعمل ناطحي الصخر من العمال والمزارعين والحرفيين والمهنيين الذين يشقون طوال نهاراتهم، ولا يجنون، أخر الليالي، سوى حزم من الأكاذيب الرطبة! (السودانيون الجدد) هؤلاء (ولا أزعم أنني نحتُّ المصطلح، فهناك السادة الجدد، والروس الجدد .. الخ، وحسبي أنني أنسج على هذا المنوال) يمتلكون خاصية فريدة تجاه المال أشبه بـ (المغناطيسية) التي تمتلكها حشرات (العنتت) تجاه سنابل السمسم، خاصية (الشفط)! وحين يبلغ هذا (الشفط) حدود اللامعقول تبدو الأوراق المالية وكأنها تتجمع، من تلقاء نفسها، لهؤلاء الطفيليين! ولا تزال ترن في الأذن عبارات الدهشة التي يطلقها ملايين المسحوقين: (تصور .. فلان برنة تلفون قبض مائة مليون في ثوان! مسافة ما وصلت الشاحنة! مدة ما وصلت البضاعة! إشترى القطعة وفي قعدتو ديك ربَّحوه  فيها عشرين مليون أبى ما يبيع)!

وأما النوع الأخير فهو (السوداني الخفي)، شبيه (إنسان الثلج) في الأساطير الأوربية! ولعله ينتمي، ما يزال، لـ (النياندرتال)، أو (إنسان الهوبيت)، وهو نوع إنساني ثالث انقرض قبل 12 ألف عام، ولم يُكتشف إلا هذا العام في إحدى جزر أندونيسيا، فسمي بها (إنسان فلوريس)، أو (الهوبيت)، وقد تأكد أنه لا ينتمي لإنساننا (الهومو سابينز). إنه إنسان قصير القامة، لا يزيد طوله عن المتر، صغير المخ، مفلطح الرجل، لكنه يصنع أدواته، ويدفن موتاه! فمن أدراك أنه ليس السوداني الذي لم ينزل، بعد، من الجبل، ولم يخرج، بعد، من الغابة، ولا يعترف بالحكومة الحالية، ويظن أن المرحوم عبود ما زال يحكمه!

هذا السوداني الملتحم بالطبيعة لا يستجيب للتقسيمات المعروفة دولياً تحت وفوق مستوى الفقر، لسبب بسيط، وهو أنه تحت مستوى (الدولة) نفسها! وعندما يأتي اليوم الذي يعتلي فيه سدة الحكم في بلادنا حاكمون منصفون، ذوو خيال، ولا تغرنهم سلطة ولا مال، فسيسعون، بمؤسسات مخصوصة، نحو هذا (السوداني الخفي)، لإظهاره، وتقديم الخدمات له، ردحاً من الزمن، بالمجان، حتى يعترف بأن ثمة (دولة) أصلاً!

 

الأربعاء

لا تتبارى الدول المتقدمة في شيء قدر تباريها في تجويد التعليم. فهي، رغم ارتفاع كلفته، لا تكتفي بإلزاميته، بل تهتم بكل شاردة وواردة في حقله، مثلما تلاحق آباء التلاميذ بكل تفصيلة تخص تحصيل أبنائهم، بل حتى معاشهم وسلوكهم خارج المدرسة. وقد حقق بعضها إنجازات مبهرة على صعيد الانحياز للطفل، كونه اللبنة الأولى في بنية المجتمع، والتي ينبغي بذل قصارى الجهد لجعلها صالحة.

وقد كنا فطنا، في سالف العصر والأوان، إلى شئ من هذا، منذ المحاولات الجريئة الباكرة للشيخ الجليل بابكر بدري، ومن بعده تجربة بخت الرضا التي كانت بمثابة معمل الاختبار لمقدار الجرعات التعليمية، وضرورتها، وملائمتها لبلدنا القارة. لكن تجربة بخت الرضا انقطعت، للأسف، منذ حكومة مايو الشمولية، وقراراتها العشوائية.

مزجت بخت الرضا بين خبرة بريطانيين مستنيرين جاءوا في مركبة المستعمر الجامعة، وبين حكمة رواد سودانيين انطلقوا من حماسة الحركة الوطنية، أيام مؤتمر الخريجين وما سبقه وأرهص به. وبتعبير أدق، كانت جماع (قليل) من الخبرة البريطانية و(كثير) من الإبداع السوداني، رغم القصور الذي شاب أداءها ومخرجاته، مما كان يفترض إخضاعه للمراجعة المستمرة في ما لو كان التطور قد مضى بالاتجاه المنطقي، ولم يلجَم اعتباطاً.

لنأخذ، مثلاً، الكتاب المدرسي البائس، حتى الآن، مضموناً وإخراجاً. فرغم نباهة المعلمين الذين يقومون، في ظروف الشح الكلية، بتقسيم النبقة التي تجود بها شجرة السدر التعليمية على المدارس والتلاميذ، إلا أن كتاباً واحداً يملأ العين، بالمعايير العالمية، لم ينجَز حتى الآن. فلماذا هذا التذبذب في مستواه في المقررات جميعها؟! وهل ترى نقنع بتعليق الاخفاق البائن هنا على الشماعات التقليدية؟!

لقد كنت أعتقد، إلى عهد قريب، أن كتاب بخت الرضا هو غاية ما يمكن أن نتمناه لتلاميذنا. لكنني حين راجعت الأمر مليا هالني أن توصيف السودان، أوان ازدهار تلك المؤسسة، لم يتجاوز كونه الدولة العربية الإسلامية! وبالتالي فإن كل ما جادت به بخت الرضا من كتب بديعة الفكرة، ككتاب (سبل كسب العيش في السودان) الذي  يتنقل بالتلميذ من الجفيل إلى ريرة، ومن القولد لود سلفاب، يغفل مكونات هامة في الثقافة السودانية! إن نواقص ذلك الكتاب عديدة، رغم فضله الباكر في ملامسة فكرة (التنوع).

وللدكتور عبد الله الطيب، في مجال (المطالعة)، كتاب في غاية الإمتاع والتشويق، هو (سمير التلميذ) المزين بالرسومات التوضيحية لرفيقة دربه الرسامة جرزيلدا الطيب، وقد حشد فيه أجواء المادة التي يتقنها جيدأ، وأعني الثقافة العربية القديمة، مستفيدا من أخيلة ألف ليلة وليلة، وقصص السندباد: "رَكبنا مَركباً للهند من مينائنا البَصْرَة/ ثلاثون جريئون فتيون أولو قدرة"! وكذلك قصة عمرو بن معديكرب: "وقالَ الجّنُّ ربرابو ترب رابو/ ومعناها بلغة الجّن هذا الشيخ كذابُ"! هذا الكتاب ألغي منذ فترة طويلة لأسباب مجهولة ليس من بينها مراعاة (التنوع)!

ولا يمكننا، والحديث عن (المطالعة)، إغفال كتاب مثل (العربية المحبوبة) الذي حاول من خلاله أفذاذ بخت الرضا حفز التلاميذ على حب تعلم العربية بإبراز تقطيعات موسيقاها الشعرية: "قامَ .. سافرَ .. تاهَ/ قامَ .. تقدَّمَ .. وقعَ/ عطشَ .. عطشَ .. شربَ/ قامَ .. تقدَّم .. وصلَ"!

الفكرات النيرات كثيرات في تلك الكتب، لكن تجربة بخت الرضا وغيرها أغفلت وصف السودان ووصف العالم من حولنا. كان يجب أن يجمع الكتاب المدرسي ألوان الطيف السوداني كله، وحكمة مجموعاته السكانية المختلفة. ولهذا فوضع كتاب مدرسي في اللغة العربية، مثلاً، ينبغي ألا يُترك لشعبة اللغة العربية وحدها. كما يجب ألا نقصر (الأحاجي) على جزء من شريط النيل ثم نصفها بالسودانية! فكتاب (المطالعة) يجب أن يكون جامعاً للحكايات عن شعوب السودان، أولاً، ثم أفضل ما في التراث العالمي. أما الجزء الأكبر الآخر من التأليف فيجب أن تقوم به الجهات التشكيلية التربوية. ويحضرني هنا مثال المطالعة باللغة الإنجليزية لتلاميذ الصف الرابع بالمدارس الأمريكية. فكتاب مثل كتاب سكوت فوريسمان يتكون من عدة أجزاء، أما كتاب التلميذ الأمريكي الأساسي فعدد صفحاته يتجاوز الستمائة، وهو حافل بالرسومات الإيضاحية الملونة، وبه مادة مشبعة لأطفال الطيف الأمريكي جميعهم، سواء كانوا بيضاً أو من أصول أفريقية، أو آسيوية، أو لاتينية. والكتاب، إلى ذلك، بلا هنات، على مستوى اللغة، وطباعته مجودة، وغلافه سميك، ومصمم لتحمل الانتقال من تلميذ لآخر لمدة عقد كامل، فهل لنا أن نقارن ذلك بكتابنا المدرسي الذي يصل مهترئأً إلى يد التلميذ؟!

يلزمنا، لمعالجة هذا الخلل، أن ننظر في تجربة مدارس الجاليات، والمدارس الأجنبية، في السودان، بل وتجارب البلدان الأخرى. ولا بد من انتخاب خيرة المعلمين للعكوف على هذا الأمر، وعلى التأليف، مع الانتباه لأهمية النأي بتجربتنا عن التلقين. فتأليف الكتب المدرسية ليس بالأمر الهين، بل لعله من اشق ضروب التأليف. وكان عبد الله الطيب يدعو لمشاركة أهل العلوم المختلفة مع علماء اللغة في مجالات الترجمة، بحيث يُعنى أهل العلم المحدد بتدقيق المعلومات، ويعنى أهل اللغة بتدقيق المفردات.

ليس القصد من تأليف الكتاب المدرسي حشو عقول التلاميذ بالمعلومات، بل تعليمهم المشاركة في العملية التعليمية نفسها، والتفاعل مع المادة المقدمة، كي يبدعوا، ويصلوا إلى رأس الرمح في علوم العصر ومعارفه المختلفة، ويقفوا على آخر منجزاتها، ويصقلوا مهاراتهم، تمهيداً للانتقال إلى الابتكار. وبما أن كل شيء في بلادنا ينبغي أن يتصل بالديمقراطية، وهذه ليست فرضية نعتسفها اعتسافاً، فإن الكتاب المدرسي ينبغي ألا يُفرض فرضاً بيروقراطياً على عقول التلاميذ من قبل شعبة واحدة، بالغاً ما بلغ اختصاصها أو تخصصها. الكتاب المدرسي سيرورة من القرارات والأفكار المدروسة بعناية، فينبغي معاملته على هذا الأساس. ويا حبذا لو عهَدنا بهذه المهمة، ضمن عملية تحول ديموقراطي جاد، إلى مؤسسة بحثية تنسق جهود الأطراف كافة لتحقيق كتاب مدرسي سوداني يفرح به التلاميذ قبل أن  يتعلموا منه. فهو أولى اللبنات لتصحيح مسار التعليم الذي تنكب الطريق كثيراً، في بلادنا، بفعل الأيدولوجيا، لا العلم، وبفعل قصور ذواتنا عن المعرفة ببلدنا وبالعالم وبالعلم نفسه!

 

الخميس

قبل أكثر من عام قام البنك السعودي للتسليف والادخار بالإعلان، عبر القنوات الفضائية وغيرها، عن (حساب إبراء الذمة)، وهو حساب مبتكر يستقبل من المواطنين والمقيمين الأموال التي حصلوا عليها بدون وجه حق، ويودعها في حساب بنكي خاص يساعد منه الأسر الفقيرة! وقد بلغ مجموع الإيداعات ، وفق الأمين العام للحساب، 152 مليون ريال، أنفق منها على 669 أسرة. ورغم أن هذا الحساب قد نمى وازداد منذ ذلك الحين، إلا أنه من المفترض أن يتناقص خلال سنوات من الآن!

(إبراء الذمة) يمثل، في ما يبدو، معكوس (غسيل الأموال)! ويمكن أن يكون خطوة في مشوار طويل باتجاه الشفافية. ويحاول استثمار الحالة الوجدانية في شهر رمضان، بالأخص، فيستثير المشاعر الدينية لدى من أخذوا أموالاً بطرق غير مشروعة، كالاختلاس ومختلف أشكال التحايل التي تدخل في باب السرقات! ويعتبر، على نحو ما، بمثابة الترجمة (المالية) لفكرة (الحقيقة والمصالحة)، فكرة القس ديزموند توتو في جنوب إفريقيا. فإذا كانت (الحقيقة والمصالحة) قد قامت على الاعتراف بالجرائم المرتكبة في كل عهد نظام الفصل العنصري، فإن (إبراء الذمة المالية) يجيء عن فترة محددة.

لا أعرف بلداً آخر، في منطقتنا، طبق هذه الفكرة، بمثل هذه الكيفية التي ابتدرت بها السعودية برنامجها للإصلاح المالي، على غرار ما فعلت في القضائي. لكن المشروع يحتاج لترسانة قوانين تسنده، سواء في السعودية، أو إذا جرى تطبيقه في أي بلد من بلدان المنطقة، بما في ذلك السودان. فالتماسيح الكبيرة لن تتخلى عن أسماكها الذهبية اليومية ولو مر ألف رمضان ورمضان! فهل، يا ترى، ستتدفق الأموال من خزائن هذه التماسيح طوعاً إذا فتحنا، مثلاً، حساباً كهذا الحساب في السودان، حيث (الترقية) مدعاة لـ (التريقة)، و(العلاوات) المشروعة أضحوكة بالمقارنة مع (الرشوة)، وعلى ذلك قس؟! هيهات! لا أعتقد أن ذلك يمكن أن يحدث حتى لو رعى الذئب إلى جانب الحمل!

 

الجمعة

لا أجدني ميالاً لتأييد ترشيح أمثال المرشح الأمريكي نادر للانتخابات الرئاسية السودانية. فهذا المرشح (العنيد) يحظى باحترام غالبية الشعب الأمريكي نسبة للجهود الجبارة التي يبذلها في مجال خدمة المجتمع. فهو وراء جمعيات حماية المستهلكين وقضايا البيئة وغيرها، وقد قدم وما زال يقدم نقداً ثاقباً للحزبين الجمهوري والديمقراطي. ومع ذلك فنسبة من يصوتون له في أفضل الحالات لا تتجاوز 4%! كان الأمر كذلك حين فاز بوش على آل غور، وكان كذلك حين فاز بوش على كيري، وظل كذلك حين فاز أوباما مؤخراً!

بالطبع لن يفوت على القارىء الكريم أنني لا أتحدث عن الانتخابات الأمريكية، فهي لا تهمني إلا على نحو عابر، لكن (الحالة النادرية) هذه تنطبق على بعض الشخصيات السودانية التي أرى أنها ترغب، من وراء ترشحها للانتخابات الرئاسية، في التأكيد على مواقف بأكثر من السعي للفوز الذي تعلم قبل غيرها أنها لن تحظى به، بحساب (الغلة) التي يمكن أن تحصل عليها من صناديق الاقتراع، رغم المجهود الكبير الذي تبذله في نشر الوعي السياسي والثقافي بين الناس! الضرورة تقتضي تقديم مرشح يمكن أن يحظى بإجماع الساعين لاسترداد الديمقراطية، لا حول مرشح يهدف للتنوير!

اتجاهات الرأي الكبيرة في السودان لا تعدو أن تكون أربعة أو خمسة. لكن الشعب السوداني، كما الشعب الأمريكي، بل وغالب شعوب الأرض، مستعد لأن يثني على كل أطروحات (نادر)، ويقول بنجاعتها، ويبصم عليها بالعَشَرة، لكنه، ساعة الجَّد، سيصوت لبوش أو كيري! فليتفادى (نادر السوداني)، إذن، عناد (نادر الأمريكي)!

 

السبت

توجد في عمق الجزيرة، حيث القرى متناثرة بلا حصر عدد النجوم في السماء، (دارفور أخرى!) يعيش سكانها الوافدون لمناطق الانتاج هنا في (كنابي). و(الكنابي) جمع كمبو. وهي مساكن لا تحترم كرامة الإنسان حلت مكان الأشجار التي قطعها سكان الجزيرة عن آخرها طلباً للوقود في فترة ما قبل الغاز، وطلباً للمال في فترة انقطاع موارد الزراعة.

(كمبو طويل) هو أحد هذه (الكنابي). وقد خبره أهلي بمنطقتهم وسط الجزيرة. وهو شريط طويل يمر فوق ظهر الترعة، وأنت خارج من قنطرة ود البر إلى ما بعد قرية زنقاحة. شريط طويل من القطاطي تمسك برقاب بعضها البعض. فإذا خرج طفل من قطية أهله، في غفلة منهم، فمصيره الغرق! ولك أن تقارن غرقه بغرق طفل من سكان البيوت الفاخرة في القليل من المدن السودانية، فيبدو الحال، بجامع الغرق هنا مع الفارق طبعاً، كما لو أن حوض السباحة، في مثل تلك القصور، مقام قبالة الغرف مباشرة، لكن بدون سياج، فيخرج الطفل إلى حتفه.

هذه القطاطي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. دعك من الشفخانة أو نقطة الغيار، فهذه شطحة لن يغفرها لي سكان القرى المجاورة لكمبو طويل! لكن لا توجد حتى أماكن لقضاء الحاجة! وكان الإنجليز على أيامهم، عندما كانت قرى الجزيرة كلها عبارة عن قطاطي، ينشئون لكل قرية مرحاضاً جماعياً، لئلا يستعين السكان بالترع مباشرة، فتنتشر البلهارسيا. بل وكانوا يوفدون مفتشاً للصحة يقيم بتلك القرى لتوعية السكان في شئونهم الصحية.

سألت مرافقي، وكنت قد غبت عن الديار لعقد ويزيد، ما اسم هذا المكان؟! فأجابني: كمبو طويل. وهالني أن عدد سكانه يضاهي عدد سكان قرية بكاملها. وثمة شريط آخر أطول، يمتد ما بين قرية تنوب وقرية المريبيعة. وسكان الكمبو من هذا النوع الجديد الذي انتظم كل ترع الجزيرة هم العمال الزراعيون الوافدون، غالباً، من دارفور. ثم صاروا يشاركون المزارعين أصحاب الأرض بالوكالة، فيقومون بالعمليات الزراعية كلها، بصلاً، مثلاً، أو فولاً، ثم يقتسمون معهم المحصول. لكن، بينما قامت (الكنابي الطويلة) على امتداد الترع بالجزيرة، وربما المناقل، نمت مساكن المزارعين، خلال عقود قليلة، من قطاطي القش، لقطاطي القش والطين، فبيوت الجالوص المربعة بدون حيشان، ثم ظهرت الحيشان المسورة بالشوك أولاً، ثم المسورة بالجالوص، ثم الطوب اللبن، إلى أن أخذت البيوت تبنى، مؤخراً، بالطوب الأحمر المحروق، ودخلتها المياه والكهرباء والهواتف. باختصار جرى تحديث مساكن القرى بالتدريج خلال نصف قرن، لكن (كمبو طويل) وإخوانه ظلوا على حالهم منذ إنشائهم.

غير أن هذا التفاوت ليس هو الوحيد هنا. فثمة نوع آخر من (البيوت)، إن جاز التعبير، هش وأسوأ من هذه الكنابي؛ فهل الأسمال البالية التي يقطن تحتها البدو بيوت؟! وهل قطاطي وكرانك القصب وسط الحواشات والجناين بيوت؟! وعموماً، إذا القينا نظرة على كافة الإنشاءات السكنية في السودان، لهالنا هذا التفاوت الهائل بين الذين يملكون المال والخبرة والذين لا يملكون. فالمسألة ليست فقراً فقط، بل فقر ونقصان خبرة ومعرفة أيضاً!

السودان تسكنه قبيلتان فقط، لا عدة قبائل: قبيلة مستقرة ببيوت تلتزم الحد الادنى للكرامة الانسانية، وإن كان معظم أفرادها فقراء، وقبيلة غير مستقرة لا بيوت لها، أو أن بيوتها لا تقيها هجير السودان، وأمطاره، ووحوشه، وأمراضه. هؤلاء الأخيرون هم الذين يجب البدء، عاجلاً، في توطينهم في مساكن تليق بإنسانيتهم، لا الاكتفاء بالتحسر، شعرياً، على بؤسهم! وسينجح الساسة، أيما نجاح، في استقطاب الأغلبيات، إن سعوا لحل مشاكل الذين لا يعرفون كيف يطالبون بتصحيح أوضاعهم البائسة، أي المصابين بالبيات الاجتماعي والسياسي. فالعبرة ليست في الالتفات لمطالب الجماهير فحسب، بل في الالتفات لمن لا حيلة لهم للمطالبة، وانتشال مطالبهم من جوف الطين!  

 

الأحد

ورد في الحديث الشريف الذي رواه الشيخان ما معناه أن هناك من سيأتون يوم القيامة، ممن أخذوا شيئاً بغير حقه، وهم يحملون ما أخذوا على ظهورهم، كان ذلك شاة، أم بعيراً، أم بقرة. فقد استعمل النبي (ص) رجلاً على الصدقة، فلما قدم قال هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبي (ص) فقال: أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول هذا لكم  وهذا هدية أهديت لي، أفلا يجلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقاً؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله بحمله يوم القبامة، فلا أعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة  تبعر .. إلى آخر الحديث.

وفي كتابه (ثورة في السنة النبوية) كتب الشاعر غازي القصيبي، معلقاً على هذا الحديث، يقول: "صوَّر النبي عليه الصلاة والسلام عذاب من يجيء يوم القيامة يحمل بعيراً على ظهره تلقاء رشوة، فماذا سوف يكون حالنا نحن، موظفي اليوم، إذا جاء الواحد منا يوم القيامة يحمل عمارة من عشرين دوراً، أو أسطولاً من السيارات الضخمة الفخمة، والويل كل الويل لمن جاء يوم القيامة يحمل وطناً بأكمله"!

 

***